الخليفة عمر بن الخطاب ونهر النيل ـ دراسة في تحليل الاتصال ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارةبعث عمربن العاص الى الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطلب النصح والرأي في مسألة واجهته بداية توليته على مصر بعد فتحها ، وهي ان اهل   مصر قبل اسلامهم كانوا يقدمون قربانا الى نهر النيل في موسم معين من السنة يسمى يوم الصليب ، ليستمر جريانه ، والقربان فتاة باكر تُزيّن ويلبسونها اجمل الثياب ثم تلقى في النيل لتموت في قاعه ، وبلغ معتقدهم حدا راسخا فيهم الى درجة ايمانهم بأن هذا القربان يلقى “رضىً” من النيل ويكون ذلك سببا لاستمرار جريانه ، واذا لم يقدموا له القربان فأنه سيتوقف عن الجريان فيرفع عنهم اسباب ارزاقهم وحياتهم . ولما وصل خبر نيل مصر ومعتقد اهل مصر وما يزمعون الاقدام عليه كعادتهم الجارية قبل الاسلام الى الخليفة عمر بن الخطاب ، كتب الى عمر بن العاص رسالة عنونها الى نيل مصر ، واوصاه ان يقرأها على اهل مصر في يوم تقديم القربان عند اجتماعهم على ضفة النهر كعادتهم كل عام ، وان يلقي بالرسالة في النيل .
اما رسالة الخليفة فكانت :

( من امير المؤمنين عمر بن الخطاب الى نيل مصر اذا كنت تجري بأمرك فلا شأن لنا بك ، واذا كنت تجري باسم الله فاجرِ باسم الله ) !

هذا تمام الرسالة ..

كيف نفهم هذه الرسالة ، ووكيف نزن الاجرائين المذكورين ( قراءة الرسالة علنا ورميها في النهر ) بالارتباط مع : مضمون الرسالة ، والمُخاطب ؟
او بنحو آخر : كيف ندرك ابعاد المعالجة التي اعتمدها الخليفة لهذه المشكلة ذات الابعاد المفاهيمية والحركية والطقوسية ؟

ربما من يقرأ رسالة الخليفة التي بعث بها الى واليه في مصر لاتستوقفه ” الاهداف المركبة ” و” اسلوب التحويل العقيدي ” التي حققتهما الرسالة .. وربما يضع البعض  تفسيرات غيبية لها ، وليست حقيقية ، وغير ما كان يفكر به الخليفة .

لنتابع الحدث والرسالة ، من منطلق تحليل الخطاب بوصفه اداة الاتصال الرئيسة في هذا الحدث ومحوره المركزي ، وبالنظر الى اسلوب التحويل العقيدي الذي اعتمده الخليفة بحسن تدبّره الذي ادى الى اصابة الهدف بفاعلية يندر مثيلها .

ان الخليفة وعامله على مصر كلاهما انكر على  اهل مصر عادتهم المتقدمة الذكر ، وعدّاها ليست من الاسلام بشئ ، وبأنها عمل من اعمال الجاهلية . فعمد الخليفة الى تدبر المعالجة بضوء الحقائق البديهية ذات الصلة ، ومنها ان النهر ، أي نهر ، يجري وفقا لعوامل وقوانين الطبيعة ، ولايجري بأمره ،  وبأن تلك العوامل والقوانين هي من خلق الله تعالى ، وبذات الوقت ليس بمقدور الخليفة او غيره ان يغير مجرى النهر بالامر اللفظي او يحمله على الجريان بالامر اللفظي او يحبسه بالامر اللفظي .

سنكشف هنا عن جوانب المعالجة التي اعتمدها الخليفة في هذه الحركة التي نصنفها بأنها احد نماذج عملية التحويل العقيدي ، جرت دون الدخول في صراع فكري او جسدي مع الطرف الاخر ـ اهل مصر ـ ، الذي هو حديث عهد في الاسلام وله طقوسه ومعتقداته السابقة على زمن اعتناقه الاسلام .

لقد وجدنا ان هذه المعالجة ارتكزت على ركيزتين هما بنية عملية التحويل العقيدي في هذه المسألة .

الركيزة الاولى : تتعلق بالرسالة ، وتتفرع الى اثنين : المُخاطب ومضمون الرسالة .
الركيزة الثانية : تتعلق بالحركة (الاجراء) ، وتتفرع بدورها الى حركتين : قراءة الرسالة علنا ، والقاء الرسالة في نهر النيل .
ولنتابع الركيزتين مع تفرعاتهما ..

(اولا) الرسالة .
حيث طلب الخليفة من واليه على مصر قرائتها علنا ليسمعها اهل مصر وهم مجتمعون على ضفة النيل في يوم القاء القربان المسمى بيوم الصليب كما تقدم .

(أ) المُخاطب .
بديهي ان الخليفة لم يوافق اهل مصر على ما يعتقدون بأن نيلهم (يريد ) قربانا ، وانه (يمسك) عن الجريان اذا لم تتحقق له ارادته ، حيث ان جريانه من عدمه أمر منوط بالقوانين الطبيعية ، والعوامل البيئية ، وهذه كلها من خلق الله تعالى لايملك النهر فيها خيار ، وانما هي من جنس الاضطرار . فقد نظم الله تعالى الخلق والارض والسماوات وفق قوانين محددة ، ونظام انشأه وفقا لها . كما ان الخليفة  يعلم ان النهر لايسمع ، ولايعي ، ولايختار .. ومع كل ذلك ، بل وبالرغم من كل ذلك خاطب الخليفة الفاروق نيل مصر ، ووجه اليه خطابه ( من امير المؤمنين عمر بن الخطاب الى نيل مصر ) ! فلماذا ؟

هنا نلتقط جانبا من الركيزة الاولى من عملية التحويل العقيدي ..
فما دام اهل مصر ما زالوا يعتقدون بأن النهر (يجري باختياره ) و(يمسك عن الجريان باختياره ) و( يفيض باختياره ) ، فليكن اذن خطابه الى نيل مصر ، فهذا بحد ذاته مفتتح  يوفر الاستعداد الاولي للتحويل العقيدي لدى اهل مصر ،  وبهذا وضع الخليفة معتقد اهل مصر في اختبار يجرونه هم بأنفسهم وليس مفروضا من قبل طرف آخر من خارجهم .. وترتب على هذا تحقق خطوة اولى حاسمة ستمهد للتحويل العقيدي .

ونعتقد ان التغيرات العقيدية والقيمية اذا جاءت من الداخل تصبح جزءا من تجربة الوعي والادراك ، واذا فرضت من الخارج فأنها تظل مكونات لصيقة بالمجتمع وغير متفاعلة مع البنية العقلية والادراكية . وهذه احدى القواعد الهامة في البناء الحضاري والتغيير الايجابي البناء .
فإذن ان عنونة الرسالة الى نيل مصر عنوانا مشهودا ، محسوسا ، ولكنه في مراميه خطاب صادم  الى (عقول) اهل مصر .

(ب) مضمون الرسالة .

شكل مضمون الرسالة حركة انتقالية ثانية في عملية التحويل العقيدي ، واكمل طرفي تجربة اختبار صحة عقيدة اهل مصر، ووفقا لثنائية تقابلية تتخذ صورة ( النيل يريد ـ الله يريد) ، وهي تعادل ثنائية ما جاء بالرسالة ( اذا كنت تجري بأمرك ـ اذا كنت تجري بأمر الله ) . فمن هذا التقابل الذي اودعه الخليفة في عقول المجتمعين على ضفة النيل ، مثّل نقطة انطلاق المعالجة العقيدية في العقول ، لتستنتج بنفسها قناعة جديدة تتفق مع الايمان بالله الواحد الاحد ، خالق كل شئ ، ومدبر الاكوان ، …

واكاد اتخيل ما يعتمل في النفوس ، وما تدبره العقول ، عند سماع الرسالة كما يلي : ان النهر كأي شئ مادي ، جماد ، ليس له الخيار في الجريان او التوقف ، وانما الذي يسبب جريانه وتوقفه عن الجريان عوامل الطبيعية والقوانين الطبيعية .. وكلها من خلق الله تعالى . والمهم في هذا الجانب ان النهر ليس له ارادة الاختيار كما الانسان .

ان مضمون الرسالة استهدف افهام اهل مصر الحقائق العلمية كما اوجدها الله ، ونبذ الخرافة عنها ..

(ثانيا) الحركتان .

وهما قراءة الرسالة علنا ، ورميها في النيل ، وهما اجراءان حسيان ، مشهودان .

(أ) قراءة الرسالة علنا :

كانت وظيفة الحركة الاولى اختيار المثابة الفاعلة والصالحة لعملية التحويل العقيدي وجاءت بصورة  : الخليفة يخاطب نيل مصر . ونزعت هذه الحركة  فتيل الصراع العقيدي بين الخليفة والمسلمين الاوائل من جهة واهل مصر حديثي العهد بالاسلام ، بل وكانت هذه الحركة قد حققت نقل المسألة من طبيعتها الصراعية الى طبيعة اخرى وهي التعاون المشفوع بالاتكال على الله تعالى . ويمكن تصوير هذه الحركة على النحو التوافقي الاتي :

( الخليفة يخاطب نيل مصر ـ اهل مصر يخاطبون نيل مصر )
إلا ان الامر لم يكن متوقفا عند هذا التواطئ بين الخليفة واهل مصر ، بل تضمن بدلالة مضمون الرسالة الخيار بين ارادتين  :

  •  احداهما حقيقية وازلية هي ارادة الله تعالى ( واذا كنت تجري بأمر الله فاجر بأمر الله ) .
  • وثانيهما زائفة وهي ارادة النيل ( اذا كنت تجري بأمرك فلا شأن لنا بك ) .

وعلى هذا ان الثنائي المتوافق المتقدم الذكر قد اوجد حركة تحول لم تتضح معالهما كاملة بعد في مدركات اهل مصر ، وهي بالضبط التقابل المتناقض الاتي :

( الخليفة لاشأن له بارادة النيل ـ اهل مصر لهم شأن بارادة النيل ) .

فإن هاتين الثنائتين  ؛ المتوافقة  او المتواطئة في الاولى ، والمتناقضة في الثانية ، افرزتا تاليا ما ادخل الخليفة  عقول اهل مصر فيه ، ليعلموه بانفسهم ، ويعوه بانفسهم  ، بمعونة حواسهم ، وتدبرهم ، فاذا ما اكتشفوه فهو يكون كسبا عقيديا كسبوه بانفسهم واضحى جزءا اصيلا من معتقدهم ، لأنه كسبهم هم ، وليس مفروضا عليهم من خارج واقع تجربتهم بالتعسف والاكراه .. وان الخليفة  بتدبره وحنكته قد مكنهم من هذا التحول بارادتهم .

وعلى هذا ان هدف الثنائتين المتقدمتي الذكر ستؤول تاليا الى الثنائية التالية التي تمثل سقفا اعلى من عملية التحويل العقيدي ونقطة انعطافه الحادة :

( اهل مصر يؤمنون بالله تعالى ـ النيل مخلوق من مخلوقات الله تعالى وليس له خيار) .
ان المركبة الاولى (اهل مصر يؤمنون بالله) كانت معزولة عند اعتقاد اهل مصر بارادة النيل ، فاعادت رسالة الخليفة جذوتها في العقول والمدارك ، تمهيدا لوعي وادراك بما يلزم عنها وهو ان النيل لاارادة له .

(ب) القاء الرسالة في نيل مصر .

هذه الحركة مثلت آخر مؤونة للتواطئ بين الخليفة واهل مصر عندما خاطب النيل وليس اهل مصر ، وشكلت اختبارا لصحة  هذا التواطئ ، وعدم مصداقيته على الحقيقة ، وكأن لسان الخليفة الفاروق يخاطب بهذه الحركة العقول من طريق غير مباشر بالقول : راقبوا بانفسكم ما يحصل ؟
فلما كانت عادة اهل مصر ان (يلقوا ) بفتاة في النيل قربانا له ، فلابد ان يحل محل هذا الفعل فعل آخر يتساوق ويتفق مع فعل (الالقاء) في النهر ..، المطابق له في الهيئة وهو القاء شئ ما في النهر ، وهنا نأتي الى مطابقة فريدة من النوع التعويضي وفقا للثنائية الاتية :

( القاء رسالة الخليفة في النيل ـ القاء فتاة باكر في النيل)

هذه الثنائية اطبقت على كامل تجربة اختبار صحة المعتقد ، واوجدت سقفا اعلى ونهائي لعملية التحويل العقيدي . ولايخفى لما هذا الثنائي من ابعاد عقيدية واخرى عاطفية انسانية . اما الابعاد العقائدية فلقد ذكرناها ، والابعاد العاطفية والانسانية تمثلت في ما يأتي :

ـ ان المقارنة بين القاء رسالة الخليفة في النيل والقاء فتاة باكر لتموت في النيل ، حركة تمنح التأييد المطلق لحركة القاء الرسالة لدواعي انسانية صرفة ، حيث ان القاء فتاة باكر في النيل يستدر مشاعر الاستنكار والبغض والحزن والخوف والانسحاق تحت قوى الطبيعة .
ـ وبالمقارنة بين الحركتين (القاء رسالة الخليفة) ، و( القاء فتاة باكر) يطمئن النفوس الحائرة ، والعقول الضالة ، الى ان ما تم رميه ليس بشئ هين ، فالرسالة هي (رسالة الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب) ، وهي تعدل عند النفوس أمر مقرون بالخليفة بشخصه واثره المعنوي ومكانته الدينية ،  أميرا لمؤمنين وقائدا للدولة الاسلامية المترامية الاطراف .
فنتج عن كل ذلك :

( اهل مصر يؤمنون بالله خالق كل شئ ـ النيل لاخيار له ) .

             الخلاصة
يمكن تلخيص عملية التحويل العقيدي على نحو من الثنائيات التقابلية او التوافقية الاتية وفقا لتسلسل حدوثها كما بحثناها ، مرتبة حسب خطوات التحويل العقيدي المنجزة :
(1) التواطئ ـ توافق : ( الخليفة يخاطب نيل مصر ـ اهل مصر يخاطبون نيل مصر ) ، ( 0 ، 0)
(2) اشهار المشكلة ـ تقابل : ( النيل يريد ـ الله يريد) ، (0 ، 1)
ووجهها الاخر المعاكس : ( الخليفة لاشأن له بارادة النيل ـ اهل مصر لهم شأن بارادة النيل ) ،( 1 ،0)
(3) حفز الانتقالة في المفهوم والحركة : ( القاء رسالة الخليفة في النيل ـ القاء فتاة باكر في النيل) ، ( 1 ، 0)
(4) النتيجة ـ الحل : ( اهل مصر يؤمنون بالله تعالى ـ النيل مخلوق من مخلوقات الله تعالى وليس له خيار) ،(1 ،1)

معززا بالتواطئ الايجابي :
( اهل مصر يؤمنون بالله خالق كل شئ ـ النيل لاخيار له ) ، (1، 1)
هكذا نفهم الرسالة من حيث مضمونها وقرائتها علنا ورميها في النيل !

Advertisements

2 تعليقان

  1. من “البداية والنهاية” (7 /114-115)
    وهكذا رواه ابن عبد الحكم في “فتوح مصر” (ص165) واللالكائي في “شرح اعتقاد أهل السنة” (6/463) وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (44 /336) وأبو الشيخ في “العظمة” (4/1424) من طريق ابن لهيعة به .
    وهذا إسناد ضعيف لا يصح ، ولا يثبت بمثله هذا الخبر ، وابن لهيعة ، واسمه عبد الله بن لهيعة بن عقبة ، ضعيف كان قد اختلط ، وهو مع ذلك مدلس ، راجع “التهذيب” (5/327-331) ، “ميزان الاعتدال” (2/475-484)
    وقيس بن الحجاج صدوق من الطبقة السادسة عند الحافظ ابن حجر ، وهم الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة . انظر : “تقريب التهذيب” (1 /25) .
    وكان تارة يرويه مرسلا ، وتارة يرويه عمن حدثه ، ومن حدثه مجهول لا يعرف .
    فالخبر ضعيف لا يصح .

    Liked by 1 person

    • شكرا لتعليقك دكتور عثمان ، ولكن لم تذكر لنا الراوية الصحيحة ، وكنت اتمنى ان تبدي رأيك بتحليلنا .. مع الشكر

      Liked by 1 person

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: