مدخل في منطق الحواء ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة
المدخــل

ان للاشياء انظمتها التي تتشكل بموجبها بناءاتها كما ان لها منطقها الذي يتجلى بصيرورتها . وعلينا ان نميز طائفتين من الاختلافات بين الاشياء ، طائفة يتصورها الانسان المفكر طبقا لرؤاه التي يرى فيها الاشياء ، وطائفة قارة في الاشياء ليس للفكر الانساني دور في صيرورتها الحرة . فالطائفة الاولى خلافية اما الثانية فهي المختلف فيه ، ففي الكثير من الحالات تحول المرجعيات الفكرية والاعتقادات الذاتية دون دوام الاتصال بالوقائع اتصالا منزها عن القصور والاسقاط والرغبة ، فبدلا من ان يكون المفكر باحثا ينتقل الى طور المبحوث ، وهذه مشكلة تاريخية تؤشر مستويات الصعود والهبوط في منحى التطور الفكري والعلمي في التاريخ الانساني .
ان التشديد على الاختلاف بين منطق الاشياء ومنطق المفكر يشكل مدخلا حيويا للنمو المطرد لطاقة الابداع والكشف والاكتشاف . وبمثل ذلك يكون للتشديد على الاختلاف بين ما نعتقده حول الاشياء والاشياء ذاتها خطورته التي تتيح لنا على الدوام اصالة الابداع ، فالتصور به حاجة دائمة الى التأصيل عبر المحسوس ، والى التأصيل عبر التمثيل الممنهج والمبرهن .
ان الغاء المسافة بين منطق المفكر والمنطق الداخلي للاشياء والظاهرات بما في ذلك الفكر واللغة يتم عبر مفهوم الحواء ، فالحواء هو اصغر كينونة في الوجود ، والوجود كله ليس إلاّ حواء . وكذلك طرق التعبير عن الوجود الحسي او انعكاساته في الوعي والفكر فهي في الحقيقة كلها حواءات .
ان مفهوم (الحواء) غير مسبوق في المناولات المنطقية قبل ان نقدمه في هذه الاسهامة ، وله من التحديد ما ينفض من حوله ضبابية المفهوم وسيلانه ، كما انه محدد الى اقصى درجات التحديد مع انه مفهوم بديهي غني عن التعريف ، سوى ما يمكن الكشف عن كينونته ، ومن ثم صيرورته ، بنموه وضموره وزواله .
ان هذه المساهمة لم تولد من رحم الفلسفة ، فالفلسفة ما عادت الا محاولات اعمام تلهث وراء المعطى العلمي ،ولاتسبقه كما كانت قبل عصر النهضة . كما ان هذه المساهمة لم تولد من رحم المنطق بانواعه ، فالمنطق طريقة انسانية منظمة للوصول الى الحقائق بتصورها . انها تمثل ـ او هكذا اريدها ـ عملية تأصيل للوعي الانساني برده الى مورده الاول وهو ازدواج الواقع الحسي الغني عن البرهان لبداهته والوعي المبرهن للحواءات القصية عن حواسنا . واعتقد ان النجاحات الباهرة في العلوم والفنون العاملة في الحياة الانسانية تعود في المقام الاول الى الاحتكام للوقائع وصيرورتها وليس الى الايهامات التي تصاغ في كثير من الاحيان صياغات تبدو كما لوكانت نهائية في حقيقتها .
ما نقدمه في هذه الاسهامة هو طريقة لوعي منطق الاشياء ، وليس طريقة لوعي المنطق ، وبكلمات ادق ؛ طريقة لمنطق الوعي . كل المحاولات العلمية بما في ذلك المنهجية ، وبضمنها المنطق بكل مسمياته هي انجازات عظيمة في تقعيد الوعي الانساني ، والقليل منها مثل الجبر البولي والمنطق الضبابي ، مثلت وعيا مباشرا بالوقائع اولا ، وقدرة في اعادة تنظيمه ثانيا ، اما غيرها فهي ظلت اسيرة تراكم التصورات التي بدأت مجردة لا عن الصلة بحقائق الاشياء .
ان منطق الحواء هو منطق كل الوقائع المتشيئة دون استثناء ، على ان العدم ليس بشئ ، وعلى ان اللغة والفكر والفن والعلم كلها تمثل معطى تصوري لكل ما من شأنه ان يتشيأ ولو على مستوى التخيل .
ومفهوم الحواء ليس قرينة للاشياء حسب ، بل هو الاشياء ذاتها ، فهو حواء لما يحويه ، وان انتزاعه يؤدي فورا الى انفراط ما يحويه من تحويات ، فكل حواء يحتوي حواءات بدوره والى ما لاينتهي اليه العلم به . فكل حواء يحتوي حواءات لانهائية ، وان حيويته بقدر ما يحويه من حواءات وليس بحركته وتغيره ، وليس بصيرورته حسب .
ان الكلمة أي كلمة هي حواء يحوي حروفا وعلاقة تأليف ، والصورة الصوتية للكلمة حواء ، وصورته الكتابية حواء ، وكل حوية فيهما حواء .
وان أي نص مكتوب هو حواء يتحوى حواءات لانهائية من الاقترانات النصية الجزئية فيه ، او الاقترانات الفكرية او القيمية او صوره الفنية ، الا ان وصفه يبدأ من كونه حواء يتحوى حويات اساسية ، تتحوى بدورها حويات اساسية لكل حوية ، لكل حواء .
على ان لانهائية الحواء وامتداده في ابعاد مختلفة لايعني انه غير قابل للتحديد والتعيين ، بل بفضل لانهائيته يكون من اليسير تحديده بوصفه البديهية التي ترد اليها كل الصيرورات .
كانت اول انتباهة لي لمفهوم الحواء فيما درسته من نظرية المجموعات ووجدت ان هذه النظرية اولية ، ولو تم وضع مفهوم الحواء مفهوما مؤسسا لها لكانت المجموعة الشاملة المفقودة اقرب الى المنال ، فبقدر ما هو الحواء مفهوم اساسي ، اولي ، فهو ايضا معقد لكونه مركب ، فلو ابدلنا مفهوم المجموعة بمفهوم الحواء لكانت المجموعة مجرد حواء من الحواءات . ولأن البنيوية كما أصلّتها رياضياتيا في دراساتي المنشورة ، تقوم اساسا على دعامة هي في النهاية مجموعة مزودة بعلاقة او بعملية داخلية ، وفقا للتصور الرياضياتي لها ، فإن مفهوم الحواء الذي نؤسسه في هذه الاسهامة سيأخذ بمعطيات البنى الى آفاق رحبة ويسمح بانعتاقها من الانكفاء الداخلي الذي تبدو عليه مبرهناتها ، وبالمثل ان البنية ، أية بنية هي مجرد حواء من الحواءات . ولو تقدمنا خطوة باتجاه عمليات التحليل لهذين البنائين : المجموعة والبنية ، واعني به التبولوجيا ، لوجدنا ان كل حواء فضاءا تبولوجيا ، وكل تبولوجيا هي مجرد حواء .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: