في نقد المنطق التقليدي ..(3) النسبة ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

في نقد المنطق التقليدي ..(3) النسبة

فضاءاوروك ـ نقد المنطق التقليدي

عبد الرحمن كاظم زيارة
تطرقنا الى مبحث النسبة في مطالعة سابقة ، من منطلق تقديرها اللفظي في المنطق التقليدي بالضمير المستتر (هو ) . وقلنا ان ذلك يتنافى وقانون الهوية (ب هي ب) ، بينما المراد في القضية الحملية ان ( ب هو حـ ) ، ب اسم و حـ اسم آخر او فعل وهما طرفا القضية الموضوع والمحمول ، فلايصح عندئذ القول ان النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية الحملية تعني ( ان هذا هو ذاك) في الايجاب و( ان هذا ليس ذاك ) في السلب .

وفي هذه المطالعة نتناول ( النسبة ) من منطلقات أخرى يعتمدها المنطق التقليدي ، لنخضعها الى النقد والتقريض والتقويم . فلقد وجدنا ان مفهوم النسبة في المنطق التقليدي غير محدد وفيه من الارباك الذي يضيع معه القصد .
ان تعريف النسبة بين طرفي الحملية بأنه (( اتحاد الطرفين )) يلزم عنه تطابق الطرفين ، وهذا ما لادفاع فيه . فكيف يكون التطابق بين الغزال والحيوان ؟ وبأي معنى يكونا متحدين ؟ فاذا كان القصد من اتحادهما اشتراكهما في التقسيم أو في الصفة او في الخاصة فهذا لايعني التطابق ، كما انه لايعني الاتحاد . ذلك ان الاتحاد عملية ينتج عنها ضم عناصر او مجاميع الى بعضها لتكون مجموعة أخرى . فالغزال فرد ينتمي الى جنس الحيوان ، فأين الاتحاد هنا . ولكن لو صنفنا الحيوان الى : بيوض وولود ، فهذان عنصران يسفر عن اتحادهما مجموعة الحيوان الشاملة لكلا الصنفين . والامر كذلك اذا ما اعتبرنا الصنفين هما مجموعتين جزئيتين وان اتحادهما يشكل مجموعة اشمل هي مجموعة الحيوان . ونخلص الى ان تعريف النسبة بين الموضوع والمحمول على انه اتحاد لهما يتضمن تصييرهما طرفا واحدا وبالتالي فأن النسبة تنتفي بينهما .وثمة بديل يلغي هذا الاعتلال سنوضحه في هذه المطالعة .

يرد مبحث النسبة في المنطق ضمن مباحث المفاهيم الكلية على اعتبار (( أن النسبة تكون بين مفهومين كليين )) . ولقد علمنا ان المفهوم الكلي ما كان يصدق على كثيرين ، وليس كذلك الجزئي فهو لايصدق على كثيرين بل يصدق على فرد لا اكثر . فلو دققنا الصلة بين تعريف المفهوم الكلي ووضع النسبة بين مفهومين كليين من ناحية ، وبين وضع النسبة بين مفهومين كليين و القضية الجزئية المقيدة بتعريف السور الجزئي والمفهوم الجزئي لظهرت تناقضات كثيرة . منها ان وضع النسبة المذكور يعني ارتفاع النسبة بين المفهوم الجزئي والمفهوم الكلي اذا وضعا بصفة طرفين في قضية حملية ، نحو ( زيد إنسان) فأن زيدا مفهوما جزئيا وانسان مفهوما كليا ومع ذلك فالنسبة قائمة بين زيد والانسان .
ثم ان النسبة في القضية الحملية الموجبة والصادقة تفصح عن (( ثبوت شئ لشئ )) كثبوت ( الانسان) لـ (زيد) ، بمعنى ان زيد الفرد الجزئي ينتمي الى المجموعة الكلية (= الشاملة ) التي هي الانسان .

يحدد المنطق التقليدي ثلاثة نسب تتفق ومقولة (( ثبوت شئ لشئ)) ضمن مباحث الكلي وهي :
نسبة المساواة :
نحو المساواة بين ( الانسان ) و(البشر) ، والمساواة بين ( الانسان) و(الناطق) . حيث ان المفهومين المتساويين لهما ذات المصاديق ، وان افرادهما غير مختلفي العدد ، نحو ( الانسان ناطق) فعدد الانسان يساوي عدد ما هو ناطق . وبكلمات اخرى ان ( الانسان ناطق) و( الناطق انسان) .

نسبة العموم والخصوص مطلقا :
فبالمقارنة بين مفهومي ( العراق ) و(البلدان العربية ) ، العراق ( اخص مطلقا ) نسبة الى البلدان العربية التي هي ( اعم مطلقا ) ، لذلك ان النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية ( العراق بلد عربي) هي نسبة العموم والخصوص مطلقا بحسب مصطلحات المنطق التقليدي .

ان مصطلحي ( الاخص مطلقا ) و( الاعم مطلقا ) يمكن معالجة ما فيهما من نحت غريب ونأيهما عن اللفظ الصائب والدلالة المباشرة ، بإبدالهما بالاصطلاح على الحالين فيهما ، وهما نسبة الموضوع الى المحمول ، ونسبة المحمول الى الموضوع .
ففي الاولى اذا كان الموضوع فردا من افراد المحمول فالنسبة هي ( علاقة الانتماء) او الوجود بنفس المعنى فالانسان موجود (= ينتمي) في الممجموعة الشاملة التي هي مثلا ” حي ” فعند القول ( الانسان كائن حي) نسبنا الانسان بصفته احد الكائنات الى الكائنات الحية . بمعنى ان الانسان ينتمي الى الكائنات الحية . هذا اذا واذا فقط وضعنا الانسان عنصرا في مجموعة اشمل هي الكائنات الحية التي تضم النبات والحيوانات الاليفة والحيوانات البرية والحيوانات المجهرية وكل الحيوانات التي تتنفس وتنمو وتتغذى وتتكاثر . واما اذا كان الموضوع هو مجموعة تضم عناصر معينة تعيينا جيدا وهي جزء من مجموعة اشمل فنسبة الموضوع الى المحمول هي ( علاقة المجموعة الجزئية ) فنقول مثلا ( مجموعة الزواحف مجموعة جزئية من الكائنات الحية) .
اما في الثانية فأن العلاقة تكون ( علاقة الاحتواء) وهي تفصح عن نسبة المحمول الى الموضوع فهذه النسبة في القضية ( الانسان حيوان) تعني ان الحيوان يحتوي الانسان ، بمعنى ان الحيوان مجموعة شاملة تضم في عضويتها الانسان ، ولايمتنع بالضرورة ان تحتوي كائنات أخرى .

ان مفهوم المجموعة يقدم معالجات وحلول لكثير من الاعتلال المنطقي في المنطق التقليدي . وأن المجموعة بمفهومها العام تضم أفرادا او عناصر لها خاصة او صفة مميزة تشترك بها كل العناصر ،الا انها مختلفة في ناحية او في وجه من الوجوه ، كمجموعة الزهور { القرنفل ، الجوري ، الياسمين ، …} فكل زهرة من هذه الزهور عنصر في المجموعة وان وجود الزهرة المعينة فيها يبرره اختلافها مع الزهور الاخرى : ( القرنفل زهرة) ، ( الياسمين زهرة ) ، …

3 ـ نسبة العموم والخصوص من وجه :
وهي نسبة بين المفهومين اللذين يشتركان في عدد معين من المصاديق ، ويفترقان في مصاديق أخرى …ان النسبتين المتقدمتين ” المساواة والعموم والخصوص مطلقا” تشترك في خاصة واحدة وهي ان كل افراد الموضوع موجودة في المحمول . وفي هذه النسبة الامر مختلف فثمة افراد للموضوع موجودة في المحمول ، واخرى غير موجودة فيه . كالنسبة بين الطير والابيض .. الطير مفهوم كلي يضم في مجموعته ” كل الطيور” ، و” الابيض” مفهوم كلي ” يضم في مجموعته “كل الاشياء ذات اللون الابيض ” . ووجدنا في هذه النسبة يجب ان يكون الموضوع مسورا بالسور الجزئي فلايصح القول ( الطائر اسود) لأن ذلك يدخل في علم السامع ان كل الطيور سوداء وهي ليست كذلك سوى الغراب فهوطائر اسود ، وربما غيره ، وثمة طيور بيضاء ، ومتعددة الالوان ، وترابية اللون ، وغيرها .هذا اذا كان القائل لم يعين طائر بعينه .

إذن ان هذه النسبة تصح بين مفهومين خارج ارتباطهما في القضية الحملية وليس فيها ، بمعنى انها ليست نسبة بين موضوع ومحمول ، لأن هذين طرفان لقضية ، والنسبة المذكورة هي نسبة مدعاة بين مفهومين قبل ادراجهما في قضية ، فاذن لاتدخل هذه النسبة في القضايا وانما منحصرة بين المفاهيم الكلية .ونضيف ان هذه النسبة لاتصح في القضية الحملية المجردة من السور وينبغي ان تكون في الجزئية الموجبة ، نحو ( بعض الطير أسود) اشارة الى الغراب . ( بعض الزهور ابيض) اشارة الى زهرة بيضاء كالقرنفل . ولقد تولينا معالجة منطقية لهذه النسبة باستخدام مفهوم المجموعة ودالة الانتماء . وخلاصتها : نحدد اولا العناصر غير المشتركة بين الموضوع والمحمول ، مثل ( الاحمر ) و( الزهرة) ولو على مستوى التصور ونحصر ، من ثم ، العناصر المشتركة فتكون لدينا نسبة واضحة هي ( نسبة التقاطع) ، على ان هذا المصطلح ليس نهائيا وانما يصف الجانب الحسي للنسبة في هذه الحالة . ان مجموعة التقاطع بين الموضوع ( الزهرة) والمحمول ( الاحمر) هي المجموعة التي تضم كل العناصر المشتركة بينهما فتكون : مجموعة الزهور الحمراء .( بعض الورد الجوري أحمر).

ولابد من ملاظة اخيرة :
اللافت ان شراح المنطق التقليدي في الوقت الذي يفتعلون فيه وجود النسبة المقدرة ( هو ) في القضية الحملية ويقدرونها تقديرا فيظهرونها كما في ( الانسان حيوان ) فيقولون ( الانسان هو حيوان) ولكنهم يتغاضون عن ادوات صريحة في القضايا المركبة مثل ” أو” ، ” و” وغيرهما ، ولايتوقفون عند وظيفتها المنطقية وهي وظيفة اساسية دون شك . فهم يغضون طرف البحث عن خطورة الاداة الشرطية ” اذا .. فأن ” فينحوها عن التحليل والاعتبار المنطقيين .نحو ( إذا أشرقت الشمس فأن النهار موجود) فيعتقدون بأزائها ان النسبة هي التصاحب مثلا ويمنحون مثل هذه القضية اسما هو ( شرطية متصلة ) . أي بطريقتهم هذه ” يجلون ” ما يعتقدون أنهم باطن ، وينحون ظاهرا بيّنا فيغطسون به الى النسيان . ( يتبع )

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: