في نقد المنطق التقليدي (7) تقسيم القضايا ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

في نقد المنطق التقليدي (7) تقسيم القضايا
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ نقد المنطق التقليدي


مرة أخرى نلتقي باعتلال آخر في المنطق التقليدي ومحله تقسيم القضايا على أسس غير معينة تعيينا تاما . ومن المعروف ان التقسيم في العلوم له خطورته ، حيث ان لكل تقسيم اعتبار معين يميز الاقسام ، ولكل قسم تتفرع عنه اقسام أخرى باعتبار آخر ولايتنكر للاعتبار الذي ميز القسم الرئيس . وكل ذلك ينعكس في تنظيم مباحث كل علم ويجعل من المباحث في نظام لالبس فيه .
وسنعرض هذه التقسيمات كما وردت في المنطق التقليدي واضعين النصوص المستلة من كتبهم بين قوسين كالعادة لنشير الى ان النص مقتبس .

اولا : التقسيم الرئيس للقضايا
( قسمة القضايا الى حملية وشرطية )
يقسم المنطق التقليدي القضايا الى قسمين رئيسين هما : الحملية والشرطية .
فالحملية (لها طرفان ونسبة بينهما ، ومعنى هذه النسبة اتحاد الطرفين وثبوت الاول للثاني او نفي الاتحاد والثبوت) .
والشرطية ( لها طرفان ، وهما قضيتان في الاصل ) ليست النسبة بينهما الثبوت ، لأن ( لا اتحاد بين القضايا ) وانما النسبة بين القضيتين هي :
(اما نسبة الاتصال والتصاحب ، والتعليق) اي تعليق الطرف الثاني على الاول ، ويضربون في ذلك المثلين :
مثال (1) اذا اشرقت الشمس فالنهار موجود . النسبة : الاتصال والتصاحب .
مثال (2) وليس اذا كان الانسان نماما كان امينا . النسبة : التعليق .
( واما نسبة التعاند والانفصال والتباين او نفي ذلك) ، ويضربون في ذلك المثلين :
مثال (3) اللفظ اما ان يكون مفردا او مركبا . النسبة : التعاند والانفصال والتباين .
مثال (4) ليس الانسان اما ان يكون كاتبا او شاعرا . النسبة : ” نفي ” نسبة التعاند والانفصال والتباين (كذا!) .
ثم يقررون ان ( القضية الشرطية ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية واخرى او لاوجودها ) .
ملاحظاتنا : يتضح ان هذه القسمة تمت بخبرة القضايا الحملية ، لاعتبارها وجود نسبة الثبوت بين الطرفين في الحملية او عدم وجودها في الشرطية ، ووجود نسب مختلفة بين طرفي الشرطية كما تقدم ، وهو تقسيم على اساس مرتبك ، خاصة في التعريف الاخير للشرطية الذي يقول بجواز ( لاوجود النسبة) بين القضيتين .
ولكننا نشير هنا الى حقيقة ان للشرطية طرفان هما قضيتان ، وكان المفروض ان يتخذ عدد القضايا الداخلة في تركيب القضية اساسا للتقسيم ، فنقول ان القضايا تقسم الى قسمين : قضايا بسيطة ، وهي القضايا التي لاتنحل الى قضيتين ، وقضايا مركبة وهي التي تنحل الى قضيتين او اكثر .
ان التعبير ( لاوجودها ) في تعريف الشرطية في رأي المنطق التقليدي لاتعني انعدام النسبة ، ولكنه في الحقيقة تعبير يعوض عن ” عدم ” القدرة في تعيين النسبة في قضايا تعد شرطية . وهو أمر مرتبك جدا ، وليس فيه نفع . إذ كيف نعتبر النسبة لاموجودة ؟ ما هو مصداق لاوجودها حتى تكون اللاموجودة موجودة ؟ ويظهر جليا ان ايراد هذا التعبير مثّل حلاً اعتمده المنطق التقليدي لكي يشمل القضايا المنفية في قسم القضايا الشرطية ، لأن نفي القضية الشرطية في تقديرهم يرفع نسب الشرطية المذكورة ، والرفع هو العدم ولكنهم قالوا ( لاوجودها ) لأن تعبير ( لاوجودها) معدول والمعدول موجود ، وهكذا جعلوا من العدم وجود ! .
ومن الثابت عندنا بأن ليس كل الاسماء قابلة للعدول ، فثمة اسماء يطالها العدول واسماء ليست كذلك ، فالاسماء التي يطالها العدول هي الاسماء التي يمكن لها ان تكتسب الصفة او الخاصة في ظرف دون آخر كقولنا (بعض الانسان لاعالم) ، فصفة العالم معدولة عن البعض لأن (بعض الانسان ) قد يكون عالم وهذه صفة محصلة ، فاذن الاسماء المعدولة هي الاسماء التي يمكن ان تكون محصلة والعكس صحيح . ولكن القول بأن ( بعض الجدار لاعالم ) قول فيه خطأ في تركيب القضية ، ولا اعني كذبها ، فقد تكون القضية مركب تام وبنائها المنطقي سليم ولكنها بنفس الوقت كاذبة ، ففي القضية المثال كأن قائلها اراد التصريح بأن صفة عالم قد تتحصل للجدار وهذا محال . وكذلك الامر مع النسبة في القضايا فهي اما موجودة او ليست موجودة ، ولايمكن ان تكون لاموجودة ، لأنها من شأن التركيب . ومعلوم ان التعبير (ليس موجود) نفي للوجود ، والوجود لاينقسم بعضه الى العدم ما دام موجود .

فضاءاوروك ـ نقد المنطق التقليدي


ثانيا : قسمة رئيسة ثانية للقضايا باعتبار الكيف
يقسمونها الى سالبة وموجبة ، فيقولون( ان القضية بجميع اقسامها سواء كانت حملية او متصلة اومنفصلة ، تنقسم الى : موجبة وسالبة ) . حيث الحملية الموجبة ماحكم فيها بنسبة الحمل ، اي حمل المحمول على الموضوع ، و(الشرطية الموجبة ما حكم فيها بنسبة الاتصال او الانفصال) ، والقضية السالبة حملية كانت ام شرطية فهي ما حكم فيها (بسلب الحمل او الاتصال او الانفصال) .
ملاحظاتنا : بعد ان تم تقسيم القضايا القسمة الرئيسة الى حملية وشرطية لايجوز وضع قسمي الشرطية والحملية على صعيد واحد ،وكان المفروض يقال ان القضية بقسميها بالاشارة الى الحملية والشرطية .
واللافت انهم وضعوا الانفصال نسبة من النسب ، استنادا الى انفصال القضيتين في ما يسمونها بالقضية الشرطية ، انفصال يدل عليه المثال ،وليس صورة القضية . فبفرض ان كلا من ب و حـ قضيتان ، فكيف يتسنى للدارس ان يعرف النسبة في صورة الشرطية ( اذا كان ب فأن حـ ) ، إن كانت الاتصال او كانت الانفصال . ان المنطق يعنى بالقوانين العامة والصور العامة ولايعنى بالامثلة ، والامثلة مجرد تمثيل للقانون او الصورة .
ثم ، يقولون ( وعلى هذا ليس من حق السالبة ان تسمى حملية او متصلة او منفصلة ، لأنها سلب الحمل او سلب الاتصال او سلب الانفصال ، ولكن تشبيها لها بالموجبة سميت باسمائها) ..
ونقول ، ليس من العلم الاصطلاح على شئ بالتشبيه ، لأن ذلك من شأنه ان يخلط المفاهيم ببعض ولايميزها تمييزا بقدر كاف من الوضوح . وان قولهم هذا يدل على خطأ التقسيم الذي اعتمدوه منذ التقسيم الرئيس الاول ، وكان المفروض ان ينحى التقسيم منحى آخر باختيار اساسا سليما ليس فيه استثاء او رجوع . فاذا كان ليس من حق السالبة ( كل كوكب ليس بساكن) ان تسمى حملية فماذا تسمى ؟ هل يجوز القول : تسمى قضية حملية وليس من حقها ان تسمى حملية ؟ ! أليس هذا القول متناقض ؟
فاذن القسمة الاولى ، الرئيسة للقضايا يجب ان تتخذ عدد القضايا اساسا او معيارا او اعتبار للتقسيم ، فنقول تقسم القضايا الى : بسيطة ، ومركبة ، كما تقدم ذكرها .
ان مفهوم السلب ، كما يرد في مؤلفات المنطق التقليدي ، مأخوذ من ارتفاع نسبة الحمل في القضايا التي يسمونها حملية ، فكيف يمكن اعمام هذا المفهوم على القضايا التي يسمونها شرطية ، وهي ليست مؤلفة من موضوع ومحمول ، بل من قضيتين ؟
ان مفهوم السلب لاينال القضايا ” الشرطية ” ، بل النفي ينال القضايا الشرطية، وثمة فرق بين السلب والنفي كما نرى . ذلك ان دخول النفي على القضية الحملية من شأنه ان يغير سور القضية وكيفها ، فإن كانت سالبة فتكون موجبة ، وإن كانت موجبة تكون سالبة ، نحو ليس كل انسان عالم ، تكون بعض الانسان ليس بعالم . او ليس كل الشجر ليس بمثمر ، تكون بعض الشجر مثمر . وعلى هذا ان السلب من شأن بناء القضية اصلا كقولنا ( كل الكترون ليس موجب الشحنة) فهذه سالبة وصادقة بنفس الوقت ، وليست حملية لوجود السلب ، اما النفي فهو عملية احادية تسلط على القضية من خارجها وقد ينتج عن النفي سلبا للقضية او جعلها موجبة .
اما بالنسبة للقضايا الشرطية بحسب مفهومنا فهي قضية مركبة من قضيتين باداة الشرط وصورتها العامة ( اذا كان ب فأن حـ ) وان نفيها بالصورة ليس (اذا كان ب فأن حـ ) يصيّرها الى الصورة ( ب و ليس حـ ) وهذه قضية مركبة مفصلة . اي ان لنفي القضايا المركبة قاعدة عامة وهي تغيير اداة الربط وتغيير كيف احدى القضيتين البسيطتين او كلاهما . وهذا فيه تفيصل كثير لامجال لسرده هنا .

فضاء اوروك ـ نقد المنطق التقليدي


ثالثا : اقسام الحملية
(1)يقسمون الحملية الى اربعة اقسام باعتبار الموضوع ، وهي : المحصورة والمهملة والطبيعية والشخصية . ثم يقسمون المحصورة الى قسمين هما : الكلية والجزئية .
ثم يقولون لااعتبارات إلا بالمحصورات وهذا قول حسن ، لأن الاقسام الاخرى كلها ترد الى الجزئية حسب ما نرى . يبررون ذلك بالقول (ان القضايا المعتبرة التي يبحث عنها المنطقي هي المحصورات .. اما الشخصية فلأن مسائل المنطق قوانين عامة ، فلا شأن لها في القضايا الشخصية التي لاعموم لها . واما الطبيعية فهي بحكم الشخصية .. واما المهملة فهي في قوة الجزئية ..) (كذا!) ، فاذن ما الحاجة الى التقسيم السابق اذا كانت اقسامه ليست من المنطق بشئ ؟ وكان المفروض حصر قسمة الحملية باعتبار موضوعها بالقضيتين الكلية والجزئية .

(2) قسمة القضايا الحملية الى موجهة ومطلقة وتقسيم الموجهة .
يقصد بالقضية الموجهة هي القضية التي يلحق بها احد الالفاظ الدالة على الجهة وهي ثلاث : الوجوب او الضرورة، والامتناع ، والامكان . اما القضية الحملية المطلقة فلا تلحق بها احد هذه الالفاظ .
مثال الموجهة ( الانسان يمكن ان يكون كاتبا ) ومثال المطلقة ( بعض الانسان كاتب).
ان تقسيم القضايا على هذا النحو يلتبس بالاعتبارات الفلسفية ، لذلك يستند الى الامثلة وليس الى صور القضايا ، كما سنرى في تقسيم الموجهات ، حيث يقسمونها الى قسمين : البسيطة والمركبة ، وقالوا ان البسيطة لاتنحل الى قضيتين والمركبة تنحل الى قضيتين . ووفقا لهذا نلاحظ ان المنطق التقليدي يميز قضايا حملية مركبة.
ولكن لنر َ ما هي القضية المركبة بحسب المنطق التقليدي ؟ القضية المركبة عندهم قضية تتركب من قضيتين احدهمات موجبة وتسمى القضية باسمها ، وقضية سالبة ، ويضربون امثلة على ذلك ، منها ( كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل لابالضرورة) فهذه عندهم مركبة من الموجبة (كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل) والسالبة ( لا بالضرورة) . ونسأل بأي اعتبار عدت العبارة ( لابالضرورة ) قضية ؟ اليست القضية مركب تام ؟ وهل تفيد هذه العبارة مركب تام ، او خبر تام ؟ كلا بالطبع .
وحتى لو ضعنا القضيتين على النحو :
( كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل) واعتبارها قضية موجبة .
( كل مصل يتجنب الفحشاء لابالضرورة) واعتبارها قضية سالبة .
نسأل : هل ان وجود عبارة (لابالضرورة ) تفيد السلب ، سيما وان السلب سلب الحمل والقضية حملية هنا ؟ فأين الحمل المسلوب ؟
ثم يقسمون الحملية الموجهة البسيطة الى ثمانية اقسام هي : ضرورية ذاتية ، دائمة مطلقة ، مشروطة عامة ، عرفية عامة ، ممكنة عامة ، حينية مطلقة ، حينية ممكنة .
وبالمثل يقسمون الحملية الموجهة المركبة الى ستة اقسام ، هي : مشروطة خاصة ، عرفية خاصة ، وجودية لاضرورية ، وجودية لادائمة ، حينية لادائمة ، ممكنة خاصة .
وكل هذه التقسيمات مستمدة من المعنى اللغوي او الفلسفي لامثلة القضايا ، دون الاتيان بصورها ، لذلك ان اوضح ظاهرة في كتب المنطق التقليدي تكرار الامثلة التي يتم تداولها كما لو كانت قواعد ، او تعتمد في استناج القواعد ،والصواب هو العكس ، بمعنى ان القاعدة يجب ان تصاغ بعد برهان ، ومن ثم يكون المثال مطابقا لها .
(3) قسمة القضايا لحملية الى محصلة ومعدولة
والاسم المعدول هو الاسم الذي يكون احد الحرفين : لا ، غير جزءا منه نحو لاانسان ، غير نبات . والاسم المحصل ليس فيه هذين الحرفين نحو انسان ، نبات.
والقضية التي تتألف من اسمين يمكن ان تكون محصلة الطرفين او معدولة الطرفين او معدولة الموضوع او معدولة المحمول .
ان مفهوم العدول كما نرىهو من شأن اللغة وليس من شأن المنطق ، وله معالجات رياضياتية من خلال نظريبة المجموعات اثبتنا صحتها ، وهو تحليل غير مسبوق في علم المنطق .
ومبحث العدول مبحث به حاجة الى الايضاح وقد عالجناه في مساهمات اخرى باستخدام نظرية المجوعات .

رابعا : تقسيمات الشرطية
(1)يقسمون الشرطية الى ثلاثة اقسام ، هي : الشخصية والمهملة والمحصورة . وهذه القسمة باعتبار ( الاحوال والازمان ) التي يقع فيها التلازم والعناد.
وكل قسم من الاقسام الثلاثة ينقسم الى قسمين : متصلة ومنفصلة . وعنوا بالاحوال والازمان دوامه او عدم دوامه ، باستخدام الفاظ دالة على الحالتين ، دائما ، احيانا وغيرهما . ويقفون على الاتصال والانفصال من معنى ومضمون القضايا وليس من صورها ، لذلك تجد ان الامثلة ملازمة لاستنتاجتهم دون اعتماد الصور . فالشخصية ما كانت بزمن شخصي ، والمهملة ما حكم فيها في زمان وحال دون زمان وحال ، والمحصورة تبين (كمية احوال الحكم واوقاته كلا او بعضا ) ،واما المحصورة فتقسم الى كلية وجزئية وكل منها يقسم الى متصلة ومنفصلة ، فالكلية تشمل كل جميع الاحوال والاوقات ، والجزئية تختص في بعض غير معينمن الاحوال والازمان . ولاندري كيف يتم التعبير عن ذلك بصورة قاعدة ، او صياغة قاعدة على هيئة صورة .
(2) قسمة الشرطية الى لزومية واتفاقية .
فاللزومية بين طرفيها اتصال حقيقي والاتفاقية ليس كذلك ، وايضا هذا التقسيم لايمكن التعبير عنه بصور او صيغ عاة وانما يستنتج من الامثلة فقط .

وهنالك تقسيمات اخرى ليس من الضروري سردها ، لعدم وضوح اعتبارات التقسيم فيها .
والخلاصة : ان تقسيم القضايا والاصطلاح على اقسامها فيه ارباك كبير ، وخلط كثير بين اعتبارات التقسيم ، واغلب التقسيمات لايمكن التعبير عنها صوريا بما يدل على قسم من الاقسام ويميزه عن الاقسام الاخرى .
والمخطط التالي يوضح خلاصة لتقسيمات القضايا بحسب المنطق التقليدي .

فضاء اوروك ـ نقد المنطق التقليدي

التقسيم البديل للقضايا :
نأخذ بالتقسيم التالي بديلا عن التقسيم الذي يأخذ به المنطق التقليدي ..
ـ تقسم القضايا الى بسيطة ومركبة .
البسيطة لاتنحل الى قضيتين والمركبة تنحل الى القضايا المركبة منها .
اقسام البسيطة :
تنقسم القضايا البسيطة الى موجبة وهي الحملية والسالبة .
كما تنقسم القضايا البسيطة الى معدولة ومحصلة .
اقسام المركبة :
القضية المركبة تتركب من قضيتين بسيطتين في الاقل بأحد ادوات الربط وتسمى باسم تلك الاداة وهي :
القضية المتصلة وصورتها ( ب و حـ ) .
القضية المفصلة وصورتها ( ب او حـ ) .
القضية المنفصلة وصورتها ( اما ب او حـ )
القضية الشرطية وصورتها ( اذا ب فان حـ )
القضية الشرطية المزدوجة ( اذا وفقط اذا ب فأن حـ )
ولكل قضية مركبة من هذه القضايا تعريف محدد يبين متى تصدق ومتى تكذب

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: