في نقد المنطق التقليدي ..(2) السلب والعدول وغياب النفي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ نقد المنطق التقليدي

عبد الرحمن كاظم زيارة
تقسم القضايا الحملية باعتبار تحصيل طرف او عدوله الى محصلة ومعدولة . وان التحصيل والعدول حالات لكل من الموضوع والمحمول . وعندما يكون طرف ما من القضية ” محصلا ” فهو يدل على شئ موجود ، أما عندما يكون الطرف معدولا ، فمعنى ذلك دخول حرف السلب على وجه يكون جزءا من الطرف المعدول يحيل الى مصاديق اخرى ليس من بينها المعدول . نحو ” لا إنسان بنبات ” قضية معدولة الموضوع ومحصلة المحمول . و( لا إنسان لاحي ) معدولةالطرفين . و ( الانسان لاجماد) محصلة الموضوع ومعدولة المحمول . ويهمنا هنا بعد هذه التوطئة التعريفية للعدول ، هو الفرق بين القضية السالبة والقضية المعدولة المحمول .
عادة تستخدم الاداة ( ليس) في القضايا السالبة ، ويستخدم الحرفين ( لا) و (غير ) في عدول طرف القضية . وكل الادوات المذكورة هي ادوات سلب بحسب المنطق التقليدي . وهذا أمر فيه نظر كما سنرى اذا كان المسلوب اسما وليس فعلا من الافعال . فلوكانت هذه الادوات هي ادوات سلب فما الذي يوجب وجود العدول أصلا ، خاصة عندما تكون القضية الحملية معدولة المحمول ؟ ومالذي يوجب الفرق بينهما ؟ .

ان تصنيف القضايا الى محصلة ومعدولة في تقديرنا هو تصنيف لادوات السلب المذكورة ، وهو تصنيف لغوي محض لايتمخض عنه فرق منطقي ، بحدود مفهوم العدول في المنطق التقليدي وليس بمعنى العدول كما نفهمه باستخدام مبادئ نظرية المجموعات ، ومع ذلك يصر شراح المنطق التقليدي على وجود الفرق بين الاثنين من جهة المعنى ، والمنطق يأخذ بدأ ببناء القضية والمعنى اللغوي وان كان بينا الا أن المعنى المنطقي هو الذي يجب ان ينشغل به المنطقي . ان المعنى المنطقي للقضية صدقها او كذبها ، ويستمد من التحليل الداخلي للقضية ، وهذا التحليل ينصب على العلاقة الداخلية بين طرفي القضية . ومن المعروف ان المقصود بالقضية السالبة هي القضية المسلوبة المحمول نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب) ، اما القضية المعدولة المحمول فتعني حمل السلب على وجه يكون فيه السلب جزء من المحمول . نحو ( بعض الانسان لاكاتب) . ولو دققنا بالفرق بين ( ليس بكاتب) و( لاكاتب) من حيث القيمة المنطقية فلانجد فرقا ، ولكن لو اعدنا التدقيق من حيث تصنيف الانسان باتخاذ مبدأ للتصنيف أساسه ( كاتب ) فنجد ان المحمول بوصفه مجموعة شاملة يحتوي مجموعتين جزئيتين : الكتّاب ، واللاكتّاب . و( ليس كاتب ) تكافئ ( لاكاتب) ، كما في المثال ، إلا ان هذا التكافؤ يسقط في أمثلة اخرى ، نحو ( طلبة هذا الصف غير ناجحين) معدولة المحمول ما يعني ان الطلبة قد جرى تصنيفهم الى ناجحين وغير ناجحين ولكن سلب القضية في المثال لايؤدي الى ( طلبة هذا الصف ناجحون ) فقد يكون غير الناجح مكملا او راسبا . وعلى هذا فأن معدولة المحمول لاتتكافئ مع السالبة وباعتبار السالبة محمولها مسلوب .

ان مفهوم (القضية المعدولة ) يحيلنا الى مفهوم يغيب عن المنطق التقليدي وهو مفهوم ( الاتمام ) والاتمام عملية أحادية تنتج متممها دائما . فمتمم ( اللاحي) هو ( الحي) . ومتمم (الانسان ) هو ( اللا إنسان ) وبالعكس .
والخلاصة ان العدول تصنيف لغوي وليس منطقي ، ولكن يمكن التعبير عنه رياضياتيا كما ذكرنا ، وذلك عبر تحديد او تعيين المفهوم المعدول منجهة مصاديقه .

يساق فرق آخر بين المعدولة المحمول والسالبة وهو وضع ما يسمى بـ ( الرابطة ) في القضية الحملية . ويقصد بالرابطة الضمير (هو) ، وهو أمر طارئ على اللغة العربية قال به من يكتب في اللغة العربية ويفكر بغيرها . نحو ( الحديد معدن ) فتقدير الرابطة فيها كما يرد في المنطق التقليدي ( الحديد ـ هو ـ معدن )، وهذا ليس بالتقدير اللغوي الصائب ولا هو بالتقدير المنطقي الصائب . فمن الناحية اللغوية لايستخدم الضمير هو في مثل هذه الحالات كما هو معروف ، اما من الناحية المنطقية فهذا التقدير يتناقض مع قانون الهوية وهو واحد من قوانين الفكر الثلاثة التي يستند اليها علم المنطق منذ أرسطو . فالقول ( ب هو ب ) تعني هوية الشئ هو الشئ ذاته . ويتضمن هذا التعريف : المساواة في المجموعات ، والتطابق من كل الوجوه . الامر الذي يصطدم مع القول ( الحديد هو معدن ) ، بل القول الصائب يتخذ احد الاشكال التالية : ( الحديد معدن من المعادن ) ، ( الحديد ينتمي الى المعدن ) ، ( الحديد عنصر في المعدن ) .

ويترتب على ما يدّعى أنه رابطة في القضية الحملية ، خطأ آخر وهو أختلاف ( وضع ) الرابطة بالنسبة لاداة السلب في معدولة المحمول والسالبة .فيقولون ان ( المعدولة تجعل الرابطة فيها قبل حرف السلب لتدل على حمل السلب ) نحو ( بعض الانسان هو لا نبات ) ، ( والسالبة تجعل الرابطة فيها بعد حرف السلب لتدل على سلب الحمل ) نحو ( بعض الانسان ليس هو نبات ) . ان الرابطة ” هو” لاموضع لها في المعالجات المنطقية ، فالفرق المساق على هذا النحو ملفق بطريقة غير منتجة وينم عن اعتلال في وعي اللغة .

ان هذا الاعتلال اضطر بعض الكتاب الى القول في مباحث النقض بأن ( الموجبة المعدولة المحمول تُحوّل الى سالبة محصلة المحمول .. لأن مؤداهما واحد.. وان سلب السلب إيجاب ..) ! وقد توصلوا الى هذه النتيجة عندما شرعوا ببرهان قواعد النقض وهذا امر نوافق عليه لاسباب منطقية جرى اختبارها في المنطق الرياضياتي . إذن ما الداعي المنطقي لمبحث العدول اصلا ؟ .
اننا بهذه الملاحظة لانطالب برفع عبارات من قبيل ” لا إنسان ..” و” … لامعدن ” واضرابها من الامثلة التي تضرب في المنطق . ولكن نلفت الانظار الى ان العدول هو امر لغوي محض ، وبذات الوقت أمر يتعلق بتصنيف المجموعات وتكون معالجته عبر عملية الاتمام كما قلنا .
مرة أخرى يثير غياب مبحث النفي والاكتفاء بمبحث السلب في المنطق التقليدي إشكالات عديدة ، تظهر جلية في القضايا المسوّرة ، اي القضية التي تظهر فيها الفاظ الكم ( الكم هو سور القضية ) .

ان نفي القضية المسورة يؤدي الى تغيير السور ويغير كيف القضية ، والعدول هو تعبير لغوي آخر للسلب . هذا ما نعتقده ، وهذا ما اثبتناه في محله .
لذا فأن :
ـ نفي القضية الكلية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئية الموجبة .
ـ نفي القضية الكلية السالبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئية السالبة .

هنا لدينا ثلاثة عمليات : النفي ، السلب ، العدول ، على ان النفي اوالسلب يطالان القضية والعدول يطال اجزاء القضية ، احدهما او كلاهما ( الموضوع والمحمول) ..

ـ نفي القضية الجزئية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية الموجبة .
ـ نفي القضية الجزئية السالبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية السالبة .
ان عملية النفي لاتحول عدول الموضوع الى الحصيل ، وهكذا يمكن الاستمرا في استخراج بقية القضايا المسورة في احوالها الاخرى .. ( يتبع )

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: