نسبية المعايير ووحدة الفكر والممارسة ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

نسبية المعايير ووحدة الفكر والممارسة
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اورك ـ قضايا واراء


توطئة : توجهت مدرسة دمشق التي تروج لفكرة الشكل الحيوي الى عدد من اصدقائها باسئلة وكنت من بين الذين توجهت لهم ، وقد اجبت عنها ونشرت الاسئلة والاجابات في موقعها وفي موقعي الفرعي في الحوار المتمدن ، واعماما للفائدة نعيد نشرها هنا في فضاء اوروك لأن الاجابات كانت تستند الى المبادئ الاولى التى اطلقنا عليه منطق الحواء وهو منطق نحتفظ بامتياز وضعه .
الاسئلة من مدرسة دمشق والاجابات من قبلنا .
سؤال : هل توافق على كون هذه الإسئلة هي أسئلة العصر؟ وهل يمكنك تشريفنا بمحاولة الإجابة عنها لنشرها؟
عبد الرحمن كاظم زيارة ـ اسئلة معاصرة وليست اسئلة العصر . والسبب هو ان تحديات العصر متنوعة وهذه الاسئلة ذات خط محدود يروم الامساك بمنطق شامل يصح عند كل ظاهرة ومعضلة في العديد من الاهتمامات ذات الصلة بالتواصل الانساني .

السؤال الأول : هل يمكن لشخص مهما اتيحت له امكانات التفرغ ان يحيط بكل ماقالته ومارسته العقائد الدينية وغير الدينية وفي كل اللغات والمجتمعات والعصور ..وان يكون قادرا بالضرورة الحكم الصائب علي أي منها لمجرد كثرة اطلاعه؟
عبد الرحمن كاظم زيارة ـ من الممكن ان يحيط شخصا معين بما قالته العقائد ومارسته في كل العصور والامكنة لو نذر حياته اطلاعا ودراسة وتنقيبا شريطة توفر المصادر والمراجع الاولى “الاصلية “. اما الحكم فيها او عليها فهذا معلق على معاييره ، ولأن المعايير نسبية لاختلاف العقائد ذاتها فالحكم دائما نسبي.
ان روجيه غارودي ـ رجاء غارودي تاليا ـ قريبا الى هذا النموذج ، فكل تحولاته انبنت على مخاض يتضمن (الاطلاع ـ الاعتقاد ـ النقد ـ التحول ) إلا انه لم يقف على الحياد بل استقر مسلما . ترى هل فقد القدرة على التحول او الحياد ؟ ربما التقدم بالسن حد من متابعاته النقدية التي سبقت كل تحول لديه .
ان الاحاطة بما ذكرت قد يتمكن منها بضعة اشخاص في كل وقت ،الا ان الاحاطة اياها بكل تأكيد لايمكن ان تكون ممكنة لدى كثيرين .
مرة اخرى الحكم الصائب ممكن بحدود توفر أساس مقارن للموضوعات المشتركة ، لايعدو ان يكون وصفيا ، مع ملاحظة ناحية التدرج في التشريعات كشكل مفصلي للاختلاف بين دين وآخر. وبالتالي فأن الحكم في هذه الحالة جدلي بمعاني التطور والتراكم والتضمين / الاحتواء ، كما نقول في منطق الحواء وليس كما تقولون في ما تسمونه المنطق التوحيدي .

فضاء اوروك ـ قضايا واراء


السؤال الثاني: إذا كانت المصالح العقدية الفئوية الدينية توظف كصلاحية في تعبد وتقديس الخالق بوصفه عدلا ورحمة وسلاما فهل هذا يجعلها تحقق بالضرورة عند الممارسة العدل والرحمة والسلام ؟
عبد الرحمن كاظم زيارة ـ الممارسات الدينية بما في ذلك الطقوس التعبدية لاتنفصم عن العقيدة الدينية ذاتها .. ففي هذا النوع من المصالح والصلاحيات تتجلى في وحدة الممارسة والعقيدة ،إنها وحدة تمتلك ضرورات ديمومتها .وكل الدعوات الدينية التجديدية انما هي ترمي الى ـ أو تدعي ـ بلورة هذه الوحدة . في الفقه الاسلامي مثلا ثمة مذهب يقسم الدين الى ممارسات تعبدية هي الفروع ، واعتقادات هي الاصول ، وفي مذاهب أخرى تنظر الى كلا الامرين ، بوصفهما يشكلان وحدة واحدة غير قابلة للتقسيم ، وتجمعها تحت عنوانها وهو : الاركان . فكل ما فيها من ” ممارسات ” يستمد من ” العقائد” ، وكل ما فيها من ” عقائد ” يجد له تعزيزا ،وتكريسا ، وتمثيلا في ” الممارسات ” .
لذلك ان الممارسات “العقدية الفئوية ” إن أ ُفلتت من مرجعيتها العقيدية تضحى مجرد عادات مجتمعية تكرس الهوية الفئوية او الدينية او الطائفية او السياسية او الايديولوجية .. فتختلط عندذاك الممارسات الطقوسية الدورية بالتقاليد الاجتماعية والتراث الشعبي (أو الفلكلور) ، او المظهرية السياسية التي تسوق لترسيخ الولاء وادامة التحشيد ، وهذه الاشياء ليست بالضرورة ان تكون افصاح عن تحقق العدل وانتشار الرحمة واستباب السلام . واذا كان العكس ،أي في حالة اضمحلال او ضعف الممارسات الطقوسية الدورية فمن شأن ذلك تبدد وحدة الممارسة والعقيدة ، واول ما يصاب بالضمور تاليا تداول العقيدة وانتشارها ووعيها .
ان العدل والرحمة والسلام تتحقق عبر سلسلة من الاجراءات والقوانين والمؤسسات ، وليس عبر الطقوس التعبدية المقننة في كل دين . فالطقوس شأن فردي هي ترددات تكرارية للصلة بين الخالق والعبد ، يفترض ان تكون حافزا للعمل على تحقيق العدل والرحمة والسلام وهنا تظهر مسألتان :
الاولى ،وهي وجوب اعتبار العدل والرحمة والسلام الغاية الاسمى للدين ،
والثانية ، هي وجوب تكييف “الوعي بالعقيدة ” بضوء الهدف ، وبما يطلق امكانات ووسائل تحقيقه . أما العقيدة بحد ذاتها فهي ليست هدفا حتى وان كانت عقيدة سماوية . ولهذا السبب نأخذ بفكرة ” العالمانية ” التي تحرر الدين من الشخصنة والهرطقة والطقسنة والدوللة .. فكل مؤمن عالماني سواء كان في سدة الحكم او في مجاله الشخصي . وكل من يقول بدولة دينية او حزب ديني انما هو يسعى الى تقزيم الدين ويحيله الى حطام وسيلة ، مُضيِّعة للهدف . ان وجود رجل دين على رأس السلطة لايجعل من السلطة سلطة اسلامية او مسيحية او يهودية ، بل يجعلها دولة ” ماجدية ” ان كان اسمه ماجد ، ودولة ” هيثمية ” ان كان اسمه هيثم .. الدولة الاسلامية غير ممكنة دائما مع رجال دين مسلمين ! الا ان الاسلام كدين وعقيدة واخلاق وفضاء حر للانسان الحر أمرا ممكنا ، بل وضروريا .. ولولا ضرورته لما وجد اصلا .
وعليه ان تلك الممارسات سواء كانت فردية او برعاية نظام سياسي ، فأنها تشكل حافزا نحو الكمال ، وليس سعيا له . اما اذا ارتبطت بوعي عقيدي فأنها تتحول من حيزها الضيق كحافز الى دورها التعزيزي في اطار السعي صوب الكمال ، ولن تناله بحده المطلق ، حسبها تسعى اليه وبقوة . مع ملاحظة ان رعاية النظام السياسي للطقوس هو شكل من اشكال التسويق السياسي ، وهو موقف انتهازي ومنافق في افضل وصف له .الا ان اطلاق حرية ممارسة الطقوس وظيفة يجب ان يقرها ويحميها النظام السياسي .
وباختصار ، ان الممارسات الطقوسية لوحدها دون العقيدة كمرجع لها لاتفضي الى تكريس العدل والرحمة والسلام . ووحدتهما فقط تؤدي الى العدل والرحمة والمساواة . واعني بوحدتهما : تمثلهما معا دون انفصام . وتمثلهما يتم تحت شرط الحرية ، فالعقيدة ليست قيدا ثقيلا وانما هي فضاءا رحبا يعود بالانسان الى فطرته .. حراً .إن تعقيدات التواصل الانساني قد تفضي بالانسان الى العبودية للآخر ، الآخر الذي لايستحق في كل الاحوال ان يكون سيداً مقابل جمهرة من العبيد بأي معنى من المعاني ، وأيا كان هذا الآخر. ان عظمة الخُـلـُق النبوي تكمن في نبذ فكرة التسيد على الآخرين واستعبادهم ، ونبذ فكرة استعباد الآخر او جعله تابعا او ذيلا ، ونبذ عملية مسخ انسانية الانسان وتصييره ببغاءا بفرض التقليد عليه .
ان الطقوس الدينية غير مطلوبة لذاتها ،لأنها لن تقبل ما لم تقرن بالتوحيد والتقوى ، وهي بهذا المعنى ملزمة للمؤمن وليس بمعنى اسقاط الفروض ،ولأنها قد شُرعت بسبب صلتها الوثيقة بالعقيدة. والعلاقة بين الاثنين تجعل من الصعب التفريق بينهما . وهذا ايضا شأن كل الدعوات. وكل ذلك بطبيعة الحال يعود الى ” النظام ” الذي تقوم عليه العقيدة ، دينية كانت ام غير دينية . وان التعبير عن الاهداف العامة للاديان السماوية ليس شأنا لرجال الدين حسب ، ولاينبغي ان يكون كذلك ، بل هو شأن عام تنهض به الامة ، بعيدا عن التظاهر اللفظي والطقوسي . وان نشر العقيدة وجزئياتها والتحشيد لممارسة الطقوس لهما مساحتهما الاخرى .
(ان سبب تعدد الدعوات يكمن في ان الدعاة يبحثون عن افضل ” الوسائل ” لتحقيق العدل والمساواة والحرية والسلام)و القول بين حاصرتين ليس لي ولكني اتبناه .

السؤال الثالث: ألا يحتاج البشر إلى أداة منطقية للحكم السريع والدقيق والبرهاني على مدى حيوية وتحوي العدل والتوحيد فيمايعرض عليها تغني عن كل تلك القراءات.. وتغني عن الخوض في شرح الشرح وتفاصيل التفاصيل ..؟
عبد الرحمن كاظم زيارة ـ هذه قراءة اخرى للسؤال الاول ..
في التوراة منطق ما ، وفي الانجيل منطق ما ، وفي القرآن منطق ما .. وفي كل فلسفة نقدية كبرى يوجد منطق ما .. وفي كل رؤية طبقية يوجد منطق ما .. وفي كل رؤية قومية يوجد منطق ما .. فهل يمكن استنباط معايير تحوي كل المنطقيات المذكورة ؟. كلا بالطبع .
في الكتب السماوية مشتركات هي اكثر من الاختلافات .. وما يعزز المشتركات بينها ان الاختلافات ليست متناقضة في الرؤية الاساسية . ومن ذلك ان مسؤولية الانسان بعد اختتام الديانات اضحت عظيمة وخطيرة ، إذ عليه ان ” يجتهد ” في استنباط كل ما يحقق العدل والتوحيد .
سبق وان عبرت عن قناعة من ان اي منطق يدعي الشمول إن أريد له ان يكون ” منطقا” و” توحيديا ” فينبغي له ان يكون حواء لكل المنطقيات ،وليس نفيا لكل المنطقيات ، وتجاوزها لايعني نفيها . ان التنوع في علم الفكر او المنطق هو صورة من صور التدافع الرامي الى الاكتمال ، ويبقى الاكتمال أملا يسعى اليه الانسان دون ان يتوهم بامكانية تحقيقه .. لأن تحقيق الاكتمال الغاء للتنوع ، ومن ثم ، الغاء للتدافع . وفي كل منطق مطروح الآن سواء في الاديان او في الفلسفة او في الايديولوجية ينطلق اساسا من اطروحات خلافية . مايراه انسان في أمر ما انه الصواب ، يراه غيره خاطئا . هذا بسبب نسبية المعايير ونسبية القيم واختلاف المصالح واختلاف الصلاحيات ، وبالاجمال كل ذلك يرد الى التدافع . وحدها الرياضيات ومن ورائها التقانات تحتكم الى منطق باطروحات ليست خلافية .وهذا لايعني انها متحررة عن مقولة النسبية ، بل بالعكس ، فانضباطها العلمي يكمن في نسبية الحقائق التي تعالجها وليست المعايير التي تتخذها اساسا في الحكم .
مثلا : كل شئ مادي متحيز قريب الينا بمعيار حاسة النظر الطبيعية ،لكنه ابعد ما يكون عنا عندما نريد مشاهدة جزيئاته التي تتركب من الذرات والعكس مشكوك في صحته المطلقة ، الا إنه صائب نسبيا . وليس لما اقوله هنا صلة بالنظرية النسبية ، إنه أمر آخر !

فضاء اوروك ـ قضايا واراء

السؤال الرابع : هل يمكن لقياس المنطق الحيوي أن يكون المرجعية التي يحتاجها كل الناس في كل عقائدهم ومصالحهم للحسم السريع فيما يجب التخلي عنه من ازدواجية معايير ..وتجاوزه بوصفه – إن وجد – فهو كان من مصالح عصر خلا .. أو أمة قد خلت .
عبد الرحمن كاظم زيارة ـ نجيب على ذلك عبر اصعدة تتصل بهذا السؤل …
على صعيد العقائد :
يكون ذلك ممكنا اذا وفقط اذا : استولت البداهة على العقول ، واذا استولت البداهة على العقول الغي العقل .
ويكون ذلك ممكنا اذا وفقط اذا : تطهرت النفوس لتضحى ملائكية ، واذا اضحت نفوس البشر ملائكية ، انتفى وجود الانسان .
ويكون ذلك ممكنا اذا وفقط اذا: كان العدل مساواة والمساوة عدل ، وبهذا ينتفي العدل ويستتبعه انتفاء المساواة ايضا .
ويكون ذلك ممكنا اذا وفقط اذا :اجتمع الناس على دين واحد في كل عصر ومكان ،وبهذا ينتفي الايمان!.

على صعيد المصالح :
ممكنا وهومطلبا انسانيا ، يدخل في مضمار السعي نحو الاكتمال. قلنا ان الاكتمال هدف يستحق العمل من اجله ، بل الضرورة تدفع اليه … وبنفس الوقت لاينبغي التوهم بالوصول اليه . لأن مثل هذا التوهم يقود الى حروب الابادة والصراعات الدموية ونشر الفقر والتخلف . ان عولمة المصالح هي محض دعوة ، ولكل دعوة قاعدة ومركز تتمحور حولها كل حركية الدعوة ، وتبرر ممارساتها ، فينشأ عن ذلك القسر والعسف . ومهما كانت الدعوة نبيلة فهي تبقى ” خارجية ” بالنسبة للمخاطـَبين ، تحمل عناصر حضارية او قومية أو طبقية او عقيدية خاصة بمركز الدعوة. لذلك :ان الممكن هو اعتبار ” الانسانية مشتركة في قيمها ومتضامنة في مصالحها”. أي التنوع في الوحدة والوحدة في التنوع . فعولمة المصالح، من دون وجود آخرين يعيشون في كوكب آخر يتصلون بنا حبا او بغضا ، هي محض رداء جديد للامبريالية او الاستعمار .
على صعيد الاتصال الانساني والخطاب الانساني ذلك ممكنا دون استثناء ، و ممكنا على صعيد بلورة قياسات منطقية سواء كانت مكتفية بقيم طرفية او بقيم مستمرة او بقيم متقطعة ضمن مقياس معين scale . وممكنا في مجالات بناء النماذج والتقنيات . والامكانات تتسع كلما حررنا الاحكام من حدها الادنى المتمثل بثنائية الجذور / القرائن الى ما هو اكثر : افقيا وعموديا . وممكنا في اختراع انظمة جديدة لم يكتب لها الظهور بعد ، وممكنا في اختبارات الحيز كمقولة فيزيائية .. والامكانات تتسع طالما المنطلقات سليمة وليست خلافية .

فضاء اوروك ـ قضايا واراء

السوال الخامس :هل يمكننا بقياس المنطق الحيوي تعرف تعدد قيم المصالح الأعلى والأدنى ومابينهما في أي مصالح عقدية فئوية؟
سواء كانت اسلامية او غير اسلامية بمجرد كشف صلاحيتها لتحوي شكلا كليا اوجزئيا, او شكلا جوهرانيا كليا او جزئيا ؟؟

عبد الرحمن كاظم زيارة ـ ثمة اساليب بحثية تتكفل بتهيئة البيانات لتطبيق المنطق الحيوي تتخذ من القيم المستمرة continue values اساسا في الحساب . ولقد وضعت بعض ذلك في مساهمة سابقة وغير مكتملة ، وهو على أي حال تعبير مبسط للقيم المستمرة وفيه نزعة تجريبية اكثر من كونه تنظيما قابل للاعمام .
في المنطق التقليدي الارسطي يكون الحكم قطعيا بصواب او خطأ قضية ما وكذلك في المنطق الرياضياتي حتى الفترة التي سبقت اكتشاف مفهوم المجموعات الضبابية كما هومعروف . ولكن في فترة الكشف عن المجموعة الضبابية وما تلاها اصبح بالامكان الحديث عن ” نسبية الصواب” و”نسبية الخطأ ” و”اللاصائب” و”الخاطئ” و”اللاخاطئ “، و”ليس صائب ولاخاطئ” ! كما اصبح الحديث ممكنا عن صواب القضية وخطأ القضية وعكس القضية وحياد القضية ، وذلك عبراغناء الاحكام المنطقية بدالة الانتماء .واجمالا ؛ بالامكان القياس وفق الواقعتين التاليتين : الحكم ، ونسبية الحكم . مع التفرعات الممكنة لهما.
ان الشكل الكلي لديك هو الصياغة المرغوبة للنص ، او للشئ ، او للاتصال طبقا لتحويات تشاكلها وعلى النقيض منه يظهر الجوهر الكلي بوصفه الصياغة المرفوضة للنص ، او للشئ . وكل هذه الاحكام المعيارية : مرغوب ، لامرغوب ، لا مرفوض، مرفوض .. هي اتجاهات البوصلة الحاكمة لكل طيف من الاطياف الستة في ما تسمونه مكعب المصالح وليس في ذلك جديد يستحق الاضافة . ولكونها احكام” معيارية ” فهي تتطلب ارضية مشتركة تفصح عن قناعات مرجعية لايختلف بشأنها بني البشر . وهذا بعيد المنال. وهو ايضا بعيد المنال بين اصحاب الدين الواحد . والواقع ان الناس يتعاطون اديانهم تعاطي تتدخل فيه حتى الفروق الفردية ، ناهيك عن الفروق الكبرى وهي بثوق مختلفة تنبثق بتأثير عوامل لايمكن حصرها .. إنها غير متناهية .
في كل الاحوال ينبغي النظر الى معايير النظام بما هونظام ، في العقائد والنظريات الاجتماعية وامثالها ، ولايصح اقحام معايير من خارجه ، فأن حدث هذا فأن ذلك من شأنه نسف النظام ومن هنا ينشأ الصراع وانت تريد التعاون ، وينشأ الجدال وانت تريد التوحيد ، وينشأ الاختلاف وانت تريد الاتفاق.
هنالك اتجاه تتبناه انظمة سياسية هي في الغالب بلدان ذات اكثرية اسلامية ، وهي اعتبار الاسلام مصدرا للتشريع وليس المصدر الوحيد . انا اعتبرذلك اتجاه اسلامي محض ، وان عد الاسلام المصدر الوحيد للتشريع هو اجراء مضاد للاسلام دون جدال ، ولاسباب معروفة . وهذا يتفق مع فكرة النظام الذي ينبغي ان يحافظ على معاييره ولكن بصيغ متحركة ومتطورة نحو الامام وبما يحقق الهدف من وجود الدين اساسا .
فكل ما وجد في القران الكريم من احكام وطبقا الى ” نظامه ” و” منطقه الداخلي ” اذا استعرنا اصطلاحك المشكوك في صلاحيته هو شكل كلي .
وكل ما وجد في ” النظرية الماركسية ” او ” البراغماتية ” وسواهما من احكام وطبقا الى “نظاميهما ” و” منطقهما الداخلي ” هو شكل كلي بنفس المعنى .
هذا يكون كذلك طبقا لنظام كل منهما على نحو مستقل .لذلك إن حكمنا على أن كلا من الاسلام والماركسية مثلا انهما شكلا كليا انما ينبني هذا الحكم طبقا لما تراه الماركسية بأنه كامل البرهان ومستتبعا بالالتزام بحكم الضرورة ، والامر كذلك بالنسبة للاسلام . ان منشأ هذه المفارقة لم تنشأ بسبب عدم صلاحية مقايسات المنطق التوحيدي كما تطرحها انت ، بل بسبب نسبية المعايير ،ولأن المعايير فيهما مختلفة او متضادة او متناقضة .
ولكن إنْ وضعنا أي معتقد او أية ايديولوجية أو اية فلسفة ، أو أي اعلان كأعلان الامم المتحدة اوميثاق الجامعة العربية ، او نظام القيم والعادات في مجتمع ما .. واشباهها من الخطابات الانسانية ، مرجعا معياريا لاصدار الاحكام بحسب اطياف ما تسميه مكعب المصالح فأنها ستتضارب فيما بينها او تتناقض او تتضاد . فالشكل الكلي من وجهة نظر ماركسية هو جوهر كلي من وجهة نظر اسلامية او ربما يتقاربان او يتفقان في الحكم على جزئية ما . والجوهر الجزئي من وجهة نظر رأسمالية هي شكل جزئي، او كلي من وجهة نظر اشتراكية على الطرازالصيني وليس على طراز اشتراكي آخر. والجوهر الكلي من وجهة نظر قومية ـ انسانية هو شكل كلي من وجهة نظر استعمارية ـ امبريالية .
هنالك تسطيح للمعايير التي تتخذونها في مدرسة دمشق كأدلة نهائية في الحكم على نوع الشكل او الحكم فيه ، وهنالك قناعات ذاتية محضة حول المعايير التي تقولون بها ..هذا ما اراه في المقايسات التي تجرونها . لذلك تظهر المقايسات وكأنها قوالب فارغة يعب فيها القومي قناعاته كما يعب فيها الليبرالي قناعاته ، فارغة بمعنى انها لاتنطوي على دفاعات معيارية فيما يتعلق بالحكم على الخطاب الانساني وشيئا ما على الاتصال الانساني.. فهي ليست وقفا على معتقد كما انها لاتقدم معتقد يحضى بقبول الجميع ، بالرغم من ان الاساس النظري للتشاكل يمكن بناءه على نحو مبرهن عليه.
اما في المنطق الذي نؤسسه ، واعني به منطق الحواء ففتوافر فيه دفاعات موضوعية لاتجعل الاحكام خاضة للعوامل الاتية ولا الى الاحكام المسبقة ، ذلك ان منطق الحواء يقر المنطقيات الاخرى وهذه نقطة قوته ، ولكنه يضعها كلها في نظام موحد ليشمل الاشياء والمقلات معا .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: