في نقد المنطق التقليدي ..(4) القضية الشرطية وتقسيماتها ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

في نقد المنطق التقليدي ..(4) القضية الشرطية وتقسيماتها
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ نقد المنطق التقليدي

تُقسّم القضايا في المنطق التقليدي ابتداءا الى : حملية وشرطية ، وسنتناول في هذه المطالعة القضية الشرطية في المنطق المذكور ..
فالشرطية ( تتألف من طرفين هما قضيتان بالاصل ) والقضيتان كل منهما مركب تام كما هو معروف . ويضربون أمثلة في الشرطية ،منها :
( اذا اشرقت الشمس فالنهار موجود ) ، ( اللفظ اما أن يكون مفردا او مركبا ) .
فالقضية الاولى في الاصل قضيتان : ( اشرقت الشمس ) و ( النهار موجود ) . والقضية الثانية في الاصل قضيتان : ( هذا اللفظ مفرد ) و( هذا اللفظ مركب) .
ولكن لنلاحظ فرقا جوهريا بين القضيتين : فالاولى وردت فيها الاداة ( اذا .. فأن ) والثانية وردت فيها الاداة ( أما .. أو ) . ان هذا الفرق لم يخضعه المنطق التقليدي للدرس ولم يعده اساسا لتقسيم القضايا ، وراح ينقب عن ما يسميه ( النسبة ) بين طرفي الشرطية ، وهي نسبة مؤوّلة ومقدرة ، اصطلح عليها بـ ( نسبة الاحوال والازمان ) ، ويظهر ذلك جليا في تعريف الشرطية ، فيعرفونها بأنها ( ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وأخرى أو لاوجودها ) ، والنسبة المدعاة كما ترى ليست مما يمكن تحديده بدقة بمكان يسمح باستخراج قواعد عامة ، فكيف يتم تأليف الشرطية اذا لم يكن بين طرفيها نسبة ؟ .
وحتى الان لدينا نسبتان بحسب المنطق التقليدي ، هما :
ـ النسبة او الرابطة ( هو ) ، في الحملية ، كما تقدم ذكرها في مطالعة سابقة .
ـ ونسبة الاحوال والازمان في الشرطية .
والملاحظ ان مفهوم النسبة في كلا الموضعين ـ كما نراه ـ يعني ثبوت الطرف الثاني من القضية للطرف الاول من القضية . ففي الحملية ثبوت المحمول الانسان للكاتب في القضية (كل كاتب انسان ) ، وفي الشرطية ثبوت الطرف الثاني طلع النهار الى الطرف الاول اشرقت الشمس ، في القضية الشرطية (اذا اشرقت الشمس طلع النهار) .ولكن لايمكن تفادي الفرق بين النسبتين كما هو في المثالين واضرابهما ، ففي الاولى ( هو ) وفي الثانية ( الاحوال والازمان) فالاول ينصرف الى الماهية والهوية والثاني ينصرف الى العلة ! . ولهذا السبب لايمكن عد الاحوال والازمان نسبة .
ومن المثير حقا الحل الذي يقدمه المنطق التقليدي لهذه المعضلة ، معضلة ارتفاع النسبة ( هو ) في القضايا الشرطية فيقولون : لاموجودة ! وان اللاموجود موجود !! . ان التعبير ( لاوجودها ) اشارة الى النسبة ، ينطوي على تلفيق تحصيل النسبة بتصييرها معدولة ، وبأعتبار ان الشئ المعدول موجود لأن السلب جزءا منه وليس سلبا له ، وهذا لايستقيم . والنسبة التي يعنونها ويصطلحوا عليها بـ ( نسبة الاحوال والازمان ) هي الرابطة بين القضيتين المؤلفتين للشرطية ، فكيف اذن تتألف النسبة من ( لاوجودها) ؟ خاصة وان النسبة بينهما ليست الاتحاد كما تقدم الكلام عنها في مطالعة سابقة ، لأن ( لا اتحاد بين القضايا ) بحسب المنطق التقليدي نفسه .
ان ( لاوجود ) النسبة لايعني ( التباين ) لأن التباين يكون بين الموضوع والمحمول ان لم ينتمي الموضوع للمحمول ، وبالتباين تكون القضية كاذبة. ولنصطلح اصطلاح ( القضية البسيطة ) على ما تسمى القضية الحملية في المنطق التقليدي ، ولهذا الاقتراح ما يبرره . والقضية البسيطة هي القضية التي لاتنحل الى قضيتين ومنها القضية الحملية ، والقضية السالبة . ووفقا للاصطلاح تكون القضية الحملية كما نرى ؛ قضية بسيطة موجبة وهي صادقة حسب تعريف الحملية ، والقضية السالبة هي قضية بسيطة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة . ونقول طالما ان النسبة ( لاموجودة ) بين القضيتين البسيطتين في الشرطية فهي ليست شرطية . وعلى هذا يجب البحث عن اساس آخر نستطيع معه تمييز الشرطية عن غيرها ، سواء كانت سالبة أم موجبة ، صادقة أم كاذبة .

لنواصل مناقشة ما يعرضه المنطق التقليدي لما يصطلحون عليه بالقضية الشرطية ..
تقسم الشرطية بدورها الى : متصلة ومنفصلة ، وهذا التقسيم يتخذ من ( نسبة الاحوال والازمان ) أساسا له ..

ـ المتصلة :
تكون فيها النسبة بين القضيتين البسيطتين هي ( تعليق احداهما على الاخرى ) ومثالها ( اذا أشرقت الشمس فأن النهار موجود) . و( ليس اذا كان الانسان نماما كان أمينا ) . في الاولى حسب التعريف النسبة موجودة وهي ( التعليق )، اما في الثانية فيعدونها غير موجودة ( لاموجودة ) بسبب دخول اداة النفي عليها ( ليس) . وهذا ينطوي على خلل واضح لجهة تصور النسبة ، ففي القضية الثانية النسبة موجودة ، وهي هنا بمعنى الرابطة ، وإلا فسينفرط عقد القضية الشرطية وينحلل تأليفها الى القضيتين البسيطتين المؤلفتين لها . ولكن ان دخول اداة النفي ( ليس ) على الشرطية يغير في بنية القضية الشرطية ، وهذا التغير سيحولها الى قضية من نوع آخر . وسيأتي الكلام في ذلك .

ـ المنفصلة :
تكون فيها النسبة بين القضيتين البسيطتين ( الانفصال والعناد) . ومثالها ( اللفظ اما أن يكون مفردا أو مركبا ) و( ليس الانسان اما ان يكون كاتبا أو شاعرا) . وملاحظاتنا هنا هي ذاتها التي اثبتناها في مناقشة المتصلة . وسنناقش هذا القسم وتعريفه من ناحية مدى صحة اعتباره ( قضية شرطية) ؛فنقول : أن هذا القسم لايعد قضية شرطية بأي حال من الاحوال ، لارتفاع اداة الشرط فيها وهي ( اذا .. فأن ) او احدى الصيغ المكافئة لها منطقيا ولغويا . كما أن الاداة الموجودة في امثلة هذا القسم هي ( أما .. أو ..) وشتان بين الاداتين ، من حيث معناهما ، وفواعلهما المنطقية . أضف الى ذلك ان القضية الشرطية التي تحتوي اداة الشرط ( اذا .. فأن ..) يتميز فيها الطرفان تبعا لوضعهما في القضية : فالاول يسمى ( مقدم ) والثاني ( تالي) . ولايمكن إبدال المقدم بالتالي ، كما لايجوز العكس في الشرطية ، وهذا ما غفله المنطق التقليدي.

وفي الحقيقة ان البنية المنطقية للشرطية هي ( اذا كانت ب متحققة فأن حـ متحققة ) ، فالمقدم ” ب ” شرط للتالي ” حـ” ، وان كلا من ب و حـ قضيتان . ولكن البنية المنطقية للمنفصلة مختلفة..
ولنبين ذلك ببيان ما نراه بشأن القضيتين المنفصلة والمفصلة وكيف هي رؤية المنطق التقليدي لهما ، فاننا نقول :
بأن الصورة ( اما ب او حـ ) هي صورة القضايا المنفصلة . وتفيد تحقق او صدق احد القضيتين ويمتنع صدقهما او كذبهما معا ، وبغض النظر عن مضمون القضيتين .
وان الصورة ( ب او حـ ) هي صورة القضايا المفصّلة ، وتفيد التخيير ، ولايمتنع تحقق او صدق القضيتين معا .
ان تمييزنا للقضيتين المنفصلة والمفصلة كان باعتبار الاداة التي تربط طرفي كل منهما ، وليس باعتبار مضمون الاطراف في كل منهما .
اما في المنطق التقليدي فلا يميزون بين الاداتين المذكورتين ، ويطلقون على الصورتين لفظ الشرطية ثم يفصلونها الى اثنين ( او ـ العنادية ) لتعاند تحقق الطرفين معا ، و ( او ـ الاتفاقية ) لاتفاق تحقق او صدق طرفيها معا او عدم تحققهما او كذبهما معا . فهنا لانجد ما يبميز الشرطية عن سواها ، لأن صنفي الشرطية ، المتصلة والمنفصلة مختلفتا الاداة ، وهذا ليس بالتصنيف الصحيح . وان جميع التسميات التي يطلقها المنطق التقليدي على الشرطية وصنفيها ، مأخوذة من امثلة القضايا وليس من صور القضايا . ان صور القضايا هي بناءات مختلفة تتمثل بقضايا مختلفة باختلاف بنائاتها . فالذي يقصد الانفصال عليه ان يقول ( اما نجحت هند او هالة ) فوجود الاداة ( اما .. او ) يعني صدق احدى القضين : هند نجحت ، هالة نجحت ، وليس كلاهما . والذي يريد الاتفاق ـ التفصيل او التخيير بتعبيرنا ـ عليه ان يقول ( نجحت هند او هالة ) فلايمنع نجاح احداهما او كلتيهما . فالمثال الاول يختلف عن الثاني لاختلاف بنائهما والصورتين التي تحتويهما . لذلك نقول ان بناء القضية (العدد 4 زوج أو فرد) بناءا خاطئا ، بينما بنائها الصائب هو( اما العدد 4 زوج أو فرد ) . وفي كل هذه الاحوال ، اين الشرط هنا ؟ وما هو الاعتبار الذي يصنفها بأنها قضايا شرطية ؟
ان القضية الشرطية كما نرى هي القضية التي لها الصورة ( اذا كان ب فأن حـ ) ، وان اداة الشرط المذكورة لازمة لها .
ومعروف ان المنطق التقليدي يهتم بتقسيمات القضايا الصادقة دون غيرها ولايدخل في مباحثه احتمالات الصدق والكذب لأنه لايتعامل مع ( البنى المنطقية) التي هي كالقوالب المتمايزة والتي يمكن بمحاكاتها تبني القضايا الامثلة . بمعنى ان البنيةالمنطقية هي صيغة عامة ومجردة، اما القضية فهي مثال حسي .

ان مبحث القضية الشرطية من المباحث المرتبكة في المنطق التقليدي ، وفيها من التعقيد ما يبعد التقعيد عن جادة الصواب . فلنتأمل هذا النص المقتبس من احد كتب المنطق التقليدي الاكثر رواجا وشيوعا . يقول النص ( وليس من حق اطراف المنفصلة ان تسمى مقدما وتاليا، لأنها ” غير متميزة بالطبع ” كالمتصلة ، فأن لك ان تجعل أيا شئت منها مقدما وتاليا ، ولايتفاوت المعنى فيها ، ولكن سميت بذلك فعلى ” نحو العطف ” على المتصلة تبعا لها ، كما سميت السالبة باسم الموجبة الحملية او المتصلة او المنفصلة ) انتهى الاقتباس . وملاحظاتنا على النص هي :

1ـ اذا كان ليس من حق اطراف المنفصلة ان تسمى مقدما وتاليا فكيف إذن تسمى القضية المؤلفة منهما قضية شرطية ؟ اليس هذا تناقض وارباك ؟ ان القضية الشرطية تستمد صفتها هذه من إمكان تمييز طرفيها الى مقدم وتالي ، واذا كان الطرفان لايتميزان هكذا فهي ليست شرطية أبدا . وان لم يكونا متميزين بهذا النحو فمن اين اتتها صفتها الشرطية ؟

2ـ ليس من الجائز ان نسمي القضية السالبة بـ ” القضية الحملية السالبة ” عطفا على الموجبة الحملية، ذلك ان السالبة هي سلب الحمل كما جاء في تعريفها، والحملية هي حملية لأنها موجبة وبدون الايجاب ليست بحملية .. فكيف إذن الاحتجاج بالجواز المعطوف على قاعدة معطوفة هي الاخرى ؟ وكأن قائل النص يجوّز استبدال القمر بالشمس لعطف الاول على الثاني بواسطة النور المنبعث من القمر المعطوف على الضياء المرسل من الشمس . إذن ليس من الجائز ان نطلق على السالبة” حملية سالبة ” لأن القول بحمليتها يعني ثبوت المحمول للموضوع والسالبة تسلب هذا الثبوت فتحيلها الى ” ليست حملية” ، لذلك اطلقنا مصطلح القضية البسيطة بدلا من الحملية ، والحملية كما نرى هي الموجبة الصادقة وهي صنف للبسيطة وصنفها الاخر السالبة فقد تكون كاذبة وقد تكون صادقة . وكذلك الامر في المنفصلة ، فما دامت غير متميزة الاطراف الى مقدم وتالي فهذا يعني أن الاصطلاحين غير موافقين لوضع طرفيهما ، وبالتالي فهي ليست شرطية .

3ـ ان تجويز اعتبار اي من طرفي القضية المنفصلة مقدم ، والآخر تالي بحجة عدم تغيير المعنى ، يخرج القضية عن كونها شرطية . لأن عدم تغيير المعنى بسبب تبديل الطرفين : التالي بالمقدم والمقدم بالتالي ، يوّلد اعتلالا منطقيا في القضية ، إن أريد بها الشرطية . ومن المعروف ان كل قضية شرطية ليست إبدالية وهذه قاعدة ، يجب ان تسري على كل قضية شرطية دون استثناء .والابدال خاصة من خواص الادوات والعمليات ، وتعني ان ابدال طرف بآخر لايغير من قيمة القضية . وليس من الصحيح القول ان لكل قاعدة استثناء ، فالقاعدة التي تسقط في مثل واحد فقط لايصح اطلاق اصطلاح قاعدة عليها . ان القاعدة والقانون صيغ عامة لاتقبل الاستثناء .
مثلا القضية الشرطية ( اذا ارتفعت درجة حرارة الحديد تمدد ) لايصح فيها إبدال المقدم بالتالي فالقضية ( اذا تمدد الحديد ارتفعت درجة حرارته ) قضية خاطئة فقد يكون التمدد ناتج عن الطرق .

والخلاصة الاجمالية : إن ما يميز القضية الشرطية عن سواها هي وجود الاداة الشرطية ( اذا كان .. فأن .. ) فهذه الاداة تميز المقدم والتالي ، بترتيبهما فالمقدم طرف أول والتالي طرف ثان. ولا موضع لنسبة الاحوال والازمان في الشرطية ، وهي ليست بالاساس الصائب للتقسيم او لتصنيف الشرطية . وترد أداة الشرط بصيغ مكافئة أخرى نحو ( بما أن .. فأن .. ) ، ( طالما كان ..فأن ..) ، ( كلما .. فأن ..) …
وان ( نفي الشرطية ) يترتب عليه تغير اداة الشرط الى اداة التفصيل (او) ويغير كيف المقدم والتالي ، . واللذان تنتفي منهما هاتين الصفتين (مقدم وتالي) بعد النفي لتحول القضية من شرطية الى مفصلة ، نحو ( اذا جاء زيد نبدأ بالعمل ) وطرفاها : المقدم ( جاء زيد ) وتاليها ( بدأنا بالعمل) . وان نفيها يكون : ليس ( اذا جاء زيد نبدأ بالعمل ) وهذه تؤول منطقيا الى ( لم يأت زيد أو لم نبدأ بالعمل ) ولك ان تقدر الآن فيما اذا كان مجئ زيد والبدأ بالعمل متلازمين اومتنافيين ،وعلى هذا تستخرج قيمة القضية : صادقة او كاذبة . ومثال آخر ( اذا كان العدد 4 زوج فأنه عدد طبيعي ) والنفي يكون ( العدد 4 ليس زوجا أو العدد 4 عددا طبيعيا ) فأن كون العدد 4 زوجا لايتنافى مع كونه عددا طبيعيا ، لذلك لوصدق أحد الطرفين من المنفية فهي صادقة ، وصدقهما معا يجعلها صادقة أيضا ، وليس كذلك التنافي فصدق المتنافيين معا مرتفع .
(( يتبع ))…

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: