العقل حواء للبداهة والروية ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك https://urukpace.wordpress.com

البداهة احدى قوتي الفكر ، اما قوته الاخرى فهي الروية . فالاولى الى الحس اقرب والثانية الى العقل اقرب . والروية هي النظر البرهاني ، تستحضر المنطق والبرهان والحجة . فيما البداهة قوة حاضرة سريعة الانقداح بسبب التراكم المعرفي والمران العقلي والدربة على القياس . فبين البداهة والروية علاقة تتام ، احداهما تتمم الاخرى في مجموع قوة العقل .

واذا شئنا تعبيرا آخر فهما ـ أي القوتين ـ حادثتان متنافيتان لاتظهران في وقت واحد ولاتختفيان معا ، واختفاء احدهما في وقت دون آخر. ان انبساط احداهما في العقل بقدر ما ، يعني انحسار الاخرى بذات القدر . فالروية بقدر معين ، مؤشر على نقص في البداهة بنفس القدر . والبداهة بقدر معين ، مؤشر على نقص في الروية بذات القدر أيضا . والانسان يستخدم هاتين القوتين في جميع خياراته وانماط تفكيره وقراراته .. وليس من الصعب تمييز القوتين في النشاط العقلي تحت اي ظرف . فالعقل حواء لهاتين القوتين : البداهة والروية ، وهما في وضع التنافي فاحداهما تقمع الاخرى ، وليس من الصعب تمييز القوتين في النشاط العقلي تحت أي ظرف .

ان ما يفيض عن البداهة ليس بديهيا فقط ولا مبرهنا عليه فقط ، وإنْ كان الامر يبدو كذلك كما لاينعدم ان يكون كذلك . بمعنى ان البداهة بوصفها نشاط عقلي ينطوي على عنصر المفاجأة في الوصول الى الحقيقة دون المرور بنسق دلائلي ذي صلة بالمفكر فيه قد ينتج عنه ” بديهية ” أو ” مبرهنة ” . والمفاجأة افصاح مختزل للتراكم المعرفي والخبرة العلمية تنقدح حتى ولو بحضور آني لملاحظة او لاشارة .

فلدينا تقابلان يصحان كمعطى اولي للصلة بين اربعة اشياء :

تقابل ( الفكري ـ الحسي ) ، وتقابل ( المنطقي ـ الحدسي ) .

والتقابلان يلمحان الى الفرق بين الحدس والبداهة .. والفرق بين المنطقي والفكري .
وهنا لدينا اربعة علاقات دالية ممكنة بين ” البداهة ” والروية ” من جهة وبين ” البديهية ” و” المبرهنة ” من جهة اخرى أخرى :

( البداهة ، البديهية ) ، ( البداهة ، المبرهنة ) ، ( الروية ، البديهية ) ، ( الروية ، المبرهنة ) .

فكل علاقة من هذه العلاقات هي تطبيق دالي ، مركبته الاولى قوة في العقل وتمثل جذرا للمتغيرالمستقل الذي هو العقل ، يستمد حواءاته من العقل ذاته وبالتحديد من الوعي ، ومركبته الثانية هي فعل القوة وتمثل أثرا للمتغير التابع ، يستمد حواءاته من القاعدة التي تنظم العلاقة بين المركبتين . فالبديهية والمبرهنة هما صور البداهة والروية. ويمكن اجمال التشكيلة العامة لهاتين المركبتين بحوائين اشمل فيكون سورهما ( = كم كل منهما ) كل المتغيرات المستقلة (= قوى العقل ) وصورهما كل المتغيرات التابعة (= صور العقل ) .

فضاء اوروك ـ العقل حواء للبداهة والروية


حواءات العقل 1

وليس لدينا ما يثبت وجود للعلاقة ( البداهة ، المبرهنة ) ، سوى العلاقة ( الروية ، البديهية ) فهي موجودة . بكلمات أخرى ان للروية صورتان هما : المبرهنة والبديهية . ذلك ان البديهية جزءا من البرهان . وتتحصل عن طريقي البداهة والروية . فالبرهان ايا كان ليس ناتجا عن البداهة .

والحدس هوفعل بدهي ـ من البداهة ـ وفوق منطقي ، والمنطق لاحدسي . لذا فأن معيارهما مختلف ، وبهما حاجة دائمة للاقناع الداخلي . فاذا كان المنطق واضحا في صوابه ، ومعيار الصواب فيه ما اتفق انه صائب من المقدمات سواء كانت بديهيات او مبرهنات سابقة ، فأن البديهية ليس لها مثل هذا المعيار .

فما معيار الصواب في البداهة اذن ؟

ان هذا السؤال يحلينا الى اعادة ترتيب :

ـ حواءات كل من البداهة والروية .. و الحدسي واللاحدسي .. و الالهام والمنطق …
ــ حواءات كل من البديهية والمبرهنة … المسلمة والقضية … المصادرة والمسألة…

ولنبدأ من العقل بوصفه وظيفة ، يؤدي عملية التفكير وينتج فكرا هو سلسلة من التصورات والاحكام المقترنة ببعضها البعض . فهو كما تقدم حواء لقوتين : البداهة والروية . أو الحدسي واللاحدسي ، أو الملهم والمنطقي .. هاتان القوتان تنتجان : بديهيات ومبرهنات ، في علاقة دائرية بين ما هوبديهي وما هو برهاني .

هل تتحول المبرهنة الى بديهية ؟ كلا بالطبع والمثل السائر حول كروية الارض لايصح مثلا لتحول المبرهن عليه الى امر بديهي . ان كروية الارض قضية قد تمت البرهنة عليها فهي ليست بديهية البتة . الا انها اضحت احد القضايا المعروفة والمتداولة لدينا كما لو انها مسلمة من السلمات الغنية عن البرهان . الا ان ثمة ” بديهيات ” اخذت صفتها هذه كونها بديهيات جراء تداولها على نطاق واسع كحقائق مسلم بها . والعلم لايعنى بهذا النوع من ” البديهيات ولا يتعاطى معها بصفتها هذه حتى يثبت انها بديهيات فعلا . نحو :
ـ ان الاعشاب الطبية ان كانت لاتنفع فهي لاتضر .
ـ المشي ضروري لهضم العشاء .
وغيرها ، وكلاهما يمكن نقضهما بسهولة . فالاعشاب الطبية ان صح القول فيها بأنها لاتضر ، فهذا يعني انها لاتنفع ، فهي اذن تضر في حال وتنفع في حال آخر كأي دواء . وضرورة المشي بعد تناول العشاء أمر مغلوط ، لان الدم يتركز في الامعاء بعد كل وجبة عشاء فلا ينصح عندئذ بالحركة او القيام بعمل عقلي كالدراسة والتأليف وحل المسائل العلمية . لهذا ينصح دائما بالرياضة قبل وجبات الطعام الرئيسية وليس بعدها ، او بعد فترة من تناول الوجبات .

والخلاصة بصدد البديهية هي :
ان البديهية قضية بسيطة تحتمل الصواب فقط . ولايحتاج في اثباتها الى البرهان ، فهي مسلم بها دون برهان .والتسليم بها أمر منوط الى الحس في المقام الاول حتى وأن لابسه ظل من الروية . فهي استدلال تجريبي ليس للعقل فيه الا التصديق والموافقة والمعايرة والمقايسة العينية .

أما الخلاصة بصدد البداهة :
فهي نمط للفكر الحاذق الذي استتبت فيه قدرة الاختزال الى بلوغ القدرة الحدسية والاستشفاف معا . فالتجريد هي معيار اول للبداهة .

البعض تختلط عنده ” البداهة ” بـ “البديهية ” بالرغم من وضوح حد كل منهما ، فاما البديهية فهي ليست البداهة ـ للبداهة لفظ آخر هو البدهية ـ والبديهية قضية مسلم بها دون برهان يمكن الوصول اليها بالبداهة او بالروية . والبديهية لها اسم آخر هي المصادرة ، ومن امثلتها ( المستقيم اقصر مسافة بين نقطتين ) و( الشمس تبعث لنا النور ) و( القمر يبعث لنا الضياء).

اذن :
جذور القوة في العقل اثنان : البداهة والروية
واثرهما : البديهية والمبرهنة

البداهة والبديهية يشكلان : حضور كلي البداهة.
البداهة والمبرهنة يشكلان : حضور جزئي البداهة.
الروية والبديهية يشكلان : حضور منطقي جزئي.
الروية والمبرهنة يشكلان : حضور منطقي كلي .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: