(6ـ 1) تقويم الدراسات البنيوية ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

(6ـ 1) تقويم الدراسات البنيوية

فضاء اوروك ـ علم البنى

فضاء اوروك ـ علم البنى


عبد الرحمن كاظم زيارة

مع الايجازالذي قدمناه حول علم البنى والواقع الذي يشير الى المفاهيم الرياضياتية المؤسسة للبنيوية ، يكون من السهل تصنيف الدراسات البنيوية وتلك التي تدّعي البنيوية . والدراسات البنيوية الاحادية الاداة ، وتلك التي تمزج ادوات عدة دفعة واحدة بحكم ضرورة البحث ، او ان الموضوع ( أو بنيته) ينقاد اليها دون عسف .
ان فرز وتصنيف تلك الدراسات ينبغي أن يحتكم الى اصولية منهجية في المقام الاول. ووحدات الحكم هنا هي ما تعنيه الالفاظ المصطلح عليها ، وفيما اذا كانت قد اصابت هدفها ام حادت عنه . وليس ثمة فسحة للمجاز في أستخدام الالفاظ ان اردنا توخي الدقة . فان لفظة (مجموعة ) هي ليست كلفظة ( قطائع ) . ولفظة ( بنية ) هي ليست كلفظة ( كتلة ) ولفظة (عناصر ) هي ليست كلفظة (شرائح او طبقات اواجزاء ). ولفظة جزء ليست كلفظة ( طبقة ) ،وقائمة التحذيرات تطول في هذه الناحية .

ان وهما قد تم تدواله من قبل قسم غير قليل ممن له اهتمام في الشأن البنيوي ، مفاده اطلاق تعبير( بنيوية سوسور ) على محاضرات فردناند دي سوسور الموسومة بـ ( محاضرات في علم اللغة العام ) . وهو تعبير يقترن بمفاهيم تتصل بنظرية المجموعة والعلاقات الداخلية مع العناصر المؤلفة لها ، الامر الذي يجانب جزءا هاما من حقيقة هذه المحاضرات التي استثمر فيها سوسور مفاهيم رياضياتية اخرى ، غير البنية . وازاء ذلك نجد أن الفرصة قائمة لازالة هذا الوهم او غيره مما شابهه في اطلاق الاوصاف والمسميات جزافا دون تدقيق لما تعنيه فعلا .

ان الحقائق الابستمولوجية تشير الى ان الالسنية السوسرية وعلم الاناسة كما نظّرله ” كلود ليفي شتراوس ” وعلم الدلالة بحسب ” رولان بارث ” و ” شارل بيرس ” وغيرهما ، وتوليدية ” جومسكي ” وتفكيكية ” جاك دريدا ” وغيرها من الاعمال الطليعية في هذا النحو، كلها ادرجت تحت عنوان عريض هو البنيوية او ( ما بعدـ بنيوية ) . ويمكن رد الدراسات البنيوية الى تنوعاتها المنهجية وتنوعاتها الموضوعية ايضا . و يتلازم فيهما كلا من الاداة المنهجية وما يتصور على انها بنية ، تتوازى احيانا وتتقاطع اخرى . ان تنظيم جدولا بهما امره يطول الا ان فوائده عظيمة لجهة حصر الموضوع البنيوي على مستوى البحث . وسنترك هذا الامر الى مساهمة اخرى ونكتفي هنا باشارات هامة منه لتمثل اطارا عاما لما قصدنا اليه .

فضاء اوروك ـ علم البنى ـ التحليل

وينبغي ان ننوه هنا الى مخاطر الاستسهال في استخدام المفهوم و المصطلح ، او قبولهما دون الاحتكام الى ما يعنيه في هذا الحقل المعرفي . لقد انتبه الكثير من الكتاب والمترجمين الى هذه الظاهرة اذ يقول “د . محمد البكري “(5) في مقدمة ترجمته لـ ( مبادئ علم الادلة ـ لرولان بارث ) : ( .. نجد من الضروري المساهمة في محو الاوهام بتعريب بعض النصوص الاساسية وتوفيرها للقارئ العربي حتى يواجه على الاقل احتكار الوسيط المعرفي ويكنس ظواهر التمييع والابتذال ، والتزييف ، والحذلقة التي يتكفل بها كتاب الانشاءات الفارغة المختصون في التلاعب بالمصطلحات ورصف المفردات البراقة، والتعمية ، والقفز البهلواني ، والشعوذة الاسلوبية وادعاء العلمية في الوقت ذاته . فالسيميائيات تنحصر لديهم في تفسير النصوص ، وداخل الاتجاه اللسني ـ البنيوي دون ان تتعداه الى نقده الجذري ( م . باختين ) ولا الى النظرية النقيض ( ش . ص . بيرس ) … بدل المساهمة الفكرية تغرق في تنميقات وزخارف خطاطية لاتوضح شيئا ).

وللترجمة نصيبها في بث الاوهام ايضا ، خاصة فيما يتعلق بالمصطلح او اللفظ المصطلح عليه (6) ، اذ غالبا ما يتولى الترجمة لنصوص الدراسات البنيوية اناس مهتمون بالادب واللغة ولا صلة لهم بالعلوم الاخرى وبخاصة الرياضيات ، حيث تتواجد مفاهيمها ومبرهناتها بكثافة في تلك الدراسات .

واذا كانت ملاحظات الدكتور البكري قد اشارت الى احتكارالوسيط المعرفي ، فان الاشارة واجبة ايضا الى احتكار من نوع اخر لايقل أهمية عن الاول . فان مبتدعي او مؤسسي الدراسات البنيوية انفسهم ، يحتكرون المعرفة ايضا ، الا ان احتكارهم في تقديري اكثر ايلاما ، فهم لم يشيروا الى الاساس النظري الاصيل لطروحاتهم البنيوية . وبقيت مؤلفاتهم تستعير من المفاهيم الرياضياتية وتتمترس بها دون ان يصرحوا بأنها مفاهيم لها بيئتها المعروفة ، وهي دون جدال : الرياضيات . بمكان بدت معه تلك المؤلفات كما لوكانت فتوحات منهجية أصيلة وهي ليست كذلك في الاجمال . ان الاشارة الى الرياضيات وذكر بعض من مفاهيمها لم تنعدم تماما عندهم ، إلا انهم البسوها ثوبا فكريا نسبوه الى انفسهم . فمفاهيم مثل البنية والمجموعة والعلاقة الثنائية والتقابل والدمج والتضاد وغيرها ، هي مفاهيم رياضياتية وقد استخدموها بحسب بنائها الرياضياتي ، ويخطأ من يظن غير هذا . ومن الصواب القول ايضا ان تعديلات قد طالت تلك المفاهيم لاسباب تنم عن عجز في التواصل المعرفي بين المفهوم الاصيل ذاته كما ورد في العلوم الرياضياتية من جهة وموضوعات البحث من جهة اخرى.فجاءت تلك المفاهيم تحمل “طابعا خاصا” لايلتزم الحدود الكاملة للمفاهيم الاصيلة ومن ذلك الجواز المتولد مما يوحي به المفهوم او الاخذ بركن من اركانه حسب واهمال الاركان الاخرى . واذا اردنا ان نحسن الظن بهؤلاء ، نقول ان عدم تصريحهم بالشرح او بسط ادواتهم التحليلية الرياضياتية ، ربما لتجنب الاحراج عندما لاتأتي النتائج التي يتوصلون اليها موافقة لشروط وتحكمات تلك الادوات .

ويمكن ان نصنف الدراسات البنيوية ،اوالتي ادعت لنفسها او أُلصقت بها ،الصفة البنيوية الى فئات ثلاثة :

فضاء اوروك ـ تقويم البنيوية

فضاء اوروك ـ تقويم البنيوية


الفئة الاولى : مؤسسوا ألأنشائية ، على حد تعبير “ميشال فوكو” ( وميزة هؤلاء انهم ليسوا فقط مؤلفي نتاجاتهم وكتبهم ، انما انتجوا اكثر من ذلك : امكانية وقاعدة تكوين نصوص اخرى ، انهم بهذا المعنى يختلفون كثيرا عن روائي مثلا ليس في الواقع ابدا الاّ مُؤلِف نصه . و”فرويد” ليس فقط مؤلف ـ تفسير الاحلام ـ او ـ النكتة ـ ، وماركس ليس فقط مؤلف البيان او رأس المال ، فلقد أسسا امكانية لامحدودة للانشاء) (7).
الفئة الثانية : المؤلفون ( عبر ـ أنشائية ) والتعبير ايضا لميشال فوكو ( فتأليف كتاب ـ نظرية ، سيكون باستطاعة كتب اخرى ، ومؤلفين آخرين الحلول داخلها ) (8) . بمعنى ان المؤلفين ضمن هذه الفئة في ما نحن بصدده ، هم اسماك في الدراسات البنوية المؤسِسة . ان قسما من هذه المؤلفات هي في حقيقة الامر جادة ، سواء على مستوى التنظير او على مستوى العمل البحثي في مجالات متنوعة في الشعر والنقد الادبي وعلم الاجتماع وغير ذلك . اما القسم الآخر فهو يردد ما سمعه ، بسرديات لاتحايث البُنى موضوعا او البنية مفهوما سوى الادعاء بالبنيوية .

وفي طبيعة الاحوال ليست هناك رواية بنيوية او قصيدة بنيوية او مجتمع بنيوي ، او أي موضوع بنيوي . فهذه الامور قائمة بذاتها مستقلة عن رؤيتنا المنهجية . اذ لايمكن تقدير الشئ الا بعد مثوله او تشيئه او وجوده التجريبي. وبالمثل يمكن القول ليس ثمة شاعراو روائي او فنان يخطط لعمله الابداعي تخطيطا بنيويا . انما الباحث يستطيع ان ينشأ بُنى معينة ، في الاقتصاد والسياسة والزواج وعلاقات الانتاج وفي العلاقات الدولية .

كما يمكن اضفاء الشرعية البنيوية ، بدلالة الامانة في الاستخدام المنهجي لها ، على تركيبات تُنشأ كبنى جديدة . وهذا يوضح الاتجاهين الممكنين للدراسة البنيوية بوجه عام في مجالات متعددة :
الاول : المعالجة التحليلية على مستوى البنية . ولابد من اهداف لمثل هذا الاتجاه.
الثاني : اعادة تركيب البنى . ولابد ايضا من غاية .

ومن المشكوك فيه اختلاق بنية ما . اذ لابد من مكونات ؛عناصر او مجاميع جزئية وغير ذلك ، مما يمكن عزله ثم نظمه في علاقة لها القدرة على بنينة الكل . الا ان انشاء بنى بدءا بتأليف دعامتها امر ممكن. ويمكن النظر الى مسألة التقدم الحضاري على انه اعادة تركيب او انشاء بنى كما نعتقد.

وبناءا على ما تقدم ، فأن البنيوية ضمن نسقها الرياضياتي ليست هي الاداة المنهجية الوحيدة التي تم أستخدامها في ما عرف بالدراسات البنيوية . فثمة أدوات أخرى لاتمت بصلة مباشرة بعلم البنى قد تم أستخدامها فعلا . ويكون كلاما معادا اذا ما قلنا ان هذا الاستخدام حمل معه الكثير من التجوز غير المحمود . تنطوي نظرية المجوعات على مفاهيم قابلة للتطبيق على المجموعات الالسنية والاناسية والدلالية وغيرها ، بوصفها مجموعات ، لا بوصفها بنى . ونفس القول يمكن أن يقال على أستخدام الاحصائين الوصفي والتحليلي ، فأنه لايصب مباشرة في التحليل البنيوي . وفي مراحل متقدمة من الناحية العلمية يقدم موضوع التبولوجيا مفاهيم يمكن توظيفها في البحث الدلالي والالسني والاناسي وغيرها، وربما في بنى هذه الاشياء أيضا . وفي كل الاحوال تبقى المسألة التي ينبغي للباحث أن يتصدى لها هو كيف يمكنه إستكشاف المطابقة بين هذه المفاهيم (الادوات المنهجية تاليا ) من جهة والموضوع الذي يخضعه للبحث أو التحليل من جهة أخرى . أن حجر الزاوية للتقدم في إيجاد الحلول يكمن في القدرة العلمية على حصر وحدات التحليل: المتمايزة والمتجانسة في آن واحد .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: