(4ـ1) قوانين التشكيل الداخلي والخارجي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

(4ـ1) قوانين التشكيل الداخلي والخارجي
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ علم البنى

قوانين التشكيل الداخلي للبنى ، هي أنماط من العمليات الداخلية ، وهي ذات طبيعة ثنائية ، وهي ما اصطلحنا عليها بالعلاقة الداخلية المغلقة.أما قوانين التشكيل الخارجى للبنى فهي أنماط من العمليات الخارجية بين بنيتين ، وذات طبيعة ثنائية أيضا .
يحتل مفهوما العملية والعلاقة في البنى مكانة أساسية ، فبسببهما تتكون البنى في أنساقها المستقرة . وينبغي أن نفرق بينهما. والارضية التي تفصح عن الفرق بين المفهومين ، تتمثل في الفرق بين البنية والنظام . وهذا ما يضطرنا الى أعادة صياغة بعض المفاهيم التي سلف ذكرها ، من منطلق الفرق المزدوج بين العملية والعلاقة ، وبين البنية والنظام .
وبشكل أولي أن مفهومي البنية والنظام يشيران الى وجود صلات محددة بين عناصر كل منهما ، هي أما روابط أو قواعد .
وفيما يتعلق بالبنية ـ اية بنية ـ فأنها تنطوي على عملية ثنائية ، وتـُعـرّف العملية الثنائية على مجموعة ما مؤلفة من وحدات أو عناصر بأنها تطبيق من نوع التقابل مجاله التقابل الديكارتي بين كل عنصرين ومجاله المقابل المجموعة نفسها . هذه العملية تسمى بالعملية الداخلية أو بقانون التشكيل الداخلي . بكلمات أخرى أن العملية الثنائية تربط كل زوج مرتب من التقابل الديكارتي لعنصرين في مجموعة بعنصر وحيد من المجموعة نفسها . فالعملية الثنائية هي إجراء يتم وفق قاعدة التطبيق .
ولكن ماهي قاعدة التطبيق بوجه عام ؟ : أنها الاسلوب أو الطريقة التي يتم وفقا لها إقران كل عنصر من المجال بعنصر واحد في الاقل في المجال المقابل . وتتخذ أنماطا مختلفة وهي كثيرة على أية حال ، والسمة المشتركة فيها أنها تحيل العنصرين عبر العملية الثنائية الى عنصر واحد ، أي من شأن ناتجها الاقصاء الظاهري لطرفي العملية ليولـّد بدلا عنهما عنصرا آخر هو في النهاية عنصر في دعامة البنية . ومن الامثلة البسيطة عليها العمليات الحسابية الاربعة ، والتفاعلات الكيمائية ، والاستعارات اللغوية والكناية والتشبيه ، ولايدخل في هذا النطاق التجاور الدلالي أو الالفاظ المترادفة في معناها فأن ذلك من شأن العلاقة وليس العملية الثنائية . أما العلاقة فأنها تحافظ على طرفيها ظاهرين ، كما هو الحال في الصلة بين الدال والمدلول ، فهي علاقة . وكعلاقة التجاور الدلالي ، وعلاقة اللصق في الوحدات اللغوية الاجنبية . أو علاقة تعاقب الاصوات .
وعلى هذا فأننا نجد ان العلاقة تتواجد في الانظمة ، فيما تتواجد العمليات في البنى. وهذا هو الفرق الجوهري بين النظام والبنية . أن النظام يحتوي على قواعد للعلاقة بين وحداته ، فهو سابق على البنية . فلا بنية دون نظام يمهد لها .
أما الصنف الثاني فهو المتعلق بالصلات الخارجية الممكنة بين البنى ، والتي يطلق عليها بقوانين التشكيل الخارجي . أن العلاقة بين بنية وأخرى هي علاقة تطبيق بين عناصر دعامتيهما. والتطبيق هو علاقة تحدد لكل عنصر في المجال ، صورة واحدة في الاقل في المجال المقابل . واذا لم تكن ثمة صورة لكل عنصر من المجال ، فلا تعد العلاقة علاقة تطبيق .إن مجموعة عناصر المجال تسمى منطلقا ، ومجموعة صورها ـ التي تتواجد في المجال المقابل ـ تسمى المدى .
ربما نزيل الابهام في العرض السابق لو قلنا شيئا يفسر مفهومي المجال والمجال المقابل .ان الخطوة الاولى في تبسيط المفهومين ، بمعنى جعل الفهم مشتركا ، يكمن في التمييز بين التطبيق داخل مجموعة مؤلفة من عناصر معينة ، والتطبيق بين مجموعتين من العناصر المعينتين المستقلتين احداهما عن الاخرى . وقد المحنا لهذا الفرق سلفا . ان الفرق بين التطبيقين هو ان التطبيق داخل المجموعة الواحدة يتمثل في ان عناصر مجاله وعناصر مجاله المقابل هي عناصر المجموعة ذاتها ، فالتطبيق هنا داخل المجموعة لايبرح منها . اما التطبيق بين مجموعتين مستقلتين فان احدهما تمثل مجال التطبيق والاخرى تمثل مجالها المقابل . وفي كلا الحالتين يمكن تعريف المجال بانه مجموعة العناصر التي تُعرف قاعدة التطبيق ، واذا ما ادخلت عناصر المجال في قاعدة التطبيق انتجت صورا هي عناصر في المجال المقابل ، وان مجموعة الصور قد تمثل المدى .
وأذا افترضنا أن التطبيق علاقة بين دعامتين بتجريدهما من بنيتيهما ، فأن التطبيق له حالتان اذا أجتمعتا في التطبيق كان التطبيق تقابلا . وهما :
ـ التطبيق المتباين ، وهو التطبيق الذي يضمن لكل عنصر في المجال صورة واحدة في الاكثر في المجال المقابل .
ــ التطبيق الشامل ( = غامر ) ، وهو التطبيق الذي يـُصيّـر كل عنصر من عناصر المجال المقابل صورة لعنصر واحد في الاقل في المجال .
فالتقابل هو تطبيق متباين وغامر من مجموعة الى أخرى ، لايشترط أن تكون كل منها بنية . فلو حددنا مجموعة من الكلمات الدالة ، وأجرينا من خلال أستعمالها في دائرة كلام سوسور ( فكرة ــ صورة صوتية ) ، لتثبـّتـْنـا من أن عملية الكلام هي تقابل . إلا أن أن عملية الاستماع ( صورة صوتية ـ فكرة ) ستكون تطبيقا عكسيا ، حيث أن كلا من الفكرة والصورة الصوتية تتبادلان في دائرة سوسور :الإصاتة والاستماع . وبمعنى مفاهيمي أن المنطلق والمستقر يتبادلان في علاقة التطبيق وعلاقة التطبيق العكسي .ويكفي أن يكون التطبيق تقابلا ليكون له تطبيق عكسي . وبعبارة أخرى يكون للتطبيق تطبيقا عكسيا اذا كانت عناصر المنطلق مساوية لعناصر المدى .
تتمثل قوانين التشكيل الخارجي بالتماثل والتشاكل وهما صفتان للتطبيق Mapping بين بنيتين تحت شروط معينة .وينطوي المفهومان على امكانات تحليلة جيدة وواسعة ومنتجة بالنسبة للبُنى .
بفرض وجود بنيتين مختلفتين ، بمعنى ان دعامتيهما غير متساويتين ، وعلاقتيهما مختلفتان ، فأن علاقة التطبيق بينهما تُؤسس بأعتبار الدعامة الاولى مجالا ، والدعامة الثانية مجالا مقابلا . أن التطبيق من الدعامة الاولى الى الدعامة الثانية ، يطابق إحدى قانوني التشكيل الخارجي : التماثل والتشاكل . أضافة الى وضوح تأثيرعلاقتي البنيتين في تقرير صفة التطبيق. ولكن هذا لايتم إلا بأضافة شرط ثالث هو وجود قاعدة إقتران ، تقرن كل عنصر من المجال بعنصر من المجال المقابل . فلدينا إذن حزمة من المعطيات ، تقرر صفة التطبيق ، إن كان تماثلا أو تشاكلا .

فضاء اوروك ـ علم البنى

على فرض وجود بنيتين مختلفتين ، لكل منهما دعامة مختلفة عن الاخرى ، ولكل منهما علاقة داخلية تختلف عن الاخرى . أن علاقة البنية الاولى تنتج عناصر ، هي أصلا داخل البنية ، بمعنى انها ذات طبيعة مغلقة . وكذلك الامر مع علاقة البنية الثانية . فاذا كانت العناصر التي تنتجها العلاقة الاولى لها صور ، هي عناصر تنتجها العلاقة الثانية فان التطبيق من البنية الاولى الى البنية الثانية ، يكون تماثلا . ولابد من التذكير أن الصور تقررها قاعدة أقتران معينة ، هي في النهاية مسؤولة عن تحديد صور عناصر المنطلق . فهي علاقة بين عناصر المنطلق وعناصر المدى . وبصفة أعم تنظم العلاقة بين متغيري المجال والمجال المقابل . والمتغير هو مجرد رمز إعتباطي يشير الى مجموعة من القيم أو العناصر أو الوحدات . ولكل قاعدة إقتران في الاقل متغيران أحدهما مستقل ، قِيمَهُ تمثل مَدخلات قاعدة الاقتران . والآخر معتمد ، قِيمَهُ تمثل مَخرجات قاعدة الاقتران . وأبسط شكل لقواعد الاقتران في علم اللغة هو اللسان بصفته الاجتماعية . فلكل مفردة لغوية معنى تعاقدي ، ولكل عبارة مسكوكة أو مثل جار دلالة تعاقدية أيضا وغيرها من البديهات اللسانية التي تجري مجرى العُرف في أستعمالات اللغة على صعيدها الاجتماعي .
إن مفهوم قاعدة الاقتران يتسع لعلم الادلة ، ويحيل النظام الدلالي الى سلسلتين متوازيتين من القيم التي تأخذ أشكال ومعان ومحمولات مختلفة ، قابلة للتصنيف على طرفي قاعدة الاقتران : القيم المستقلة والقيم المعتمدة . وليست هناك صفة نهائية لقيمة ما في الاستعمال اللغوي أوالدلالي ، فالفونيتك مرة مستقلا ، ففي هذه الحالة تكون الافكار قيما معتمدة تحتل مكانها الطبيعي في المدى ، ومرة معتمدا داخل الدماغ عندما تتولد الفكرة بحافز الاستعمال والتواصل ، فالفكرة هنا تحتل مكانتها كمتغير مستقل ، فيما يكون الفونيتك متغيرا معتمدا .
عندما يكون التماثل متباينا فانه يسمى تشاكل . وقد يحصل ان تكون البنية متماثلة في نفسها ، أي تطبيقا يعبرعنه بالعلاقات الثنائية بين عناصر البنية ذاتها دون ان تتعدى الى بنية اخرى هذا النوع من التطبيق يسمى تماثل داخلي . والبنية المتشاكلة في نفسها هيAutomorphism .
من حيث السياق يمكن ان يحاكي علاقة التطبيق المتماثل من الكلمة الى الدلالة او القيمة ، وعندما تكون الكلمات مجموعة معجمية فانها لابد ان تكوّن مع قيمها او دلالاتها تطبيقا متشاكلا بسبب ان التطبيق متباين حيث لكل كلمة قيمة وحيدة مقابلة لها (= صورها في المجال المقابل )، وان كل قيمة لابد ان ترتبط بكلمة من الكلمات. يكون ذلك صائبا اذا ما أقصينا صفة الترادف بمفهومها المغلوط الشائع، فأننا نعتقد أن كل كلمة في لغة ما وخاصة لغتنا العربية قد وُضِعت لمعنى محدد ، تعنيه دون غيره ولربما قـُرْب المسافات المعنوية بين دلالة وأخرى وضعف القدرة على تحسس الفوريقات بينها هو الذي برر في الاقل وجود ظاهرة الترادف في اللغة ، بمعنى المساواة في المعنى .على ان الترادف في اللغة يفصح عن علاقة نسبية ، او لنقل ان المترادفات تشّخص نسبة ما بينها وليس تطابق في المعنى ، إنها دوال مختلفة لمدلولات هي الاخرى مختلفة . إن المفردة تُولـَّد لمعنى متفرد دون سواه وهذا ما نعتقده ، وإلا فقدت مبرر ولادتها أصلا .
أن التحليل المتأني لبنيتين تتواجدان على صعيد واحد ، كفيل بفرز العلاقات المختلفة التي تفضي الى التطبيقات المتماثلة أو المتشاكلة . وهذه الاخيرة تُنظـِّم ، بل تُقرر، العلاقة الخارجية بين البنيتين : تطبيق متماثل أو تطبيق متشاكل . وهي على أية حال هي ليست علاقة مركبة كما يتوهم بعض الكتاب . ذلك أن العلاقة المركبة هي حصيلة تطبيقين قابلين للتركيب. بحيث يتم أستيعاب إحدى قاعدتي الاقتران المعدة للتطبيق الاول، في قاعدة الاقتران المعدة للتطبيق الثاني . والنتيجة تؤدي الى علاقة تطبيق مركبة واختصارا: تطبيق مركب. ولايمكن بأي حال تركيب علاقتين داخليتين لبنيتين مختلفتين ، لأن ذلك من شأنه أن يضلل التحليل البنيوي للبنى .
وأستطرادا في الكلام حول التطبيق بوصفه عملية في البنى وعلاقة في الانظمة ، فأن أقتصاره على مكوني المنطلق والمستقر يحيله ــ أي التطبيق ــ الى
علاقة دالية. وقاعدته عندئذ تضحى دالة . وتطبيقات الدالة محدودة جدا في الدراسات البنيوية لاتعدو عن أشارات فقيرة في محتواها .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: