علم البنى

<a href="https://urukpace.wordpress.com/علم البنى/” target=”_blank”>
المـقـدمــــة
عبد الرحمن كاظم زيارة
لايمثل هذا الكتاب محاولة لاحياء البنيوية كما عرفتها الصحافة الادبية وسبقتها دراسات واعمال اندرجت تحت البنيوية ، فليس ثمة سبب يدعونا الى هذه المحاولة . بل اننا نرى ان البنيوية لم تُـقـَدَم بصورتها الاصيلة والناصعة جراء اسباب عديدة ، من بينها ضعف دقة تصنيف المفاهيم البنيوية وتشخيصها ، والاستسهال في الاطلاقات والتعميمات التي انساقت وراءها الصحافة الادبية وجمهرة الادباء والشعراء الذي عرَضُوا قابلياتهم التعبيرية في هذا الشأن كما لو ان البنيوية شأنا لغويا او ادبيا محضا . وهذه في الحقيقة واحدة من الاوهام التي نريد تبديدها في هذا الكتاب .
مادة هذا الكتاب وفصوله دراسات متفرقة في البنيوية بعضها وجد طريقه الى النشر والاخر لم ينشر ، فأجريت على الجميع تعديلات يتطلبها وجودها معا في كتاب واحد .
ان كثيرا ممن اعتاد الاطلاع على الدراسات البنيوية والاشتغال بها ، سوف يصطدم بنوع جديد من اساليب عرض المفاهيم التي ألفها ، ربما لاتروقه ، خاصة وان العرض قد استعان بالرموز والاشكال التوضيحية . ان ابتعادنا عن الاستسهال في استخدام المصطلح واللفظة في غير مواضعها ، وتردد كلمات معينة تسوق الافكار التي تضمها دراسات هذا الكتاب واحدة من الاسباب التي جعلتنا ننأى بأنفسنا عن التزويقات اللفظية والمجازات ، الامر الذي يحيل هذا الكتاب من وجهة نظر الشاعر او الاديب الى نص خال من الابداع التعبيري وانه تقني الى حد الازعاج . واني اذ اعذر مثل هذا الشخص اذا ما اخذه مثل هذا التصور ، ولكني لا اعذر نفسي بالانسياق وراء الدواعي التشويقية التي يتوافر عليها الشعر وفنون الادب الاخرى . فلكلٍ فسحته ومجاله . فان هذا الكتاب يضطلع اساسا برد المفهوم البنيوي الى اصله الرياضياتي كما اعتقد ، لا كما يريد الآخرون.
ان البحث البنيوي كما نفهمه يستند الى منهجية بنيوية لها شروطها ومفاهيمها وانساقها التحليلية المنضبطة ، لذلك فان التحليل البنيوي يطال كل البنى سواء كانت لغوية او ادبية او فيزيائية او كيمائية او اجتماعية او سياسية وغير ذلك . فكل مفهوم بنيوي او نوع من البنى يمكن ان نعثر عليه في بنية اي قطاع علمي ، فليس من الغرابة تواجد المفهوم الواحد في اكثر من قطاع علمي بل في كل القطاعات طالما ان التصور البنيوي حاضرا في الذهن . وعلى هذا فان اسلوب البحث البنيوي يشبه في صرامته وسياقه اسلوب البحث المنطقي ، فلابد من عرض كامل للقوانين والخواص والمفاهيم ، ولابد من استخدام الرمز الرياضياتي ، ولابد من استخدام الامثلة المفسرة والموضحة . وان الصعوبات التي تواجه من يدرس علم البنى كما نقدمه في هذه الاسهامة المختصرة ، هي من جنس الصعوبات التي تواجهه في دراسة علم المنطق ، مع فارق بسيط هوان البحث البنيوي يتسع لكل الاختصاصات العلمية فيما يتحدد المنطق بموضوعاته التي تدور حول قوانين الفكر وانماط التفكير بغية الحصول على نتائج منطقية .
ولم أشا ان اجعل من هذه الدراسات محلا لتقريض الدراسات البنيوية الشهيرة كاعمال سوسور ورولان بارث وغيرهم ، الا ان سياق الكلام يضطرنا الى اخضاع امثلة من هذه الاعمال لكي نبين عبر مناقشتها وجهة نظرنا .
ان هذا الكتاب يقدم ” خطة متكاملة للمنهج البنيوي ” ، خطة متحررة من نتائج الاعمال البنيوية المعروفة ، ومقيدة الى ما نطلق عليه بعلم البنى بذات الوقت . لذلك فان المدرك لهذه ” الخطة ” سيتمكن من اجراء دراسات بنيوية رصينة في مجال تخصصه . كما تزوده بمعيار يميزمن خلاله الدراسات البنيوية الحقة عن تلك التي تتخذ من البهلوانيات والتزويقات اللفظية اسلوبا لها .
اعتاد معظم الناس على ان يطمأنوا الى النسخة الاولى من التصورات الثقافية والفكرية التي يتلقفونها لاول مرة ، ويجد الكثير منهم صعوبة في التوافق مع نسخة اخرى ، وكأن النسخة الاولى محفورة في الصخر . لذلك من العسير التحرر دفعة واحدة من اسار النسخة الاولى للتصورات ، وازاء ذلك فاننا ننصح قارئ هذا الكتاب ممن كان له اطلاع على الدراسات البنيوية ان ينأى بنفسه عن تلك الدراسات مؤقتا ريثما يتم له الاطلاع الكامل على المفاهيم التي يتبناها هذا الكتاب ، ومن ثم له الاختيار فيما يعتقد او يتصور مما هو صائب .
وبهذا الصدد اجد من المناسب القول انني لا اعتقد بمرجعية سوسور او كلود ليفي شتراوس او رولان بارث وغيرهم في الشأن البنيوي ، بل اعتقد جازما بان الرياضيات هي المرجعية الوحيدة لعلم البنى ، وعلى هذا الاساس ينبغي ان يتم تقريض اي عمل بنيوي . كما ان البحث البنيوي لايقتصر على اللسانيات ولم يكن مولودا عنها ، بل هو وليد علم الرياضيات في مرحلته التي وصفت بالرياضيات الحديثة ، وعمادها المنطق الرياضياتي ونظرية المجموعة والبنى الجبرية والبنى التبولوجية . ان الرياضيات الحديثة تقدم للقطاعات العلمية المتنوعة مناهج بحثية رصينة من شأنها تقديم الحلول الناجعة للمشاكل التي تعترضها ، لا بطريقة المحاكاة وانما عن طريق تمثيل المسائل العلمية تمثيلا رياضياتيا محكما .
فهنا علينا بدأ ً ان نميز نوعين من المعاملات العلمية والبحثية معا :
الاول : ينصرف الى الخوض في القطاع العلمي المتخصص ، كعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة وعلم النفس وعلم الاجتماع والقانون والسياسة وما الى ذلك . ولكل من هذه القطاعات اساليب ومناهج بحثية ، قد لاتكون وحيدة في قطاع معين ، بل ان التعددية المنهجية هي اهم خواص التطور العلمي الراهن ، فلا نعدم وجود المنطق والاساليب الاحصائية والتصورات البنيوية والشكلانية والادوات الرياضياتية وغيرها الى جانب القوانين الخاصة بذلك العلم . فالمناهج والطرائق المذكورة تتضافر فيما بينها من جهة ، وتتضافر فيما بينها مجتمعة والقوانين الخاصة بقطاع علمي هو موضع الاهتمام للظفر بمعطيات علمية جديدة في ذلك القطاع .
الثاني : ينصرف الى الخوض في مناهج البحث العلمي . فلكل منهج مبادئه وقواعده واساليبه ، التي يمكن توظيفها في القطاعات العلمية الملائمة . ان الملائمة تمثل نقطة الصواب الاولى في توظيف المنهج العلمي ، فهي من جهة تُـعـِيّن اين يمكن توظيف هذا المنهج والى اي مدى يمكن الاستمرار بهذا التوظيف ، كما انها تُحِدُ من الاسفاف في الشمول والتطاول في القطاع الواحد او في المحاولة الكلية التي ترمي الى استيعاب العلوم كلها دفعة واحدة في منهج دون غيره .
ويتميز عن النوعين من المعاملات العلمية والبحثية ، علم له قواعده ونسقه العلمي الكامل ، الذي يهتم بموضوعه المعين تعيينا جيدا ، وله بذات الوقت امكانات منهجية من شأنها ان تخدم قطاعات علمية اخرى . وهذا النوع هو في تقديرنا وحيد ويتمثل في الرياضيات . على ان الرياضيات ليست هي علم العلوم ولاتقدم ذاتها بديلا عن الفلسفة ، ولاتدعي فاعلية تطوير ” كل ” القطاعات العلمية . بل هي الى جانب نسقها العلمي المعروف التي تهتم بالاشتغال به ، تقدم خدماتها الواسعة عبر مفاهيمها ومبادئها وقواعدها الى العلوم الاخرى ، ومن بين ذلك ما عرف بالبنيوية. بهذه الرؤية ايضا يمكن النظر الى البنيوية ، بمعنى انها علم له نسقه المميز وموضوعه المميز من جهة ، وعلى انها منهج يمكن ان توظيفه في العديد من العلوم الاخرى من جهة اخرى .
ان البنية من حيث انها توصيف وتحليل للوقائع والاشياء قديمة قِدم المخلوقات ، فهي ليست من اختراع الانسان ، إلا انها من اهم اكتشافاته ، وهي محض تصور ، الا انها ليست التصور الوحيد للاشياء . واكتشاف البنية هو اكتشاف رياضياتي محض ، هذا ما يدل عليه تاريخ مفهوم ” البنية ” وما يدل عليه النسق العلمي لهذا المفهوم.
المؤلف

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: