القومية والدين : ليس ثمة فرصة للتصادم فالامة كلها حزب الله ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ مدارات

واحدة من خصائص هذه المرحلة افتعال التصادم بين القومية والدين ، ولقد توقع وقوعها اكثر من مفكر عربي منذ وقت مبكر من القرن الماضي ، وقال معظم المفكرين العرب ان لاخوف من هذا التصادم . ولقد عنوا بهذا التصادم حصوله بين القوى الممثلة للفكر القومي والقوى الممثلة للفكر الديني المسيس .
ونحن نتفق مع هذا تماما .. ونضيف :
ان التصادم أمر مفتعل لأن الدين عقيدة والقومية وجود اجتماعي .ولايحصل تصادم بين فكر ووجود ، لأن الوجود مبعث للفكر ولايناهضه ولايصطدم به ولايناقضه ، وانما تحصل المناهضة والاصطدام والتناقض بين شيئين هما من طبيعة واحدة ، بين فكر وفكرآخر ، بين قومية وقومية اخرى ، بين دولة ودولة اخرى ، بين منهج ومنهج آخر .

ولهذا من غير الصائب طرح تسائل يقول :
كيف نوزان بين قوميتنا العربية وديننا الاسلامي ؟
فهذا تلفيق ، وينطوي على تجاهل للفرق في طبيعة كل من الدين والقومية .
وليس من الصائب التساؤل :
هل نحن عرب أم مسلمون ؟
فمثل هذا التساؤل مثل صاحبه السابق .

والصائب هو التساؤل عن طبيعة الصلة بين عروبتنا واسلامنا . ويفترض التساؤل هنا وجود صلة بين ” فكرة ” و “وجود اجتماعي ” ، وهو افتراض صحيح ، بل تام الصحة .
وإجابة هذا السؤال تكمن في الواقعة التاريخية التي دخل الاسلام على اثرها كمقوم من مقومات القومية العربية .

اما الواقعة التاريخية فهي الرسالة الاسلامية بوصفها ثورة داخلية في المجتمع العربي ، احدثت انقلابا هائلا في بنيانه القومي ، ذلك ان القران الكريم عربي اللغة ، ومعانيه عربية ، وامثلته عربية ، والنبي عليه الصلاة والسلام عربي ، والرعيل الاول الذي حمل الرسالة وتحمل وزر المرحلة التأسيسية عربي ،ومعظم الفتوحات الاسلامية إن لم نقل كلها تمت على ايدي العرب المسلمين وفي ظل زعامة عربية . ولتوفر العناصر العربية في الرسالة الاسلامية كما تقدم ذكرها ، انفردت القومية العربية بعامل متفرد في صيرورتها وتطورها وليس في نشأتها باضافة الاسلام الى جانب عناصر تكوّن او نشأة اي قومية من القوميات .

اي ان الواقعة التاريخية ـ ثورة الاسلام ـ كانت حدثا داخليا عربيا ، اما القوميات الاخرى فأن الاسلام جاءها وافدا من خارجها ،وهذا أمر فارق وجوهري في تفرده . بل ان ارض العرب هي مهد الرسالات السماوية باجمعها وكل الانبياء والرسل عرب ، فاليهيودية والمسيحية والاسلام ديانات هبطت على ارض العرب وعلى انبياء عرب ، وان ابراهيم الخليل عليه السلام عراقي المولد ، عربي الارومة وهو ابو الانبياء عليهم السلام .

فضاء اوروك ـ مدارات

مع ملاحظة ان قولنا بأن الاسلام مثل ثورة عميقة في المجتمع العربي لايقصي التشريع السماوي من هذه الواقعة التاريخية ، بل ان التشريع السماوي هو القوة الاولى لهذا التغيير ، فالاسلام دين قبل ان يكون ثورة ، ولكن سياق نشره والجهاد في سبيله احدث ثورة عميقة في حياة العرب بل وفي صيروتهم القومية ايضا .
فاذن لاحاجة للعرب الى احزاب دينية ، وبصفة خاصة لاحاجة بهم الى احزاب اسلامية لأن الاسلام احد مقومات الامة العربية وهو يمثل حضارتها وقيمها وشريعتها في الحياة ، بحيث ان الاحزاب التي يصفها المتأسلمون بالعلمانية هي احزاب اسلامية من حيث الاصل ، بمعنى انها منبثقة من أمة اسلامية ، تعمل في أمة اكتملت صيرورتها بمقوّم الاسلام وان حال الاحزاب المتأسلمة ليس بعيدا عن حال غرفة ماء تنعزل عن البحر وتدعي بأنها كل مياه المحيط العظيم .

واذا احتكمنا الى القران الكريم فنجد ان أمر المسلمين شورى وكل ابناء الامة مسلمون سواء بالدين او بالمعنى الذي يخص العرب غير المسلمين ، فهم ـ اي غير المسلمين من العرب ـ جزء من الامة التي مثّل الاسلام مقوّم من مقومات تكونهم الحضاري والوجداني والقيمي .وان وجود احزاب اسلامية قد ينطوي على تكفير لكل الامة دون استثناء او لجزء منها او لاجزاء منها ، ذلك ان الوصف القراني للامة الاسلامية هو انها حزب الله ،وان المسلمون هم حزب الله .

فكل المسلمون حزب الله ، الامة كلها كلها حزب واحد، ولكن المتأسلمين تجنبوا او اغفلوا المعنى القراني للفظة حزب رغم دعوتهم لحاكميته واخذوا بالمعنى الاوربي لهذه اللفظة ، وهو مفهوم لو اقترن بالاسلام لمثل انشقاقا في الامة .

ولو احتكمت هذه الاحزاب ـ المتأسلمة ـ لمعاني الالفاظ كما وردت في القران الكريم لما وافقت على وصف الجرائم بحق المدنيين والمنشآت المدنية بوصف الارهاب ، ولما ادانتها تحت مسمى الارهاب ، لأن لفظة الارهاب حسب القران الكريم ليس هو الجرم الذي نستنكره جميعا ، وليس هو الفعل الجرمي الذي يقتل المدنيين ويدمر المصالح المدنية ويروع المواطنين ، فحق ان نطلق على مثل هذه الاعمال بالجريمة ومقترفوها بالمجرمين .اما الارهاب كما جاء في القران فهو الردع ، بل هو الارهاب ، وهو أمر اوجبه الله على المؤمنين ، فكيف يستنكره الداعون الى حاكمية الاسلام ؟! أليس من المفروض ان يتولوا التصحيح ، وأن لاينخرطوا في تحريف معاني القران الكريم ، وان لايخوضوا مع الخاضئين ؟ !!

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: