(5ـ1) المفاهيم الرياضياتية المُؤَسِسة للبنيوية ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

(5ـ1) المفاهيم الرياضياتية المُؤَسِسة للبنيوية
عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ علم البنى

كانت الفكرة الرئيسية ، لمحاضرات فريدنان دي سوسور ـ التي عُرفت فيما بعد بعلم اللغة العام أو علم اللسان ـ تستند الى

فضاء اوروك ـ دي سوسور

التحليل الثنائي لمستويات اللغة من حيث انها تمثل جزءا من علم الادلة . وقد استعان في تصور هذا المنهج بنظام الاحداثيات المتعامدة الديكارتية ـ نسبة الى عالم الرياضيات هنري ديكارت ـ ( دون ان يصرح سوسور بذلك ) ووجد ان اللغة وحدات متقابلة : إحداهما على المحور الافقي ( التزامني ـ الدايكروني ) وثانيهما على المحورالعمودي ( التاريخي ـ السنكروني ) ، واشار الى ان المحور العمودي تظهر عليه اشياء المحور الافقي . وهكذا هو منهجه عند كل مستوي من مستويات التحليل ، فأحال اللغة الى سلسة من الثنائيات التي وصفها بالمتقابلة او المتضادة ، وربما لايقصد هاتين المفردتين ، الا انهما وصلتا الينا مترجمة هكذا ، ذلك ان المفهومين لايشيران الى ما يقصد . فبين التضاد والتقابل بون شاسع ، وذات البون بين ما يدل عليه التعارض والتقابل من جهة وما ذهب اليه من جهة اخرى في مواضع دون اخرى وليس بأجمعها …
وأن تعريفه للكلام وفق علاقة التقابل بين الفكرة والصورة الصوتية لدى المتكلم ، وعلى نحو معاكس في الاتجاه ، علاقة التقابل بين الصورة الصوتية والفكرة لدى المستمع ، ماهي إلا تمثـُّل لمفهوم التطبيق وعكس التطبيق وما يرتبط بهما من مفهومين متلازمين هما المجال والمجال المقابل . واللّذان سيتخذان معنى أدق لو اشار اليهما بالمنطلق والمستقر . أو المنطلق والمدى.
كما استخدم مفاهيم اخرى كالتطابق والتكافؤ، وهما مقولتان رياضيتان محض . ومن الجبر استخدم مفهومي الفرق والمساواة. ومن نظرية الدوال استخدم مفهوم الدالة والاقتران والمتغير بصفة عامة والمتغيرات المستقلة والمعتمدة . ومن نظرية المجموعات استخدم مفهوم المجموعة والعنصر والعلاقة وغيرها من المفاهيم الاخرى . ولم يكن الامر يجري مجرى الصدفة في تشابه الاسماء ،بل ان المسميات واحدة على المستوى المفاهيمي .
كما جاءت المفاهيم الرياضياتية بالوضوح ذاته من حيث التصريح بالفاظها ـ رغم تحفظنا على طريقة استخدامها في مواضع كثيرة ـ في

فضاء اوروك ـ رولان بارث

اعمال “رولان بارث” كعلم الادلة مثل العلاقة الدالة والتباديل والتبديل والعلاقة التجميعية والعلاقة المركبة والتطبيق . كما يلاحظ في بعض هذه الاعمال نزعة الى استخدام الرمز الرياضياتي ، والى الاشكال المعتادة في الرياضيات من بينها تلك التي تدعى بمخططات ” فن Venn ” .
وفي علم الاناسة فان الامر لايختلف من جهة كثافة حضور المصطلح الرياضياتي وبعض من شروطه المنهجية ، فنلاحظ في بعض الاعمال استخدام لبنية الزمرة الدائرية ، وللزمرة التوليدية ، والبنية التبديلية ، بأسماء مغايرة : البنية الدائرية ، البنية التوليدية ، على الترتيب.وهذه امثلة نسوقها لندلل على الحضور الرياضياتي ، حضورا مؤسسا لما عرف بالبنيوية .
ومن المفيد هنا ان نذكر اهم وقائع الاكتشاف في علوم الرياضيات مقرونة من حيث الزمن بظهور الاسهامات البنيوية الطليعية ، كي نوفر دليلا اضافيا لمرجعية الرياضيات للدراسات البنيوية ، في منطلقاتها الاساسية في الاقل…
بدأت افكار فريدناند دي سوسور ( 1857- 1913 م ) ، حول علم اللغة العام عام 1906 . حيث اصدر طلبته محاضراته وفاته ( 1916 م ) . فيما يؤكد مؤرخو البنيوية ، بان كلود ليفي شتراوس قد اطلق شرارة البنيوية من فرنسا باصدار كتابه ( الانثروبولوجية البنيوية ) عام 1958 م ، ويبدو ان مؤَلفه الاخر (البنيات للقرابة ) عام 1949 م لم يكن بنيويا بدرجة كافية في نظر معاصريه او مؤرخي البنيوية ، كي يحظى بمثل ما حظي به كتابه الاول ــ مُطلق الشرارة ــ والتفسير الوحيد لهذا التفاوت الاحتفالي حيال الكتابين ، هو انه جرى تقيمهما على ضوء الاطلاع المستحدث نسبيا على مفاهيم البنية في الرياضيات المعاصرة . ولهذا السبب ايضا نرجح بان تقيميا بأثر رجعي مماثل قد أسبغ على محاضرات سوسور فتقُلدت وصف الالسنية البنيوية ، على طريقة التقدير الاحتفالي ذاته . لقد الهمت اعمال سوسورالكثيرين ،فتتالت الدراسات البنيوية بعناوين كثيرة جدا ، يغلب على كل اسهامة منها بكثرة التصريح بعلوم متفرعة عن علم اللغة العام ، ومتفرعة عن علم الادلة ، ومتفرعة عن علم الاناسة وهكذا . ففي محاضرات سوسور يمكن ان نحصي كثيرا من العلوم اطلق عليها اسماءها ، لايقدم فيها سوى بضعة تصورات تحدد على نحو غير حاسم موضوع كل علم مما اشار اليه .

ان المحطات الرئيسة لتطور الدراسات البنيوية تمثلت باعمال: سوسور في اللغة و كلود ليفي شتراوس في الاناسة ورولان بارث في علم الادلة

فضاء اوروك ـ نعوم تشومسكي

، وجومسكي في التوليدية ، وجاك دريدا في التفكيكية وغيرهم . وفي كل منها تجد عمود الفكرة المنهجية ترد الى مفهوم رياضياتي بعينه او اكثر .
لقد طورالعالم الرياضياتي كالوا Glios ( 1811 ـــ 1832 م) العلاقة بين حل المعادلات ونظرية الزُمر ، ولاحظ الزمر السويـّة . والزمرة كما اشرنا هي مفهوم رياضياتي. و فيما بعد اخذت تعرف على انها زوج مرتب يـتألف من مجموعة عناصر وعملية ثنائية كما برهن ذلك لاول مرة العالم الرياضياتي فورنيوسForbenius عام 1879 م . واعقبه في الحقل ذاته النرويجي سيلوف L .SYLOW( 1832ــ 1918 ) الذي وضع مبرهنات عن الزمر الاولية ، والتي عرفت باسمه . الا ان العالم الالماني كانتور ( 1845 ــ 1918 ) اول من اعتبر المجموعة مفهوما اساسيا وبيّن خصائصها ، ممهدا لنشوء نظرية المجموعة ، وهي من كبريات النظريات في علوم الرياضيات .( لقد كتب كانتورفي احدى رسائله الى صديقه ر. ديكينيد Dedekind R.العالم الرياضياتي الالماني ، انه قد تمكن من البرهان على ان الاعداد الحقيقية اكثر من الاعداد الطبيعية بواسطة المجموعات … وكان تاريخ الرسالة هو 7/12 /1873 م واعتبره الرياضياتيون يوم مولد نظرية المجموعات)(1) ، ونظرية المجموعات هي الاساس في دراسة البنى او الانظمة . واعقب هؤلاء علماء افذاذ آخرون ..

فضاء اوروك ـ جاك دريدا


ان العرض المختصر لوقائع التطورات في حقل الرياضيات يسمح لنا بالمقارنة مع العرض المماثل لتاريخ البنيوية . تلك المقارنة تنبؤنا بجملة حقائق ، من بينها ان المنجز البنيوي هو نتاج محاكاة واضحة للمنجز الرياضياتي ، وتطور كل منهما كان تطورا متواقتا ، وبما يفيد ان الرياضيات شكلت مرجعا أساسيا للبنيوية .
ويمكن ذكر أمثلة كثيرة جدا من تلك الدراسات التي تم توظيف المفاهيم الرياضياتية فيها على نحو اساسي . ونقدم هنا عينة منها (2 ) ، وسنعلـّق على كل واحدة منها كلما أمكن ذلك وبأيجاز :
ــ دراسة شارل بالي ( فعل الكينونة الصفر والوقائع المرتبطة به ) 1922 م الذي يخلص الى ان فعل الكينونة الصفر هو الدال على الفعل المضارع في اللغة الروسية . حيث لايمكن الخلط بين الدليل الصفر وانعدام الدليل. ولايمكن تشخيص الدرجة صفر في ماهية دالة باعتبارها دالا مضبوطا ثم تمييزها عن الظواهر الغريبة عنها كالايجاز والحذف والتضمين .
وفي اعتقادنا ان اختيار مفهوم الصفر كدال على ما ذهب اليه امر مغلوط ، فكان بأمكانه ان يستخدم في هذه الحالة مفهوم “المجموعة الخالية ” كدال على هذه الحالة الاعرابية ، بدلا من الصفر. فيقال عن تجريد الفعل المضارع من فعل الكيونة مجموعة خالية اشارة الى وجوده في افعال أخرى . اما الصفر لايكافئ بالضبط المفهوم الذي ذهب اليه. أن الصفر ليس عدما ، ولا غيابا !
ــ كما قدم أ. ج . كريماس بحثا عن ( اللسنيات الاحصائية واللسنيات البنيوية ) باريس 1962 م وكتب هذه المساهمة بمناسبة صدور كتاب بييركيرو ( قضايا ومناهج اللسنيات الاحصائية) 1960 م .
ــ وفي ( المناهج في اللسنيات البنيوية ) قدم ز.س هاريس 1951 الاتجاه التوزيعي في اللسنيات البنيوية بأسلوب مغرق في التجريد . “علما ان التوزيعية نظرية تزعمها العالم اللغوي الأمريكي بلومفيلد وهي نظرية عامة للألسنية ترى أن اللغة تتألف من إشارات معبرة تتدرج جميعاً ضمن نظام اللغة لمنطق يكون التعبيرعلى مستويات مختلفة والجملة تحمل إلى مؤلفاتها المباشرة بواسطة قواعد التوزيع والتعويض والاستبدال”.
إن التوزيعية مفهوم رياضياتي هام في نظرية الجبر المجرد ، وخاصة في البنى المختلفة ، وكثيرا ما يخلط به مفهوم الخاصية التجميعية في دراسات عُدت بنيوية .وقد اتخذت التوزيعية اطلاقات اخرى في الدراسات البنيوية كالتداعي ( رولان بارث ـ مبادئ في علم الادلة ).
ــ كما استخدم لوي يالمسليف في كتابه (مقدمات لنظرية في اللغة) 1943 م المنطق الرمزي الى جانب افكار سوسور في ما سمي بنظرية مثولية للسان . واستخدم في التحليل البنيوي الذي اجراه كل من جاكوبسن وكلود ليفي شتراوس لـ ((القطط )) لبودلير 1962 م، مفهوم المستويات المتراصة .
ونجد أن أصل مفهوم المستويات المتراصة هو مفهوم المجموعات المتراصة Compact set وهو من المفاهيم الرئيسة لعلم التبولوجية الرياضياتي .
وغيرها من الامثلة الواردة في الدراسات الرائدة او المعاصرة .
إن الرياضيات ليست هي الاحصاء ، وان كان جزءا منها ، كما هي ليست العمليات الحسابية الاربعة ، وان كانت غير مستغنية عنها . بل هي ابعد من هذا بكثير …ان تاريخ الرياضيات يكشف عن تطور فروعها ، وتطوركل فرع من هذه الفروع . ويتفق الرياضياتيون على انها مرت بمراحل ثلاثة ، كل مرحلة تضيف الى سابقتها اشياء جديدة دون ان تتنكر لها :
الاولى : المرحلة التقليدية . و كانت تهتم بموضاعات التفاضل والتكامل والجبر والهندسة .
الثانية : شهدت تطوير مواضيع المرحلة الاولى ، واضيفت مواضيع جديدة اليها مثل ( اسس الجبر المجرد) مُلهٍم البنيويين . وبدأت هذه المرحلة بانتهاء المرحلة الاولى في نهاية القرن التاسع عشر .
الثالثة : مرحلة الرياضيات المعاصرة ، بدأت بُعيد المرحلة الثانية ، حتى إنّا لانكاد نفرق بين بداية المرحلتين. والرياضيات المعاصرة تدمج بين مواضيع رياضياتية عدة كانت في الماضي وحدات مستقلة ،فجعلت منها كلا متماسكا . فالمفاهيم التي اكتشفت اكثر شمولا من القديمة ، مثل مفهوما ؛ المجموعة والعلاقة .
ان اطلاق تسميتي ؛ التقليدية والمعاصرة على المرحلتين الاولى والثالثة ، لايعني بأ ي حال من الاحوال نبذ للمرحلتين الاولى والثانية . و أن اطلاق وصف ( معاصرة ) على المرحلة الاخيرة ، هو وصف احتفالي في تقديرنا . إلا أن المرحلة المعاصرة لتطور الرياضيات أتسمت بوضع علوم الرياضيات بنسق واحد جراء أستخدام نظرية المجوعات . أن نظرية المجموعات قد قرّبت بين المواضيع الاربعة الرئيسية للرياضيات : الحساب ـ أي حساب التفاضل والتكامل ـ والهندسة والجبر والتحليل . مع ملاحظة أن ذلك لم يمنع من أن تدرس بصفة مواضيع مستقلة . ولقد وفرت الرياضيات المعاصرة ، دراسة لبنى رياضياتية ( وبنى اخرى يمكن اخضاعها لها ) قد تكون عناصرها كميات او اشياء كيفية ، او علاقات . والنتائج التي نحصل عليها من دراسة هذه البنى تكون صحيحة مهما كانت العناصر ، ومهما كانت العلاقات او العمليات . وبهذا المعنى فان الرياضيات المعاصرة تتجه نحو التجريد ، مبتعدة عن تناول المحسوسات ، إلا أنها غير منقطعة عنها. وهي بخاصيتي التجريد والتعميم تتمكن من تلبية حاجة الكثيرمن العلوم الفيزيائية والكيمائية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية والتربوية واللغوية .
تعتمد الرياضيات المعاصرة على المنطق الصوري بشكل رئيسي ، حتى ان الفيلسوف راسل Russelيبين في كتابه ( اسس الرياضيات ) بأن (المنطق والرياضيات شئ واحد . ان اعتماد الرياضيات المعاصرة على المنطق اكسبها وضوح الفكرة ودقة التعبير ، وزودها باسلوب موجز لعرض القضايا الرياضاتية) .
ويذكر د . عادل غسان نعوم جملة من الحقائق المفيدة بهذا الصدد فيقول : ( ان ثورة حصلت في الرياضيات اواخر القرن التاسع عشر

فضاء اوروك ـ كلود ليفي شتراوس

واوائل القرن العشرين ، تعود الى عوامل عديدة اهمها اكتشاف الهندسة اللااقليدية واكتشاف نظرية المجموعات . بدأت التعددية في الرياضيات … ونشأت اختصاصات عديدة يزيد عددها على مائة تخصص مختلف في الرياضيات . كما نشأت حقول جديدة ، مثل : علم الأحياء الرياضياتي ، علم الارض الرياضياتي ، علم اللغات الرياضياتي ، علم الاقتصاد الرياضياتي ، فضلا عن الفيزياء الرياضاتية . ويقول الرياضياتي الكسندوف بأن : المستوى العالي من التجريد الذي تتميز به الرياضيات ولّد الاعتقاد بان الرياضيات مستقلة عن العالم المادي ، الا ان حيوية الرياضيات نشأت من حقيقة كون مفاهيمها ونتائجها ـ على الرغم من كونها مجردة ـ وثيقة الصلة بالعالم الحقيقي . من الطبيعي ان لايقبل الرياضياتيون فكرة إن انجازاتهم وابداعاتهم معتمدة بقوة على الحقائق الفيزيائية . ان البعض يفضل ان يفكر بدلالة بُنى من صنع الانسان المفكر تستند الى فرضيات تكاد ان تكون عشوائية ، ولو ان بعضا من هذه البُنى يحدث ان تكون لها تطبيقات هائلة في ظواهر العالم الحقيقي) . (3)
ويبرر الرياضياتيون تقليلهم لاهمية ارتباط الرياضيات بالفيزياء باسباب لاتتعلق بالمعرفة العلمية وانما لاسباب جمالية وفنية تتعلق بعوامل داخلية في الرياضيات ذات الصلة بطريقة انشاء بُنى جديدة .كتب الرياضياتي الفرنسي الكبير “هنري بونيكاريه”(4): ( ان الشعور بالجمال الرياضياتي والتناغم بين الاعداد والاشكال ، والاناقة الهندسية ، انما هو شعور فني حقيقي يعرفه كل الرياضياتين الحقيقيين ). ويتابع قوله ليصف عملية الخلق بالرياضيات بعبارات شبيهة بتلك التي يستخدمها علماء النفس اليوم في دراستهم لعمل نصفي الدماغ الواعي . ويميز بونيكاريه حالتين : في احداهما يكون الرياضياتي منطقيا ، مستعدا للعمل المركزعلى مشكلة معينة . ويسبق هذا الاستعداد عادة تقدم حدسي هائل ومتابعة لبعض حسابات هذا التقدم . ويشبّه بونكاريه هذ الحالة بالدماغ الواعي . اما الحالة الثانية فترتبط بقوة مع الحس الجمالي ويكون للرياضياتي اثنائها القابلية على تشخيص النموذج الاكثر جمالا والاكثر اهمية بين نماذج متعددة . يقول بونيكاريه : ( ان تشخيص النموذج الذي يحل المشكلة لايمكن املاؤه وانما يأتي بصورة تلقائية ومفاجئة ، شبيهة بالضوء المفاجئ ، عبر الحدس الذي يأتي من الدماغ غير الواعي ) .
ومن الرياضياتيين البارزين الذين تزعموا الناحية الجمالية للرياضيات ، الرياضياتي الانجليزي كود فري هاردي(5) . ان اهم ما كان يفتخر به ( انه لم يقم خلال حياته بأ ي عمل في الرياضيات مفيد في تطبيقات حقيقية )، مشيرا بهذا القول الى المستوى النظري والتجريدي البحت لعمله . ويصف “هاردي” الرياضياتيين بانهم صانعوا نماذج للافكار ، وبان هؤلاء ، مثلهم مثل الفنانين الاخرين ، فيرى ان ( الجمال هو الذي تُقيّم بواسطته نماذجهم ). ويتابع القول: ( الجمال هو الاختيار الاول ، ولايوجد مكان دائم في العالم للرياضيات القبيحة ) .
وعد “بول هالموس” ـ الرياضياتي الهنغاري الاصل ـ ( الرياضيات فن خلاق ) وهذه مقولة شهيرة في الوسط العلمي .كما ان الرياضياتيين يكثرون الحديث عن (المتعة) الكبيرة جراء العمل في الرياضيات .
ينبغي التفريق بين ” الرياضيات التطبيقية ” و ” التطبيقات الرياضياتية ” : الاول ؛ ينصرف الى توظيف فرع من الرياضيات في فرع

فضاء اوروك ـ شارل بودلير

آخرمنها . فهي لاتخرج عن علوم الرياضيات . ومن الامثلة في ذلك استخدام نظرية المجموعة في الهندسة المستوية او المجسمة ، واستخدام ( نظرية الزمر) في حل المعادلات من الدرجة الخامسة. اما الثاني ؛ فينصرف الى توظيف المفاهيم والمبرهنات والقواعد الرياضياتية في قطاعات علمية اخرى .والامثلة في هذا كثيرة ومتنوعة ، واضحت مألوفة في الاوساط المعرفية والعلمية . ومن امثلتها الواضحة ما نطلق عليه بالدراسات البنيوية .
لقد كان لاستخدام المفاهيم الرياضياتية في دراسة كل من اللغة والأناسة والدلالة سببا في تطور هذه العلوم على نحو متوازٍ ، بل ومتماثل جزئيا مع تطور الرياضيات ذاتها . فعند انتقال الرياضيات من مرحلتها التقليدية الى مرحلتها المعاصرة التي أسست الجبر المجرد ( نظرية المجموعة ، البُنى الرياضياتية ، … )انتقلت تلك العلوم الثلاثة بدورها الى مرحلتها المعاصرة ، وهي تحمل الطابع ذاته الذي ميزالرياضيات المعاصرة ، حتى اضحى الحديث مألوفا عن بُنى اللغة والأناسة والدلالة . الا ان فرقا جوهريا ظل ماثلا بين الاثنين يدور حول مكانة التصورات العلمية التقليدية فيهما . فالرياضيات المعاصرة استطاعت ان تضع العلوم الرياضياتية ، قديمها وحديثها ، في نسق واحد ، دون ان تتنكر لمنجزات المرحلة التقليدية ، بينما تنكرت الدراسات البنيوية ( اللغة، الأناسة ، الدلالة ) للمنجزات السابقة عليها في مجالات علم الاجتماع وعلوم اللغة . هذا التنكر سببه السعي غير المبرر نحو بناء عالمي واممي لهذه العلوم ، وهو هدف ليس له رصيد علمي كما نعتقد . لأن القوانين الطبيعية تكتشف مرة واحدة وتقبل عالميا دون حواجز قومية او جغرافية . ولكن القوانين الاجتماعية في كل مرحلة بها حاجة الى الاكتشاف نظرا للتغيرات الدائمة في المجتمعات . وعلى صعيد اللغة فان المحك القومي المحلي يقف حائلا دون اممية علم للغة بخلاف الرياضيات والكيمياء والفيزياء مثلا . وينسحب القول ذاته على الدلالة. ونكتفي بالاشارة الى ان الدراسات البنيوية ذاتها بنت تصوراتها المعرفية على اسس محلية كانت اللغة اللاتينية نموذجها الدراسي السائد ، ومن ثم جرى تعميم ما أُعد كشفا للعلاقات على صعيدي اللغتين الانجليزية والفرنسية ، على ما يتوافر بينهما من خصائص بنييوية متقاربة ان لم نقل متطابقة في مواضع كثيرة أغرت الكتاب والباحثين لاطلاق التعميمات .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: