النظام البدهي للحواء ـ (1) الجوهر والثنائية بين الخصب العلمي والتعطيل ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

الفصل الاول
(النظام البدهي للحواء )

فضاء اوروك ـ منطق الحواء

عبد الرحمن كاظم زيارة
(1) الجوهر والثنائية : بين الخصب العلمي والتعطيل
بدأ لابد من الكشف عن صلة مفهوم الجوهر ومبدأ الثنائية من جهة ومفهوم الحواء من جهة أخرى ، لكي نبعد ما قد يشوب مفهوم الحواء مما يعتقد انه منقاد اليهما ، او متنافر معهما .
ان الحواء الذي نقول به لاينصرف الى ما يحيط بالاشياء احاطة تامة او انه مجرد شكل بالمفهوم الذي ورد لدى كانط وبروب وغيرهم من الشكلانيين ، بل هو الحواء الذي يفصح عن طريقة بناء ليستغرق كل ماله صلة بالشئ : شكله الخارجي وصورته ومضمونه ومحموله ومكوناته الداخلية والخارجية وصلاته بالاشياء الاخرى .
ولكي نقطع الطريق على ما قد يحتمل ان يتصوره القارئ من ان مفهوما جديدا يضاف الى نظرية النقد الادبي في داخل سياق تقابل الشكل و المضمون ، نقول ان المفهوم الجديد يجد تعبيره الكامل في اصطلاح : الحواء المتغير . ومن هذا المصطلح ، وانطلاقا منه ، تتأسس تحويات تستغرق مفاهيمها وأسسها كل ما له نظام ، وكل ما يمكن ان يشاد بنظام سواء كان مادي او روحي ، حسي او تصوري .
لقد هيمن مبدأ الثنائية على الفلسفة والعلوم ونقد الاعمال الابداعية ردحا طويلا من الزمن ، حتى عُدَّ مبدأ الخصب والتخيل العلمي لقرنين سابقين في الاقل ، والاساس الاول في تأسيس المعرفة الانسانية . وهو على أي حال عُدَّ تكريس لأحد تداعيات مقولتي الجوهر والعرض كما صيغت في الفلسفة التقليدية والحديثة منذ افلاطون وسقراط . ولعل من السابق لأوانه القول ان الثورات العلمية في القرن الماضي والحالي ما كان مقدرا لها الظهور ، إلا بالتحرر من التصنيف الثنائي المتقابل : الجوهر والعرض ، على مستوى الوعي. إلا ان القول ـ وهذا ليس اعتذارا بل إقرارا ـ بأن الثنائية قد أسست نسقا معرفيا غطى احتياجات مرحلة تاريخية سابقة بمعطياتها ـ لكنه لم يتوصل على نحو كامل ومتكامل الى منطق موحد يتجاوز المسارات الضيقة والمعطلة في الثنائيات العقيمة على مستوى العلم ، ومسارات قاتلة ومعطلة ومشوهة لبناءات المجتمع الانساني .
فما هي علاقة الثنائية بمقولة الجوهر ، وما علاقة كل ذلك بفكرة منطق الحواء ؟
لقد أسس التصنيف المزدوج ، ومنه : الجوهر والعرض لثنائيات ،غطت معظم العلوم والمعارف الانسانية ،ولقد واجه هذا التصنيف اعتراضات خجولة تارة واعتراضات صاخبة تارة أخرى. ففي سبيل المثال ان رولان بارث يقرر ( ان اهمية وبساطة التعارض (مُعْلَم / مُغـْفل ) وهو تعارض تناوبي اساسا ، قد افضيا الى التساؤل عما اذا لم يكن من الضروري تقليص كل التعاراضات المعروفة الى النموذج المزدوج . أو بعبارة أخرى ؛ عما إذا لم يكن الازدواج واقعة كونية . والتساؤل ، من ناحية أخرى عما اذا لم يكن ـ وهو الكوني ـ ذا اساس في الطبيعة . بصدد السؤال الاول ؛ من المؤكد ان الازدواج واقعة عامة جدا ، من المبادئ المعترف بها منذ قرون .. إلا اننا اذا تركنا صعيد التقنية وعدنا الى صعيد الانظمة غير المصطنعة ، فأننا سنجد ان كونية الازدواج موضوع شك كبير ) (1) . وبالمثل فأن دي سوسور لم يتصور المجال التجميعي على انه مزدوج ابدا فهويقول (كأن اللفظ مركز لكوكبة ، والنقطة التي تلتقي فيها الفاظ مترابطة غير محددة المقدار ) ( 2). إلا انه قد نظر الى الصوتاتية التي اثارت الانتباه للازدواج في اللغة . كما ناقش مارتيني كونية الازدواج ودقق فيها ووجد ان التعارضات المزدوجة هي الاغلبية ولكنها ليست هي الكل (3).
وفي مجال آخر يشن مؤلفو” ليس في جيناتنا ” (4)،حملة على اصحاب مذهب الثنائية في علوم البايلوجيا والاجتماع والسياسة ، حيث التكريس المفتعل للعنصرية وازداوجية المعاييرواللتان صيغتا من ركام من التزييف العلمي ، او انحراف في النظرة للمعطيات العلمية في العلوم الطبيعية بخاصة ، الامر الذي كرس ما سمي بالحتمية البايلوجية ، تلك الحتمية التي تؤبد وراثة الصفات العقلية والثروة والمكانة الاجتماعية عبر الجينات الوراثية للاقوام او المجموعات الاثنية .
يُعرَّف ( الجوهر ؛ بأنه القائم بنفسه ، الحامل للاعراض ، لاتتغير ذاته ، موصوف واصف. والفصل بين الجوهر والعرض : ان الجوهر لايقبل الزيادة ولاالنقصان ، والعرض يقبلهما) (5).
وعند مستوى معين من الكشوفات العلمية ، وتحديدا قبل اكتشاف طبقات الطاقة في التركيب الذري للذرات ، ظل مفهوم الجوهر ذا وظيفة تصنيفية تهمش ما عداها في كل الابنية والتركيبات على اختلاف طبيعتها وكيفياتها وتجلياتها . بمعنى ان التزام مفهوم الجوهر مقابل العرض مثل مرحلة معرفية تجاوزها الزمن بفعل الاكتشافات التي تمت على صعيد كيمياء وفيزياء الذرة والتي اثبتت ان ما يعتقد بأنه جوهر لايحول ولايزول ولا يتغير ، هو اعتقاد غير صائب . فالكتلة قابلة للتحول الى طاقة ، وهذا تغير لو نظرت له ، تغير ” جوهري ” ، أي ينقل المادة من جوهر الى آخر فليس ثمة جوهر بدلالة هذا التحول . وهذه احدى معطيات العلاقة التالية التي اقرها انشتاين :
الكتلة = الطاقة مربع سرعة الضوء
فلقد وجد ان كتلة ذرة نظير مستقر تزن دائما اقل من مجموع اوزان النويات والالكترونات التي تتكون منها . ان الكتلة المفقودة تحولت الى طاقة تدعى طاقة الارتباط النووية وهي الطاقة الضرورية للتغلب على التنافر بين البروتونات الموجبة وللمحافظة على النويات سوية داخل النواة ضمن حجمها الصغير جدا .
كما ان امكانية تحلل التركيب الجزيئي الى ذرات حرة ” أو عناصر نبيلة ” قد وسع من البرهان التجريبي على تقادم مقولة الجوهر امام تدفق المعطى العلمي الهائل والسريع ، فما ان يقرر جوهر حتى يطاح به بالتحليل ، تحليل ما كان يتصور انه بسيط ، فالجوهر كل ما كان بسيطا . ان الاستحالات التي يمكن ان تمر على الماء بفعل التغير في درجات الحرارة لتحيله الى بخار او سائل اوجليد ، هي استحالات لاتطيح بجوهر الماء بل تغير عرضه . الا اننا ونحن ننشد العلم والعلم هو علم بالكليات ، فأن الاستحالات هذه ليست نهاية المطاف إلا اذا عَدَدْنا ان هذه الاستحالات هي وحيدة ولايمكن تجاوزها الى ما هو اعمق اوعلى مسارات أخرى . ولكن التحليل بفعل الاستقطاب القطبي بأمرار التيار الكهربائي في الماء ينتج عنه ذرتا اوكسجين وذرة هيدروجين ، الامر الذي صيّر الماء شيئين آخرين ، وبهذا تنتفي مقولة الماء كجوهر / بسيط . فالماء ذات بحسب تعريف الجوهر ، أضحى قابل للتغير في ذاته وفق شروط معينة وممكنة . وبهذا علينا اختيار ” تعبير ” آخر يستوعب احتمالات التغيير بأنواع وكيفيات ومسارات مختلفة ، بعد ان رأينا ان الجوهر ليس بالتعبير الصائب اطلاقا ، لنسبيته ، بل تعبير معطل لانفتاح الوعي على كشوفات دائما تطيح بما يعتقد انه جوهر ، ليس في الجواهرومحيطها بل في وعينا نحن وما قد ننظمه من تصورات تبسيطية عقيمة .
يقول انشتاين ( اننا بمعونة من النظريات الفيزيائية ، نحاول ان نشق طريقنا من خلال متاهات الحقائق المشهودة لكي ندير عالم انطباعاتنا الحسية ونفهمه . فمن غير الايمان بامكانية الامساك بالحقيقة بمعانينا النظرية ، ومن غير الثقة بالانسجام الداخلي لعالمنا ، لايمكن ان يكون هنالك علم . ان هذا الاعتقاد سيكون على الدوام ، وسيبقى ، الدافع الاساسي لكل الابداع العلمي )(6) . اذن ، مقولة الجوهر ليست الا اعلان عن توقف العلم ، بتوقف القدرة على تحليل ما يعتقد انه ثابت ، فالجوهر ازاء الاكتشافات العلمية الخطيرة على صعيد التركيبات النووية والفلكية اضحت مقولة نسبية متغيرة ، متنقلة حيث ينتقل المعطى العلمي وهذا يخالف هوية الجوهر ذاته ، فالماء كان يعد جوهرا ، أي قابل للتجزئة الى جواهر متعددة واذا بنا بازاء حقائق وجواهر تنبثق عن التحليل الكيمائي للماء فهو موجود في حالاته المتغيرة والمختلفة كلها ، واجزائه وذراته موجودة بغير صيغة الماء ايضا ، وان اجزائه وذراته وبروتوناته والكتروناته ونيتروناته ليست وقفا عليه ، ولا وجودها موقوف عليه . وبما أنه ماء فهو طريقة بناء وصيرورة ، وليس بجوهر(7).
إن مقولة الجوهر ، تقرر ثبات المعطيات العلمية ، عندما تتضمن اعتقادا بثبات الذات ، أي ذات الشئ . بمعنى انها تعد المعطيات العلمية حقائق معرفية نهائية ، غير قابلة للتغير والتطور ويمكن ان يبنى عليها نظرة توحيدية وكونية في آن ، على وفق سياقها . إلا ان الثورات العلمية منذ بداية القرن العشرين قد اطاحت بهذا المنحى الذي انتج زيفا واقام تعطيلا في مضمار الفلسفة ونظريات علم الاجتماع والتعليم والاقتصاد والسياسة . فلم تعد الصورة التقليدية للنواة الذرية المحاطة بالكترونات مدارية قائمة اليوم ، وقد استعيض عنها بوصف لايكون فيه موقع الالكترونات معروفا برغم وجود امكانية للتنبؤ بمواقع محتملة رياضياتيا . فلقد تم اكتشاف جزئيات فلزية نووية داخل النواة فضلا عن البروتون والنيترون اللذين كانا معروفين ، وقد سميت هذه الجزيئات بالميزون المزدوج او البايميزون وهو موجود بثلاثة اشكال مختلفة تتألف بالاساس من ثلاث كتل متماثلة ولكن بشحنة كهربائية مختلفة .
وفي الخمسينات تم اكتشاف أن لكل جزئ يوجد بازاءه جزئ مضاد ، متساويان في الكتلة ويختلفان في كل الصفات الاخرى ، اضافة الى اكتشاف ما سمي بجزئ لمبدا ، وهو عبارة عن مجموعة من الجزيئات المتشابهة والتي سميت ايضا بالجزيئات الغريبة لأنها لم تكن متوقعة على الاطلاق ، وان غرابتها انها مشابهة الى حد ما للشحنة الكهربائية وتنتج بسرعة فائقة على هيئة ازواج ولكنها تضمحل ببطء شديد (8). ومع ذلك ان المعطيات العلمية السابقة على هذه الاكتشافات مثلت مرحلة سابقة في تاريخ العلم وبالتالي فأن لها تطبيقاتها المثمرة في حينها .
ان الجنس البشري تعرض للابادة والحروب والتمييز العنصري والعزل والتجويع ، بسبب اتجاهات تبسيطية اسقطت المعطى العلمي ” الجوهري في طبيعته ” في تلك المرحلة على الحياة الاجتماعية للبشر . والاتجاه التبسيطي مجموعة من المناهج والطرائق لتفسير عالم الاشياء المادية والمجتمعات البشرية معا وفي وقت واحد ، وبمعيار واحد . ولعل الديكارتية والماركسية والنازية الالمانية ومنهج المحافظين الجدد في الولايات الامبريالية المتحدة الامريكية والمملكة الامبريالية المتحدة ، نماذج انتجتها دينامية تبسيطية مفتعلة ، عمادها مقولة الجوهر الثابت الذي لايحول ولايزول ولا يتغير ، كأنها مسكوكات ابدية ونهائية في احكامها ، تنظم المجتمع وفق تقسيمات على أسس من الحتميات البايلوجية تارة والحتميات الثقافية تارة اخرى ، تتمدد رؤيويا وايديولوجيا لتكرس ازدواجية المعايير . فدماغ الزنجي كما يدعون اصغر من دماغ الابيض وكذلك معامل ذكائه ، وهكذا تنتظم سلسلة الاختلافات المبررة لكل السياسات العنصرية المبنية على ثنائية مادية سمحت لنفسها بالتشيّئ على مستوى النظريات الاجتماعية والسياسية ، لتشمل مقولات الحرية التي لايستحقها الا صنف معين من البشر . والتي تبرر سياسات الاحتلال وهي المعادل الحركي للتمييز والاقصاء العنصري . وما احتلال العراق من قبل الولايات الامبريالية الامريكية المتحدة تحت اسم ذي دلالة واضحة في زيفها وهي ” عملية تحرير العراق ” ، وقبل ذلك السياسة العنصرية الصهيونية التي انتجت الكيان الاسرائيلي الصهيوني على حساب الحق العربي الفلسطيني في فلسطين العربية المحتلة ، هي تطبيقات لمقولة الجوهر التي كرست ازدواجية المعايير .
لقد كان كافيا حتى الخمسينات وتحديدا قبل تفسير الشفرة الوراثية ، لتفسير الكون البايلوجي والبشري معا عن طريق فهم ثلاثية :
التركيب : أو الجزيئات التي يحتويها الكائن .
• والبنية : أوطريقة تنظيم هذه الجزيئات في الفراغ .
• والدينامية : أو التفاعلات الكيمائية ما بين الجزيئات .
حتى اصبح تاليا من الضروري واللازم إضافة مفهوم رابع هو “المعلومات” التي تنتقل الى البروتين . والأمر لايتوقف عند هذا الحد فيما تتحواها طرائق تشكل بايلوجية الانسان ، وما تتحواه طرائق تشكل المجتمع البشري او المجتمعات البشرية المحلية . بكلمات اخرى أن هذه الثلاثية ومن ثم الرباعية تظل قاصرة في الكشف الشامل عن كل ما يتعلق بقطاعين هما البايلوجيا والمجتمع ، فكيف اذا كانت هذه الطرائق يراد منها ان تكوّن رؤية شاملة ، او كونية ، عبر حتميات بايلوجية او ثقافية او سواهما يجري توظيفها في تبسيطات هي في الاغلب ذات نتائج كارثية على المستويين الابستملوجي والانساني . فنحن ننظر الى كل من التركيب والبنية والدينامية والنظام وسواها ، بوصفها طرائق منهجية محدودة بخصائص معينة دون سواها للاشياء عندما تكون قيد الدراسة .
وعلى هذا فأن نظرية المعرفة بها حاجة الى مراجعة جذرية وشاملة ، تتجاوز كل ما من شأنه تضييق الافاق العلمية بالتوقف عند محطة تطورية ما . وان هذه الحاجة تتمثل في هذا العصر ، بالمفهوم البدهي للحواء ، وهومفهوم كلي وشامل . لايعني بقشور الاشياء وصورها وظواهرها حسب بل هو مفهوم يستغرق كل شئ وفي أي شئ . بمعنى ان الاشياء مهما أختلفت هي حواءات تتحوى وفق طرائق معينة من تحويات متعددة ومتغيرة في آن واحد . ومفهوم الحواء لايطرح بوصفه اضافة او ملحقا بنسق معرفي ما ، بل هو مفهوم يؤسس لرؤية في المعرفة غير مسبوقة ، وتفصح عن ذاتها بأصالة متفردة .
((يتبع))

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: