مبادئ في التحليل البنيوي (4ـ2) مفاهيم تحليلية أولى ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

مبادئ في التحليل البنيوي (4ـ2) مفاهيم تحليلية أولى ـ عبد الرحمن كاظم زيارة
ان البنية مجموعة تتألف من عناصر منسجمة تحل في نظام تُرتبه قواعده، فيما ترتبط العناصرفي علاقة ثنائية داخلية (= مغلقة ). ان هذا التعريف ينطوي على اشياء :

* ان للبنية دعامة ، هي مجموعة العناصر ، فهي بهذا المعنى ليست خالية .كما ان عناصرها قابلة للتحديد على نحو واضح ، وليس من بين العناصر ما هو رئيسي ، وما هو ثانوي . ان اغفال عنصر ما او سحبه من الدعامة من شأنه الغاء البنية المعينة ، وربما يؤدي هذا العمل ، سواء على المستوى الامبريقي او على مستوى التصور الى بنية اخرى مختلفة تماما عن الاخرى .

◘ ان عناصر البنية تتصف في مجملها بـ (خاصة مشتركة) وهذا ما يجعلها منسجمة . الا ان انسجامها ينطوي على فسحة من التمايزالفردي لكل عنصر فيها عندما تنعقد المقارنة فيما بينها . وبالتالي فان كون العناصر متميزة يلزم عدم تكرار العنصر المعين بذاته عند الاحصاء والحصر .

◘ ان العلاقة الداخلية ، هي التي تمنح البنية محكها او هيئتها او كتلتها في الواقع الموضوعي . وتتصف بانها ثنائية لانها تنسج الرابطة بين كل عنصرين من عناصر دعامة البنية .

◘ اما صفة الاغلاق التي للعلاقة الداخلية فانها تعني ، وعلى وجه الدقة ان العلاقة الثنائية بين أي عنصرين من عناصر المجموعة ( الدعامة ) تنتج او تولّد عنصرا موجود اصلا في تلك المجموعة. ان صفة الاغلاق التي تتصف بها العلاقة الداخلية تحيلها الى صفة أخرى هي العلاقة المستقرة والتي تعني ان البنية تشكل نظاما ، والاستقرار من شأن النظام ، بمعنى يثبت وجود عناصر الدعامة ويمنع دخول عنصر من خارجها . إذن ان المفاهيم الثلاثة : العلاقة الداخلية ، العلاقة المغلقة ، العلاقة المستقرة ، هي مفاهيم مترادفة مستوعبة في العلاقة الثنائية للبنية . وهي فوق ذلك صفات محتملة للعلاقة الثنائية يكشف عنها التحليل إن وجدت بالفعل . .

◘ ان العلاقات داخل البنية ، تسمى قوانين التشكيل الداخلي ، وعلاقات البنية مع بنية او بنى اخرى تسمى قوانين التشكيل الخارجي . بمعنى ان العلاقة قابلة للتصنيف لا على صعيد خواصها وهي عاملة في البنية ، بل على صعد أخرى من بينها الصعيدين الداخلي والخارجي .

وبضوء ما تقدم من الممكن أعادة تعريف البنية على نحو مركز بأنها : مجموعة تحتوي على ثلاثة أشياء أولية :
1) دعامة البنية وهي مجموعة معينة من العناصر .
2) عملية ثنائية واحدة أو اكثر.
3) مجموعة مبادئ أو مسلمات .
واذا ما خضعت عملية التحليل الى هذه الشروط فسيكون لدينا تصور بنيوي عن ذلك الشئ ، وبعكسه فان خللا ما قد تسرب الى التحليل ، وليس عيبا في البنية .
ولابد من ملاحظة ان مفهوم البنية الذي قدمناه ربما يرمي الى إحالة البنى التي يجري اخضاعها للتحليل في مجالات مختلفة : ألسنية ، إجتماعية ، أدبية وغير ذلك الى درس رياضياتي محض دون اعارة ما يختص به مجال التحليل أو موضوعه الاهتمام الذي يستحقه. ففي البنى الرياضياتية لا نفرق كثيرا بين النظام والبنية ، اما في البنى الاخرى فالفرق بينهما يفرض نفسه بقوة بمكان يبدو فيه النظام شيئا مغايرا عن البنية، ويتواجد فيها في الوقت ذاته . وبمثل ذلك يصح القول بصدد الفرق بين النظام وقواعده . واذا كانت هذه الملاحظة تلفت الانتباه الى مشكلة في مفاهيم التحليل ، فأن الملاحظة بصدد صفة الاغلاق للعلاقة الداخلية الثنائية تفرض مشكلة منهجية من نوع آخر. لذا فأننا سنعد كل علاقة بين عناصر البنية ، ممكنة التعريف من خلال التحليل ، علاقة ثنائية لايشترط ان تكون مغلقة . وعندما نغض النظرعن صفة الاغلاق هذه فينبغي الاستمرار في التحليل لاستنباط المزيد من عناصر البنية وصولا الى وصف مقنن لها بضوء التعريف الذي قدمناه بما في ذلك صفة الاغلاق المذكورة .
إن صفة الاغلاق للعلاقة الداخلية تعني ، إن ما ينتج عنها من أشياء لابد أن تنتمي الى دعامة البنية ، وبمعنى مباشر إن ارتباط عنصرين بالعلاقة الداخلية يسفر عنه أحد عناصر البنية . وهذا يفرض بدوره المرحلة الاولى في التحليل وتتمثل بحصر للعناصرالتي تؤلف دعامة البنية بشكل محدد لا لبس فيه .
ان العنصر Element مفهوم اولي ، غير قابل للتعريف .شأنه في ذلك شأن المجموعة Set . فأي محاولة للتعريف ستتضمن كلمات رديفة ، جامعة إلا انها غير مانعة . ولكن العناصر العينية ، المشخصة لمجموعة معينة لابد ان تكون مُعرّفة حسيا أو على مستوى التصور وربما كليهما معا . فالمجموعة المؤلفة لأي موضوع يمكن النظر اليها بوصفها كائنا منظما ، مفهومه يختلف عن مفهوم العناصرالتي تكونه . ويمكن حصر العناصر احصائيا بطريقة سردها دون تكرار لأي منها وبغض النظرعن ترتيبها . كما يمكن حصرها بمجرد ذكر الخاصة المشتركة لعناصرها : كقولنا مجموعة حروف العلة دون ان نضطر لتدوين قائمة بها .
ان المشكلة الاولى التي واجهت سوسورهي مسألة تعيين عناصر اللغة (= وحدات علم اللغة بحسب تسميته). وظلت هذه المسألة معلقة حتى نهاية محاضراته دون أن يصل الى إجابة محددة عنها، ولقد ترك الامر هكذا دون تحديد وأنشغل بتقعيد جوانب علم اللغة العام بحسب منهجه الثنائي . إلاّ أن ثمة محاولات تعريفية على المستوى الجزئي نلتقيها عبرمسارين ظلا يلازمان المحاضرات تمثلت بالاقصاءات العديدة لأشياء عن اللغة، وتموضع اللغة وحضورها في الثنائيات التي مثلت قوام التحليل اللغوي . وثمة سعيا محمودا ميز فيه بين مفاهيم اربعة تشكل أعمدة المحاضرات ، هي : اللسان ، واللغة ، والكلام ، والدلالة . الا ان اللسان بقي عنده دون تمييز واضح .
وبقدر تعلق الامر بما نراه ، فان التحليل البنيوي ينصب على وحدات الموضوع والعلاقة الثنائية بين تلك الوحدات . ولايمكن الكشف عن هذه العلاقة مالم يُحدَّد مسبقا مستوي التحليل. ولنتخذ انموذجا تحليليا مبسطا ، نعده مدخلا حسـيـّا في التمهيد لما نراه مبادئ اولى في التحليل البنيوي …
ومثالنا هو : المفردة كـَتـَبَ ، هي بطبيعة الحال مجموعة قابلة للتحليل ، عند مستويات عدة من بينها :
ـــ بوصفها رمز كتابي ( صورة كتابية ) .
ـــ بوصفها فونيم ( صواتية ).
ـــ بوصفها فعل ( شخص ما كتب شيئا ما ).

ولنجرِ المحاولات التحليلية عند كل مستوي من هذه المستويات ..
ــ المستوي الاول : كتب ،بوصفها صورة كتابية ، فان عناصرها هي مجموعة الحروف { كَ ، تَ ، بَ } ، والعلاقة الثنائية هي علاقة نظم .
ــ المستوي الثاني : كتب ،بوصفها فونيم ، فان عناصرها هي المقاطع الصوتية
{ صوت كَ ، صوت تَ ، صوت بَ} ، والعلاقة هي علاقة تعاقب .
ــ المستوي الثالث : كتب ، فعل الكتابة ، فان عناصرها هي { فكرة ، كاتب ، ورقة ، قلم }
والعلاقة هي علاقة تدوين . فالفكرة تُدوّن والكاتب يقوم بفعل التدوين ، والقلم وسيلة التدوين والورقة محل المُدون ووسيلة ثانية . ويمكن التعبير عن وسائل التدوين بعناصر اخرى.
بهذا العمل تم تحليل ( كتب ) طبقا لمستوياتها ، بصفتها بنية .

تستبعد عملية التحليل البنيوي أثر المقولتين : التجزئة والتشطير ، فانهما قد يسفران عن الشئ نفسه . فنصف التفاحة ( الشئ ) يبقى تفاحة من وجهة نظر بنيوية بسبب احتمال بقاء المكونات الاولية للتفاحة في كل نصف حيث ان فعل التجزئة او التشطير قد لايعزل تلك المكونات على نحو تظهر فيه الاجزاء متمايزة المكونات او العناصر . ولكن تحليل الشئ الذي اسمه تفاحة يسفرعنه تعيين لعناصرها :
{ اللب ، البذور ، القشرة الخارجية ، الغصين ، غلاف البذور } .
ومن جانب آخر يظهر لدينا بالضرورة مفهوم المجموعة الجزئية ، وهي مجموعة بحد ذاتها ايضا ، لها ما للمجموعة من خواص عامة. الا انها مأخوذة من مجموعة تدعى المجموعة الشاملة بحيث ان عناصرها معرفة تعريفا جيدا . فكل عنصر من المجموعة يعد مجموعة جزئية منها وكل عنصرين، ثلاثة عناصر ، … المجموعة باكملها ، تعد كلها مجموعات جزئية من المجموعة الشاملة . اضف اليها ما تسمى بالمجموعة الخالية : هي مجموعة لكنها لاتحوي عنصرا البتة .
بقي ان نذكر ان لفظتي ( العلاقة Relation) و ( العملية Opration ) يدلان على مفهوم واحد من الناحية التجريدية ، الا انهما مختلفان تجريبيا . ولو شئنا الدقة فان العملية هي فعل العلاقة. والعلاقة بوجه عام قبل ان تكون علاقة هي عملية . فالعملية هي المفهوم البدئي للعلاقة .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: