(3ـ 1)الأنظمة الثلاثية ــ البُنى المزودة بعمليتين ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

علم البنى ـ نحو تأصيل رياضياتي للبنيوية
(3ـ 1)الأنظمة الثلاثية ــ البُنى المزودة بعمليتين
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ علم البنى

لقد عرّفنا البنى السابقة الذكر: البنية العامة والبنية الزمرية ، والبنية الدائرية ، والبنية المولدة، والبنية الإبدالية ،على أنها دعامة مزودة بعلاقة داخلية واحدة . فهي بهذا المعنى ولأغراض تتعلق بتصنيف الانظمة تعتبر أزواج مرتبة كما سبق ذكره. إنها مُنشأة من أثنين يشكلان زوجا مرتبا :( الدعامة ، العلاقة ) .
وثمة بنى أخرى مزودة بعلاقتين ثنائيتين . هي قبل كل شئ أنظمة ذوات عمليتين . أي إننا أزاء ثلاثي مرتب : ( دعامة ، علاقة أولى ، علاقة ثانية ) . وهنا الصفة الترتيبية ، التي تعطى لكل علاقة رتبتها ، ذات أهمية خاصة جدا لايمكن تجاوزها ، أي أن إحدى العلاقتين على وجه التعيين يجب أن تسبق الاخرى . إن الوقوف على هذا الترتيب وإقراره يشكل منطلقا لتحليل هذا النوع من البنى . ويكون الامر سهلا لو أطلعنا على المرتب الثلاثي بصيغته المجردة ، ففيه إخبار عن الترتيب كمعطى ، على سبيل المثال :
( دعامة ،علاقة تجاور دلالي ، علاقة معنى)،
أو في سياق آخر ( دعامة ، علاقة اتحاد ، علاقة تقاطع )،
أو في سياق ثالث ( دعامة ، علاقة توافق ، علاقة تبادل ) وهكذا .
ولكن الامر لايخلو من صعوبة عندما يبدأ التحليل إعتبارا من محاولة إستكشاف هذا المعطى . إن القاعدة التي تقرر أسبقية علاقة ما على الاخرى ، هو في فرز النظام : ( دعامة ، علاقة داخلية ) بصفته بنية زمرية . وبالتالي أن العلاقة الداخلية في الزوج المرتب المذكور يشار اليها على أنها علاقة أولى ، فيما ستحتل العلاقة الاخرى موقعها في النظام المرتب الثلاثي كعلاقة ثانية ، بمعيار الترتيب .
يرتبط النظام الثلاثي بمفهومين قد يتوفران أو لايتوفران فيه ، وهما التجميعية والتوزيعية. إن عدم توفرهما لايلغي النظام ، إلا ان توفرهما يمنح النظام خصائص تراكمية تسمح بتحليل معمق للبنية . أن الخاصيتين المذكورتين لصيقة بالعلاقتين على نحو منفرد ، أو لربما تجتمعان فيهما في وقت واحد .
أن الخاصية التجميعية ، تفيد بشكل أولي بأن كل علاقة ثنائية من العلاقتين الثنائيتين في النظام الثلاثي ، تربط عنصرين دفعة واحدة ، ثم تربط ناتج العنصرين المذكورين بعنصر ثالث عبر العلاقة ذاتها ، أو عبر علاقة ثانية . فثمة عناصر ثلاثة : عنصر أختياري أول يرتبط مع عنصر ثان أختياري بالعلاقة الداخلية الاولى ، وهذان العنصران مُجَمّعان في نطاق يحويهما سوية ( يستدل على تجميعهما بوضعهما داخل قوسين ) ، وهذان العنصران يستحيلان الى عنصر واحد هو نتيجة للعلاقة بينهما ، فيرتبط بالعنصر الثالث عبر علاقة ثانية. بمعنى ،إن الخاصية التجميعية تخضع أولا كل عنصرين متجاورين الى موجبات العلاقة التي تربط بينهما ومن ثم تخضع العنصر الناتج بفعل تجاور العنصرين بفعل العلاقة المذكورة مع العنصر الثالث ، الى موجبات العلاقة الاخرى . أن التمثيل الرمزي المجرد لهذه الخاصية سيساعد في فهمها ، ومن شأنه التعويض عن متابعة الوصف السالف الذكر..
لتكن س دعامة ما ـ اي مجموعة من العناصر المتمايزة والمنسجمة ـ تتألف من ثلاثة عناصر أ ، ب ، جـ. وأن كلا من * ، # رمزان اعتباطيان لعلاقتين داخليتين اولى وثانية على الترتيب . فإن :
أ * ب # ج التي ، تُقرأ:
” أ ” يرتبط بـ ” ب ” بالعلاقة * ،
و” ب ” يرتبط بـ ” جـ ” بالعلاقة #.
ولكن حتى تستغرق العلاقتان فعلهما لابد من إجراء ( أو تصور ) خاصية التجميع التي تمنح إحدى العلاقتين فرصة الانجاز أولا ، ومن ثم ، يتم الانتقال الى فرصة الانجازالأخرى التي تتم وفق العلاقة الاخرى ،وكما يلي :
( أ * ب ) # جـ التجميع شمل ” أ ” و ” ب ” ، اي ان فعل العلاقة * له الاسبقية ومن ثم يعقبه فعل العلاقة # .
أو أ * (ب # جـ ) التجميع شمل ” ب ” و “جـ ” ، اي ان فعل العلاقة # له الاسبقية ومن ثم يعقبه فعل العلاقة * .
والقوسان يشيران الى العناصر المُجَمـَّعَة . ولأغراض تحليلية ينبغي الحصول على ناتج العلاقة ( أ * ب ) في الصورة الاولى وليكن “ق ” ، ومن ثم نحصل على ناتج العملية ق # ج . والقول نفسه ينسحب على الصورة الثانية .فأن إقرار ناتج (ب # جـ ) يكون أولا وليكن ” ك ” ثم نحصل على ناتج أ * ك . إن الناتجين النهائيين يجب أن يكونا متساويان ، كشرط أساسي لتحقق الخاصية التجميعية . وباستخدام الرموز :
( أ * ب ) # جـ = أ * (ب # جـ ) .
أما الخاصية التوزيعية فهي تنص على أن العلاقة الاولى تتوزع على العلاقة الثانية ، أو بالعكس . فالتوزيعية تنطلق من حالة تجميعية ما ، وأستنادا الى خاصية أخرى هي خاصية الإبدال . وبأستخدام الرموز يمكن وصف سياق الخاصية التوزيعية على النحو :
( أ * ب ) # جـ = ( أ # جـ ) * ( ب # جـ ) العلاقة * تتوزع على العلاق # .
أو :
أ * ( ب # جـ ) = ( أ * ب ) # ( أ * جـ ) العلاقة # تتوزع على العلاقة * .
إن الخاصية الإبدالية تنص على أن إبدال مواضع العنصرين المرتبطين في علاقة معرفة ما ، لايغير من الناتج . أي أن أ * ب = ب * أ . وحتى تكون العلاقة الاولى ، مثلا ، قابلة للتوزيع على العلاقة الثانية ، يجب أن تكون العلاقة الاولى عندئذ إبدالية .
تكون العلاقة * إبدالية إذا كان : أ * (ب # جـ ) = (ب # جـ ) * أ ، بأعتبار أن (ب # جـ ) يمثل قيمة معينة غير مختلفة في كلا الطرفين.
وبصفة عامة أن الخواص التجميعية والتوزيعية والإبدالية لبنية ما تعني أن تطبيق هذه الخواص على عناصرها عبر العلاقة أو العلاقتين تفضي الى النتيجة ذاتها . واذا كانت العلاقة أو العلاقتان داخليتين بمعنى مغلقتين، فأن الناتج عنصر من عناصر دعامة البنية حتما.
أن هذه الخواص تكون واضحة في علمي المنطق والدلالة واللسنيات أكثر من العلوم الانسانية الأخرى.
ألآن بأمكاننا أن نكمل سرد أنواع البنى التي تشكل قبل كل شئ أنظمة ثلاثية ..
°البنية الحلقة أو اختصارا :الحلقة ، وهي نظام ثلاثي مرتب يتألف من دعامة وعمليتين : ( دعامة ، # ، * )
في هذا النظام يتوفر نظام إبدالي يتألف من الزوج المرتب ( الدعامة ، العلاقة الاولى ) ,بشرط أن العلاقة الاولى تجميعية على الدعامة ، وأن العلاقة الثانية تتوزع على العملية الاولى ، وأنها ـ العلاقة الثانية ـ توزيعية على العلاقة الاولى . اذا كان النظام الثنائي يمثل زمرة إبدالية فأن لفظة ” عملية ” تحل محل لفظة ” علاقة ” . بمعنى أن النظام الثلاثي يشكل حلقة اذا أحتوى على عملية ثنائية مغلقة ، هي الاولى في ترتيبها ، وتشكل مع الدعامة زمرة إبدالية ، تستوفي كل شروط الزمرة : التجميعية ، والعناصر النظيرة لكل عنصر ، وعنصر مراوح هو الوحيد في دعامتها . أضف الى ذلك شرطين : أن العملية الثانية تجميعية على الدعامة ، وأن العملية الثانية توزيعية على العملية الاولى .
بطبيعة الاحوال لايمكن تجاوز ترتيب خطوات التحليل المذكورة ، بل لابد من ألاشتغال بها على الترتيب . فلايمكن العثور على البنية الحلقة

فضاء اوروك

مالم نقرروجود بنية زمرية إبدالية . أن البنية الزمرية ذاتها تجميعية ، وبغير هذا الشرط لايمكن القول بوجودها ، وهكذا تتراكم لدينا المعطيات والنتائج من معطيات أولى تبدأ في تحليل الدعامة الى عناصر نعدها أولية ، حتى نصل الى معطيات أخرى .
° البنية الحقل ، أو أختصارا : الحقل ، وهو أيضا نظام ثلاثي مرتب ، يتوافر على حلقة أبدالية واحدية ، ويوجد لكل عنصر، عنصر نظير بمعيار العلاقة الثانية .
و الحلقة واحدية ، اذا كان النظام المتشكل من الدعامة والعلاقة الثانية يتضمن عنصرا محايدا ( = مراوحا ) . واذا كان ناتج العلاقة الثنائية بين عنصرين ، هو العنصر المحايد فان العنصرين متناظران . ومن هذه المبرهنة يمكن الحصول على نظائر العناصر بمعيار علاقة معينة .
إذن اذا اراد ” البنيوي ” أن يعرض الى بنية قصيدة بعينها ، لابد أن يقوده بحثه الى الكشف عن عناصر القصيدة والعلاقة الداخلية فيها ومن ثم يتطور بحثه بنيويا على مستوى المفاهيم ليستنتج الخصائص القارة في بنية تلك القصيدة . ولكن لايمكن البدء في البحث دون تحديد لموضوع التحليل البنيوي : أهو دلالي أم لغوي ، أم في الصور الفنية ، أم في واقعية أو خرافية القصيدة ، أم .. وبهذا التحديد نحصل على “مسميات خاصة ” بتلك القصيدة لكنها غير قابلة للتعميم على قصائد أخرى ، الا تحت شروط بنائية واضحة ومشتركة . مثل بنية المكان ، بنية الزمان في القصيدة ، البنية الدائرية للصورة الفنية ، وغيرها مما يخلص اليه البحث فعلا لاوهما .
وكل ما سبق ذكره من بُنى يهتم بشئ اعم هو النظام ، والى هذا المفهوم تعود المسميات الاخرى . ورغم ان لفظة نظام تشير مباشرة الى علاقات ناظمة ، هي في النهاية قواعد إقتران ،تمنح لكل عنصر في المجموعة مكانته اوقيمته اووظيفته وامور اخرى ذات صلة بميزة العنصر ، فانه ـ أي النظام ــ يشير ضمنا الى وجود عناصر هي موضوع التحليل ، الا ان النظام لاوجود له عندما تُعدم العناصر .
إن مفهوم النظام يشكل ضمانة لتميز البحث البنيوي عن سواه . فلربما يتم استخدام الكثير من الادوات البنيوية ( المفاهيم ، الشروط ، .. ) في موضوع معين إلا أن أستخدامها ليس كافيا للقول بأن البحث أستخدم المنهج البنيوي ، ذلك أن أساس البحث البنيوي ينطلق من إثبات أن العلاقة الثنائية ، هي عملية داخلية ، اي مغلقة . واذا لم تكن بهذه الصفة فأن الشئ الخاضع للبحث مجرد مجموعة مزودة بعلاقة ثنائية . وربما يصاب الباحث بخيبة أمل عندما يلتزم المنهجية البنيوية ، كما هي في علم البنى ، فيجد أنها لاتتيح له الاجتهاد في الكشف عن خصائص النص من وجهات نظر أخرى . تلك الخصائص التي لاتعني شيئا في البنية وليست من أهتماماتها . ولكن علينا أن ندرك أن جميع الاعمال التي صُنفت بأنها دراسات بنيوية ، خاصة الطليعية منها ما كان مقدرا لها أن تكتسب الشهرة والقبول كما كانت عليه في الوسط الثقافي لو لا ” أستثمارها ” المفاهيم البنيوية التي نشأت في بيئتها الرياضياتية . هذه الحقيقة تتيح للباحثين إعادة أنتاج الدراسة البنيوية بتأصيلها رياضياتيا من جهة ، والتنقيب عن المفاهيم البنيوية في الرياضيات من جهة أخرى ، ومن ثم أستخدامها في دراساتهم البنيوية لتستقر في الساحة الثقافية وتكتسب شهرة كشهرة توليدية جومسكي وبنيوية كلود ليفي شتراوس وغيرهما .
على سبيل المثال ، أن مفاهيم الاتحاد والتقاطع .أضافة الى مفهومي المجموعة الشاملة والمجموعة الجزئية . وعلاقات الانعكاس والتناظر والتعدية والتكافؤ ، وممدد المجموعة ،والتطبيق والمجال والمجال المقابل ، مفاهيم من شأنها إغناء البحث البنيوي . وتطلقه من أسار التقليد ، وتمكن الكاتب من الانتفاض على دور المتلقي السلبي.
أن بحر العلم لايتقيد بنوع محدد من الاسماك السوسرية أو الجومسكية او الرولانية او الشتراوسية .. كما لايمتنع عن منح تأشيرات الدخول لمن لا “يتسوسر” او لا “يتجوسك” او لا “يترولن” او لا ” يتشورس ” ! .. فمنابعه ، ومن ثم روافده ، كفيلة بأن تغذي ما أُوطأ بفعل البحث الخلاق بمياهه التي تظل ابدا مياها بكر تطهر ذاتها على الدوام ، لتسبح في مداده أسماك تعرف فن العوم ، لتستنبط لآلئ ليست قصية عن العقل

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: