التحديات المعاصرة التي تواجه الفكر العربي الوحدوي : تحالف الاتجاه السياسي المتأسلم والاتجاه الامبريالي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ مدارات

فضاء اوروك ـ مدارات

التحديات المعاصرة التي تواجه الفكر العربي الوحدوي : تحالف الاتجاه السياسي المتأسلم والاتجاه الامبريالي
عبد الرحمن كاظم زيارة

(1)
يتصور البعض ان الكلام في الفكر العربي ضربا من نفخ الروح في جسد ميت ، خاصة بعد وقوع العراق في قبضة الاحتلال الامبريالي الامريكي ، ويحشّد هذا التصور المغلوط الى جانبه مَثـَلَ سقوط التجربة السوفيتية كدليل على فشل الفكرة الشيوعية . وكلا الافتراضين مغلوطين من أساسهما ، لأختلافهما ، ووجه الاختلاف بينهما هو أن سقوط التجربة السوفيتية جاء لاسباب داخلية ، من بينها التعاطي الفكري مع واقع بدا عصيا على افتراضات عقائدية قسرية ، بينما احتلال العراق وإنهاء تجربته الوطنية القومية لم يكن بسبب فشل الفكر القومي العربي الذي كان يقود تجربة العراق ، بل بسبب نجاحاته المتلاحقة والباهرة التي أرعبت الدوائر المعادية الى درجة إن هذه الدوائر قد رفعت مستوى الصراع الى الصدام المسلح ، وتم تغليب العدوان العسكري بعد أن فشلت كل المحاولات الاخرى من إعاقة تجربة العراق من أنطلاقتها ، فأحتلال العراق لم يكن نتيجة لفشل تجربته العربية ، بل لنجاحها .

(2)
وأمر طبيعي ان يواجه الفكر العربي والنضال القومي وهدف الوحدة العربية بنحو خاص تحديات معظمها عدائية ، وأن القسم الاعظم من تلك التحديات معاقة فكريا وعقائديا ، لأنها تستند في صراعها الى معاداة (القومية العربية) التي تمثل الاساس البديهي للفكر العربي ، وتتمثل هذه التحديات بالفكر السياسي المتأسلم ، نقول متأسلم ولانقول إسلامي ، فواقع هذا الفكريدل دلالة واضحة على أنه غير أمين في نقل ووعي وأدراك عمود الفكرة المتعلقة بالواقع البديهي للقومية بشكل عام والقومية العربية بشكل خاص كما جاءا في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة . ومصدر هذا التحدي معظم الحركات السياسية المتأسلمة ، إن لم نقل كلها ، وبمختلف مواردها المذهبية والطائفية . أما التحديات الاخرى فقد جاءت من الاحزاب الشيوعية “العربية ” والاحزاب القطرية . ولهذه الاحزاب او التيارات قناعة مفادها بأن وحدة الامة العربية ، وبالتالي التنظيمات القومية التي تناضل من أجل هذه الوحدة هدفا معاديا لتطلعاتها . ولقد استطاع الفكر العربي ان يحقق نجاحات كبيرة في ساحات الصراع مع هذه التحديات خلال القرن الماضي وخاصة في ثلثه الاخير ، وفي كافة الميادين . إلا ان العقد الاخير من القرن الماضي شهد تحولا جذريا في إعادة بناء التحديات تمثل بانتهاء المد الشيوعي إثر سقوط التجربة السوفيتية ، وتألفت تحالفات جديدة كانت سمتها الابرز انتظام الامبريالية ممثلة بانظمة دول حلف شمال الاطلسي كأبرز عنصر في إئتلاف معاداة النضال القومي .

(3)

فضاء اوروك ـ تحديات الفكر العربي المعاصر

فضاء اوروك ـ تحديات الفكر العربي المعاصر

ولقراءة التحديات الراهنة التي يواجهها الفكر العربي والنضال القومي ، قراءة واعية ومدركة للعوامل المؤثرة فيه ، ينبغي ادراك خطورة التحول الخطير في حجم ونوع التحديات التي يفرضها هذا التحول ، وهو تحول قد أوجد فرصة للتحالف بين الاحزاب المتأسلمة والامبريالية ، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، وكلاهما يختزن قدرة تدميرية شرسة تفتك بالبناء القومي والاجتماعي للامة ، في امتزاج من الدعوة الزائفة جمعت الدعوتين المتعاشقتين تعاشقا فريدا ، هما :

+ الدعوة الى تبني الاطروحات المتأسلمة والتي يقدمها اصحابها على انها دعوة العقيدة الاسلامية السمحاء .
+ والدعوة الى تبني أنظمة سياسية من شأنها تفكيك المجتمعات السياسية الى فرق وطوائف واشياع تتخذ من الطائفة أساسا وحجر الزاوية فيها وتقدم ذاتها وتسوقها بدعوة زائفة لتبني الانظمة الديمقراطية أسلوبا لتداول السلطة ..

فما يواجهه الفكر العربي اليوم ، بل والامة العربية في المرحلة الراهنة تحديا شرسا ، لايمكن إيقاف زخمه إلا بعد نفاذ ذخيرة أطراف هذا التحالف . وكلا منهما يمتلك ذخيرته الفتاكة في تفتيت المجتمع العربي عبر تفتيت بنائاته الاجتماعية والسياسية ، وخاصة نقض مفهوم الدولة الوطنية وإحلال تنظيم بديلا عنها سمته البارزة تصيير الدولة الى كانتينات تتحاصص الموارد فيما بينها .

(4)
فإذن الاطراف التي تناهض الفكر العربي والوحدة العربية والنضال القومي في هذه المرحلة تياران رئيسيان بينهما تحالف يتمثل في : الفكر السياسي المتأسلم وهو في الغالب فكر سياسي طائفي مشخصن ، والاتجاه الامبريالي المتحزم بالدعوة الى “الديمقراطية” واستعداده الدائم لشن العدوانات الغاشمة ضد الدول العربية . ان تحالف هذين الطرفين يرقى الى مستوى التعاشق ، وهذا ليس تعبير مجازي ، بل يصف الواقع الحسي لتحالفهما بدقة ، بمكان انهما يمثلان كتلة متداخلة دون عوائق ، ولكل منهما الاستعداد الطبيعي لترسيخ هذا التحالف .
ولانريد في هذه الاسهامة المختصرة والسريعة التعرض الى فسولة اطروحات كل اتجاه من هذه الاتجاهات ، بل نكتفي بأشارات تغني عن الشرح المطول ..

(5)
قال الله تعالى (يأيها الناس إنّا خقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) صدق الله العلي العظيم .
ان العقيدة الاسلامية لاتناهض الواقع القومي ، بل تقر بوجوده الايجابي ، وتقر وجود القوميات المتعددة في المجتمع الانساني، وبنفس الوقت تؤكد ان المفاضلة بين الناس على اختلاف قومياتهم ( عند الله تعالى ) معيارها التقوى (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) صدق الله العظيم .
فالاختلاف يعكس التعددية القومية كواقعى بديهي ، يستدل عليه من اختلاف الالسن وما تفرضه من أنماط التفكير ، وان اتخاذ التقوى معيارا للكرامة عند الله تعالى لايلغي هذا التعدد ، وبالتالي لايتناقض معه بأي حال من الاحوال .
أن السياسين المتأسلمين يأخذون بعبارة ( أن اكرمكم عند الله اتقاكم) ويتركون صدر الاية ( وجعلناكم شعوبا وقبائل .. ) . فالاسلام لم يلغي القومية كوجود اجتماعي وثقافي وتاريخي ، لسبب بسيط هو أن القومية ليست عقيدة ولا هي بالفكرة فلايجوز المقارنة بينها وبين الاسلام ، وليس من العلم أن تعقد مقارنة بينهما .. ذلك أن المقارنة لاتكون إلاّ بين أمرين كلاهما يقعان في مستوي واحد .. ولا أقصد هنا بلفظة (مستوي) المكانة ، أو المكان ، وأنما نقصد بالمستوي ـ بالياء ـ هو أن الامرين يوجدان معا وفي حواء واحد .
فحواء الوجود الاجتماعي ليس هو حواء العقيدة ، ووأنهما من طبيعتين مختلفتين ، غير متضادتين ، غير متناقضتين ، لكنهما مختلفتين ، وإختلافهما يبرر وجودهما معا في الواقع كما واقعهما ووجودهما ، وكما أراد لهما الله تعالى أن يقعا بموجب موارد الاية الكريمة الآنفة الذكر .
(6)

فضاء اوروك

فكيف يجوز ان توضع العقيدة والوجود الاجتماعي الحسي في حواء واحد ، فلا الاسلام هو قومية من القوميات ولا القومية هي عقيدة من العقائد . كما أن الاية الكريمة تقر بالبعد الانساني للبناءات القومية بوصفها أبنية واقعية ، بديهية ، كما جعلها الله تعالى ، ونعي هذا المعنى ـ اعني البعد الانساني للقومية ـ في عبارة (لتعارفوا ) ، فالتعارف يكون بين مختلفين في مواردهم الاصلية واللغوية والثقافية ، والتعارف بهذا المعنى وظيفة اتصالية من شأنها خلق مجتمع انساني يمجد القيم الانسانية ، تمتزج فيها عوامل الاختلاف وعوامل التفاعل من منطلق ( ان الانسانية مجموع متضامن في مصلحته ومشترك في قيمه ) .
ومن جانب آخر ان السياسيين المتأسلمين يعدون هدف الوحدة العربية يتعارض مع هدف يدّعونه وهو الوحدة الاسلامية ، فكيف من يؤمن بوحدة الامة الاسلامية لايؤمن بالوحدة العربية ، سيما وان الامة العربية أمة مسلمة في غالبيتها العظمى ، فهل يعتقد هؤلاء ان وحدة الامة الاسلامية غير متحققة ؟ او أن وحدة الامة العربية غير متحققة ؟ ان كلا الوحدتين متحققتين إلاّ ان التعبير السياسي لهذه الوحدة غير متحقق الان وهو الهدف الذي يجب السعي وراءه ، وأقصد بالتعبير السياسي وحدة الانظمة والدول في كلا الامتين … ثم ، هل يعتقد هؤلاء أن هدف تحقيق وحدة الدول الاسلامية وعلى أي نحو كان ، هو هدف ممكن ، وهدف تحقيق وحدة الدول العربية هدف غير ممكن .. ؟إننا نجزم بالقول أن من من لايؤمن بالوحدة العربية لايؤمن بالوحدة الاسلامية وبمعاني الوحدة المختلفة ، بما في ذلك الوحدة السياسية ، سيما وأن العرب يحتلون مكانة القلب من العالم الاسلامي بالمعاني الكمية والنوعية والتاريخية واللغوية والثقافية . فالقران الكريم عربي اللغة ، والنبي عربي القومية ، والطليعة الاسلامية الاولى التي نشرت الاسلام هم عرب ، وأن الفتوحات الاسلامية ـ كتعبير تاريخي لنشر الدعوة ـ كلها أنجزت من قبل العرب ولم تنجز من غيرهم .
وهنالك اسئلة أكثر من هذه تثير الشبهات من أطروحات السياسيين المتأسلمين ..

(7) حقا ان العلاقة بين العروبة والاسلام علاقة فريدة ، وتمثل موردا من موارد قوة الامة العربية واستعدادها الدائم للنزوع الحضاري وتجديد رسالتها في كل منعطف تاريخي كبير .. هذا المورد يشكل الان هدفا يعمل على تخريبه الاتجاهين المتحالفين : الاتجاه المتأسلم والاتجاه الامبريالي .
واذا كانت بواعث المتأسلمين الايرانيين لمناصبة مطلب الوحدة العربية العداء ، مفهومة على ضوء حقائق الصراع التاريخي بين الفرس والعرب . ولكن ما هي بواعث المتأسلمين العرب؟ يمكن تلمس بواعثهم على ضوء المدخلات الفكرية المعاقة في فهمها ووعيها للعقيدة الاسلامية السمحاء ، وقد ألمحنا الى شئ منه كما تقدم .
ذكرنا فيما فيما سبق ان طبيعة كل من الدين بوصفه عقيدة من جهة وطبيعة القومية كوجود أجتماعي تاريخي لغوي من جهة أخرى لاتجيزان وضعهما كمتقابلين على صعيد التضاد او التناقض . ثم أن (العروبة ) تعبير وجودي حي للقومية العربية ، ولاتمثل أية نزعة قومية شوفينية ، حيث أن التاريخ العربي بكل مراحله لم يشهد أي فكر أو سياسة يفصح عن توجه عنصري ، بل أن العرب وفي مراحل تاريخية مختلفة ومعروفة تعرضوا الى الاضطهاد القومي ، بل ان هذا الاضطهاد يجري أحيانا باسم الاسلام كما كان يحصل أيام الخلافة العثمانية وما حصل ويحصل الان في الاحواز العربية ، فحتى تدريس الاطفال للغتهم القومية ممنوع رغم ان ايران تقول أنها دولة اسلامية .
أضف الى ذلك أن أمتزاج عناصر العقيدة الاسلامية وتداخلها مع عناصر القومية العربية ( لغة القران الكريم ، الاسلام هبط على نبي عربي ، العرب مادة الاسلام الاولى ، الامثال واسماء الاماكن وغيرها الواردة في القران معظمها عربية ، …الخ ) ، أدى ـ هذا الامتزاج وهو من طبيعة فريدة لاتتكرر عند قوميات أخرى ـ الى تشبع العروبة بروح الاسلام ، حتى عُدّ الاسلام روح العروبة : ( العروبة جسد روحه الاسلام ) ، ولاتوجد قومية أخرى شكل فيها الدين عنصرا لتكونها كما هي مكانة الاسلام بالنسبة الى العرب .
لذلك فأننا ننظر للعلاقة بين العروبة والاسلام من منطلقين غير متناقضين :
فهما من جانب مستقلان : العروبة قومية ، والاسلام دين .
ومن جانب آخر فهما متكاملان : حيث تشبعت العروبة بالاسلام روحا لها ، وقدمت الاسلام الى الانسانية بقيم عربية اسلامية كما هو واقعها في العقيدة الاسلامية.
وهذه الحقيقة لاتتناقض مع عالمية الاسلام ، وأن تجاهلها عمل من شأنه أن يصور الاسلام لامنبت له

Advertisements

رد واحد

  1. مقال تحليلي متماسك ورائع بكل ما جاء به من مبررات من ناحية النفي والإيجاب وأنا مع كل ما جاء به ولا يمكن ان اعبر بمداخله قصيرة ما حواه ,, ولكني اضيف فقط اذ لم يكن الفكر القومي العربي يوما يحمل السلبيات التي تجعله قاصرا ابدا , وهذا ما حمله الفكر المتاسلم او الافكار الاخرى السائدة , وان كل السلبيات والإخفاقات التي حصلت بعدم تطبيق التنظير الذي تمخضت عنه افكار قادته و اخفاق تقدم مشروعه ونجاحه وتحقيق بما سعت اليه جماهير ألامه من امال امنت بها, هو بالتأكيد الممارسات الخاطئة التي مارسها رموزه وقادته ممن تسنى لهم القياده ان كانت على صعيد السلطة او المركز الفاعل الموجه الذي تمتعوا به بأزمان سابقه او لاحقه فقد سهى البعض عن تطبيق الف باء ما يؤمن به بشكل عملي وتناسى ما كان يظهره من عهود , فانعكست سياساتهم وإجراءاتهم التي مورست بذهاب جهود كبيره وتضحيات اجيال قدموا حياتهم وجهدهم اضحت منسيه بسبب طغيان البعض في الممارسه وبروز السلبيات من الاشخاص وممارساتهم ,, وهنا اتهم الممارسه اما الفكر والنظرية فلا لبس به فهو مداد دائم وان اخطأ البعض بكيفية تطبيقه عندما سنحت لهم الفرصه التاريخيه ولكنها سوف تنجح بآخرين غيرهم مستقبلا ليحققوا الحلم العربي الذي هو حتمي مهما طال الزمن ..فالتآمر من قبل قوى معاديه او ممارسات مغلوطة من قبل البعض لن يكون على الدوام قدر الامه وستأخذ الاجيال القامه العبره للنجاح حتما ..

    إعجاب

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: