مبادئ في التحليل البنيوي (2ـ2) التماثلات والمثال ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

الفصل الثاني ـ مبادئ في التحليل البنيوي
(2ـ2) التماثلات والمثال

فضاء اوروك ـ علم البنى ـ التماثل والمثال ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك ـ علم البنى ـ التماثل والمثال ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

من معيقات مسيرة البحث العلمي ، خاصة في مجال العلوم الانسانية ، اختلاط مناهج البحث برؤى فلسفية او ايدولوجية قبلية . فيحال العمل العلمي الى ساحة للنزاعات المذهبية يسوسها التعصب ، وهذا ليس من العلم بشئ . لقد انشغل المهتمون بالعلوم وفلسفتها ردحا من الزمن في الاجابة عن السؤال العقيم حول حقل معرفي معين : أهو علم أم فن ؟ متناسين بان أي حقل معرفي او علمي يستوعب منطقه العلمي وفنه ـ بمعنى جانبه التطبيقي ـ في آن واحد . ولقد كان لمثل هذا التساؤل اشباه رمت بقصد او بدون قصد الى تشتيت وحدة العقل بعزل مكوناته عن بعضها ، ومن ذلك : مذهب الثنائية الذي مثل الصورة المعكوسة من حيث الاتجاه لثنائيات : الفن والعلم ، المادة والروح ، الكم والنوع ، الرأسمالية والاشتراكية ،… فمذهب الثنائية اتجاه تحليلي يرمي الى الكشف عن مركبتين للاشياء التي يتناولها بالبحث وهذا ما أخذ به سوسور منهجا في محاضراته والتي يمكن وصفها بانها سلسلة من الثنائيات .. اذ منذ البدء يفصح سوسورعن رؤيته الثنائية للغة ويحذّر من السهو عن (الطبيعة الثنائية للغة) (5) . ولم يكن مبدأ الثنائية بمعنى تحليل الشئ الى مكونين إثنين ، سوسريا محضا ، بل سبقه الى ذلك هنري ديكارت عالم الرياضيات الشهير ، وتبعه في ذلك علماء وفلاسفة من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .. فلقد كان تمثيل نقطة كزوج مرتي مؤلف من مركبتين عمودية وافقية في المستوي الإحداثي اكتشافا رياضياتيا هاما يسجل لهنري ديكارت ، جرى تعميمه فيما بعد على العلوم والقضايا الاجتماعية حتى استقرت مكانته في الفلسفة ، فيما أنطلق إنطلاقته العلمية المعروفة في تحليل الدوال ضمن نسق علوم الرياضيات . وخلاصة ذلك ان أية نقطة ، وهي أثر في المستوي ، تتحدد بإحداثيين ، احدهما افقي يسمى المحور السيني ، والثاني عمودي يسمى المحور الصادي وذلك عبر قاعدة تقرن كل قيمة من المتغير المستقل Independent ـ محله المحور الافقي ـ قيمة مقابلة لها من المتغير المعتمد Dependent ـ محله المحور العمودي ـ وان هذه القاعدة ومع تعريف بمجالها من القيم الممكنة التي لمتغيرها المستقل تنتج ازواج مرتبة ،كل منها يكتب بالصورة ( س ، ص ) ويقابل نقطة في المستوي الديكارتي .
ان المتغير المستقل عادة رمز يسمى شاغل مكان في الجمل المفتوحة ، والجمل المفتوحة هي قاعدة منفتحة على جميع مجالها وتحقق كل قيم المجال ، وقيم المجال هي القيم الممكنة لشاغل المكان ( = المتغير المستقل ) . وصفة الاستقلال التي لهذا المتغير تعني انه يستمد قيمه من مكانته في قاعدة الاقتران ، فيما يعتمد المتغيرالمعتمد في انتاج قيمته على القيمة المقابلة له من قيم المتغير المستقل ، وفق قاعدة الاقترن ذاتها . فتكون لدينا مجموعتين من القيم المتقابلة : المجموعة الاولى هي قيم المتغير المستقل ( = المجال ) والمجموعة الثانية هي قيم المتغير المعتمد (= المجال المقابل ) .ويشكل التحليل الداليFunction مادة منهجية خصبة تتخذ من التقابل أساسا في نسقها .ولكن ليس بالمفهوم الذي درجت عليه الدراسات البنيوية لمفهوم التقابل.
يُعرّف المستوي بانه مجموعة غير منتهية ( =لانهاية لها ) من النقاط ، ونجد في تعريف الجرجاني ايضاحا للتعريف الرياضياتي الذي قدمناه للمستوي : ( السطح المستوي ، هو الذي تكون جميع اجزائه على السواء ، لايكون بعضها ارفع وبعضها اخفض ) (6 ). بمعنى سطحا أملسا ، ولو ابدل مفردة “ارفع “بمفردة “اعلى ” لاستقام المعنى على نحو دقيق. وكمثل للتقابلات الحادثة في المستوي ، الزوج المرتب ( 2 ، 7 ) ناتجا عن تقابل القيمتين المذكورتين في المستوي ذاته ،هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ان الزوج المرتب يمثل نقطة وحيدة في المستوي ، وتُمثـَّل ـ بطريقة التأشير ـ لهذه النقطة من تقابل وحدتين من المحور الافقي مع سبعة وحدات من المحور العمودي . وبنحو عكسي كل نقطة في المستوي يمكن تحليلها الى زوج مرتب ، مسقطه الاول ما يقتطعه من المحور الافقي ، ومسقطه الثاني ما يقتطعه من المحور العمودي .ويتم ذلك برسم المسقطين من النقطة عموديا على المحورين، وتتم قراءة المسافات على المحورين التي يفترض إنها مدرجة بوحدات متساوية. وهكذا أُستعملت هذه الفكرة لتعمم كما ذكرنا على قضايا اجتماعية وفلسفية واقتصادية وغيرهـا في مجال التحليل الثنائي .
( ولم تكن الثنائية بالنسبة لعلم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الواثق إلا درجة يرقاها نحو مزيد من المادية والميكانيكية المتطرفة )(7). ومن الجدير بالذكر، في مرحلة لاحقة من تطور الرياضيات امكن تحديد موضع نقطة في الفراغ بدلالة ثلاثة ابعاد ، وتدعى بالاحداثيات المتعامدة وصورة النقطة في الفراغ هي ( س ، ص ، ع ) ، الا ان هذا النظام لم يُقحم في الفلسفة والعلوم الاخرى كما أقحم النظام الثنائي للاحداثيات ، ربما لانه اتى في فترة نضج علمي اقصيت فيها الاستعارات المأخوذة من معطيات علمية في حقول اخرى ، ولكن الى حد ما ،بمكان ان تلك الاستعارات ظلت على أشدها في الدرس اللغوي الذي وصف بانه بنيوي .
ان اجراء تماثلات بين وقائع مختلفة من شأنه ان يلفق الكثير من الحقائق ويفرض تعمية على حقائق الموضوع الذي يخضع للبحث. الا ان التماثلات يمكن ان تخصب الخيال العلمي ولكن دون افراط في الذهاب معها الى آخر مدى . ففي الجزء الخامس من كتاب المقالات يمثل ديكارت العالم الحي وغير الحي بالآلة الوحش ، وهذه الصورة هي التي سيطرت على العلم وقتذاك وعملت بمثابة الاستعارة المجازية . واللافت هنا ان الآلة أُخذت نموذج للكائن الحي وليس العكس! بل ان ثمة من يقول :(لديك تكافؤ منطقي دقيق بين العائلة والخلية ، وهذه النتيجة مكتوبة في بنية البروتين الذي هو نفسه مكتوب في الحمض النووي د ن ا )(8) ربما هذا القول صائبا اذا ما اقصينا الحد الناطق للانسان ، وهو على أي حال لايكافئ الخلية او جزء منها الا في النمو البايلوجي لكن بهيئة دون هيئة ، ودرجة دون درجة ، وسياق دون سياق . لذا فان التكافؤ المزعوم انبنى على مفهوم حيوي للانسان لم يضارع الا حقيقة ان الانسان حيوان ، ولكن الانسان اكثر من ذلك كما اشرنا .
اننا نلتقي بنوع من التماثلات المستعارة في الدراسات البنيوية ، شكـّل اللسان السوسري نموذجها القياسي ، وهذه حالة فريدة لجهة شذوذها في مناهج البحث العلمي . اذ أتخذت الدراسات البنيوية في مجالاتها المختلفة من علم اللغة العام السوسري منهجا في البحث . واذا ما استبعدنا علم الادلة مؤقتا نجد ان علم الاناسة نظرالى القرابة وكأنها ظاهرة كلامية. اذ يوضح جان كوزينيه بانه (مهما كان التماثل دامغا بشكل مباشر بين الالسني وموقف عالم الانام ، سيكون مضللا رغم ذلك اذا اخذت القرابة بشئ من الحصر، فاركان القرابة : الاب ، الام، الابن، العم، العمة ،.. هي حقا كلمات من الانشاء . ولانها كذلك يمكن ان تتحمل تصورا ألسنيا كأن تنتمي الى قاموس معين وسياق صواتي معين ، وتدخل كأركان في تركيبات نحوية معطاة . فاذا طبقت على نظام التسمية القرابي ، الطرائقية التي نجحت في الالسنية ، فلن تفيدنا إذا بأكثر مما يمكن ان ننتظره من كل دراسة ألسنية .إنما يجب الانصراف الى نقل حقيقي الى اطار آخر : أي بالنظر الى اركان القرابة لا على كونها كلمات في قاموس ولكن كعناصر من نظام فرعي )(9) . اما في علم الادلة فان موضة الازياء وقائمة الطعام وانواع السيارات بوصفها اشياء دالة تأخذ حيزها الكامل في هذا النوع من التماثل مع الالسنية ، فهذه الاشياء هي من نوع النظام : لسان / كلام ، حسب رولان بارث (10).
ان العرض المختصر لما يتصل بالتماثل المزعوم ، يفيد بانه نوع من انواع الاسقاطات غير المحمودة والتي يعسرعليها انتاج تصورات او تقنيات علمية تدفع الحقل المعرفي او العلمي نحو الامام. لانها وببساطة ، محض احالات توفيقية بين موضوعين تكون فيها الغلبة لاحدهما على حساب الاخر. وان علاج هذه المعضلة يكمن في الاحتكام الى منهجية تستبعد المثلية من مسارها وتركز النظرعلى الموضوع لا على مقاربات موهومة . كان من الممكن للبنيويين ان يمسكوا بالمنهج الذي يمكن ان يستوعب كل هذه القطائع العلمية ما امكن استيعابه . واذا شاء الباحث ان يتخذ من المنهج البنيوي اسلوبا وطريقا لبحثه في دراسة موضوع ما فلا حاجة به للركون الى علم اللغة العام ، فهذا علم أُنتج بمنهجية ما ، اسميت فيما بعد بالبنيوية ، وله معطياته غير القابلة للتعميم في حقول معرفية اخرى . وإلاّ فإن العسف والتلفيق هو اقل ما يقع في حباله الباحث . ذلك ان البنية هي مقولة عامة ، نجدها في الاشياء ، فكل شئ يمكن استكشاف بنيته وعند ذاك يمكن تسمية العناصر المكونة له ومن ثم مراقبة العلاقات الداخلية والعلاقات الخارجية لهذه البنية وفقا لواقعها كماهي ،لا وفقا لواقع اللغة بما هي لغة. واذا كان التحليل السوسري للغة أنطلق من التقابل الشهير( اللسان / الكلام ) فان تحليل حكاية ما او نظام اسري ما او حالة سايكلوجية ما … سيفضي الى تحليل آخر ينبثق من تلك الاشياء لا من خارجها .. ان اتخاذ علم اللغة نموذجا يرقى الى المنهج ، قد أشاد ركاما غير نافع من التماثلات العقيمة وأفصح عن قصور فكري ، وركون الى التقليد ، وانعدام القدرة في استيعاب متطلبات المنهج البنيوي .وهذا السبب الاول والرئيس لموت البنيوية في الاوساط الثقافية والفلسفية . لقد شكل كتاب ليفي شتراوس ( البنى الاولية للقرابة ) عام 1947 النموذج الاول للتماثل الفج بين علم اللسان وعلم الاجتماع ، فيما شرْعَن كتّاب كثيرون بعده التماثل .ولا أعلم حقا قيمة الملاحظة المنقولة عنه والتي يرددها بعض الكتاب من أنه حذر من هذا المنزلق. ويمكن عد قلب الاقتراح السوسري القائل بـ ” أن اللغة جزءا من علم الادلة ” الى اعتبار “علم الادلة جزءا من علم اللغة (= علم اللسان )” وهذا ما تبناه رولان بارث ودافع عنه بقوة ، منطلقا للتماثل المفتعل بين علم اللسان وقطاعات أخرى .
والحق ان المنهج البنيوي قد أُستخدم استخداما فذا في علوم الرياضيات والفيزياء ـ وعلم النفس وعلم السياسة . ولم تكن علاقة المنهج البنيوي بهذه العلوم ، وغيرها ،علاقة موسمية كما هو الحال مع الدراسات الانسانية ، لفارق هام ، هو ان العلوم الطبيعية والصرفة لاتقبل في انساقها التأويل والتلفيق والتماثل والعسف ، لذلك ما تشيده اليوم لاتتنكر له غدا الا اذا ثبت بطلان الدعوى العلمية وهذا نادر الحدوث . ولهذا السبب مظهرا آخر هو ان العلوم الانسانية كما يشي تاريخها، لها التطور الافقي الذي يسرد تحولها من منهج او مدرسة الى اخرى وغالبا ما يتم التحول بانكار المنهج السابق والمدرسة السابقة ، في حين ان العلوم الطبيعية والصرفة لها التطور العمودي التراكمي ، وبناؤها متدرج ويستند الى المنجز السابق ولا يتنكــر له. ويرجع بعض المفكرين سبب هذه الظاهرة الى التجاذب بين المناهج الكمية والمناهج الكيفية في العلوم الانسانية ، ورغم تحفظنا على التسميتين ــ لان الكيف والكم مستوعبان في العلوم الاخرى كالرياضيات مثلا لا حصرا ـ فان العلم غير قابل للقسمة بين هذين المسارين .فالمنهج يتقرر في ضوء اشياء عديدة يندر ان تتكرر ، ولاينكر على العلم تبني التعددية المنهجية وصولا الى الحقيقة . والمهم في كل ذلك ان العلم يسعى الى الكشف عن كنه الاشياء وعلل الظواهر والوقائع، واشياء أُخر، ويضع كل ذلك في قواعد وقوانين تُثبت صحتها امبريقيا ونظريا .
ويفصح بعض المشتغلين في علم اللغة العام عن طموحهم في ان يكون علم اللغة ( بحثا كعلم الرياضيات ) (11) ، ما يعني سعيا جادا لبناء نسق علمي قوامه قواعد منهجية كلية ، تستغرق الظاهرة اللغوية أمميا . وهذا لايكون في تقديرنا إلا على صعيد منهجي ، أي في تبني منهجا ما، يستوعب الظاهرة اللغوية . ومع ذلك فان الامر يبدو عسيرا لاسباب من بينها الطابع القومي للغة ، بل ان اللغة لاوجود لها خارج واقعها القومي ، وان العناصر المشتركة بين اللغات المتعددة في افضل الاحوال ذات انماط شكلية ، تطيح بحيوية وغنى اللغة ، بل تقصي جانبها التنفيذي الذي هو الكلام ومن ثم تطيح به هو الآخر .
ان الحدس احد طرق البرهان كما في الرياضيات والمنطق وشيئا ما في الفلسفة وفي علوم اخرى . ( ففي الحياة اليومية ، وغالبا في العلم ، يفهم الحدس على انه توقع او تخمين يكون فوق المنطقي لطريقة او نتيجة تثبت صحتها فيما بعد بالدليل المنطقي الدقيق او التجربة ) (12 ) . وتشتد قوة الحدس عبر استعدادات عقلية ونفسية للباحث تتجذر بمعطيات ، هي وقائع ،حظها من الذاكرة الحفظ ، ومن العقل صورة عامة لماهيتها وارتباطاتها باشياء ووقائع أخر ، ( وفي تركيب ما يدركه العقل توجد حقائق يدركها العقل لا على اساس من دليل ولكن من خلال البصيرة البسيطة بالمحتوى المرئي فيها ) (3 1) .
ان عملية استنتاج قاعدة او قانون في العلم، تمر بمراحل عدة تبدأ بالملاحظة أو الفرضية ، ثم ، اهمها وآخرها اثبات صحتها نظريا وأمبريقيا .ومن ثم يجري استعمالها في الحقل العلمي . وللبرهان النظري اهميته الخاصة ولاغنى للقاعدة المستنتجة عنه . والبرهان يخبرنا بان هذه القاعدة صالحة في كل حالة تستوفي شروطها .. على ان ثمة نوع من القواعد تستقرأ من واقع نظام معين دون الحاجة الى برهنة صحتها كما هو الحال في النحو ، حيث ( ان النحو شكل سمعي ، وشهادته طباعية )(14) . ولكل علم من العلوم طرق تعاقدية في اثبات صحة قواعده وقوانينه ، وهي بصفة عامة تستند الى معطياته التي ثبتت صحتها . ويأتي المثال في مرحلة تالية على سن القاعدة ، وله وظيفة مزدوجة : فهو من جانب يُقـَدم كحالة تطبيقية للقاعدة وزيادة في إفهام مفهوم ما ( فالمثال : ما يأخذ من الحس ، وبه يقع التشبيه ، ففي كل محسوس ظل من المعقول ، فاذا ما وصل الأثرالى العقل تمت مفارقته . ذلك ان الحسيّات معابر للعقليات)( 15) ،( كما يضرب المثل للتعلل به )(16) . فالمثال اذن في هذه الحال هـو عملية تمثل حسي او ادراكي بفعل القيـاس ( فالتمثيل إثبات حكـم واحـد في جزئي لثبوته في جزئي آخر لمعنى مشترك بينهما . والفقهاء يسمونه قياسا ، والجزء الاول فرعا ، والثاني اصلا ، والمشثرك علة وجامعا )( 17) . ومن جانب آخر يستخدم المثال لدحض صحة نظرية او قاعدة او قانـون ما ، اذ يكفي الاتيـان بمثـال واحد فقط ، من الحقل الذي يشكل موضوع النظرية او القاعدة او القانون ، لايتفق مع ما عـُدّ قانونا او قاعدة فيدحضهما. ان العلم بما هو علم لايقبل الشاذ ، ولاموضع في العلم ايا كان حقله للقول الشائع ( لكل قاعدة استثناء ).
اردنا من هذه الملاحظات السريعة حول المثال وصلته بالتصور النظري ان نقول، لايكفي ان نأتي بمجموعة من الامثلة مهما كان عددها كبيرا لصياغة قاعدة او قانون، فهذا يسمى استقراء ناقص ، غير يقيني يقوم على تفحص قسم من الجزئيات فقط ، ومعناه انتقال الفكر الى حكم كلي يتناول الموضوع برمته . بمعنى الانتقال من معرفة جزئية الى كلية . وعكسه الاستقراء التام ، وهواستقراء يغطي كل جزئيات الموضوع ، بمعنى انتقال الفكر من الحكم الجزئي على كل فرد من افراد مجموعة البحث الى حكم كلي يتناول كل افراد المجموعة ، وصولا الى سن قاعدة او قانون.(فالقاعدة قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها )( 18)، و( القانون امر كلي منطبق على جميع جزئياته التي نتعرف احكامها منه ) (19) . والامر يبدو عسيرا في مجال العلوم الانسانية ومنها الدراسات البنيوية ، فان طريقة استنتاج واستقراء القواعد فيها هي اشبه بنظيرتها في النحو ، تتطلب الملاحظة الكلية للظاهرة اللغوية . اضافة الى ان المعطيات الممكنة في تلك الدراسات لاتقدم انماطا نظرية يمكن الركون اليها في البرهان . والخروج من هذا المشكل هو في تبني ادوات منهجية سبق وان تمت برهنتها .
يقدم سوسور ـ وكذلك يفعل الاخرون من مؤسسي الدراسات البنيوية ـ تصوراته التحليلية للغة معززة بامثلة ، فالمثال له حضور كثيف في محاضراته ، وظفها للإثبات لا للإفهام اجمالا. واذا ما نظرنا الى هذه الامثلة من زوايا مختلفة فانها في الغالب تصطدم بتلك التصورات ، ولايبقى عندنا عندئذ ، وفي احسن الاحوال ، سوى تصورات افتراضية قابلة للنسف او التعديل .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: