في نقد المنطق التقليدي ..(5) القضايا المنحرفة ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

في نقد المنطق التقليدي ..(5) القضايا المنحرفة .
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ https://urukpace.wordpress.com/

تعد القضية منحرفة بحسب المنطق التقليدي ( اذا انحرفت عن استعمالها الطبيعي ووضعها المنطقي) ، وحددوا مواضع المنحرفات في القضايا الحملية والقضايا الشرطية كما يلي ..

(اولا) انحراف القضية الحملية
ويأتي من ( اقتران سور القضية بالمحمول ) والاستعمال الطبيعي هو ( اقتران السور بالموضوع) ، وهذا لانخالفه ، فالسور قرينة للموضوع . ويضربون مثلا في هذا النوع من الانحراف القضية ( الانسان بعض الحيوان) . ووجه الانحراف أن السور ” بعض ” اقترن بالمحمول ” الحيوان ” والمدعى ان الاستعمال الطبيعي يجب ان يكون ( بعض الحيوان انسان ).
ونسأل هنا : هل ثمة ضرورة ملزمة باعتبار الطرف الاول في الحملية المسورة ” موضوعا” ،والطرف الثاني منها ” محمولا ” ؟ ام ان القرينة في الاصطلاح على الطرفين هو اقتران لفظ السور باحدهما دون الاخر ؟
وجوابا عن هذا التساؤل نقول ؛ نعم ان الامر “المعتاد ” هو أن الطرف الاول موضوعا والثاني محمولا في القضية البسيطة ـ المسماة حملية في المنطق التقليدي ـ . ولكن هذا الترتيب ليس ملزما ، طالما يمكن الاستدلال على الموضوع من قرينة السور. فالقضية ( الانسان بعض الحيوان) تتألف من الموضوع ” الحيوان ” لأنه مقترن بالسور ، وهو هنا سور جزئي ، و” الانسان” محمولا لعدم اقترانه بالسور ، وهذا من حيث وضعها اللغوي . أما من حيث وضعها المنطقي فأن صيغتها المذكورة لاتخرجها من كونها مركبا تاما . بمعنى ان ( الانسان بعض الحيوان) مركبا تاما وهذا كاف لعدها قضية قابلة للحكم صدقا او كذبا ، والقضية في المثال صادقة . وان الترتيب الذي عليه القضية المذكورة ترتيب طبيعي اما وضعها فهو منطقي للاسباب المذكورة .
ان ترتيب طرفي القضية ( الانسان بعض الحيوان ) او ( الكاتب بعض الانسان ) او ( الناطق كل انسان ) مشابه تماما لتقديم الخبر على المبتدأ في اللغة ، فيصح القول ” موضوعها متأخر” و” محمولها متقدم ” ، فالقضيتان في المثال متكافئتان ، بمعنى كلاهما صادق ، وهذا دليل آخر على ان استعمالها طبيعي ، وهو استعمال لغوي كما لايخفى . وان وضعها منطقي للسبب المذكور .
ان القضيتين المتكافئتين لهما ذات القيمة : اما كلاهما صادق او كلاهما كاذب ، بشرط ان يكون لهما الاطراف ذاتها . فليس كل قضيتين صادقتين او كاذبتين متكافئتين .
ولابد ان نستعمل في هذا الموضع مفهوم ” الإبدال ” . ونقصد به تبديل طرفي القضية ، أحدهما في محل الآخر ، دون ان تتغير قيمة القضية ، وليس هذا من شأن العكس المستوي كما سيتضح . فنقول ان القضية البسيطة ـ الحملية ـ ابدالية اذا امكن ابدال طرفيها احدهما في محل الآخر ، وحافظت على صدقها او حافظت على كذبها . وواضح ان القضية الاصل والقضية المبدلة الطرفين متكافئتان . لذلك فأن القضية (الانسان بعض الحيوان ) صادقة بصدق المُبدلة ( بعض الحيوان انسان) وليس باعتبارآخر .
وليست كل القضايا البسيطة ـ الحملية ـ ابدالية ، فأن الخاصة الابدالية قد تتوافر او لاتتوافر في القضية تبعا لكل من : السوروالكيف والنسبة بين الموضوع والمحمول بوصفهما مفهومين كليين .

أ ـ فاذا لم تكن القضية البسيطة ـ الحملية ـ مسورة وان الموضوع جزء من المحمول نحو ( الانسان حيوان) فأن القضية ليست ابدالية لأن ( الحيوان انسان ) كاذبة بينما الاصل صادق ، فيسقط شرط الخاصة الابدالية الذي هو تكافئ القضية الاصل مع القضية ذاتها بعد تبديل الطرفين .

ب ـ واذا كان سور القضية الموجبة جزئي ، والموضوع يساوي المحمول ، او الموضوع جزء من المحمول فالخاصة الابدالية متوافرة فيها .
نحو ( الانسان بعض الناطق ) صادقة ، ( بعض الناطق إنسان) صادقة . ( ابدالية)
و ( الانسان بعض الحيوان ) صادقة ، ( بعض الحيوان إنسان ) صادقة . (ابدالية).

جـ ـ واذا كان السور كلي و كانت النسبة بين الكليين ؛ الموضوع والمحمول التساوي فأن الخاصة الإبدالية متحققة . نحو : ( كل انسان ناطق ) صادقة ، ( الناطق كل الانسان) صادقة .(إبدالية )
أو ( كل ناطق انسان) صداقة ، ( الانسان كل الناطق) صادقة . (إبدالية)

د ـ واذا كان السور كلي والنسبة بين الموضوع والمحمول هي نسبة الجزء الى الكل فلا وجود لخاصة الإبدال . نحو :
( كل انسان حيوان ) صادقة ، ( الحيوان كل الانسان ) كاذبة . ( ليست إبدالية ) .

وهكذا يمكن سرد الحالات السالبة المماثلة من حيث السور والنسبة . وان الاحتكام للذائقة والسليقة اللغوية العربية وفصاحة اللغة والالمام بالبلاغة يغني عن كل هذه التعقيدات .

وننوه هنا اننا لانقول بضرورة تسوير المحمول باظهر لفظ السور ( كل او بعض ) لأن المحمول بطبيعته مسور بالسور الكلي ، والسبب انه يحتوي الموضوع ، ومهما كانت عدد افراد الموضوع فأنه لايكون اكبر من عدد افراد الموضوع ، وهذا يعني ووفق دالة الانتماء ان المحمول المجموعة الشاملة التي يوجد فيها الموضوع .

(ثانيا ) إنحراف القضية الشرطية

ويكون ،بحسب المنطق التقليدي ، عندما ( تخلو الشرطية عن أدوات الاتصال والعناد فتكون بصورة حملية وهي في قوة الشرطية ) . وقبل مباشرة ملاحظة هذا النوع من الانحراف المدعى في الشرطية ،لابد من القول ان المنطق التقليدي لم يعنى بـ ” أدوات الربط ” ، ولم نعرف عن أية ادوات يشير اليها نص التعريف . فأدوات الربط كلها مقدرة بالنسبة بين اطراف الحملية ، وبين اطراف الشرطية ـ الشرطية وفق المنطق التقليدي والذي عالجناه في مطالعة سابقة ـ ومهما يكن فلنواصل عرض ما يقوله المنطق التقليدي بصدد هذا النوع من الانحراف في القضايا . فيضربون الامثلة من القضايا الشرطية المنحرفة ، ونحن نعرضها هنا ونلاحظها :

ـ ( لاتكون الشمس طالعة أو يكون النهار موجودا ) فهي في قوة المتصلة ، واصلها ( كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا ) .
ونقول : في التعبير القائل ” في قوة المتصلة ” يكمن التصويب . ان القضية الاصل عندنا هي قضية شرطية وليست متصلة ، لأن القضية المتصلة تتميز بوجود اداة الاتصال ” و” . بمعنى ان الشرطية لاتقسم الى متصلة ومنفصلة كما دللنا على ذلك في المطالعة السابقة . فالقضية الاصل تتألف من قضيتين باداة الشرط ” كلما كان … كان .. ” وصيغتها العامة ” اذا ب فأن حـ ” ، ولكن صورة المثال المذكور هي ( ليس ب أو حـ ) ، حيث ان الاداة ” أو ” اتفاقية ، فلايمتنع عندها تحقق الطرفين ، وانها تصدق بصدق احد الطرفين في الاقل ، كما تصدق بصدق الطرفين . فأذن القضية التي لها الصيغة ( اذا ب فأن حـ ) تكافئ القضية التي لها الصيغة ( ليس ب أو حـ ) ، والنفي هنا بالاداة ( ليس ) يقع على الطرف الاول ب فقط ، ما يجعل القضية ب سالبة .
وعلى العموم اذا كان طرفا الشرطية ، المقدم والتالي غير متنافيين فهي صادقة ، وبالتالي من الصائب تحويلها بنفي المقدم وابقاء كيف التالي على حاله وربطهما باداةالربط ( او ـ الاتفاقية ) وصورتها ( ب او حـ ) . فليس اذن ثمة انحراف لامن حيث الاستعمال الطبيعي ، ولا من حيث الوضع المنطقي .

ـ ( لايجتمع المال إلا من شح او حرام ) فأنها في قوة المنفصلة والاصل ( اما ان يجتمع المال من شح او من حرام ) .
ونقول : اذا كان المقصود بالانفصال التخيير ، بمعنى جواز اجتماع تحقق الطرفين ” الشح” و” الحرام ” ولا تناف بينهما فهو تقدير صائب في التحليل المنطقي ، اما اذا كان التنافي فهذا ليس بالتقدير الصائب . ان ما يدعى ان المثال قضية منحرفة ، فيه نظر أيضا لأنها من الاستعمال الطبيعي ، وهو دارج في اللغة الفصحى ، وانها قابلة للحكم بصدقها او كذبها . كما ان وجود اداة الاستثناء ليس لها مكان في الوضع المنطقي ، فهو استثناء تبع النفي . فلو قلت ( لايجتمع المال من شح أو حرام ) فسيكون لها مكافئ هو ( لايجمع المال من شح (و) لايجمع المال من حرام) وبالصيغة المعتادة ( لايجمع مال من شح ولايجمع من حرام ) . فأين الانحراف هنا ؟ .
والخلاصة : ان حالات الانحراف المدعاة في المنطق التقليدي ، والمذكورة بعيدة عن الانحراف من حيث الاستعمال اللغوي والوضع المنطقي .
(( يتبع )) …

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: