الاعاقة الرمزية في التواصل ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ الاعاقة الرمزية في التواصل

فضاء اوروك ـ الاعاقة الرمزية في التواصل

( الاعاقة الرمزية في التواصل )
عبد الرحمن كاظم زيارة

العنوان قد يبدو غامضا ولكني اردته ملخصا لما اريد قوله فأثقلته بمفهوم غير متداول ومستحدث ، اعني ( الاعاقة الرمزية) فله وجه آخر وهو ( كثافة الرمز في وسائل الاتصال والتواصل ) ..
لنبدد غموضه .. فالرمز كل اماءة او ايقونة او مصطلح او رسم يقوم مقام كلمة ويؤدي الى معنى : اشارات المرور رمز ، ادوات التعبير في الرياضيات رمز ، شعار شركة او دولة او محل تجاري كلها رموز .. خاتم الخطوبة رمز يحيل الى معنى .. الى حالة اجتماعية . ويهمنا من الرموز هنا قدرتها على السريان في العلاقات الانسانية كافة ، ولااقصد بمفردة الانسانية العلاقات الرحيمة والرؤوفة فقط بل كل العلاقات بين بني البشر سواء صنفت ايجابيا او جاء تصنيفها سالبا .
الناس تتداول الحديث في السياسة اكثر مما تتحدث في الرياضيات ، وتكثر في تعاطي القضايا الدينية اكثر مما تتحدث في الكيمياء وعناصر الهواء والبيئة ، كما يكثر الحديث في الحب الى حد التماهي والتجوز باكثر من الحديث في المنطق والالكترونيك ..
هل لهذا التفاوت في التعاطي :
ـ اسباب تتعلق بدرجة الاهتمام ؟ وما هو معيار الاهتمام بشأن دون آخر ؟ الحاجة ؟ ام سهولة التداول ؟
ـ او اسباب تتعلق بالكثافة الرمزية ونوع البناءات الرمزية من حيث سهولة او صعوبة هضمها ؟

اختيارنا لـ (قياس الكثافة الرمزية كمؤشر على سعة التداول الاجتماعي لموضوع او لشأن ما) ، ومن ثم اتخاذنا درجة تقلص الرمز الى التجريد الذي لايسمح إلا بفهم الرمز دون ان يترك فسحة للاجتهاد فيه ، يمكنانا من اعتبار الرمز من حيث درجة حضوره او غيابه ، ومن حيث درجة تجريده ، مؤشرا حاسما لقياس سعة التداول ، بل يؤرخ او يوثق موضوعات العلاقات التداولية بين افراد المجتمع ، بمختلف ابعاد تلك العلاقات

فضاء اوروك ـ الاعاقة الرمزية في التواصل 2

فضاء اوروك ـ الاعاقة الرمزية في التواصل 2

.
لنميز دائرتين في العلاقات :
(الاولى ) دائرة المجتمع الانساني .
(الثانية) دائرة الطبيعة وكل ما هو خارج الانسان .
في الدائرة الاولى يتخذ الانسان من اللغة وسيلة للتفاهم والتعاطي والتعبير ، كلمات يجيدها منذ الطفولة وتنشأ مفاهيمها في لسانه بسياقات بديهية تتفجر فجأة بعد اول كلمة ينطق بها وهو طفلا . وحيث ان الانسان بطاقته الكلامية والتعبيرية والتفكيرية لايبرح الدائرة الاولى ، فيكون ـ الانسان ـ هو المتكلم والمتكلم فيه في آن واحد ، فيضيق الرمز عنده الى درجة منخفضة جدا .
لذلك تجد الجميع يتحدث في السياسة وفي الدين وفي الحب . الانسان في هذا الدائرة هو المفكر وهو الموضوع المفكر فيه ، فتكون درجة الاهتمام بها في اقصى حضور لها ، فيكون انخفاض منسوب الكثافة الرمزية ، وانخفاض شدة تجريدها مؤشرا على فاعلية التواصل ، ولكن هذا التواصل لايؤدي الى فهم مشترك ، ولاالى تعاهدات مشتركة ، فيكون تواصل بعيدا عن عمليات البناء سواء كانت بناء شخصية الانسان او بناء صيرورة المجتمع وفاعليته .
اما في الدائرة الثانية فأن الانسان مفكر والطبيعة مفكر فيه ، هنا العلاقة بين الاثنين حرة من التشابك الذي تكون عليه الدائرة الاولى ، ولاتعيق الطبيعة الانسان في ان يفكر فيها لأنها خارج دائرته واشكالاتها الخلافية ، الطبيعة محايدة هنا ، اي في عملية التفكير ، فيكون الانسان حرا في اختيار طريقة التعبير عن قوانين الطبيعة وظواهرها بلغة رمزية تنطوي على درجة عالية من التجريد ..
وبالرغم من ان اهمية الطبيعة للانسان تفوق اهمية السياسة مثلا ، إلا ان ارتفاع الكثافة الرمزية في التعاطي مع الطبيعة اعلى بكثير مما في السياسة، فتشكل الرمزية اعاقة للتعاطي في الدائرة الثانية ، وتنحسر مساهمة دائرة الطبيعة في العلاقات التداولية بين افراد المجتمع .
فنحن هنا بازاء علاقة تنحى منحى عكسي بين كثافة الرمز و سعة التواصل ، فكلما ارتفع منسوب كثافة الرمز تقلصت سعة التواصل بين الناس ، ويزداد هذا التقلص كلما اتجهت وسائل التعبير والافصاح نحو التجريد .
وبنحو متضاد ، نحن بازاء علاقة تنحى منحى طردي بين وعي الرمز و القدرة على التمثل ، فكلما ارتقى الوعي للرموز المجردة عن لغة الكلام الاعتيادي كلما كانت التفاعلات الانسانية بناءة وتترقى في بنائاتها ايجايبيا .
هل اصبنا ؟

%d مدونون معجبون بهذه: