توازن المقالة في المقابسات (مقالة المنزلة نموذجا) ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

توازن المقالة في المقابسات
( مقالة المنزلة انموذجا )

عبد الرحمن كاظم زيارة
توطئة اولى

فضاء اوروك ـ قضايا واراء

المقابسات لابي حيان التوحيدي تضم مئة وستة مقابسة ، كتبها عن افواه شيوخ عصره وليس له منها سوى حظ الرواية عنهم وما كان في ديوان الحفظ كما قال. إلا ان الثابت في الحقيقة ان التوحيدي قد حرر المقابسات باسلوبه البياني والبلاغي ، بمكان ارتقت معه الى مستوى الادب الرفيع ، مازجا بين المعطى الفلسفي والصناعة الادبية ، طارحا الغموض من كليهما عبر الايضاح البلاغي.
وفي كل الاحوال ان نسبة المقابسات الى شيوخ ذكرهم التوحيدي باسمائهم ، لايعني ان جهده كان قاصرا في التوثيق والتسجيل .. فهذا امر لايستقيم لشخص مثله لما عرف عنه من سعة اطلاع على علوم زمانه ، وما عرف عنه من غزارة انتاج معرفي . فلقد كان في مقابساته مُحررا و مبيّنا وواضعا ، مقربّا ومقوّما ومضِيفا، عن علم ٍ ودراية ٍ واختيار.
ان فضاء كل مقابسة نشأ عن ثلاثة اقسام : اشارات تُصرِح باسماء المتقابسين والظروف المُحايثة لحصول المقابسة ، وموضوع ـ او موضوعات ـ المقابسة ذاتها، والخاتمة حيث ينطلق التوحيدي عبرها بما يطيب له من الكلام حول ما سمع او اقتبس او باثّا شكواه من الفقر وانحلال الجملة ومغادرة الاصحاب ،او مقرّعا النفس على تباطؤها في اغتنام الفرص في الدنيا لتكون غنيمة له في الآخرة . ففي هذا التفصيل فسحة اتسعت لفنون ادبية شتى كتبها التوحيدي في مقابساته فكانت الحكاية والشعر والمقالة والعبارات التي تجري مجرى الحكم والاقوال ، وضّفها جميعا كأمثلة توضح او تجسد المعتقدات الفلسفية ، فكانت بحق فنون ادبية تندرج جميعها تحت الادب الفلسفي .
ولانعني بالمقالة الفلسفية كل الكلام الذي تناول القضايا الفلسفية فهذه لها فسحتها الاخرى من البحث وهي تشكل لبّ المقابسات باعتبار قيمتها الفكرية والفلسفية (1)، انما هي تعقيبات او تنويهات او ملاحظات او استطرادات، ذات ابعاد فلسفية ،غالبا ما يختتم بها التوحيدي المقابسة موجها خطابه مباشرة الى القارئ او الى من يشير اليه تصريحا او تلميحا .
مقالة المنزلة

فضاء اوروك ـ قضايا واراء

يذكر ابو حيان التوحيدي في المقابسة 43 ما قاله العامري ( ابو الحسن محمد بن يوسف ) وكان من اعلام عصره ،( ان الطبيب اخو المنجم ، ونظيره وشبيه الحال به ). معللا ذلك بالفرق بين الطب والتنجيم ، ثم ، منعطفا على الشبه الكائن بينهما . وقد تكررت مفردة ( قال ) اشارة الى العامري اربعة مرات ، ووظيفة هذا الفعل في المقابسات لوصل ما انقطع من تسلسل الكلام احيانا ، والانتقال من موضوع الى آخر او من جزئية الى جزئية اخرى لموضوع وقد انفصم عنهما الرابط والتسلسل ،او للاشارة على قائل آخر في احيان اخرى . الا انا لم نجد لتكراره لمفردة قال في هذه المقابسة مُسوّغا ، فكلام العامري موصول ببعضه ، متسلسل في تعليله ، منتظم في ايضاحه. واظن ان ابي حيان التوحيدي باستخدامه لهذا الفعل على النحو المتكرر ، انما يريد تنبيه القارئ ان هذا القول ليس قوله بل هو قول قد قاله شيخ بعينه ، ذلك هو العامري .
فبعد (قال الثالثة ) يثبت ما اسميناها بمقالة المنزلة ، وهذا نَصُّها :
( المرض والعافية في الابدان بمنزلة الغنى والفقر في الاحوال .
والغنى والفقر في الاحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب .
والعلم والجهل في القلوب ، بمنزلة العمى والبصر في العيون .
والعمى والبصر في العيون ، بمنزلة الشك واليقين في الصدر .
والشك واليقين في الصدر بمنزلة الغش والنصح في المعاملات .
والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الاعمال.
والطاعة والمعصية في الاعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب .
والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الافعال .
والخير والشر في الافعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع .
والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الوصل والهجر في العشرة.
والوصل والهجر في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الاشياء .
والرداءة والجودة في الاشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الامور .
والفساد والصلاح في الامور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب .
والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة العي والفصاحة في الالسنة .
والعي والبلاغة في الالسن بمنزلة الاعوجاج والاستقامة في الاعضاء .
والاعوجاج والاستقامة في الاعضاء بمنزلة الحياة والموت في الاجساد .
والحياة والموت في الاجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب .))(3).
واراد العامري من هذه المقالة اقامة الدليل على الترابط بين ما يختص به علم الطب وما يختص به التنجيم ، من خلال وحدة الغاية لكليهما ، على الرغم من الفرق بينهما . وهذا امر اثبته العامري في المقابسة المذكورة .
ما يهمنها من هذه المقالة الوقوف على خصائصها التحليلية انطلاقا من خصيصة توازن النص : كميا ومعنويا.

اولا : في معنى المنزلة
ومن المفيد ولاغراض التحليل ان نقف على معنى (المنزلة ) كما وردت في هذه المقالة. ففي مختار الصحاح في مادة نزل : (المنزل) المنهل والدار والمنزلة مثله. والمنزلة ايضا المرتبة لاتجمع . والتنزيل ايضا الترتيب (4).ولايختلف هذا المعنى عن المعنى الذي استخدمه التوحيدي في مقابساته إلا جزئيا حيث ان المراتب هي منزل الضعة والرفعة كما في العبارتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة . وللتدليل على موافقة المعنى المعجمي المذكور للمعنى لدى التوحيدي نذكر انه قال بشأن النفس في موضع آخر ( منزلة النفس في البدن كمنزلة الدرة في الحقة ، والجوهر في عمق البحر ، فليست النفس في حكم البدن ، ولا حالها اللائقة بها حال الكائن الفاسد) (5) . ومنزلة الشئ في الشئ او من الشئ هي مرتبته ، ففي مختار الصحاح ايضا : (الرتبة ) و(المرتبة ) المنزلة و(رتَب ) الشئ ثَبَت وأمر (راتب) أي دائم ثابت (6).
فلدينا إذن :
О دلالتان لمفردة المنزلة ، تتحدان في المعنى ، وهما : المنهل ، وهو يدل على مورد يرد منه الشئ . والدار : وتدل على المثوى والموضع .
О ومعنى ثان ٍ هو الرتبة ، وهو ينطوي على التفاضل .
والفرق بينهما ، فرق فلسفي ينشأ عن فرق دلالي محض من جهة وفرق في الحقيقة من جهة ثانية . وهذا الفرق شبيه بالفرق بين دلالتي المعنى الاول . فالثنائيات الواقعة علي يمين كل عبارة من عبارات المقالة هي كالثنائيات الواقعة على يسار نظيراتها من حيث :
1 ـ ان الثنائيات واردة من مناهلها ، كالابدان او الاحوال أو … الى آخره .
2ـ (أو) مثواها وموضعها وحواؤهما كالابدان او الاحوال أو … الى آخره .
وهذا ينصرف الى اتحاد الدلالتين 1 ، 2 المتضمنتين في مفهوم المنزلة ، ذهنيا .
3ـ ان الثنائيات مرتبة ترتيبا منتظما لايعلو منها شئ على شئ ولايهبط منها شئ عن شئ ، لدوامها على ثبات المرتبة ، على فرض تكافؤ مواردها او مواضعها او مراتبها .
إلا ان هذه المعاني بها حاجة الى التدقيق على الحقيقة ، والنسبة ، والعلية . وربما تَشخَصُ هذه الدلالات كلها في العبارة الواحدة او بعضها .وهذا ما سيكشف عنه التحليل اللاحق .

ثانيا : التوازن
التوازن هي اولى خصائص المقالة في المقابسات والتي تلفت الانتباه اليها دون عناء (2) . ومن خصيصة التوازن تفيض خصائص تحليلية اخرى .ان تعبير الخصائص التحليلية غريب في الاصطلاح اللغوي والادبي واللساني، ولم نجد منه بد،فلا اصطلاح الخصائص الاسلوبية ولا اصطلاح التحليل البنيوي بنافعين للكشف عن الخصائص التي قصدناها . فالتعبيرالذي اخترناه ،فيه من الاتساع الفائض عن حاجة هذه الدراسة. انه جامع وليس بمانع ، الامر الذي يضطرنا للتصريح الفوري عن حدوده. فالخصائص التحليلية ،بحدود هذه الدراسة ، هي الخصائص التي تتمتع بها العلاقات الداخلية للنص حسب . وسنذكر مفهومنا لكل خاصة منها منعا للبس والغموض والاختلاط .
ان التوازن الكمي للمفردات ظاهرة جلية في مقالات المقابسات ، وفي هذه المقالة اكثر وضوحا من غيرها . فكل ثنائيتين متلازمة مع حوائهما . اما التوازن المعنوي فيتجلى بقيمتي الثنائيتين اينما ظهرتا، وهما على وجه الحصر قيمة موجبة واخرى سالبة ، او قيمة سالبة واخرى موجبة . وللاختلاف في الترتيب اهمية تحليلية لايمكن تجاوزها . والمهم هنا ان مفردة المنزلة وهي منوال المقال هي اساس التوازن . فلا تخلو عبارة من عبارات المقال منها ، لتوافرها على عنصر معنوي مشترك وهو الموضع او الحواء او المنهل . اما دلالاتها الاخرى فيستدل عليها من النسبة بين كل ثنائيتين من جهة وموضعهما المشترك من جهة اخرى،او يستدل عليها من عللها بالقسمة فيما اذا كانت مواضعها عللا او معلولات ، او يستدل عليها من كونها واردة على مواضعها او منهلة عن مواضعها، او يستدل عليها بالتكافؤ او التماثل .ومهما يكن يكن الامر ، وما قد يستتبعه من اختلاف او فرق في المدلول الحصري للمنزلة ، فان مفهوم التوازن يظل مهيمنا على سردية المقال ونصه من اوله حتى آخره ، كميا ومعنويا.
ان ظاهرة التوازن في نص المنزلة تمتد لتشمل تكرار الجزء الثاني من كل عبارة لتكون الجزء الاول من العبارة اللاحقة لها بتمام لفظها وصورتها الكتابية . وتشذ عن هذه الملاحظة العبارتان 15 و16:
(( والقبح والحسن في الصور بمنزلة العي والفصاحة في الالسنة .
والعي والبلاغة في الالسن بمنزلة الاعوجاج والاستقامة في الاعضاء )).
ففيهما الجزء المشترك غير متشابه في العبارتين الا جزئيا ، وهذا يمثل شذوذا عن ظاهرة تكرار الجزء المشترك بين عبارتين متتاليتين بلفظه وصورته الكتابية ، ففي العبارة 15 : العي والفصاحة في الالسنة .
وفي العبارة 16 : العي والبلاغة في الالسن .
والفصاحة غير البلاغة ، وان كانت الفصاحة شرط من شروط البلاغة الا انها لاتنوب عنها وليست مجاورة لها في الدلالة بمعنى انتفاء ترادفهما ، والترادف عندي هو تجاور المعاني بفارق لايتسع لمعنى ثالث . كما نلاحظ اختلاف الصورتين الكتابيتين : الالسنة والالسن ، ولابد من سبب لهذا الاختلاف وإلا عُدَّ ذلك خللا دخل على سياق المقالة ، وشابَ انتظامَها السردي . فهل الفرق بين صورتيهما الكتابيتين يعلل تعويض مفردة الفصاحة بمفردة البلاغة ؟ . ان النظر لهذا الاختلاف الذي جلب الفساد على التوازن الشكلي للمقالة ، لايمكن تعليله فلسفيا ، كما لايمكن تبريره لغويا .
ثالثا : الإبدال والانعكاس
يعترض فكرة التوازن وجود خلل في انتظام ترتيب المفردات المتضامة في بعض الثنائيات ، اي من حيث انتظام سرد القيم ، ففي العبارة الاولى ورد الترتيب بدأً بقيمة سالبة اعقبتها قيمة موجبة ،هذا في الجزء الاول ، اما في الجزء الثاني فقد انقلب الترتيب ليكون قيمة موجبة تتبعها سالبة . ولايضاح هذه الناحية ، نستعين بترقيم عبارات المقال لتسهل الاشارة اليها فالعبارات المُعلمة بالعلامة * تنطوي على اختلال ترتيب القيم كما اوضحناه عند العبارة الاولى .. وكما يلي :
(1.* المرض والعافية في الابدان بمنزلة الغنى والفقر في الاحوال.
2. والغنى والفقر في الاحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب .
3 .و*العلم والجهل في القلوب ، بمنزلة العمى والبصر في العيون .
4.والعمى والبصر في العيون ، بمنزلة الشك واليقين في الصدر .
5.والشك واليقين في الصدر بمنزلة الغش والنصح في المعاملات .
6.و*الغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الاعمال.
7.والطاعة والمعصية في الاعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب .
8.والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الافعال .
9.و*الخير والشر في الافعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع .
10.و*الكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الوصل والهجر في العشرة .
11.و*الوصل والهجر في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الاشياء .
12.و*الرداءة والجودة في الاشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الامور .
13.والفساد والصلاح في الامور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب .
14.والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصور .
15 .والقبح والحسن في الصور بمنزلة العي والفصاحة في الالسنة .
16. والعي والبلاغة في الالسن بمنزلة الاعوجاج والاستقامة في الاعضاء .
17.و*الاعوجاج والاستقامة في الاعضاء بمنزلة الحياة والموت في الاجساد .
18.و*الحياة والموت في الاجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب).
ان العبارة رقم 2 تضمنت :
قيمة موجبة وقيمة سالبة ( بمنزلة ) قيمة موجبة وقيمة سالبة .
في العبارة رقم 16 تضمنت سياق آخر :
قيمة سالبة وقيمة موجبة ( بمنزلة ) قيمة سالبة وقيمة موجبة .
ففي العباراتين المذكورتين امثلة لاختلاف سياق الترتيب بمعيار القيمة ، مع ثبوت الترتيب للعبارة الواحدة .
ففي العبارة رقم 2 استوفت خصيصة التوازن تمامها ، وعلى خلاف ذلك العبارة رقم 1 . ذلك ان ترتيب العبارة رقم 1 تضمن المرض ( وهو قيمة سالبة ) بازاء الغنى (وهو قيمة موجبة ) ، والعافية (موجبة ) بازاء الفقر(سالبة ) ، مع ملاحظة اننا لانقصد هنا المعنى المنطقي لاصطلاحي الموجبة والسالبة ، بل بالمعنى الذي يميز قيمة كل مفردة عن الاخرى . وفي تقديرنا وباعتبار العلاقة الاساسية للنص وهي المنزلة فلا يعد هذا تناقضا ، او حتى خللا من اي نوع كان طالما ان اختلاف الترتيب لايصطدم مع اقترانهما بموضيعيهما ، فلا يختل المعنى سواء قلت : (المرض والعافية في الابدان ) او قلت (العافية والمرض في الابدان ) من جهة نسبتهما الى البدن . بمعنى ان إبدال مفردة بمفردة دون ان تغيّر موضِعَها من البدن وهو حواؤهما لايربك المعنى ، بل ويضفي على خصيصة التوازن تمامَها وكمالَها . ونقصد بتمام وكمال التوازن هنا ، هو استغراق التوازن بين جزئي العبارة من حيث تطابق ترتيب قيم مفردات كل جزء من العبارة مع جزءها الآخر : موجب ـ سالب (بمنزلة ) موجب ـ سالب . وباستخدام خاصية الابدال التي تغير من ترتيب لفظتي جزء العبارة ليكون مطابق القيمة مع جزءها الآخر سنحصل على توازنات ثابتة بين مفردات جزئي العبارة اضافة الى توازن الجزئين اساسا. لقد جاءت عملية الابدال التي نتبناها هنا متفقة مع الحكاية بالمفهوم الذي اورده الجرجاني في تعريفاته اذ ان (الحكاية عبارة عن نقل كلمة من موضع الى موضع آخر بلا تغيير حركة ولاتبديل صيغة ، وقيل : الحكاية إتيان اللفظ على ما كان عليه من قبل ) وايضا ( الحكاية استعمال الكلمة بنقلها من المكان الاول الى المكان الاخر مع استبقاء حالها الاولى وصورتها ) (7) . اما اذا ابقينا النص على صورته كما وردت في المقابسات فأن خصيصة أخرى ستظهر عوضا عن خصيصة التوازن في جانبها القيمي ، الذي يقرره تساوق القيمتين وتتابعهما . هذه الخصيصة سنطلق عليها : الانعكاس . بمعنى ان الانعكاس لايكون مع تطابق القيم على جانبي العبارة ، بل يفيد من انعدام خاصة التطابق المذكورة . ففي العبارة رقم 9 على سبيل المثال فيها :
الخير والشر في الافعال : موجبة وسالبة ، (بمنزلة) الكراهة والمحبة في الطباع : سالبة وموجبة . وبصورة مجردة :
{قيمة موجبة وقيمة سالبة ( بازاء) قيمة سالبة وقيمة موجبة}.
فان قيم الجزء الاول هي انعكاس لقيم الجزء الثاني ، عبر محور المنزلة . تماما كما نرى وجوهنا في المرآة فالجانب الايسر الحقيقي منه نراه منعكسا في الجانب الايمن من المرآة ، والجانب الايمن الحقيقي منه نراه منعكسا في الجانب الايسر من المرآة. وتجدر الاشارة هنا الى ان خصيصة الانعكاس لاتشمل المعنى والدلالة بأي حال من الاحوال .
ولنا ان نسأل : اذا كان الامر كذلك فلِمَ لم تتوفر ظاهرة الانعكاس في كل العبارات ؟ او بكلمات أخرى لِمَ تتميز العبارات بالتوازن التام فيما لاتتميز عبارات اخرى بهذة الميزة ؟ فالعبارات المعلمة بالرمز * تتميز بخاصة الانعكاس بين قيم مفردات جزئي العبارة فيما العبارات غيرالمعلمة بالرمز المذكور تتميز بخاصة التوازن التام . والخاصتان لاتتواجدان في النص سوية على صعيد العبارات ، إلا ان المشترك الكمي بين العبارات الواردة في النص ، هو التوازن كما اثبتنا وبينّا .
ربما السؤالين المذكورين يُحمّلان النص اكثر مما يحتمل بحيث ان الاجابة عنهما هي محاولة غير مثمرة في تبرير خلل يمكن تصحيحه .

رابعا : التعدية والتناظر
هل يصاب النص بخلل اذا ما ابدلنا عبارة محل عبارة اخرى ؟
ان منطلق الاجابة عن هذه التساؤل يتمثل بالكشف عن الرابط السببي لترتيب العبارات كما جاءت في النص . وبالعودة الى المقالة ( المرقمة والمُعلمة) ، وحيث المقالة معنية لاثبات الصلة بين الطب الذي هو ( حفظ الصحة بالتدبير المحمود ، وازالة العلة بالرأي الصحيح ) ، وان ( كمال علم الطبيب اشرف من موضوعه ، وموضوع علم التنجيم اشرف من كماله ) ،وما يجري على الانسان من ولادته حتى مماته ( مرده ومرجعه الى امر الدار ، وما اسست عليه ، ودبر اهلها به ، وصرف سكانها فيه ) ، فأن مبتغى الانسان في خلال ذلك دوام الصحة والعافية ، وطيب العيش ، والسعادة والهناء ، مع ميل شديد لمعرفة أمر ما يكون في مستقبل ايامه . وبين الغايتين وسائط كما يتضح من النص تؤدي وظيفة انتقالية . إذ كل قيمتين تفصح عنهما الثنائيتان تؤدي وظيفة مزدوجة : الافصاح والانتقال . وهذه الحقيقة تشي بعلاقة تنظم هذه الانتقالات فتحليها الى حلقات متصلة ذات ترتيب مقصود بذاته . والترتيب هنا ذو طبيعة ثابتة ، وعلى هذا تنتفي خاصية التعدية في النص . اي ليس صائبا القفز من العبارة الاولى الى العبارة الاخيرة ، فأن القول :
الغنى والفقر في الاحوال ، بمنزلة الغنى والفقر في الاحول ، (فأن ) الحياة والموت في الاجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب . هو قول غير محكم لفقدان الصلة بين العبارتين وهذا ما يفيد معنى انتفاء التعدية ، ونقول عندئذ ان العلاقة بين العبارات غير متعدية ، ان التعدية قائمة بين كل عبارتين متجاورتين بدلالة الجزء المشترك بينهما ، واعني به تلك الثنائيات المتواجدة في نهاية عبارة ما ، التي يتكررتواجدها في بداية العبارة اللاحقة .
وبدلالة خاصة الابدال بين عنصري الثنائيات داخل اجزاء العبارة ، يمكن رصف الكلمات على نحو متواز ٍ وعلى مسارين : الاول يتضمن القيم الموجبة والآخر يتضمن القيم السالبة ، فهي قيم متقابلة على جانبي عللها . ان هذا التصويب يجعل العلاقة المتناظرة اذا ما جردناهما عن حواءهما .بمعنى ان سلسلة اقترانات القيم الموجبة مترابطة الحلقات : الغنى بمنزلة العلم ، والعلم بمنزلة الغنى ، فكلاهما يمتلكان منزلة واحدة بسبب خاصة التبادل بين الطرفين . وهكذا يمكن استغراق جميع القيم.
وبرغم ذلك فأن العبارات تتشكل على صورة مُركّبة ، ما يعني انها تُعرف متغيراتها المتلازمة ـ اي الثنائيات ـ بصيغة دوال ضمنية . وهذه الجزئية بها حاجة الى الاضاءة .. ذلك ان :
ـ كل المنازل : الابدان ، الاحوال ، … هي دوال بمتغيرين اثنين ، المرض والعافية ، والغنى والفقر … حسب الترتيب . فهذه الدوال تُعرف متغيراتها ضمنيا. ــ و ان الدوال تتبدى من خلال متغيراتها حسب ، بمعنى ان قيمة المتغير السائد هي قيمة الدالة ، اذ لايمكن اجتماع القيمتين الموجبة والسالبة في وقت واحد في الدالة ، انما هي عرضة للتغير ، بسبب سيادة قيمة وتنحي اخرى ، عبر خطية الزمن .
ـ ان تفاضل المتغيرات لكل دالة من شأنه اكتشاف المشتركات بين المتغيرات في الدالة الواحدة . فالاعوجاج والاستقامة في الاعضاء ينطويان على عنصر مشترك هو مقدار كفاءة الاداء للاعضاء ذاتها . وبمثل ذلك القول يقال على الدوال الاخرى ولكن بمعنى دون معنى وهيئة دون هيئة .
وبدلالة خاصة الابدال بين عنصري الثنائيات داخل اجزاء العبارة ، يمكن رصف الكلمات على نحو متواز ٍ على مسارين : الاول يتضمن القيم الموجبة والآخر يتضمن القيم السالبة ، فهي قيم متقابلة على جانبي عللها . ان هذا التصويب يجعل العلاقة المتناظرة اذا ما جردناهما عن حواءهما .بمعنى ان سلسلة اقترانات القيم الموجبة مترابطة الحلقات : الغنى بمنزلة العلم ، والعلم بمنزلة الغنى ، فكلاهما يمتلكان منزلة واحدة بسبب خاصة التبادل بين الطرفين . وهكذا يمكن استغراق جميع القيم.

خامسا : وحدة المتناقضات
منطقيا لايمكن وصف شئ بصفة او خاصة او رسم او نعت ونفيه عنها في وقت واحد، فذلك هو التناقض بعينه . ولكن فلسفة المقابسات تفصح عن غلبة الفساد على الكون في الانسان . وهذه هي في الحقيقة قصة الميلاد والموت التي تختصر الوجود الانساني ذاته . فكل ثنائيات مقالة المنزلة ، هي ثنائيات متناقضة وبشكل ادق متضادة ، وبفضل ـ وليس برغم ـ ذلك فان الحواء يتقبلها ويُوسَم بها . فالضعة والرفعة في المراتب ،مثلا، امران متناقضان ، فلايستقيم كونهما معا ، في وقت واحد ، فأذن هما احتمالان مُدركان ، واحتمالان في الحقيقة معا في فرد دون آخر . ولكن الانسان بطبعه وسوسه متغير ، هذه حقيقة تسمح لنا بالقول ان المناهل او الموارد او الدُور الحاوية للثنائيات المتناقضة ، تظل محتفظة بقدرتها على توليد او اعادة انتاج تلك المتناقضات . وبهذا المعنى فان : الابدان ، والاحوال ، والقلوب، والعيون، والصدور، والمعاملات ،والاعمال ،والمذاهب ،والافعال والطباع، والعشرة ،والاشياء، والامور ،هي دوال المتغيرات المتناقضة ، لذا فان تفاضل تلك الدوال هو تفاضل جزئي بالنسبة الى احد متغيريها لا بالنسبة الى كليهما دفعة واحدة ، بمعنى ان التفاضل الجزئي يفيد احد المتناقضين ، فالبدن ، مثلا ، اما مريضا او معافى فتلكم مدلولات الدال (البدن) . والتفاضل الجزئي يفيد ايضا سيادة متغير على آخر حتى يطغى على الآخر في تبديه على البدن وكأن الآخر قد عدم . وفي الحقيقة ان التفاضل الجزئي يمثل دالة الحواء في لحظة ما ، اما التفاضل التام فهو موجود بحكم كون الدالة تعرف المتغيرين ضمنيا وهذا النوع من التفاضل يُظهر كم او قوة احتمالهما معا على مستوى التصور، وليس في الحقيقة. واصبح بائنا ان المتغيرات هي علل وظيفية لمنازلها . فحال القلوب معلولا بالعلم و بالجهل في لحظة الكمون ، ومعلولا اما بالعلم وحده او بالجهل وحده في لحظة التبدي . وهذا ينقلنا الى خصيصتين أُخرَيتين ..

سادسا : التماثل
ان صورة كل ثنائتين في حوائهما، هي اتحاد صورة كل منهما على نحو منفرد ، وذلك تبعا للكمون والتبدي . مثلا صورة الثنائيتين : الفساد والصلاح في حواء الامور ،هي اتحاد صورة الفساد وصورة الصلاح في الحواء نفسه . وهذا ما ندعوه بالتماثل . ولايكون التماثل بين جزئي العبارة بأي حال من الاحوال ، لوجود التناقض بينهما ولاختلافهما بالصورة او الكيف او الكم او الهيئة . مع ملاحظة ان الحكم ينصب دائما على الصور المتبدية وليست الكامنة فالاخيرة متنحية فيما الاولى سائدة في آن دون آن ، وفي مكان دون مكان . واذا ما شبّهنا كل عبارة بحلقتين تشيران الى جزئيها فان تسلسل الحلقات ترتيبي وثابت كما اشرنا سابقا ، لذا فان التماثل يغشي كل حلقتين متجاورتين ، ولايحدث التماثل باغفال التسلسل الترتيبي للحلقات . يقودنا الحديث عن التماثل الى اساسه ، واعني به علاقة التطبيق بين عناصر جزئي كل عبارة .. وعلاقة التطبيق هي علاقة دالية توافرت لها قاعدة اقتران ، والمنزلة هي تلك القاعدة دون شك ، والتي من شأنها ان تجعل عنصرا ما في احدى الثنائيات عند حواءهما هو صورة كاملة لعنصر في حواء آخر . مثلا العبارتين المتتاليتين :
((الوصل والهجر في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الاشياء ))
((والرداءة والجودة في الاشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الامور ))
ففي العبارة الاولى :
ـ الجودة في الاشياء هي صورة الوصل في العشرة
ـ والرداءة في الاشياء هي صورة الهجر في العشرة .
اما في العبارة التالية فان الامر يختلف بانتقال الصور من محلها الذي هو المجال المقابل لقاعدة التطبيق لتكون عناصر في المجال تتطلب صورها في المجال المقابل :
ـ الصلاح في الامور صورة الجودة في الاشياء
ـ والفساد في الامور صورة الرداءة في الاشياء .
وهكذا دواليك حتى تستغرق العبارات كلها . بمعنى ان تجلّي علاقة المنزلة بمعيار التطبيق ، يفصح عن سلسلة من العناصر تتعقب صورَها .

سابعا : التجاور
بين الابدان ، وهي الحواء الاول حيث تبدأ حياة الانسان ، والعواقب وهي الحواء الاخير حيث يثاب الانسان على ما قدم وأخر في حياته ، سلسلة من الحواءات تتجاور من حيث الدلالة والقيمة .. بحيث ان سردها على خط افقي واحد كاف لايضاح حيّوات الانسان بتجلياتها المختلفة ، هذا من جهة ، اما من جهة اخرى يمكن استنباط خصيصة التجاور بالكشف عن خاصة مشتركة بين ثنائيتي جزئي العبارة ، بالتشبيه تارة والتكفؤ تارة اخرى والاستعارة تارة ثالثة…
مثلا : الرداءة والجودة في الاشياء لها ذات المنزلة التي للصلاح والفساد . ولكن هذه في الاشياء وتلك في الامور . فلابد من فرق بين مكوني هذين الجزئين ، يبلغ من القد لايسمح معه بالتداخل او التضمن لمكونين آخرين من خارجهما . ومن الطبيعي ان يكون الفرق بالزيادة والنقصان بعد ان نقر المشترك بينهما في الكم او النوع او الخاصة …
ونتصور التجاور بفرض المشترك والذي يعلل تجاور العبارات من العبارة الاولى حتى الاخيرة وكما يلي:
ــ ان العافية والمرض في الابدان هما على سبيل ( المُلك وعدم القنية) وكذلك الفقر والغنى في الاحوال.
ـ والغنى والفقر في الاحوال هما على سبيل (الاكتساب والفقد) وكذلك العلم والجهل في القلوب.
ـ والعلم والجهل في القلوب هما على سبيل (المعرفة وفقدانها) وكذلك البصروالعمى في العيون ـ من حيث ان حاسة البصر إحدى روائد العلم وكذلك الحواس باجمعها روائد للعلم _
ـ والبصر والعمى في العيون هما على سبيل ( الحقيقة والظن ) وكذلك اليقين والشك في الصدر .
ـ واليقين والشك في الصدر هما على سبيل ( الاثبات والتردد ) وكذلك النصح والغش في المعاملات .
ـ والنصح والغش في المعاملات هما على سبيل ( التقوى والفسق ) وكذلك الطاعة والمعصية في الاعمال .
ـ والطاعة والمعصية في الاعمال هما على سبيل ( الصدق والكذب ) وكذلك الحق والباطل في المذاهب .
ـ والحق والباطل في المذاهب هما على سبيل ( حسن الاداء وردائته ) وكذلك الخير والشر في الافعال .
ـ والخير والشر في الافعال هما على سبيل ( نقاء النفس وكدرها ) وكذلك المحبة والكراهة في الطباع .
ـ والحبة والكراهة في الطباع هما على سبيل ( حسن الخلق وسوءه ) وكذلك الوصل والهجرة في العشرة .
ـ والوصل والهجرة في العشرةهما على سبيل ( التقبل والنفور ) وكذلك الجودة والرداءة في الاشياء .
ـ والجودة والرداءة في الاشياء هما على سبيل ( الادراك والوهم ) وكذلك الصلاح والفساد في الامور .
ـ والصلاح والفساد في الامور هما على سبيل ( التدبير والتخبط ) وكذلك الرفعة والضعة في المراتب .
ـ والرفعة والضعة في المراتب هما على سبيل (الملَكَة والفقد) وكذلك الحسن والقبح في الصور .
ـ والحسن والقبح في الصور هما على سبيل (الافصاح والدثور ) وكذلك العي والفصاحة في الالسنة .
ـ والبلاغة والعي في الالسن هما على سبيل (الانتظام واللانتظام) وكذلك الاستقامة والاعوجاج في الاعضاء .
ـ والاستقامة والاعوجاج في الاعضاء هما على سبيل ( الرغد والتعس)وكذلك الحياة والموت في الاجساد .
ـ والحياة والموت في الاجساد هما على سبيل (الفوز والخسارة ) وكذلك السعادة والشقاء في العواقب .
وهكذا نجد ان سبل هذه الثنائيات تتجاور في تدرجها الصاعد عند اطرافها الموجبة ، وتتجاور في تدرجها الهابط عند اطرافها السالبة . وهكذا تكون منازل هذه الثنائيات وسبلها تتحرك بنهايات مفتوحة حتى تصل الى غايتها . والصلة بينها كالدائرة . فمن اي عبارة بدأت سار بك التجاور بانتظامه الصاعد او الهابط .

الخلاصة والاستناجات
من منطلق خصيصة توازن المقالة في المقابسات وجدنا ان العلاقة الاساسية في مقالة المنزلة هي المنزلة بمعناها المعجمي الذي يتطابق مع معناها الاصطلاحي في هذه الدراسة . لعلاقة التوازن خصائص تحليلية هي على وجه الخصوص: الابدال الذي لايغير من المعنى والدلالة ، والانعكاس الذي يغطي نص المقال بكامله ، والتعدية المنساقة وراء ظاهرة تجاور الثنائيات ، تلك الثنائيات المتناظرة عبر قاعدة للتطبيق تنتج صور عناصر الثنائيات في خطين متوازيين من بداية المقالة حتى نهايتها . وحيث ان الخواص الثلاثة : الانعكاس والتعدية والتناظر قد اجتمعت في هذا النص فان عناصره متكافئة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قمنا مؤخرا بتأليف كتاب ( مقابسة المقابسات ـ التعريفات والمباحث الفلسفية لمقابسات ابي حيان التوحيدي ) من قسمين : الاول ، عقدناه لمعجم الثاء الفلسفي ، وهو معجم المصطلحات الفلسفية ، والثاني ضم ثلاثة فصول : المباحث الفلسفية ، المسائل الفلسفية ، الفروق . ( من المزمع طبعه خلال هذا العام 2008 ).
(2) انظر مقدمة (محمد توفيق حسين ) التي وضعها للنسخة التي نهض بتحقيقها ، والتي يذكر فيها خاصة توازن العبارة في المقابسات.
(3) المقابسة 43
(4) مختار الصحاح : 655
(5) المقابسة 94
(6) مختار الصحاح : 232 .
(7) الجرجاني ، التعريفات:54

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: