(كتاب) في نقد المنطق التقليدي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

في نقد المنطق التقليدي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

في نقد المنطق التقليدي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

تصدير

في دراستنا الاخيرة للمنطق والتي وضعناها في كتابنا الجديد ” مبادئ المنطق الموحد” ـ وهو محاولة نعدها للتوفيق بين المنطق التقليدي والمنطق الرياضياتي وتوحيدهما ـ وجدنا ان الناحية اللغوية مسؤولة عن الكثير من السقطات العلمية في المنطق التقليدي . فاللغة هي الوعاء ، والتفكير يستند الى الوعي ، ولايكون الوعي صائبا مالم تكون اللغة غنية غنى كافيا لاستعياب كل فكرة ، ومفهوم ، ومصداق .. وان يكون بنائها بناءا منطقيا . ان المنطق الرياضياتي حيّد الناحية اللغوية باعتماده الرمز بديلا عن المفردة اللغوية ، ولهذا التحييد خطورته بمكان اصبح المنطق منتجا في معظم نواحي الحياة ومنها التطبيقات التكنولوجية والكهربائية والهندسية وغيرها.
ولابد من الاشارة هنا الى ان مصادر المنطق التقليدي وهو المنطق الارسطي كما هو معروف نقل الى العربية من قبل اناس ليسوا عرب ، فكانت ترجمتهم له معتلة وهو نتيجة طبيعية لسطوة اللسان الاعجمي على تفكيرهم وهم يترجمون ارسطو . ومن جهة اخرى ،معروف ان بين اللغة العربية والمنطق مشابهة ومناسبة بحيث لايمكن لاحدهما ان ينفك عن الآخر. ونحن نثبت ملاحظاتنا النقدية للمنطق التقليدي سوف لن نشير الى مصادر الامثلة والمقولات في اثناء عرض تلك الملاحظات ، لسبب بسيط ان الغالبية العظمى لكتب المنطق التقليدي هي نسخ متكررة لكتاب واحد ، ويصل التناص بينها الى حد جملة القاعدة والمثل ، فكلها ترد بالالفاظ ذاتها ، فلاتجد كتابين مختلفين الا في التوسع والاختصار .

(1) كم القضايا ..

يعرف كم القضية او سورها بنفس المعنى بأنه عدد افراد الموضوع وينقسم الى :
كم كلي ، وكم جزئي .
فالكم الكلي يعبر عنه بالفاظ مثل : كل ، جميع ، …
اما الكم الجزئي فيعبر عنه بلفظة بعض لتعني الواحد .
وهذا امر مسلم به بقدر تعلق الامر بالفاظ الكم ؛ وهما الكلي والجزئي نحو ( كل انسان حيوان ) قضية كلية ، و( بعض المعدن ذهب ) قضية جزئية .
ويتداخل كم القضية مع مفهومين آخرين هما : المفهوم الكلي ، والمفهوم الجزئي .
فالمفهوم الكلي له اكثر من مصداق ، اما المفهوم الجزئي فليس له اكثر من مصداق . على ان السورين الكلي والجزئي يحصران افراد موضوع القضية بينما المفهومين الكلي والجزئي مجرد اسمين يدلان على مصاديق او مصداق على الترتيب. والمصداق هو الشئ الموجود خارج ذهن الانسان ، او بنحو مطلق هو الموجود في الخارج .

ان بيان العلاقة بين السورين الكلي والجزئي والمفهومين الكلي والجزئي على غاية من الاهمية لتعلق الامر بسلامة بناء القضايا .
ان السورين الكلي والجزئي يقرنان بالمفهوم الكلي فقط ولايقرنان بالمفهوم الجزئي ، نحو : كل انسان ، وبعض الانسان ، الانسان مفهوم كلي ، ففي الاولى تمت احاطته احاطة كلية وفي الثانية جرى تعيين فرد منه ليس على سبيل التعيين . وليس من الصواب القول : كل زيد ، لأن زيد مفهوما جزئيا ، اذا عنينا زيدا الفرد المتعين تعيينا مفردا في الخارج بعينه دون سواه .
وثمة مفهوما آخر يتوسط المفهومين الكلي والجزئي وهو المفهوم الجزئي الاضافي . وهو ليس على الوضوح التام كما تعرضه مؤلفات المنطق فليس من التبرير العلمي القول ان ” القلم ” مفهوم جزئي تارة ، ومفهوم كلي تارة اخرى ، ففي التارة الاخرى هو جزئي اضافي .
وما دمنا نتكلم عن أفراد الموضوع في القضية ، فأننا ببساط ةيمكن ان ننحي جانبا المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي ونركز اهتمامنا على انتماء الموضوع للمحمول . فالقضية تكون صادقة اذا كان الموضوع ينتمي الى المحمول . بمعنى ان الموضوع عنصرا في المحمول ، وبهذا يكون المحمول المجموعة الكلية (= الشاملة ) بالنسبة للموضوع . مثلا لدينا مجموعة المعادن التالية : الذهب ، الفضة ، الحديد ، الالمنيوم . فهذه عناصر (= افراد) تنتمي الى المحمول الذي هو ” المعدن” والمعدن هو المجموعة الكلية . فنقول : الذهب معدن ، الحديد معدن ، وهكذا . كما يمكن ان يكون الموضوع ” مجموعة جزئية ” من المحمول . بمعنى ان المجموعة الجزئية محتواة في المحمول ، كقولنا ( الذهب والفضة معادن ) . وبطريقة اوضح لو صنفنا المعادن الى : فلزات ولافلزات وسردنا عناصر كل صنف ، فنضع الفلزات في هيئة مجموعة بسرد عناصرها ونقول عنها انها معادن ، بمعنى انها محتواة في المعادن ، وبكلمات اخرى نقول انها مجموعة جزئية من المعادن .
ويظهر الاعتلال المنطقي لـ “كم” القضايا في المنطق التقليدي في تناولهم القضايا السالبة ايضا …

تقسم القضايا باعتبار ” كيف ” القضية الى موجبة و سالبة .
فالموجبة ماكان محمولها يثبت لموضوعها ، وفي السالبة يرتفع هذا الثبوت . وتعرّف القضية السالبة بأنها مسلوبة الحمل وتكتب عادة على النحو ( الانسان ليس بنبات ) او ( كل انسان ليس بنبات ) اذا اردنا اظهار الكم . ونحن نقبل تعريف القضية السالبة على انها ” سلب الحمل ” كما ترد في كتب المنطق التقليدي ، لأنها تتفق مع اللسان العربي تماما ، كما تتفق مع الترميزات اذا اردنا اعتماد الرموز في تصنيف انواع القضايا ، وهوعلى شكل يتفق مع الصيغ الرياضياتية المعتمدة في المنطق الرياضياتي . ونجد ان التعبير عن القضايا السالبة المكممة (المسورة) في الامثلة الواردة في المنطق التقليدي فيه تنكر ونكوص عن تعريف القضية السالبة . فالتعريف المذكور تجده عند عرض حيثيات ونواحي القضية الحملية ، مثلا يعبرون عن القضية الكلية السالبة بوضع اداة السلب امام ” كم القضية ” وليس امام المحمول كما هو في الحملية . ويضربون مثلا شائعا عندهم وهو ( لاشئ من الانسان بنبات) حيث يعتبرون اللفظ ” لاشئ” دالا على القضية السالبة الكلية ، وهذا خطأ فادح للاسباب التالية :

ـ ان شئ تشير الى المفرد وهو ليس بمفهوم كلي حسب سياق المثال .
ـ ان السلب لم يقع على المحمول وهذا يخالف تعريف القضية السالبة .

ان الصيغة الصحيحة للقضية الكلية السالبة يجب ان تكون ( كل انسان ليس بنبات ) فهذه كلية سالبة ، لسلب محمولها عن موضوعها : سلب النبات عن الانسان ، اي انهما متباينان لاعلاقة انتماء او احتواء ، او انتماء بعض دون بعض بينهما .
ولحل هذا المشكل نقول ان سلب القضية يتطلب بالواجب سلب الحمل ، ما يعني وجود اداة النفي امام المحمول وجوبا ، فاذا اردنا تحويل القضية الكلية الموجبة ( كل انسان حي ) الى قضية سالبة فهذا يعني وجود العبارة ( … ليس بحي ) وهذا السلب يتطلب تغيير الكم فتكون القضية ( ليس بعض الانسان ليس حي ) بمعنى لايوجد انسان ولو واحد معدوم الحياة : لاحي . وهي قضية سالبة جزئية بحسب تركيبها :
سالبة لأن وضع اداة السلب ” ليس” كان امام المحمول . وجزئية لأن ” بعض ” لفظ يدل على الكم الجزئي . مع ملاحظة امكانية كتابة القضية السالبة ولاسباب لغوية على النحو ( ليس بعض الانسان بلاحي ) .

ولندع الان الفرق بين ( ليس حي ) التي تشير الى القضية السالبة و( لاحي) التي تشير الى القضية المعدولة المحمول الى مطالعة اخرى في حلقة اخرى من هذه الملاحظات .

لنعد الى القضية ( لاشئ من الانسان بنبات) و التي يعدها شرّاح المنطق التقليدي بأنها وما كانت على شاكلتها كلية سالبة ونسأل عن أصل القضية ، وأصلها يجب ان يكون صادقا وهي ( كل انسان ليس بنبات ) فكيف يكون سلبها ؟ يكون ( بعض الانسان نبات ) وهي كاذبة ، وهذا تناقض . واذا كان الاصل هو ( كل انسان نبات ) فهي كاذبة فسلبها يعيدها الى الصدق لتكون ( بعض الانسان ليس بنبات) . ومن هذه المفارقات يظهر لنا الاعتلال المنطقي لهذا المثال وسواه من الامثلة المماثلة ، والتي :

ـ تنقلب على تعريف القضية السالبة .
ـ تفتعل نسبة بين الموضوع والمحمول ليس لها وجود ، فتسلبها .

ونجد ان قواعد القياس التي ترد في كتب المنطق التقليدي تقوم في معظمها على هذا الاعتلال ، لذا لايمكن تقبلها . وسيأتي في مطالعة أخرى .
ودون الخوض في احكام مسبقة على التجربة لنكتب امثلة حسية لتمهد الى الاحكام والقواعد ذات الصلة بسلب القضايا المكممة ( اي المسورة) :

ـ ( كل انسان حيوان ) كلية موجبة .
ـ ( كل انسان ليس بجماد) كلية سالبة.
ـ ( بعض الغزال حيوان) جزئية موجبة .
ـ ( بعض الغزال ليس بطائر) جزئية سالبة .

لذلك ان الصياغة الصائبة للقضية ( لاشئ من الانسان بنبات ) نكتبها بالصورة ( بعض الانسان ليس بنبات ) فهي ليست إلا ّ جزئية سالبة .
ولكن القضية ( لاشئ من الانسان بنبات ) قضية صادقة فكيف يجري تصنيفها باعتبار الكيف والكم ؟
سنجيب عن هذا السؤال باختصار وكالتالي : ان القضية المذكورة منفية ، ونفي المسورات له ينظم بقاعدتين ليست في متناول شراح المنطق التقليدي ، فالقضية في صيغتها المذكورة هي ” لحظة ” صيرورة لابد ان تؤول الى صيغة مستقرة . فثمة فرق كبير بين سلب القضية المسورة ونفيها .

(2) السلب والعدول وغياب النفي

تقسم القضايا الحملية باعتبار تحصيل طرف او عدوله الى محصلة ومعدولة . وان التحصيل والعدول حالات لكل من الموضوع والمحمول . وعندما يكون طرف ما من القضية ” محصلا ” فهو يدل على شئ موجود ، أما عندما يكون الطرف معدولا ، فمعنى ذلك دخول حرف السلب على وجه يكون جزءا من الطرف المعدول يحيل الى مصاديق اخرى ليس من بينها المعدول . نحو ” لا إنسان بنبات ” قضية معدولة الموضوع ومحصلة المحمول . و( لا إنسان لاحي ) معدولةالطرفين . و ( الانسان لاجماد) محصلة الموضوع ومعدولة المحمول . ويهمنا هنا بعد هذه التوطئة التعريفية للعدول ، هو الفرق بين القضية السالبة والقضية المعدولة المحمول .
عادة تستخدم الاداة ( ليس) في القضايا السالبة ، ويستخدم الحرفين ( لا) و (غير ) في عدول طرف القضية . وكل الادوات المذكورة هي ادوات سلب بحسب المنطق التقليدي . وهذا أمر فيه نظر كما سنرى اذا كان المسلوب اسما وليس فعلا من الافعال . فلوكانت هذه الادوات هي ادوات سلب فما الذي يوجب وجود العدول أصلا ، خاصة عندما تكون القضية الحملية معدولة المحمول ؟ ومالذي يوجب الفرق بينهما ؟ .

ان تصنيف القضايا الى محصلة ومعدولة في تقديرنا هو تصنيف لادوات السلب المذكورة ، وهو تصنيف لغوي محض لايتمخض عنه فرق منطقي ، بحدود مفهوم العدول في المنطق التقليدي وليس بمعنى العدول كما نفهمه باستخدام مبادئ نظرية المجموعات ، ومع ذلك يصر شراح المنطق التقليدي على وجود الفرق بين الاثنين من جهة المعنى ، والمنطق يأخذ بدأ ببناء القضية والمعنى اللغوي وان كان بينا الا أن المعنى المنطقي هو الذي يجب ان ينشغل به المنطقي . ان المعنى المنطقي للقضية صدقها او كذبها ، ويستمد من التحليل الداخلي للقضية ، وهذا التحليل ينصب على العلاقة الداخلية بين طرفي القضية . ومن المعروف ان المقصود بالقضية السالبة هي القضية المسلوبة المحمول نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب) ، اما القضية المعدولة المحمول فتعني حمل السلب على وجه يكون فيه السلب جزء من المحمول . نحو ( بعض الانسان لاكاتب) . ولو دققنا بالفرق بين ( ليس بكاتب) و( لاكاتب) من حيث القيمة المنطقية فلانجد فرقا ، ولكن لو اعدنا التدقيق من حيث تصنيف الانسان باتخاذ مبدأ للتصنيف أساسه ( كاتب ) فنجد ان المحمول بوصفه مجموعة شاملة يحتوي مجموعتين جزئيتين : الكتّاب ، واللاكتّاب . و( ليس كاتب ) تكافئ ( لاكاتب) ، كما في المثال ، إلا ان هذا التكافؤ يسقط في أمثلة اخرى ، نحو ( طلبة هذا الصف غير ناجحين) معدولة المحمول ما يعني ان الطلبة قد جرى تصنيفهم الى ناجحين وغير ناجحين ولكن سلب القضية في المثال لايؤدي الى ( طلبة هذا الصف ناجحون ) فقد يكون غير الناجح مكملا او راسبا . وعلى هذا فأن معدولة المحمول لاتتكافئ مع السالبة وباعتبار السالبة محمولها مسلوب .

ان مفهوم (القضية المعدولة ) يحيلنا الى مفهوم يغيب عن المنطق التقليدي وهو مفهوم ( الاتمام ) والاتمام عملية أحادية تنتج متممها دائما . فمتمم ( اللاحي) هو ( الحي) . ومتمم (الانسان ) هو ( اللا إنسان ) وبالعكس .
والخلاصة ان العدول تصنيف لغوي وليس منطقي ، ولكن يمكن التعبير عنه رياضياتيا كما ذكرنا ، وذلك عبر تحديد او تعيين المفهوم المعدول منجهة مصاديقه .

يساق فرق آخر بين المعدولة المحمول والسالبة وهو وضع ما يسمى بـ ( الرابطة ) في القضية الحملية . ويقصد بالرابطة الضمير (هو) ، وهو أمر طارئ على اللغة العربية قال به من يكتب في اللغة العربية ويفكر بغيرها . نحو ( الحديد معدن ) فتقدير الرابطة فيها كما يرد في المنطق التقليدي ( الحديد ـ هو ـ معدن )، وهذا ليس بالتقدير اللغوي الصائب ولا هو بالتقدير المنطقي الصائب . فمن الناحية اللغوية لايستخدم الضمير هو في مثل هذه الحالات كما هو معروف ، اما من الناحية المنطقية فهذا التقدير يتناقض مع قانون الهوية وهو واحد من قوانين الفكر الثلاثة التي يستند اليها علم المنطق منذ أرسطو . فالقول ( ب هو ب ) تعني هوية الشئ هو الشئ ذاته . ويتضمن هذا التعريف : المساواة في المجموعات ، والتطابق من كل الوجوه . الامر الذي يصطدم مع القول ( الحديد هو معدن ) ، بل القول الصائب يتخذ احد الاشكال التالية : ( الحديد معدن من المعادن ) ، ( الحديد ينتمي الى المعدن ) ، ( الحديد عنصر في المعدن ) .

ويترتب على ما يدّعى أنه رابطة في القضية الحملية ، خطأ آخر وهو أختلاف ( وضع ) الرابطة بالنسبة لاداة السلب في معدولة المحمول والسالبة .فيقولون ان ( المعدولة تجعل الرابطة فيها قبل حرف السلب لتدل على حمل السلب ) نحو ( بعض الانسان هو لا نبات ) ، ( والسالبة تجعل الرابطة فيها بعد حرف السلب لتدل على سلب الحمل ) نحو ( بعض الانسان ليس هو نبات ) . ان الرابطة ” هو” لاموضع لها في المعالجات المنطقية ، فالفرق المساق على هذا النحو ملفق بطريقة غير منتجة وينم عن اعتلال في وعي اللغة .

ان هذا الاعتلال اضطر بعض الكتاب الى القول في مباحث النقض بأن ( الموجبة المعدولة المحمول تُحوّل الى سالبة محصلة المحمول .. لأن مؤداهما واحد.. وان سلب السلب إيجاب ..) ! وقد توصلوا الى هذه النتيجة عندما شرعوا ببرهان قواعد النقض وهذا امر نوافق عليه لاسباب منطقية جرى اختبارها في المنطق الرياضياتي . إذن ما الداعي المنطقي لمبحث العدول اصلا ؟ .
اننا بهذه الملاحظة لانطالب برفع عبارات من قبيل ” لا إنسان ..” و” … لامعدن ” واضرابها من الامثلة التي تضرب في المنطق . ولكن نلفت الانظار الى ان العدول هو امر لغوي محض ، وبذات الوقت أمر يتعلق بتصنيف المجموعات وتكون معالجته عبر عملية الاتمام كما قلنا .
مرة أخرى يثير غياب مبحث النفي والاكتفاء بمبحث السلب في المنطق التقليدي إشكالات عديدة ، تظهر جلية في القضايا المسوّرة ، اي القضية التي تظهر فيها الفاظ الكم ( الكم هو سور القضية ) .

ان نفي القضية المسورة يؤدي الى تغيير السور ويغير كيف القضية ، والعدول هو تعبير لغوي آخر للسلب . هذا ما نعتقده ، وهذا ما اثبتناه في محله .
لذا فأن :
ـ نفي القضية الكلية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئية الموجبة .
ـ نفي القضية الكلية السالبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئية السالبة .

هنا لدينا ثلاثة عمليات : النفي ، السلب ، العدول ، على ان النفي اوالسلب يطالان القضية والعدول يطال اجزاء القضية ، احدهما او كلاهما ( الموضوع والمحمول) ..

ـ نفي القضية الجزئية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية الموجبة .
ـ نفي القضية الجزئية السالبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية السالبة .
ان عملية النفي لاتحول عدول الموضوع الى الحصيل ، وهكذا يمكن الاستمرا في استخراج بقية القضايا المسورة في احوالها الاخرى ..

(3) النسبة

تطرقنا الى مبحث النسبة في مطالعة سابقة ، من منطلق تقديرها اللفظي في المنطق التقليدي بالضمير المستتر (هو ) . وقلنا ان ذلك يتنافى وقانون الهوية (ب هي ب) ، بينما المراد في القضية الحملية ان ( ب هو حـ ) ، ب اسم و حـ اسم آخر او فعل وهما طرفا القضية الموضوع والمحمول ، فلايصح عندئذ القول ان النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية الحملية تعني ( ان هذا هو ذاك) في الايجاب و( ان هذا ليس ذاك ) في السلب .

وفي هذه المطالعة نتناول ( النسبة ) من منطلقات أخرى يعتمدها المنطق التقليدي ، لنخضعها الى النقد والتقريض والتقويم . فلقد وجدنا ان مفهوم النسبة في المنطق التقليدي غير محدد وفيه من الارباك الذي يضيع معه القصد .
ان تعريف النسبة بين طرفي الحملية بأنه (( اتحاد الطرفين )) يلزم عنه تطابق الطرفين ، وهذا ما لادفاع فيه . فكيف يكون التطابق بين الغزال والحيوان ؟ وبأي معنى يكونا متحدين ؟ فاذا كان القصد من اتحادهما اشتراكهما في التقسيم أو في الصفة او في الخاصة فهذا لايعني التطابق ، كما انه لايعني الاتحاد . ذلك ان الاتحاد عملية ينتج عنها ضم عناصر او مجاميع الى بعضها لتكون مجموعة أخرى . فالغزال فرد ينتمي الى جنس الحيوان ، فأين الاتحاد هنا . ولكن لو صنفنا الحيوان الى : بيوض وولود ، فهذان عنصران يسفر عن اتحادهما مجموعة الحيوان الشاملة لكلا الصنفين . والامر كذلك اذا ما اعتبرنا الصنفين هما مجموعتين جزئيتين وان اتحادهما يشكل مجموعة اشمل هي مجموعة الحيوان . ونخلص الى ان تعريف النسبة بين الموضوع والمحمول على انه اتحاد لهما يتضمن تصييرهما طرفا واحدا وبالتالي فأن النسبة تنتفي بينهما .وثمة بديل يلغي هذا الاعتلال سنوضحه في هذه المطالعة .

يرد مبحث النسبة في المنطق ضمن مباحث المفاهيم الكلية على اعتبار (( أن النسبة تكون بين مفهومين كليين )) . ولقد علمنا ان المفهوم الكلي ما كان يصدق على كثيرين ، وليس كذلك الجزئي فهو لايصدق على كثيرين بل يصدق على فرد لا اكثر . فلو دققنا الصلة بين تعريف المفهوم الكلي ووضع النسبة بين مفهومين كليين من ناحية ، وبين وضع النسبة بين مفهومين كليين و القضية الجزئية المقيدة بتعريف السور الجزئي والمفهوم الجزئي لظهرت تناقضات كثيرة . منها ان وضع النسبة المذكور يعني ارتفاع النسبة بين المفهوم الجزئي والمفهوم الكلي اذا وضعا بصفة طرفين في قضية حملية ، نحو ( زيد إنسان) فأن زيدا مفهوما جزئيا وانسان مفهوما كليا ومع ذلك فالنسبة قائمة بين زيد والانسان .
ثم ان النسبة في القضية الحملية الموجبة والصادقة تفصح عن (( ثبوت شئ لشئ )) كثبوت ( الانسان) لـ (زيد) ، بمعنى ان زيد الفرد الجزئي ينتمي الى المجموعة الكلية (= الشاملة ) التي هي الانسان .

يحدد المنطق التقليدي ثلاثة نسب تتفق ومقولة (( ثبوت شئ لشئ)) ضمن مباحث الكلي وهي :
1ـ نسبة المساواة :
نحو المساواة بين ( الانسان ) و(البشر) ، والمساواة بين ( الانسان) و(الناطق) . حيث ان المفهومين المتساويين لهما ذات المصاديق ، وان افرادهما غير مختلفي العدد ، نحو ( الانسان ناطق) فعدد الانسان يساوي عدد ما هو ناطق . وبكلمات اخرى ان ( الانسان ناطق) و( الناطق انسان) .

2ـ نسبة العموم والخصوص مطلقا :
فبالمقارنة بين مفهومي ( العراق ) و(البلدان العربية ) ، العراق ( اخص مطلقا ) نسبة الى البلدان العربية التي هي ( اعم مطلقا ) ، لذلك ان النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية ( العراق بلد عربي) هي نسبة العموم والخصوص مطلقا بحسب مصطلحات المنطق التقليدي .

ان مصطلحي ( الاخص مطلقا ) و( الاعم مطلقا ) يمكن معالجة ما فيهما من نحت غريب ونأيهما عن اللفظ الصائب والدلالة المباشرة ، بإبدالهما بالاصطلاح على الحالين فيهما ، وهما نسبة الموضوع الى المحمول ، ونسبة المحمول الى الموضوع .
ففي الاولى اذا كان الموضوع فردا من افراد المحمول فالنسبة هي ( علاقة الانتماء) او الوجود بنفس المعنى فالانسان موجود (= ينتمي) في الممجموعة الشاملة التي هي مثلا ” حي ” فعند القول ( الانسان كائن حي) نسبنا الانسان بصفته احد الكائنات الى الكائنات الحية . بمعنى ان الانسان ينتمي الى الكائنات الحية . هذا اذا واذا فقط وضعنا الانسان عنصرا في مجموعة اشمل هي الكائنات الحية التي تضم النبات والحيوانات الاليفة والحيوانات البرية والحيوانات المجهرية وكل الحيوانات التي تتنفس وتنمو وتتغذى وتتكاثر . واما اذا كان الموضوع هو مجموعة تضم عناصر معينة تعيينا جيدا وهي جزء من مجموعة اشمل فنسبة الموضوع الى المحمول هي ( علاقة المجموعة الجزئية ) فنقول مثلا ( مجموعة الزواحف مجموعة جزئية من الكائنات الحية) .
اما في الثانية فأن العلاقة تكون ( علاقة الاحتواء) وهي تفصح عن نسبة المحمول الى الموضوع فهذه النسبة في القضية ( الانسان حيوان) تعني ان الحيوان يحتوي الانسان ، بمعنى ان الحيوان مجموعة شاملة تضم في عضويتها الانسان ، ولايمتنع بالضرورة ان تحتوي كائنات أخرى .

ان مفهوم المجموعة يقدم معالجات وحلول لكثير من الاعتلال المنطقي في المنطق التقليدي . وأن المجموعة بمفهومها العام تضم أفرادا او عناصر لها خاصة او صفة مميزة تشترك بها كل العناصر ،الا انها مختلفة في ناحية او في وجه من الوجوه ، كمجموعة الزهور { القرنفل ، الجوري ، الياسمين ، …} فكل زهرة من هذه الزهور عنصر في المجموعة وان وجود الزهرة المعينة فيها يبرره اختلافها مع الزهور الاخرى : ( القرنفل زهرة) ، ( الياسمين زهرة ) ، …

3 ـ نسبة العموم والخصوص من وجه :
وهي نسبة بين المفهومين اللذين يشتركان في عدد معين من المصاديق ، ويفترقان في مصاديق أخرى …ان النسبتين المتقدمتين ” المساواة والعموم والخصوص مطلقا” تشترك في خاصة واحدة وهي ان كل افراد الموضوع موجودة في المحمول . وفي هذه النسبة الامر مختلف فثمة افراد للموضوع موجودة في المحمول ، واخرى غير موجودة فيه . كالنسبة بين الطير والابيض .. الطير مفهوم كلي يضم في مجموعته ” كل الطيور” ، و” الابيض” مفهوم كلي ” يضم في مجموعته “كل الاشياء ذات اللون الابيض ” . ووجدنا في هذه النسبة يجب ان يكون الموضوع مسورا بالسور الجزئي فلايصح القول ( الطائر اسود) لأن ذلك يدخل في علم السامع ان كل الطيور سوداء وهي ليست كذلك سوى الغراب فهوطائر اسود ، وربما غيره ، وثمة طيور بيضاء ، ومتعددة الالوان ، وترابية اللون ، وغيرها .هذا اذا كان القائل لم يعين طائر بعينه .

إذن ان هذه النسبة تصح بين مفهومين خارج ارتباطهما في القضية الحملية وليس فيها ، بمعنى انها ليست نسبة بين موضوع ومحمول ، لأن هذين طرفان لقضية ، والنسبة المذكورة هي نسبة مدعاة بين مفهومين قبل ادراجهما في قضية ، فاذن لاتدخل هذه النسبة في القضايا وانما منحصرة بين المفاهيم الكلية .ونضيف ان هذه النسبة لاتصح في القضية الحملية المجردة من السور وينبغي ان تكون في الجزئية الموجبة ، نحو ( بعض الطير أسود) اشارة الى الغراب . ( بعض الزهور ابيض) اشارة الى زهرة بيضاء كالقرنفل . ولقد تولينا معالجة منطقية لهذه النسبة باستخدام مفهوم المجموعة ودالة الانتماء . وخلاصتها : نحدد اولا العناصر غير المشتركة بين الموضوع والمحمول ، مثل ( الاحمر ) و( الزهرة) ولو على مستوى التصور ونحصر ، من ثم ، العناصر المشتركة فتكون لدينا نسبة واضحة هي ( نسبة التقاطع) ، على ان هذا المصطلح ليس نهائيا وانما يصف الجانب الحسي للنسبة في هذه الحالة . ان مجموعة التقاطع بين الموضوع ( الزهرة) والمحمول ( الاحمر) هي المجموعة التي تضم كل العناصر المشتركة بينهما فتكون : مجموعة الزهور الحمراء .( بعض الورد الجوري أحمر).

ولابد من ملاحظة اخيرة :
اللافت ان شراح المنطق التقليدي في الوقت الذي يفتعلون فيه وجود النسبة المقدرة ( هو ) في القضية الحملية ويقدرونها تقديرا فيظهرونها كما في ( الانسان حيوان ) فيقولون ( الانسان هو حيوان) ولكنهم يتغاضون عن ادوات صريحة في القضايا المركبة مثل ” أو” ، ” و” وغيرهما ، ولايتوقفون عند وظيفتها المنطقية وهي وظيفة اساسية دون شك . فهم يغضون طرف البحث عن خطورة الاداة الشرطية ” اذا .. فأن ” فينحوها عن التحليل والاعتبار المنطقيين .نحو ( إذا أشرقت الشمس فأن النهار موجود) فيعتقدون بأزائها ان النسبة هي التصاحب مثلا ويمنحون مثل هذه القضية اسما هو ( شرطية متصلة ) . أي بطريقتهم هذه ” يجلون ” ما يعتقدون أنهم باطن ، وينحون ظاهرا بيّنا فيغطسون به الى النسيان .

(4) القضية الشرطية وتقسيماتها

تُقسّم القضايا في المنطق التقليدي ابتداءا الى : حملية وشرطية ، وسنتناول في هذه المطالعة القضية الشرطية في المنطق المذكور ..
فالشرطية ( تتألف من طرفين هما قضيتان بالاصل ) والقضيتان كل منهما مركب تام كما هو معروف . ويضربون أمثلة في الشرطية ،منها :
( اذا اشرقت الشمس فالنهار موجود ) ، ( اللفظ اما أن يكون مفردا او مركبا ) .
فالقضية الاولى في الاصل قضيتان : ( اشرقت الشمس ) و ( النهار موجود ) . والقضية الثانية في الاصل قضيتان : ( هذا اللفظ مفرد ) و( هذا اللفظ مركب) .
ولكن لنلاحظ فرقا جوهريا بين القضيتين : فالاولى وردت فيها الاداة ( اذا .. فأن ) والثانية وردت فيها الاداة ( أما .. أو ) . ان هذا الفرق لم يخضعه المنطق التقليدي للدرس ولم يعده اساسا لتقسيم القضايا ، وراح ينقب عن ما يسميه ( النسبة ) بين طرفي الشرطية ، وهي نسبة مؤوّلة ومقدرة ، اصطلح عليها بـ ( نسبة الاحوال والازمان ) ، ويظهر ذلك جليا في تعريف الشرطية ، فيعرفونها بأنها ( ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وأخرى أو لاوجودها ) ، والنسبة المدعاة كما ترى ليست مما يمكن تحديده بدقة بمكان يسمح باستخراج قواعد عامة ، فكيف يتم تأليف الشرطية اذا لم يكن بين طرفيها نسبة ؟ .
وحتى الان لدينا نسبتان بحسب المنطق التقليدي ، هما :
ـ النسبة او الرابطة ( هو ) ، في الحملية ، كما تقدم ذكرها في مطالعة سابقة .
ـ ونسبة الاحوال والازمان في الشرطية .
والملاحظ ان مفهوم النسبة في كلا الموضعين ـ كما نراه ـ يعني ثبوت الطرف الثاني من القضية للطرف الاول من القضية . ففي الحملية ثبوت المحمول الانسان للكاتب في القضية (كل كاتب انسان ) ، وفي الشرطية ثبوت الطرف الثاني طلع النهار الى الطرف الاول اشرقت الشمس ، في القضية الشرطية (اذا اشرقت الشمس طلع النهار) .ولكن لايمكن تفادي الفرق بين النسبتين كما هو في المثالين واضرابهما ، ففي الاولى ( هو ) وفي الثانية ( الاحوال والازمان) فالاول ينصرف الى الماهية والهوية والثاني ينصرف الى العلة ! . ولهذا السبب لايمكن عد الاحوال والازمان نسبة .
ومن المثير حقا الحل الذي يقدمه المنطق التقليدي لهذه المعضلة ، معضلة ارتفاع النسبة ( هو ) في القضايا الشرطية فيقولون : لاموجودة ! وان اللاموجود موجود !! . ان التعبير ( لاوجودها ) اشارة الى النسبة ، ينطوي على تلفيق تحصيل النسبة بتصييرها معدولة ، وبأعتبار ان الشئ المعدول موجود لأن السلب جزءا منه وليس سلبا له ، وهذا لايستقيم . والنسبة التي يعنونها ويصطلحوا عليها بـ ( نسبة الاحوال والازمان ) هي الرابطة بين القضيتين المؤلفتين للشرطية ، فكيف اذن تتألف النسبة من ( لاوجودها) ؟ خاصة وان النسبة بينهما ليست الاتحاد كما تقدم الكلام عنها في مطالعة سابقة ، لأن ( لا اتحاد بين القضايا ) بحسب المنطق التقليدي نفسه .
ان ( لاوجود ) النسبة لايعني ( التباين ) لأن التباين يكون بين الموضوع والمحمول ان لم ينتمي الموضوع للمحمول ، وبالتباين تكون القضية كاذبة. ولنصطلح اصطلاح ( القضية البسيطة ) على ما تسمى القضية الحملية في المنطق التقليدي ، ولهذا الاقتراح ما يبرره . والقضية البسيطة هي القضية التي لاتنحل الى قضيتين ومنها القضية الحملية ، والقضية السالبة . ووفقا للاصطلاح تكون القضية الحملية كما نرى ؛ قضية بسيطة موجبة وهي صادقة حسب تعريف الحملية ، والقضية السالبة هي قضية بسيطة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة . ونقول طالما ان النسبة ( لاموجودة ) بين القضيتين البسيطتين في الشرطية فهي ليست شرطية . وعلى هذا يجب البحث عن اساس آخر نستطيع معه تمييز الشرطية عن غيرها ، سواء كانت سالبة أم موجبة ، صادقة أم كاذبة .

لنواصل مناقشة ما يعرضه المنطق التقليدي لما يصطلحون عليه بالقضية الشرطية ..
تقسم الشرطية بدورها الى : متصلة ومنفصلة ، وهذا التقسيم يتخذ من ( نسبة الاحوال والازمان ) أساسا له ..

ـ المتصلة :
تكون فيها النسبة بين القضيتين البسيطتين هي ( تعليق احداهما على الاخرى ) ومثالها ( اذا أشرقت الشمس فأن النهار موجود) . و( ليس اذا كان الانسان نماما كان أمينا ) . في الاولى حسب التعريف النسبة موجودة وهي ( التعليق )، اما في الثانية فيعدونها غير موجودة ( لاموجودة ) بسبب دخول اداة النفي عليها ( ليس) . وهذا ينطوي على خلل واضح لجهة تصور النسبة ، ففي القضية الثانية النسبة موجودة ، وهي هنا بمعنى الرابطة ، وإلا فسينفرط عقد القضية الشرطية وينحلل تأليفها الى القضيتين البسيطتين المؤلفتين لها . ولكن ان دخول اداة النفي ( ليس ) على الشرطية يغير في بنية القضية الشرطية ، وهذا التغير سيحولها الى قضية من نوع آخر . وسيأتي الكلام في ذلك .

ـ المنفصلة :
تكون فيها النسبة بين القضيتين البسيطتين ( الانفصال والعناد) . ومثالها ( اللفظ اما أن يكون مفردا أو مركبا ) و( ليس الانسان اما ان يكون كاتبا أو شاعرا) . وملاحظاتنا هنا هي ذاتها التي اثبتناها في مناقشة المتصلة . وسنناقش هذا القسم وتعريفه من ناحية مدى صحة اعتباره ( قضية شرطية) ؛فنقول : أن هذا القسم لايعد قضية شرطية بأي حال من الاحوال ، لارتفاع اداة الشرط فيها وهي ( اذا .. فأن ) او احدى الصيغ المكافئة لها منطقيا ولغويا . كما أن الاداة الموجودة في امثلة هذا القسم هي ( أما .. أو ..) وشتان بين الاداتين ، من حيث معناهما ، وفواعلهما المنطقية . أضف الى ذلك ان القضية الشرطية التي تحتوي اداة الشرط ( اذا .. فأن ..) يتميز فيها الطرفان تبعا لوضعهما في القضية : فالاول يسمى ( مقدم ) والثاني ( تالي) . ولايمكن إبدال المقدم بالتالي ، كما لايجوز العكس في الشرطية ، وهذا ما غفله المنطق التقليدي.

وفي الحقيقة ان البنية المنطقية للشرطية هي ( اذا كانت ب متحققة فأن حـ متحققة ) ، فالمقدم ” ب ” شرط للتالي ” حـ” ، وان كلا من ب و حـ قضيتان . ولكن البنية المنطقية للمنفصلة مختلفة..
ولنبين ذلك ببيان ما نراه بشأن القضيتين المنفصلة والمفصلة وكيف هي رؤية المنطق التقليدي لهما ، فاننا نقول :
بأن الصورة ( اما ب او حـ ) هي صورة القضايا المنفصلة . وتفيد تحقق او صدق احد القضيتين ويمتنع صدقهما او كذبهما معا ، وبغض النظر عن مضمون القضيتين .
وان الصورة ( ب او حـ ) هي صورة القضايا المفصّلة ، وتفيد التخيير ، ولايمتنع تحقق او صدق القضيتين معا .
ان تمييزنا للقضيتين المنفصلة والمفصلة كان باعتبار الاداة التي تربط طرفي كل منهما ، وليس باعتبار مضمون الاطراف في كل منهما .
اما في المنطق التقليدي فلا يميزون بين الاداتين المذكورتين ، ويطلقون على الصورتين لفظ الشرطية ثم يفصلونها الى اثنين ( او ـ العنادية ) لتعاند تحقق الطرفين معا ، و ( او ـ الاتفاقية ) لاتفاق تحقق او صدق طرفيها معا او عدم تحققهما او كذبهما معا . فهنا لانجد ما يبميز الشرطية عن سواها ، لأن صنفي الشرطية ، المتصلة والمنفصلة مختلفتا الاداة ، وهذا ليس بالتصنيف الصحيح . وان جميع التسميات التي يطلقها المنطق التقليدي على الشرطية وصنفيها ، مأخوذة من امثلة القضايا وليس من صور القضايا . ان صور القضايا هي بناءات مختلفة تتمثل بقضايا مختلفة باختلاف بنائاتها . فالذي يقصد الانفصال عليه ان يقول ( اما نجحت هند او هالة ) فوجود الاداة ( اما .. او ) يعني صدق احدى القضين : هند نجحت ، هالة نجحت ، وليس كلاهما . والذي يريد الاتفاق ـ التفصيل او التخيير بتعبيرنا ـ عليه ان يقول ( نجحت هند او هالة ) فلايمنع نجاح احداهما او كلتيهما . فالمثال الاول يختلف عن الثاني لاختلاف بنائهما والصورتين التي تحتويهما . لذلك نقول ان بناء القضية (العدد 4 زوج أو فرد) بناءا خاطئا ، بينما بنائها الصائب هو( اما العدد 4 زوج أو فرد ) . وفي كل هذه الاحوال ، اين الشرط هنا ؟ وما هو الاعتبار الذي يصنفها بأنها قضايا شرطية ؟
ان القضية الشرطية كما نرى هي القضية التي لها الصورة ( اذا كان ب فأن حـ ) ، وان اداة الشرط المذكورة لازمة لها .
ومعروف ان المنطق التقليدي يهتم بتقسيمات القضايا الصادقة دون غيرها ولايدخل في مباحثه احتمالات الصدق والكذب لأنه لايتعامل مع ( البنى المنطقية) التي هي كالقوالب المتمايزة والتي يمكن بمحاكاتها تبني القضايا الامثلة . بمعنى ان البنيةالمنطقية هي صيغة عامة ومجردة، اما القضية فهي مثال حسي .

ان مبحث القضية الشرطية من المباحث المرتبكة في المنطق التقليدي ، وفيها من التعقيد ما يبعد التقعيد عن جادة الصواب . فلنتأمل هذا النص المقتبس من احد كتب المنطق التقليدي الاكثر رواجا وشيوعا . يقول النص ( وليس من حق اطراف المنفصلة ان تسمى مقدما وتاليا، لأنها ” غير متميزة بالطبع ” كالمتصلة ، فأن لك ان تجعل أيا شئت منها مقدما وتاليا ، ولايتفاوت المعنى فيها ، ولكن سميت بذلك فعلى ” نحو العطف ” على المتصلة تبعا لها ، كما سميت السالبة باسم الموجبة الحملية او المتصلة او المنفصلة ) انتهى الاقتباس . وملاحظاتنا على النص هي :

1ـ اذا كان ليس من حق اطراف المنفصلة ان تسمى مقدما وتاليا فكيف إذن تسمى القضية المؤلفة منهما قضية شرطية ؟ اليس هذا تناقض وارباك ؟ ان القضية الشرطية تستمد صفتها هذه من إمكان تمييز طرفيها الى مقدم وتالي ، واذا كان الطرفان لايتميزان هكذا فهي ليست شرطية أبدا . وان لم يكونا متميزين بهذا النحو فمن اين اتتها صفتها الشرطية ؟

2ـ ليس من الجائز ان نسمي القضية السالبة بـ ” القضية الحملية السالبة ” عطفا على الموجبة الحملية، ذلك ان السالبة هي سلب الحمل كما جاء في تعريفها، والحملية هي حملية لأنها موجبة وبدون الايجاب ليست بحملية .. فكيف إذن الاحتجاج بالجواز المعطوف على قاعدة معطوفة هي الاخرى ؟ وكأن قائل النص يجوّز استبدال القمر بالشمس لعطف الاول على الثاني بواسطة النور المنبعث من القمر المعطوف على الضياء المرسل من الشمس . إذن ليس من الجائز ان نطلق على السالبة” حملية سالبة ” لأن القول بحمليتها يعني ثبوت المحمول للموضوع والسالبة تسلب هذا الثبوت فتحيلها الى ” ليست حملية” ، لذلك اطلقنا مصطلح القضية البسيطة بدلا من الحملية ، والحملية كما نرى هي الموجبة الصادقة وهي صنف للبسيطة وصنفها الاخر السالبة فقد تكون كاذبة وقد تكون صادقة . وكذلك الامر في المنفصلة ، فما دامت غير متميزة الاطراف الى مقدم وتالي فهذا يعني أن الاصطلاحين غير موافقين لوضع طرفيهما ، وبالتالي فهي ليست شرطية .

3ـ ان تجويز اعتبار اي من طرفي القضية المنفصلة مقدم ، والآخر تالي بحجة عدم تغيير المعنى ، يخرج القضية عن كونها شرطية . لأن عدم تغيير المعنى بسبب تبديل الطرفين : التالي بالمقدم والمقدم بالتالي ، يوّلد اعتلالا منطقيا في القضية ، إن أريد بها الشرطية . ومن المعروف ان كل قضية شرطية ليست إبدالية وهذه قاعدة ، يجب ان تسري على كل قضية شرطية دون استثناء .والابدال خاصة من خواص الادوات والعمليات ، وتعني ان ابدال طرف بآخر لايغير من قيمة القضية . وليس من الصحيح القول ان لكل قاعدة استثناء ، فالقاعدة التي تسقط في مثل واحد فقط لايصح اطلاق اصطلاح قاعدة عليها . ان القاعدة والقانون صيغ عامة لاتقبل الاستثناء .
مثلا القضية الشرطية ( اذا ارتفعت درجة حرارة الحديد تمدد ) لايصح فيها إبدال المقدم بالتالي فالقضية ( اذا تمدد الحديد ارتفعت درجة حرارته ) قضية خاطئة فقد يكون التمدد ناتج عن الطرق .

والخلاصة الاجمالية : إن ما يميز القضية الشرطية عن سواها هي وجود الاداة الشرطية ( اذا كان .. فأن .. ) فهذه الاداة تميز المقدم والتالي ، بترتيبهما فالمقدم طرف أول والتالي طرف ثان. ولا موضع لنسبة الاحوال والازمان في الشرطية ، وهي ليست بالاساس الصائب للتقسيم او لتصنيف الشرطية . وترد أداة الشرط بصيغ مكافئة أخرى نحو ( بما أن .. فأن .. ) ، ( طالما كان ..فأن ..) ، ( كلما .. فأن ..) …
وان ( نفي الشرطية ) يترتب عليه تغير اداة الشرط الى اداة التفصيل (او) ويغير كيف المقدم والتالي ، . واللذان تنتفي منهما هاتين الصفتين (مقدم وتالي) بعد النفي لتحول القضية من شرطية الى مفصلة ، نحو ( اذا جاء زيد نبدأ بالعمل ) وطرفاها : المقدم ( جاء زيد ) وتاليها ( بدأنا بالعمل) . وان نفيها يكون : ليس ( اذا جاء زيد نبدأ بالعمل ) وهذه تؤول منطقيا الى ( لم يأت زيد أو لم نبدأ بالعمل ) ولك ان تقدر الآن فيما اذا كان مجئ زيد والبدأ بالعمل متلازمين اومتنافيين ،وعلى هذا تستخرج قيمة القضية : صادقة او كاذبة . ومثال آخر ( اذا كان العدد 4 زوج فأنه عدد طبيعي ) والنفي يكون ( العدد 4 ليس زوجا أو العدد 4 عددا طبيعيا ) فأن كون العدد 4 زوجا لايتنافى مع كونه عددا طبيعيا ، لذلك لوصدق أحد الطرفين من المنفية فهي صادقة ، وصدقهما معا يجعلها صادقة أيضا ، وليس كذلك التنافي فصدق المتنافيين معا مرتفع .

(5) القضايا المنحرفة

تعد القضية منحرفة بحسب المنطق التقليدي ( اذا انحرفت عن استعمالها الطبيعي ووضعها المنطقي) ، وحددوا مواضع المنحرفات في القضايا الحملية والقضايا الشرطية كما يلي ..

(اولا) انحراف القضية الحملية
ويأتي من ( اقتران سور القضية بالمحمول ) والاستعمال الطبيعي هو ( اقتران السور بالموضوع) ، وهذا لانخالفه ، فالسور قرينة للموضوع . ويضربون مثلا في هذا النوع من الانحراف القضية ( الانسان بعض الحيوان) . ووجه الانحراف أن السور ” بعض ” اقترن بالمحمول ” الحيوان ” والمدعى ان الاستعمال الطبيعي يجب ان يكون ( بعض الحيوان انسان ).
ونسأل هنا : هل ثمة ضرورة ملزمة باعتبار الطرف الاول في الحملية المسورة ” موضوعا” ،والطرف الثاني منها ” محمولا ” ؟ ام ان القرينة في الاصطلاح على الطرفين هو اقتران لفظ السور باحدهما دون الاخر ؟
وجوابا عن هذا التساؤل نقول ؛ نعم ان الامر “المعتاد ” هو أن الطرف الاول موضوعا والثاني محمولا في القضية البسيطة ـ المسماة حملية في المنطق التقليدي ـ . ولكن هذا الترتيب ليس ملزما ، طالما يمكن الاستدلال على الموضوع من قرينة السور. فالقضية ( الانسان بعض الحيوان) تتألف من الموضوع ” الحيوان ” لأنه مقترن بالسور ، وهو هنا سور جزئي ، و” الانسان” محمولا لعدم اقترانه بالسور ، وهذا من حيث وضعها اللغوي . أما من حيث وضعها المنطقي فأن صيغتها المذكورة لاتخرجها من كونها مركبا تاما . بمعنى ان ( الانسان بعض الحيوان) مركبا تاما وهذا كاف لعدها قضية قابلة للحكم صدقا او كذبا ، والقضية في المثال صادقة . وان الترتيب الذي عليه القضية المذكورة ترتيب طبيعي اما وضعها فهو منطقي للاسباب المذكورة .
ان ترتيب طرفي القضية ( الانسان بعض الحيوان ) او ( الكاتب بعض الانسان ) او ( الناطق كل انسان ) مشابه تماما لتقديم الخبر على المبتدأ في اللغة ، فيصح القول ” موضوعها متأخر” و” محمولها متقدم ” ، فالقضيتان في المثال متكافئتان ، بمعنى كلاهما صادق ، وهذا دليل آخر على ان استعمالها طبيعي ، وهو استعمال لغوي كما لايخفى . وان وضعها منطقي للسبب المذكور .
ان القضيتين المتكافئتين لهما ذات القيمة : اما كلاهما صادق او كلاهما كاذب ، بشرط ان يكون لهما الاطراف ذاتها . فليس كل قضيتين صادقتين او كاذبتين متكافئتين .
ولابد ان نستعمل في هذا الموضع مفهوم ” الإبدال ” . ونقصد به تبديل طرفي القضية ، أحدهما في محل الآخر ، دون ان تتغير قيمة القضية ، وليس هذا من شأن العكس المستوي كما سيتضح . فنقول ان القضية البسيطة ـ الحملية ـ ابدالية اذا امكن ابدال طرفيها احدهما في محل الآخر ، وحافظت على صدقها او حافظت على كذبها . وواضح ان القضية الاصل والقضية المبدلة الطرفين متكافئتان . لذلك فأن القضية (الانسان بعض الحيوان ) صادقة بصدق المُبدلة ( بعض الحيوان انسان) وليس باعتبارآخر .
وليست كل القضايا البسيطة ـ الحملية ـ ابدالية ، فأن الخاصة الابدالية قد تتوافر او لاتتوافر في القضية تبعا لكل من : السوروالكيف والنسبة بين الموضوع والمحمول بوصفهما مفهومين كليين .

أ ـ فاذا لم تكن القضية البسيطة ـ الحملية ـ مسورة وان الموضوع جزء من المحمول نحو ( الانسان حيوان) فأن القضية ليست ابدالية لأن ( الحيوان انسان ) كاذبة بينما الاصل صادق ، فيسقط شرط الخاصة الابدالية الذي هو تكافئ القضية الاصل مع القضية ذاتها بعد تبديل الطرفين .

ب ـ واذا كان سور القضية الموجبة جزئي ، والموضوع يساوي المحمول ، او الموضوع جزء من المحمول فالخاصة الابدالية متوافرة فيها .
نحو ( الانسان بعض الناطق ) صادقة ، ( بعض الناطق إنسان) صادقة . ( ابدالية)
و ( الانسان بعض الحيوان ) صادقة ، ( بعض الحيوان إنسان ) صادقة . (ابدالية).

جـ ـ واذا كان السور كلي و كانت النسبة بين الكليين ؛ الموضوع والمحمول التساوي فأن الخاصة الإبدالية متحققة . نحو : ( كل انسان ناطق ) صادقة ، ( الناطق كل الانسان) صادقة .(إبدالية )
أو ( كل ناطق انسان) صداقة ، ( الانسان كل الناطق) صادقة . (إبدالية)

د ـ واذا كان السور كلي والنسبة بين الموضوع والمحمول هي نسبة الجزء الى الكل فلا وجود لخاصة الإبدال . نحو :
( كل انسان حيوان ) صادقة ، ( الحيوان كل الانسان ) كاذبة . ( ليست إبدالية ) .

وهكذا يمكن سرد الحالات السالبة المماثلة من حيث السور والنسبة . وان الاحتكام للذائقة والسليقة اللغوية العربية وفصاحة اللغة والالمام بالبلاغة يغني عن كل هذه التعقيدات .

وننوه هنا اننا لانقول بضرورة تسوير المحمول باظهر لفظ السور ( كل او بعض ) لأن المحمول بطبيعته مسور بالسور الكلي ، والسبب انه يحتوي الموضوع ، ومهما كانت عدد افراد الموضوع فأنه لايكون اكبر من عدد افراد الموضوع ، وهذا يعني ووفق دالة الانتماء ان المحمول المجموعة الشاملة التي يوجد فيها الموضوع .

(ثانيا ) إنحراف القضية الشرطية

ويكون ،بحسب المنطق التقليدي ، عندما ( تخلو الشرطية عن أدوات الاتصال والعناد فتكون بصورة حملية وهي في قوة الشرطية ) . وقبل مباشرة ملاحظة هذا النوع من الانحراف المدعى في الشرطية ،لابد من القول ان المنطق التقليدي لم يعنى بـ ” أدوات الربط ” ، ولم نعرف عن أية ادوات يشير اليها نص التعريف . فأدوات الربط كلها مقدرة بالنسبة بين اطراف الحملية ، وبين اطراف الشرطية ـ الشرطية وفق المنطق التقليدي والذي عالجناه في مطالعة سابقة ـ ومهما يكن فلنواصل عرض ما يقوله المنطق التقليدي بصدد هذا النوع من الانحراف في القضايا . فيضربون الامثلة من القضايا الشرطية المنحرفة ، ونحن نعرضها هنا ونلاحظها :

ـ ( لاتكون الشمس طالعة أو يكون النهار موجودا ) فهي في قوة المتصلة ، واصلها ( كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا ) .
ونقول : في التعبير القائل ” في قوة المتصلة ” يكمن التصويب . ان القضية الاصل عندنا هي قضية شرطية وليست متصلة ، لأن القضية المتصلة تتميز بوجود اداة الاتصال ” و” . بمعنى ان الشرطية لاتقسم الى متصلة ومنفصلة كما دللنا على ذلك في المطالعة السابقة . فالقضية الاصل تتألف من قضيتين باداة الشرط ” كلما كان … كان .. ” وصيغتها العامة ” اذا ب فأن حـ ” ، ولكن صورة المثال المذكور هي ( ليس ب أو حـ ) ، حيث ان الاداة ” أو ” اتفاقية ، فلايمتنع عندها تحقق الطرفين ، وانها تصدق بصدق احد الطرفين في الاقل ، كما تصدق بصدق الطرفين . فأذن القضية التي لها الصيغة ( اذا ب فأن حـ ) تكافئ القضية التي لها الصيغة ( ليس ب أو حـ ) ، والنفي هنا بالاداة ( ليس ) يقع على الطرف الاول ب فقط ، ما يجعل القضية ب سالبة .
وعلى العموم اذا كان طرفا الشرطية ، المقدم والتالي غير متنافيين فهي صادقة ، وبالتالي من الصائب تحويلها بنفي المقدم وابقاء كيف التالي على حاله وربطهما باداةالربط ( او ـ الاتفاقية ) وصورتها ( ب او حـ ) . فليس اذن ثمة انحراف لامن حيث الاستعمال الطبيعي ، ولا من حيث الوضع المنطقي .

ـ ( لايجتمع المال إلا من شح او حرام ) فأنها في قوة المنفصلة والاصل ( اما ان يجتمع المال من شح او من حرام ) .
ونقول : اذا كان المقصود بالانفصال التخيير ، بمعنى جواز اجتماع تحقق الطرفين ” الشح” و” الحرام ” ولا تناف بينهما فهو تقدير صائب في التحليل المنطقي ، اما اذا كان التنافي فهذا ليس بالتقدير الصائب . ان ما يدعى ان المثال قضية منحرفة ، فيه نظر أيضا لأنها من الاستعمال الطبيعي ، وهو دارج في اللغة الفصحى ، وانها قابلة للحكم بصدقها او كذبها . كما ان وجود اداة الاستثناء ليس لها مكان في الوضع المنطقي ، فهو استثناء تبع النفي . فلو قلت ( لايجتمع المال من شح أو حرام ) فسيكون لها مكافئ هو ( لايجمع المال من شح (و) لايجمع المال من حرام) وبالصيغة المعتادة ( لايجمع مال من شح ولايجمع من حرام ) . فأين الانحراف هنا ؟ .
والخلاصة : ان حالات الانحراف المدعاة في المنطق التقليدي ، والمذكورة بعيدة عن الانحراف من حيث الاستعمال اللغوي والوضع المنطقي .

(6) النقض

النقض من المباحث الشائكة في المنطق التقليدي ، وهذا يفسر عزوف الكثير من المؤلفين عن تناوله في مؤلفاتهم . ويلحق مبحث النقض بمبحث العكوس لسبب لانراه وجيها ، وهو أن كلا من العكوس والنقض طريقتان لاستخراج قضية صادقة من قضية صادقة هي الاخرى ، وهو سبب غير كاف لأنهما ليس الطريقتان الوحيدتان التي تستخرج بهما القضايا الصادقة على تقدير صدق قضية أخرى . وثمة سبب آخر يدعونا الى عدم الموافقة على اعتبار النقض ملحقا بالعكوس بنوعيه : العكس المستوي ، وعكس النقيض .. وهو أن العكوس تتضمن تبديل طرفي القضية ليكون موضوع القضية الاصل محمولا في القضية المستخرجة ، وليكون محمول الاصل موضوعا للمستخرجة ، وليس كذلك النقض ، إذ ليس فيه هذا التبديل .
ولانعثر على تعريف محدد لمفهوم ” النقض” في المنطق التقليدي ، ليقول لنا : ما هو ، وماذا يعني ، وما هي اجرائاته ؟ سوى أن الامثلة المُساقة فيه تبين ان الطرف المنقوض معدولا . فبين مصطلح ” النقض” وتطبيقه بصورة الطرف المعدول يحصل التداخل واللاتعيين . حيث ان القضيتين المتناقضتين قضيتان مختلفتان في : الكم والكيف والقيمة . فالكلية الموجبة تتناقض مع الجزئية السالبة ، و الكلية السالبة تتناقض مع الموجبة السالبة . ولاستخراج قضية تناقض القضية الاصل يتم نفي الاصل ، إذ من شأن ” النفي” ان يغير الكيف والكم والقيمة . نحو نفي القضية الكلية الموجبة ( كل ب حـ) هو( ليس ( كل ب حـ) ) وتكافئ ( بعض ب ليس حـ) ، وهكذا . ولكن عندما يتم نقض طرف دون آخر من القضية ، او نقض طرفيها معا ، لاينتج تناقضا مع القضية الاصل اذا ما تم إجراء تغيرات ضرورية ، او ملزمة لبقاء الصدق على تقدير صدق الاصل . فالنقض من الناحية الاجرائية يتم بخطوات معاكسة لخطوات عملية نقض القضية ككل بالنفي .
والمسألة في كل هذا تتمثل فيما يبدو انه مشتركا بين استخراج النقيضة بنفي القضية ، واستخراج المنقوضة الطرف او المنقوضة الطرفين . والمشترك الذي نوهنا عنه هو ان فواعل نقض القضية على كم وكيف القضية وقيمتها ، هي ذاتها فواعل النقض عندما يقع على طرف دون آخر ، او عندما يقع على الطرفين معا بدأ ً. ونعلم ان ” نقيضة ” قضية ما تختلف مع الاصل في الكيف ، بينما عندما يتم نقض طرف معين من القضية لايجعله مختلفا في الكيف ، لأن الكيف هو كيف القضية وليس لكل طرف كيف من اطراف القضية . لذلك ما يعتقد أنه مشتركا لأول وهلة هو ليس مشتركا للسبب المذكور . لذلك أن الاصطلاح على مبحث النقض بأنه ” نقض” ليس دقيقا ، لارتفاع صلته بالتناقض . والبديل الذي نضعه هو ” المتمم ” أو ” المعدول ” بنفس المعنى ، ولقد اصطلحنا على مبحث النقض بمصطلح التتميم المكافئ . وللتذكير بمفهوم الاتمام نذكر مثلا القسمة الحاصرة للكائنات الى : حية وغير حية ، فأن واحد القسمين متمم للآخر ، وان اتحادهما يؤلف المجموعة الشاملة وهي الكائنات . واكمالا لعملية الاصطلاح فأن المصطلح يكون تميم المحمول ، او تميم الموضوع أو التتميم التام . ومتممة المحمول ومتممة الموضوع .
ولأن المصطلح المقترح غير متداول فأننا نواصل ملاحظاتنا باعتماد المصطلح القديم ” النقض” على أن نفهم بأنه ليس النفي كما هو في نقض القضية ككل ، بل إبدال الطرف في القضية بالطرف المعدول ، والطرف المعدول هو متمم الطرف الاصل . وأن نقض طرف يعني جعله معدولا .
وجدير بالذكر أن نقض القضية الذي ينتج عنه قضية متناقضة مع القضية الاصل ، ونقض طرف فيها كلاهما يؤديان الى تغيير النسبة بين الموضوع والمحمول . إلا ان مبحث ” النقض” معني باستخراج قضية صادقة على تقدير صدق الاصل ، فيلزم عن ذلك إجراء تغير في كل من الكيف او الكم او احداهما مع بقاء الصدق .
النقض على ثلاث :
منقوضة المحمول ،
ومنقوضة الموضوع ،
والمنقوضة نقضا تاما ـ أي بنقض الطرفين معا ـ

وقد وضع المنطق التقليدي قاعدتين للنقض : قاعدة نقض المحمول ، وقاعدة النقض التام ونقض الموضوع .
فالاول( نقض المحمول ) يلزم عنه تغيير الكيف دون الكم .
اما الثاني ( النقض التام ) فيلزم عنه تغيير الكم دون الكيف .
والثالث ( نقض الموضوع ) فيلزم عنهما تغيير الكم والكيف معا .
فلا ضرورة لجعل النقضين ” التام ” و” نقض ” الموضوع في مبحث واحد طالما ان التغيرات اللازمة بسبب النقض مختلفة .
ويمكن وعي قواعد النقض على أنها جواب لـ ( ما الذي يتغير اذا نقض طرف او طرفا القضية لإبقاء القضية على قيمة الاصل وهي الصدق ؟) . ومن هذا المنطلق سنعيد قراءة تلك القواعد ومناقشتها سالكين طريقة جديدة في برهان قواعد مباحث النقض ، وهي طريقة ” الارتداد ” ، بسياقها التراجعي . كما سيتضح .
وسنعتبر ” ب ” موضوع القضية ، و “حـ” محمولها ، ونقض الموضوع (لا ب ) أو (غير ب ) ، ونقض المحمول (لاحـ) أو (غير حـ) .

(أولا ) منقوضة المحمول ..

المدّعى ( ان القضية تحوّل بنقض محمولها ، ببقاء موضوعها على حاله ، وتغيير الكيف ، وبقاء الكم ) .

(أ) الموجبة الكلية تحوّل بنقض محمولها الى سالبة كلية .

بفرض ان الكلية الموجبة ( كل ب حـ ) صادقة فأن نقض محمولها دون إجراء تغيرات ملازمة يجعلها كاذبة لارتفاع النسبة بين الموضوع والمحمول ، أي ان ( كل ب لا حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . ولاعادة النسبة بين الموضوع ( كل ب) والمحمول المعدول ( لا حـ ) يجب سلب المحمول المعدول فتكون القضية ( كل ب ليس لا حـ ) كلية سالبة ، وصادقة . نحو ( كل غزال حيوان ) تكافئ ( كل غزال ليس بلا حيوان ) فهذه كلية سالبة . أن وقوع اداتي السلب ( ليس ولا ) بهذه الصورة المتعاقبة يعني الاثبات ، لأن سلب السلب إثبات ، وبصورة عامة ” نفي النفي إثبات ” . وبطريق آخروباستخدام قاعدة نفي النفي المذكورة ، نقول : لاستخراج القضية منقوضة المحمول صادقة على تقدير الاصل ننقض الاصل مرتين : النقض الاول يحول الكلية الى جزئية منقوضة المحمول ، ومنقوضة المحمول تكافئ السالبة ، لأن العدول والسلب مؤداهما واحد فتكون بالصورة ( بعض ب لاحـ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . والنقض الثاني للقضية يحول القضية الى كلية سالبة معدولة المحمول ( كل ب ليس لا حـ) .
فالقضية ( كل غزال انسان ) تحول بالنقض الاول الى ( بعض الغزال لاحيوان) وبالنقض الثاني ( كل غزال ليس بلاحيوان) .
وهنا لابد من ملاحظتين :
الاولى ؛ ان تجاور اداتي السلب وتعاقبهما على النحو في الصيغة العامة وفي المثال يفيد انتفائهما وبالتالي يمكن رفعهما فتعود القضية الى اصلها في أول مرة . وحيث ان مطلوبنا قضية منقوضة المحمول فلا يجب تفعيل هذا التعاقب .
اما الملاحظة الثانية ؛ اننا لانعد القضية ( لاشئ من الانسان بلاحيوان ) واضرابها كلية سالبة لاسباب ذكرناه مفصلا في مطالعة سابقة من ملاحظاتنا النقدية .

(ب) الموجبة الجزئية تحوّل بنقض محمولها الى جزئية سالبة .

اذا صدقت ( بعض ب حـ ) فأن ( بعض ب غيرحـ ) كاذبة لارتفاع النسبة بين الموضوع والمحمول على تقدير ثبوتها في الاصل . وبطريقة الارتداد نسلب المحمول المنقوض فتعود النسبة بين الطرفين فتكون القضية المنقوضة المحمول ( بعض ب ليس غير حـ ) . نحو ( بعض الانسان كاتب ) تكافئ ( بعض الانسان ليس غير كاتب ) صادقة على تقدير صدق الاصل . وبطريقة نفي النفي : النفي الاول ينتج ( كل ب لا حـ ) والثاني ينتج ( بعض ب ليس بلا حـ ) .
نحو ( بعض الذهب معدن ) ،تتناقض معها بالنقض ( = النفي ) الاول ( كل ذهب ليس بمعدن ) وبالنقض الثاني ( بعض الذهب ليس ليس معدن ) و( ليس ليس ) المتعاقبتين بقوة ( ليس لا) فتكون القضية (بعض الذهب ليس لا معدن ) صادقة لنفس السبب .
مع ملاحظة ان حرفي العدول ” لا” و “غير ” لهما مؤدى واحد ، ولايختلفان بالاعتبار المنطقي ، الا انهما مختلفان بالاعتبار اللغوي .
ولقد لفت نظرنا المثال ( ليس كل حيوان لا إنسان ) الوارد في احد مؤلفات المنطق التقليدي على أنه يمثل قضية منقوضة المحمول واعتبارها جزئية سالبة ، والاصل هو ( بعض الحيوان انسان) ! فهل أخطأ المؤلف ؟ كلا ، لم يخطأ . وقد توصل الى المثال بطريق الحدس ، لأن نقض المحمول تطلب تغيير السور من جزئية الى كلية ، ثم اردف القضية ككل بالنقض ، إلا انه لم يفعّل النقض الاخير لتكون القضية بصورتها النهائية ( بعض الحيوان ليس بلا إنسان ) .

(ح) الكلية السالبة تحوّل بنقض محمولها الى كلية موجبة .

وعلى فرض ان القضية ( كل ب ليس حـ ) صادقة ، فهذا يعني ان النسبة بين الموضوع ( ب) والمحمول ( حـ) التباين وأن السلب جعلها صادقة . فبنقض محمولها تكون ( كل ب ليس بلا حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . وبالارتداد تكون ( كل ب ليس ليس بلا حـ ) وهذه تكون بالصورة ( كل ب لاحـ ) كلية موجبة منقوضة المحمول وصادقة . وان التعاقب في ادوات السلب ( ليس ليس لا ) يكافئ (لا ) .
نحو ( كل انسان ليس بجماد ) تحول بنقض محمولها الى ( كل انسان لاجماد) . وهذا مثال جيد على أن السلب والعدول مؤداهما واحد .
وبطريق قاعدة نفي النفي اثبات ننقض السالبة الكلية نقضا اولا فتكون ( بعض ب ليس لا حـ ) ، فنردفها بنقض ثان فتكون ( كل ب ليس ليس لا حـ ) وهي ( كل ب لاحـ ) .
نحو ( كل شجرة صفصاف ليست مثمرة ) فبالنقض الاول تكون ( بعض شجر الصفاف ليست غيرمثمرة ) وبالنقض الثاني ( كل شجرة صفاف ليس ليست غير مثمرة ) وهذه تكون ( كل شجرة صفاف غير مثمرة ) كلية موجبة منقوضة المحمول .
وخلاصة البحث في منقوضة المحمول ثمة طريقان جديدان لاستخراجها صادقة على تقدير الاصل طريقتنا التي اسميناها ” الارتداد ” واستخدامنا الاستخدام الجديد لقاعدة نفي النفي .

(د) الجزئية السالبة تحوّل بنقض محمولها جزئية موجبة .

فلتكن ( بعض ب ليس حـ) جزئية سالبة وصادقة ، حيث ان النسبة بين الموضوع والمحمول التباين ، وان سلب المحمول في الاصل أعاد اليها الثبوت ، اي ثبوت الموضوع الى المحمول ولهذا صدقت. ومعنى ( بعض ب ليس حـ) هو وجود عنصر مثل ” ب” لاينتمي الى حـ ، او غير موجود في ” حـ” بنفس المعنى . ان نقض محمولها فقط دون اجراء ما يلزم من تغيرات يجعلها كاذبة ، أي ان ( بعض ب ليس غير حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل ، فبالارتداد ولكي تعود النسبة الى نصابها يسلب المحمول المنقوض ( ليس غير حـ ) ليكون ( ليس ليس غير حـ ) والناتج هو (بعض ب غيرحـ ) جزئية موجبة منقوضة المحمول وصادقة على تقدير الاصل . نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب) فبنقض محمولها تكون (بعض الانسان غير كاتب ) .
وعلى نحو آخر ، وباستخدام قاعدة النفي النفي .. فالبنقض الاول للقضية الاصل تكون ( كل ب حـ ) كاذبة لأنها متناقضة مع الاصل ، ثم بالنقض الثاني تكون ( بعض ب غير حـ ) . ومعلوم ان النقض سواء كان أول أو ثان يعني سلب الحمل وتغيير الكم ، وحيث ان سلب الحمل وعدوله متكافئان ، ومطلوبنا هو منقوضة المحمول ، بمعنى معدولة المحمول فأنّا نختار معدولة المحمول لدلالتها على نقض المحمول . نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب ) ، بالنقض الاول للقضية تكون ( كل انسان ليس ليس بكاتب) ، أي ( كل انسان كاتب ) خاطئة بسبب التناقض مع الاصل ، ثم بنقضها ثانية فتكون ( بعض الانسان غير كاتب ) صادقة .

(ثانيا) منقوضة الموضوع ..

المدّعى ( أن القضية تحوّل بنقض موضوعها ، ببقاء محمولها على حاله ، وتغيير الكيف ، وتغييرالكم ) و( لاينقض بهذا النقض إلا الكليتان) .
وقبل مناقشة تطبيق القاعدة على المحصورات الاربعة ، لابد من ملاحظة حقيقة أن الموضوع في المسورة يُقرن بالسور (=الكم) ، فأي تغيير فيه يشمل جزئيه : الكم ولفظ الموضوع . ان نقض الموضوع ( كل ب ..) ينتج ( بعض لا ب .. ) ، ومثل ذلك ان نقض الموضوع ( بعض ب ..) ينتج ( كل لا ب …) ، وهذا بديهي . على ان هذا النوع من النقض ليس نقضا للقضية ككل ابتداءا ، بل نقض ينصب على الموضوع بدأ ً ، ثم يتحرى عن التغير اللازم لهذا النقض ، وحيث أن القاعدة تنص على شرط بقاء المحمول على حاله ، بمعنى لايصيبه العدول بالنقض او سواه ، فلم تبقى من التغيرات سوى التغير في كيف القضية . ان اختلاف القضيتين في الكيف والكم ليس بكاف لتناقضهما ، فالنظر الى اختلاف حال موضوعها او محمولها في الاصل وتغيرهما في المحولة ينحي نسبة التناقض بينهما ، لأن التغير المشار اليه كما تنص على ذلك قاعدة نقض الموضوع يبقيهما صادقتين .

(أ‌)الموجبة الكلية تحوّل بنقض موضوعها الى جزئية سالبة .
بفرض ان ( كل ب حـ ) صادقة فأن نقض موضوعها ( بعض لاب حـ ) يجعلها كاذبة لارتفاع النسبة بين الطرفين ، حيث ان ( كل ب) موجود في ( حـ ) ، فهذا يعني ان ( بعض لا ب ) غير موجود في ( حـ ) . ولاعادة نسبة ثبوت الموضوع ( بعض لا ب) الى المحمول ( حـ ) لابد من سلب المحمول فتكون القضية ( بعض لاب ليس حـ ) وهي جزئية سالبب ،صادقة على تقدير صدق الاصل . فالارتداد هنا وقع على المحمول فيسلبه. نحو ( كل عدد طبيعي موجب ) صادقة فتحوّل بنقض موضوعها الى ( بعض العدد اللاطبيعي ليس بموجب) صادقة أيضا .

(ب) الكلية السالبة تحوّل بنقض موضوعها الى جزئية موجبة .
فالقضية ( كل ب ليس حـ ) إن كانت صادقة فأن القضية ( بعض لاب ليس ليس حـ ) ويتعاقب السلب ينتج ( بعض لاب حـ ) . نحو ( كل حديد ليس بذهب) تكافئ بنقض موضوعها ( بعض اللاحديد ذهب ) . وبكلمات اخرى ان الموضوع في الاصلية لاينتمي الى المحمول ، وهذا معنى سلب الحمل ، أي أن ( كل ب ) غير موجودة في ( حـ ) ، ولكن ( بعض لاب) أيضا غير موجودة في ( حـ ) ، لأن (بعض لاب ) جزء من ( كل لاب) فاذا لم ينتمي الكل الى (حـ ) فأن بعضه لاينتمي اليه أيضا .

(ح) استثناء الجزئيتين من القاعدة .
اما لماذا لايمكن استخراج منقوضة الموضوع صادقة على تقدير صدق الاصل من الجزئية الموجبة ( بعض ب حـ ) ، فلأن نقض المحمول تكون ( بعض لا ب حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل ، وباستغراق نقض الموضوع للسور تكون ( كل لا ب حـ ) ايضا كاذبة ، لأن لايمكن حصر ( لا ب ) حتى نتصور انتماءه اووجوده في ( حـ ) . كما أن ( كل لاب ليس حـ ) خاطئة لنفس السبب . وبالمثل نقول من ( بعض ب ليس حـ ) لايمكن استخراج منقوضة الموضوع صادقة على تقدير الاصل . هنا في منقوضة الموضوع لاموضع لقاعدة نفي النفي . لأن نقض القضية ككل من شأنه ان يغير السور ولا ينقض الموضوع .

(ثالثا) النقض التام ..
المدّعى ( أن القضية تحوّل بنقض طرفيها ، وبقاء الكيف ، وتغييرالكم ) و( لاينقض بهذا النقض إلا الكليتان) .
ولنسأل :
ـ ما هو السبب الذي يبقي الكيف على حاله ، ويغير الكم في هذا النقض ؟
ـ وهل أن الابقاء على الكيف وتغيير الكم هو حصيلة لقاعدتي نقض المحمول ونقض الموضوع ؟
ـ وهل يمكن التدرج في الوصول الى نتيجة هذا النقض باستيفاء شروط النقضين الاخرين ؟
وفي الحقيقة ان الاسئلة الثلاثة هي صور مختلفة لسؤال واحد . فالاجابة عن احدهما ، تمثل اجابة عن الآخرين .
ان نقض المحمول يغير الكيف دون الكم ، بينما نقض الموضوع يغير الكيف والكم فينتج منقوضة نقضا تاما بتغيير الكم فقط دون الكيف .
فالنقض الاول ( نقض المحمول ) ، ينتج عنه تغيير الكيف دون الكم .
والنقض الثاني ( نقض الموضوع ) هو نقض موضوع ناتج النقض الاول فيعود بالكيف الى الاصل قبل النقض الاول ، ويغير الكم .
والناتج عن النقضين المتعاقبين ، هومنقوضة الطرفين مع تغيير الكم دون الكيف .

(أ) الكلية الموجبة تحوّل بالنقض التام الى جزئية موجبة .
لتكن الكلية الموجبة ( كل ب حـ ) صادقة ، فهذا يعني ان كل افراد ( ب) موجودة في (حـ) . وللحصول على المنقوضة نقضا تاما صادقة على تقدير صدق الاصل ، نتدرج في النقض باستخدام القاعدتين الاخريين . فبنقض المحمول تكون ( كل ب ليس لا حـ ) صادقة ، وبنقض الموضوع تكون ( بعض لاب لاحـ ) فهذا النقض التام للاصل . وهي صادقة على تقدير الاصل .
نحو ( كل فضة معدن ) فتحوّل بالنقض التام الى ( بعض اللافضة لامعدن ) .

(ب) الكلية السالبة تحوّل بالنقض التام الى جزئية سالبة .
فلتكن الكلية السالبة ( كل ب ليس حـ ) صادقة ، فبنقض محمولها تحول الى ( كل ب لا حـ ) كلية موجبة منقوضة المحمول . وبنقض موضوعها تحوّل الى ( بعض لا ب ليس لا حـ ) فهذه صادقة على تقدير الاصل . نحو ( كل حديد ليس بذهب ) صادقة ، وبنقض محمولها تحول الى ( كل حديد لاذهب) ، وبنقض موضوعا تحول الى ( بعض اللاحديد ليس لاذهب ) .

(ح) استثناء الجزئيتان من قاعدة النقض التام .
نحو ( بعض الحيوان ليس انسان ) جزئية سالبة لاتحول بالنقض التام لأن ( كل لاحيوان ليس لا انسان ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . وكذلك في الجزئية الموجبة ، نحو ( بعض الطائر أبيض ) صادقة ونقضها التام( كل لاطائر ليس بلاأبيض ) كاذبة ، حيث ان ( اللاطائر ) في سبيل المثال يشمل الثوب الاسود وهو (لاابيض ) . ان القاعدة تسقط عندما تكون النسبة نسبة الخصوص والعموم من وجه بحسب تعبير المنطق التقليدي ، ونسميها متممة الفرق التناظري .

(7) تقسيم القضايا

مرة أخرى نلتقي باعتلال آخر في المنطق التقليدي ومحله تقسيم القضايا على أسس غير معينة تعيينا تاما . ومن المعروف ان التقسيم في العلوم له خطورته ، حيث ان لكل تقسيم اعتبار معين يميز الاقسام ، ولكل قسم تتفرع عنه اقسام أخرى باعتبار آخر ولايتنكر للاعتبار الذي ميز القسم الرئيس . وكل ذلك ينعكس في تنظيم مباحث كل علم ويجعل من المباحث في نظام لالبس فيه .
وسنعرض هذه التقسيمات كما وردت في المنطق التقليدي واضعين النصوص المستلة من كتبهم بين قوسين كالعادة لنشير الى ان النص مقتبس .

اولا : التقسيم الرئيس للقضايا
( قسمة القضايا الى حملية وشرطية )
يقسم المنطق التقليدي القضايا الى قسمين رئيسين هما : الحملية والشرطية .
فالحملية (لها طرفان ونسبة بينهما ، ومعنى هذه النسبة اتحاد الطرفين وثبوت الاول للثاني او نفي الاتحاد والثبوت) .
والشرطية ( لها طرفان ، وهما قضيتان في الاصل ) ليست النسبة بينهما الثبوت ، لأن ( لا اتحاد بين القضايا ) وانما النسبة بين القضيتين هي :
(اما نسبة الاتصال والتصاحب ، والتعليق) اي تعليق الطرف الثاني على الاول ، ويضربون في ذلك المثلين :
مثال (1) اذا اشرقت الشمس فالنهار موجود . النسبة : الاتصال والتصاحب .
مثال (2) وليس اذا كان الانسان نماما كان امينا . النسبة : التعليق .
( واما نسبة التعاند والانفصال والتباين او نفي ذلك) ، ويضربون في ذلك المثلين :
مثال (3) اللفظ اما ان يكون مفردا او مركبا . النسبة : التعاند والانفصال والتباين .
مثال (4) ليس الانسان اما ان يكون كاتبا او شاعرا . النسبة : ” نفي ” نسبة التعاند والانفصال والتباين (كذا!) .
ثم يقررون ان ( القضية الشرطية ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية واخرى او لاوجودها ) .
ملاحظاتنا : يتضح ان هذه القسمة تمت بخبرة القضايا الحملية ، لاعتبارها وجود نسبة الثبوت بين الطرفين في الحملية او عدم وجودها في الشرطية ، ووجود نسب مختلفة بين طرفي الشرطية كما تقدم ، وهو تقسيم على اساس مرتبك ، خاصة في التعريف الاخير للشرطية الذي يقول بجواز ( لاوجود النسبة) بين القضيتين .
ولكننا نشير هنا الى حقيقة ان للشرطية طرفان هما قضيتان ، وكان المفروض ان يتخذ عدد القضايا الداخلة في تركيب القضية اساسا للتقسيم ، فنقول ان القضايا تقسم الى قسمين : قضايا بسيطة ، وهي القضايا التي لاتنحل الى قضيتين ، وقضايا مركبة وهي التي تنحل الى قضيتين او اكثر .
ان التعبير ( لاوجودها ) في تعريف الشرطية في رأي المنطق التقليدي لاتعني انعدام النسبة ، ولكنه في الحقيقة تعبير يعوض عن ” عدم ” القدرة في تعيين النسبة في قضايا تعد شرطية . وهو أمر مرتبك جدا ، وليس فيه نفع . إذ كيف نعتبر النسبة لاموجودة ؟ ما هو مصداق لاوجودها حتى تكون اللاموجودة موجودة ؟ ويظهر جليا ان ايراد هذا التعبير مثّل حلاً اعتمده المنطق التقليدي لكي يشمل القضايا المنفية في قسم القضايا الشرطية ، لأن نفي القضية الشرطية في تقديرهم يرفع نسب الشرطية المذكورة ، والرفع هو العدم ولكنهم قالوا ( لاوجودها ) لأن تعبير ( لاوجودها) معدول والمعدول موجود ، وهكذا جعلوا من العدم وجود ! .
ومن الثابت عندنا بأن ليس كل الاسماء قابلة للعدول ، فثمة اسماء يطالها العدول واسماء ليست كذلك ، فالاسماء التي يطالها العدول هي الاسماء التي يمكن لها ان تكتسب الصفة او الخاصة في ظرف دون آخر كقولنا (بعض الانسان لاعالم) ، فصفة العالم معدولة عن البعض لأن (بعض الانسان ) قد يكون عالم وهذه صفة محصلة ، فاذن الاسماء المعدولة هي الاسماء التي يمكن ان تكون محصلة والعكس صحيح . ولكن القول بأن ( بعض الجدار لاعالم ) قول فيه خطأ في تركيب القضية ، ولا اعني كذبها ، فقد تكون القضية مركب تام وبنائها المنطقي سليم ولكنها بنفس الوقت كاذبة ، ففي القضية المثال كأن قائلها اراد التصريح بأن صفة عالم قد تتحصل للجدار وهذا محال . وكذلك الامر مع النسبة في القضايا فهي اما موجودة او ليست موجودة ، ولايمكن ان تكون لاموجودة ، لأنها من شأن التركيب . ومعلوم ان التعبير (ليس موجود) نفي للوجود ، والوجود لاينقسم بعضه الى العدم ما دام موجود .

ثانيا : قسمة رئيسة ثانية للقضايا باعتبار الكيف
يقسمونها الى سالبة وموجبة ، فيقولون( ان القضية بجميع اقسامها سواء كانت حملية او متصلة اومنفصلة ، تنقسم الى : موجبة وسالبة ) . حيث الحملية الموجبة ماحكم فيها بنسبة الحمل ، اي حمل المحمول على الموضوع ، و(الشرطية الموجبة ما حكم فيها بنسبة الاتصال او الانفصال) ، والقضية السالبة حملية كانت ام شرطية فهي ما حكم فيها (بسلب الحمل او الاتصال او الانفصال) .
ملاحظاتنا : بعد ان تم تقسيم القضايا القسمة الرئيسة الى حملية وشرطية لايجوز وضع قسمي الشرطية والحملية على صعيد واحد ،وكان المفروض يقال ان القضية بقسميها بالاشارة الى الحملية والشرطية .
واللافت انهم وضعوا الانفصال نسبة من النسب ، استنادا الى انفصال القضيتين في ما يسمونها بالقضية الشرطية ، انفصال يدل عليه المثال ،وليس صورة القضية . فبفرض ان كلا من ب و حـ قضيتان ، فكيف يتسنى للدارس ان يعرف النسبة في صورة الشرطية ( اذا كان ب فأن حـ ) ، إن كانت الاتصال او كانت الانفصال . ان المنطق يعنى بالقوانين العامة والصور العامة ولايعنى بالامثلة ، والامثلة مجرد تمثيل للقانون او الصورة .
ثم ، يقولون ( وعلى هذا ليس من حق السالبة ان تسمى حملية او متصلة او منفصلة ، لأنها سلب الحمل او سلب الاتصال او سلب الانفصال ، ولكن تشبيها لها بالموجبة سميت باسمائها) ..
ونقول ، ليس من العلم الاصطلاح على شئ بالتشبيه ، لأن ذلك من شأنه ان يخلط المفاهيم ببعض ولايميزها تمييزا بقدر كاف من الوضوح . وان قولهم هذا يدل على خطأ التقسيم الذي اعتمدوه منذ التقسيم الرئيس الاول ، وكان المفروض ان ينحى التقسيم منحى آخر باختيار اساسا سليما ليس فيه استثاء او رجوع . فاذا كان ليس من حق السالبة ( كل كوكب ليس بساكن) ان تسمى حملية فماذا تسمى ؟ هل يجوز القول : تسمى قضية حملية وليس من حقها ان تسمى حملية ؟ ! أليس هذا القول متناقض ؟
فاذن القسمة الاولى ، الرئيسة للقضايا يجب ان تتخذ عدد القضايا اساسا او معيارا او اعتبار للتقسيم ، فنقول تقسم القضايا الى : بسيطة ، ومركبة ، كما تقدم ذكرها .
ان مفهوم السلب ، كما يرد في مؤلفات المنطق التقليدي ، مأخوذ من ارتفاع نسبة الحمل في القضايا التي يسمونها حملية ، فكيف يمكن اعمام هذا المفهوم على القضايا التي يسمونها شرطية ، وهي ليست مؤلفة من موضوع ومحمول ، بل من قضيتين ؟
ان مفهوم السلب لاينال القضايا ” الشرطية ” ، بل النفي ينال القضايا الشرطية، وثمة فرق بين السلب والنفي كما نرى . ذلك ان دخول النفي على القضية الحملية من شأنه ان يغير سور القضية وكيفها ، فإن كانت سالبة فتكون موجبة ، وإن كانت موجبة تكون سالبة ، نحو ليس كل انسان عالم ، تكون بعض الانسان ليس بعالم . او ليس كل الشجر ليس بمثمر ، تكون بعض الشجر مثمر . وعلى هذا ان السلب من شأن بناء القضية اصلا كقولنا ( كل الكترون ليس موجب الشحنة) فهذه سالبة وصادقة بنفس الوقت ، وليست حملية لوجود السلب ، اما النفي فهو عملية احادية تسلط على القضية من خارجها وقد ينتج عن النفي سلبا للقضية او جعلها موجبة .
اما بالنسبة للقضايا الشرطية بحسب مفهومنا فهي قضية مركبة من قضيتين باداة الشرط وصورتها العامة ( اذا كان ب فأن حـ ) وان نفيها بالصورة ليس (اذا كان ب فأن حـ ) يصيّرها الى الصورة ( ب و ليس حـ ) وهذه قضية مركبة مفصلة . اي ان لنفي القضايا المركبة قاعدة عامة وهي تغيير اداة الربط وتغيير كيف احدى القضيتين البسيطتين او كلاهما . وهذا فيه تفيصل كثير لامجال لسرده هنا .

ثالثا : اقسام الحملية
(1)يقسمون الحملية الى اربعة اقسام باعتبار الموضوع ، وهي : المحصورة والمهملة والطبيعية والشخصية . ثم يقسمون المحصورة الى قسمين هما : الكلية والجزئية .
ثم يقولون لااعتبارات إلا بالمحصورات وهذا قول حسن ، لأن الاقسام الاخرى كلها ترد الى الجزئية حسب ما نرى . يبررون ذلك بالقول (ان القضايا المعتبرة التي يبحث عنها المنطقي هي المحصورات .. اما الشخصية فلأن مسائل المنطق قوانين عامة ، فلا شأن لها في القضايا الشخصية التي لاعموم لها . واما الطبيعية فهي بحكم الشخصية .. واما المهملة فهي في قوة الجزئية ..) (كذا!) ، فاذن ما الحاجة الى التقسيم السابق اذا كانت اقسامه ليست من المنطق بشئ ؟ وكان المفروض حصر قسمة الحملية باعتبار موضوعها بالقضيتين الكلية والجزئية .

(2) قسمة القضايا الحملية الى موجهة ومطلقة وتقسيم الموجهة .
يقصد بالقضية الموجهة هي القضية التي يلحق بها احد الالفاظ الدالة على الجهة وهي ثلاث : الوجوب او الضرورة، والامتناع ، والامكان . اما القضية الحملية المطلقة فلا تلحق بها احد هذه الالفاظ .
مثال الموجهة ( الانسان يمكن ان يكون كاتبا ) ومثال المطلقة ( بعض الانسان كاتب).
ان تقسيم القضايا على هذا النحو يلتبس بالاعتبارات الفلسفية ، لذلك يستند الى الامثلة وليس الى صور القضايا ، كما سنرى في تقسيم الموجهات ، حيث يقسمونها الى قسمين : البسيطة والمركبة ، وقالوا ان البسيطة لاتنحل الى قضيتين والمركبة تنحل الى قضيتين . ووفقا لهذا نلاحظ ان المنطق التقليدي يميز قضايا حملية مركبة.
ولكن لنر َ ما هي القضية المركبة بحسب المنطق التقليدي ؟ القضية المركبة عندهم قضية تتركب من قضيتين احدهمات موجبة وتسمى القضية باسمها ، وقضية سالبة ، ويضربون امثلة على ذلك ، منها ( كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل لابالضرورة) فهذه عندهم مركبة من الموجبة (كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل) والسالبة ( لا بالضرورة) . ونسأل بأي اعتبار عدت العبارة ( لابالضرورة ) قضية ؟ اليست القضية مركب تام ؟ وهل تفيد هذه العبارة مركب تام ، او خبر تام ؟ كلا بالطبع .
وحتى لو ضعنا القضيتين على النحو :
( كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل) واعتبارها قضية موجبة .
( كل مصل يتجنب الفحشاء لابالضرورة) واعتبارها قضية سالبة .
نسأل : هل ان وجود عبارة (لابالضرورة ) تفيد السلب ، سيما وان السلب سلب الحمل والقضية حملية هنا ؟ فأين الحمل المسلوب ؟
ثم يقسمون الحملية الموجهة البسيطة الى ثمانية اقسام هي : ضرورية ذاتية ، دائمة مطلقة ، مشروطة عامة ، عرفية عامة ، ممكنة عامة ، حينية مطلقة ، حينية ممكنة .
وبالمثل يقسمون الحملية الموجهة المركبة الى ستة اقسام ، هي : مشروطة خاصة ، عرفية خاصة ، وجودية لاضرورية ، وجودية لادائمة ، حينية لادائمة ، ممكنة خاصة .
وكل هذه التقسيمات مستمدة من المعنى اللغوي او الفلسفي لامثلة القضايا ، دون الاتيان بصورها ، لذلك ان اوضح ظاهرة في كتب المنطق التقليدي تكرار الامثلة التي يتم تداولها كما لو كانت قواعد ، او تعتمد في استناج القواعد ،والصواب هو العكس ، بمعنى ان القاعدة يجب ان تصاغ بعد برهان ، ومن ثم يكون المثال مطابقا لها .
(3) قسمة القضايا لحملية الى محصلة ومعدولة
والاسم المعدول هو الاسم الذي يكون احد الحرفين : لا ، غير جزءا منه نحو لاانسان ، غير نبات . والاسم المحصل ليس فيه هذين الحرفين نحو انسان ، نبات.
والقضية التي تتألف من اسمين يمكن ان تكون محصلة الطرفين او معدولة الطرفين او معدولة الموضوع او معدولة المحمول .
ان مفهوم العدول كما نرىهو من شأن اللغة وليس من شأن المنطق ، وله معالجات رياضياتية من خلال نظريبة المجموعات اثبتنا صحتها ، وهو تحليل غير مسبوق في علم المنطق .
ومبحث العدول مبحث به حاجة الى الايضاح وقد عالجناه في مساهمات اخرى باستخدام نظرية المجوعات .

رابعا : تقسيمات الشرطية
(1)يقسمون الشرطية الى ثلاثة اقسام ، هي : الشخصية والمهملة والمحصورة . وهذه القسمة باعتبار ( الاحوال والازمان ) التي يقع فيها التلازم والعناد.
وكل قسم من الاقسام الثلاثة ينقسم الى قسمين : متصلة ومنفصلة . وعنوا بالاحوال والازمان دوامه او عدم دوامه ، باستخدام الفاظ دالة على الحالتين ، دائما ، احيانا وغيرهما . ويقفون على الاتصال والانفصال من معنى ومضمون القضايا وليس من صورها ، لذلك تجد ان الامثلة ملازمة لاستنتاجتهم دون اعتماد الصور . فالشخصية ما كانت بزمن شخصي ، والمهملة ما حكم فيها في زمان وحال دون زمان وحال ، والمحصورة تبين (كمية احوال الحكم واوقاته كلا او بعضا ) ،واما المحصورة فتقسم الى كلية وجزئية وكل منها يقسم الى متصلة ومنفصلة ، فالكلية تشمل كل جميع الاحوال والاوقات ، والجزئية تختص في بعض غير معينمن الاحوال والازمان . ولاندري كيف يتم التعبير عن ذلك بصورة قاعدة ، او صياغة قاعدة على هيئة صورة .
(2) قسمة الشرطية الى لزومية واتفاقية .
فاللزومية بين طرفيها اتصال حقيقي والاتفاقية ليس كذلك ، وايضا هذا التقسيم لايمكن التعبير عنه بصور او صيغ عاة وانما يستنتج من الامثلة فقط .

وهنالك تقسيمات اخرى ليس من الضروري سردها ، لعدم وضوح اعتبارات التقسيم فيها .
والخلاصة : ان تقسيم القضايا والاصطلاح على اقسامها فيه ارباك كبير ، وخلط كثير بين اعتبارات التقسيم ، واغلب التقسيمات لايمكن التعبير عنها صوريا بما يدل على قسم من الاقسام ويميزه عن الاقسام الاخرى .
والمخطط التالي يوضح خلاصة لتقسيمات القضايا بحسب المنطق التقليدي .

تقسيم القضايا

التقسيم البديل للقضايا :
نأخذ بالتقسيم التالي بديلا عن التقسيم الذي يأخذ به المنطق التقليدي ..
ـ تقسم القضايا الى بسيطة ومركبة .
البسيطة لاتنحل الى قضيتين والمركبة تنحل الى القضايا المركبة منها .
اقسام البسيطة :
تنقسم القضايا البسيطة الى موجبة وهي الحملية والسالبة .
كما تنقسم القضايا البسيطة الى معدولة ومحصلة .
اقسام المركبة :
القضية المركبة تتركب من قضيتين بسيطتين في الاقل بأحد ادوات الربط وتسمى باسم تلك الاداة وهي :
القضية المتصلة وصورتها ( ب و حـ ) .
القضية المفصلة وصورتها ( ب او حـ ) .
القضية المنفصلة وصورتها ( اما ب او حـ )
القضية الشرطية وصورتها ( اذا ب فان حـ )
القضية الشرطية المزدوجة ( اذا وفقط اذا ب فأن حـ )
ولكل قضية مركبة من هذه القضايا تعريف محدد يبين متى تصدق ومتى تكذب
(جميـــع الحقـــوق محفــوظة )

Advertisements

رد واحد

  1. […] هذه التحديات انعطفت صوب تأليف مباحث اسميتها ( في نقد المنطق التقليدي) ضمنتها معظم انتقاداتي لهذا المنطق ، مبوبة بحسب مباحثه […]

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s