إِشَارَاتٌ عَلَى مَقَالَةِ البَاحِثِ العراقيّ عبد الرّحمان زيارة، اُلْمَوْسُومَةِ ب”نقد المنطق التّقليديّ” إشارات لطفي خيرالله

إِشَارَاتٌ عَلَى مَقَالَةِ البَاحِثِ العراقيّ عبد الرّحمان زيارة، اُلْمَوْسُومَةِ ب”نقد المنطق التّقليديّ”
إشارات لطفي خيرالله

مقدمة المحرر : سبق للكاتب عبد الرحمن كاظم زيارة ان اصدر دراسته الموسومة (في نقد المنطق التقليدي) ونشرها في موقعه الفرعي في موقع الحوار المتمدن ، ولقد وضع الكاتب لطفي خير الله ملاحظاته حول هذه الدراسة ونشرها في متصفح الجوجل وفي موقعه الشخصي ، وارتأت ادارة موقع فضاء اوروك نشرها هنا كاملة . ومن الجدير ملاحظته ان كاتب دراسة ( في نقد المنطق التقليدي)قد اعاد صياغة ملاحظاته النقدية للمنطق التقليدي ونشرها في هذا الموقع[1] ، بنسخة مهذبة عن سابقتها . وللمقارنة بين اشارات لطفي خير الله وما كتبه الكاتب المذكور يرجى مراجعة النسختين في موقع الحوار المتمدن وهذا الموقع . اعتمد الكاتب لطفي خير الله اسلوب لعرض اشاراته بكتابة المتن وهو قول عبد الرحمن كاظم زيارة ثم يتبعه باشاراته؛ ملاحظا ومنتقدا ومصوبا. وقوله ” قال ” اشارة الى كاتب دراسة في نقد المنطق التقليدي .

بسم الله الرّحمن الرّحيملطفي خير الله
ولا قوّة إلاّ به
كَلِمَةُ اٌلْمُشِيرِ
كان الأخ، اُلبَاحِثَ العراقيّ عَبْدَ الرّحمان زيارة، قد دَفَعَ إلينا من زمن غير بعيد بمَقَالَةٍ له كريمة وَسَمَهَا بنقد المنطق التّقليدي، سائلا إيّاي أن أَقُولَ فيها بشيء. فَانْبَعَثْتُ بَعْدَ قِرَاءَتِي لَهَا مَلِيًّا أَضَعُ عليها إشارات، وقد حَدَّثْتُ أَمَّارَتِي بأن أجعلها يسيرة خفيفة؛ لكن هذه الإشارات مَا لَبِثَتْ أن اسْتَرْسَلَتْ وَطَالَتْ حتّى صارت في سِعَةِ كِتَابٍ كَامِلٍ. ولِفَائِدَتِهَا الجَمَّةِ لا محالة، فقد رَجَحَ عندي بأن أضعها على موقعنا حتّى يَسْتَنْفِعَ بِهَا كلّ قارئ نَبِيهٍ.
لطفي خيرالله

التَّصْدِيرُ

اُلْمَتْنُ
“في دراستنا الاخيرة للمنطق والتي وضعناها في كتابنا الجديد” مبادئ المنطق الموحد” وجدنا ان الناحية اللغوية مسؤولة عن الكثير من السقطات العلمية في المنطق التّقليدي . فاللّغة هي الوعاء للفكر، والتفكير يستند الى الوعي ، ولا يكون الوعي صائبا مالم تكن اللغة غنية غنىً كافيا لاستيعاب كل فكرة ،ومفهوم ، ومصداق .. وان يكون بناؤها بناءا منطقيا . ان المنطق الرياضياتي حيّد الناحية اللغوية باعتماده الرمز بديلا عن المفردة اللغوية ،ولهذا التحييد خطورته بمكان اصبح المنطق مُنتجا في معظم نواحي الحياة ومنها التطبيقات التكنولوجية والكهربائية والهندسية والخطابية. ولابد من الاشارة هنا الى ان مصادر المنطق التقليدي ،وهو المنطق الارسطي كما هو معروف ، نقل الى العربية من قبل اناس ليسوا عرب في الغالب ، فكانت ترجمتهم لاتخلو من اعتلال منطقي وهو نتيجة طبيعية لسطوة اللسان الاعجمي على تفكيرهم وهم يترجمون ارسطو . ومعروف ان بين اللغة العربية والمنطق مشابهة ومناسبة بحيث لايمكن لاحدهما ان ينفك عن الآخر .. وسنترك الكلام في العلاقة بين اللغة والمنطق الى مساهمة مستقلة في وقت آخر .. ولنشرع بملاحظاتنا النقدية للمنطق التقليدي.وسوف لن أشير الى مصادر الامثلة والمقولات في عرض الملاحظات النقدية لسبب بسيط ،هو ان الغالبية العظمى لكتب المنطق التقليدي هي نسخ متكررة لكتاب واحد ، ويصل التناص بينها الى حد جملة القاعدة والمثل ،فكلها ترد بالالفاظ ذاتها، فلاتجد كتابين مختلفين الا في التوسع والاختصار . ومن جانبنا فأننا سنعتمد الامثلة ذاتها الشائعة في المنطق التقليدي لا لصعوبة الاتيان بامثلة مغايرة ومن البناءات المنطقية ذاتها ولكن لأن هذه الدراسة بشكل ما هي خطاب لـ ” أساتذة وتلاميذ ” المنطق التقليدي معا، إذ اعتادوا الأمثلة إيّاها.” عبد الرّحمن كاظم زيارة
***
الإشارات
1) قال: [مسؤولة] أقول: عبارة مولّدة ثقيلة، فالأفصح أن تقول: “وجدنا أنّ الكثير من السّقطات العلميّة في المنطق التّقليديّ سببها اللّغة”
2) قال: [التّقليديّ] أقول: “التّقليديّ” هي ترجمة بالمعنى الحقيقيّ للعبارة الفرنسيّة Traditionnel، أو الأنجليزيّةTraditional . وهو غير المعنى المقصود فيهما إذا اسْتُعْمِلَتْ في مثل هذا الموضع. بل إنّها تُسْتَعْمَلُ هنالك لِيُدَلَّ بها على كون الشّيء أمره أمرا قديما. إذًا، فالأصحّ أن نقول هاهنا “المنطق القديم”.
3) قال: [فاللّغة هي الوعاء للفكر، والتّفكير يستند إلى الوعي] أقول: أي أنّ اللّغة هي تُرْجُمَانُ الفكر، والفكر فِعْلٌ في الذّهن. يقول الأخطل:
إِنَّ الكَلاَمَ لَفِي الفُؤَادِ وإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الفُؤَادِ دَلِيلاً
4) قال: [فكرة، ومفهوم، ومصداق] أقول: الفكرة هي حركة الذّهن بين المعاني، والمفهوم هو المعنى الواحد كمعنى الإنسان وهذا يوجد في الذّهن، والماصدق، فهو مُتَعَلَّقُ المفهوم في الخارج، أو ما يصدق عليه المفهوم ويكون ذا وجود خارجيّ، كزيد الّذي يعيش الآن في الكوفة، فهو أحد الأفراد الموجودة الّتي يصدق عليها معنى الإنسان.
5) قال: [المنطق الرّياضياتيّ] أقول: وهذه قد يُفْهَمُ منها معنيان: إمّا نفس المنطق وقد صُيِّرَ رياضيّا، أو نفس الرّياضيّات وقد صُيِّرَتْ منطقا.
6) قال: [حيّد النّاحية اللّغويّة باعتماده الرّمز بديلا عن المفردة اللّغويّة] أقول: المنطق لَمَّا كان علما بأحكام المعقولات الثّانية، وجريان الفكر بين المعاني من حيث هي معان، لا من حيث هي معنى مُعَيَّنٌ، ككونها معنى طبيعيّا، أو فلكيّا، أو هندسيّا، فَلاَجَرَمَ أنّ استعمال الألفاظ الدّالة من أسماء وكلمات فيه، أي في المنطق، قد يُوصِلُ إلى نتائج يكون لِمَادَّةِ الألفاظ تأثير فيها، أو قد يُبْقِي الذّهن مُتَشَكِّكًا بأنّ ما لَزِمَ من حُكْمٍ ليس أصله نفس الحركة بِمُجَرَّدِهَا، فَيَكُونَ حُكْمًا منطقيّا خالصا، بل المادّة الّتي جرت بينها الحركة. لِذَلِكَ فإنّ استعمال الرّمز اُلْمُنْفَصِلِ بِأَصْلِ وَضْعِهِ عن أن يَدُلَّ على أيّ جنس من الأجناس، فقد وَقَّانَا كلّ هذه المحاذير وغَيْرِهَا، وأفاد علم المنطق فائدة جمّة.
7) قال: [ومعروف أنّ بين اللّغة العربيّة والمنطق مشابهة ومناسبة بحيث لا يمكن لأحدهما أن ينفكّ عن الآخر] أقول: قد يكون اُلْمُرَادُ من عدم انفكاكهما، لا في الحقيقة، بل عند المُتَعَلِّمِ، على معنى أنّ الطّالب العربيّ لِمَعْرِفَةِ علم المنطق فلا بدّ له من معرفة اللّغة العربيّة، والمتعلّم للّغة العربيّة، أي لِعُلُومِهَا، لا هي نفسها، فلا بدّ من أن يعرف شيئا من المنطق.
8) قال: [إيّاها] أقول: الأفصح أن تقول: “عين الأمثلة.”

ــــــــ

كَمُّ القَضَايَا

اُلْمَتْنُ
“يُعرّف “كم القضيّة ” بأنّه عدد أفراد الموضوع وينقسم إلى : كم كلي ، وكمّ جزئيّ . فالكمّ الكلّي يعبّر عنه بألفاظ مثل : كلّ ، جميع ، … أمّا الكمّ الجزئيّ فيعبّرعنه بلفظة” بعض ” في الأغلب لتعني الواحد. وهذا أمر مسلّم به بقدر تعلّق الامر بألفاظ الكم ؛ الكلي والجزئي .نحو ( كل إنسان حيوان ) قضية كلية ، و( بعض المعدن ذهب ) قضية جزئية . ويتداخل كم القضية تداخلا مشوشا مع مفهومين آخرين هما : الكلّي، والجزئيّ . فالمفهوم الكلي له أكثر من مصداق، أما المفهوم الجزئيّ فليس له أكثر من مصداق. والمصداق هو الموجود خارج ذهن الإنسان. ومصدر التّشويش هو في مفهوم الجزئيّ الاضافي الّذي يقع بين المفهوم الكلي والمفهوم الجزئيّ . فالمفهوم الجزئيّ يمثل تلفيقا لتبديد الحيرة بين اعتبار مفهوم ما جزئيا بالنسبة إلى مفهوم كلّيّ فوقه، واعتباره مفهوما جزئيّا إضافيّا بالنّسبة إلى مفهوم جزئيّ أدنى منه. ولانريد هنا إيراد الدّفوعات التي يقدّمها مروّجو المنطق التقليدي بالتمسّك بهذه المفاهيم وكأنّها مقدسّة، لأنها غير نافعة وغير منتجة أيضا . فليس من التّبرير العلميّ القول إنّ ” القلم ” مفهوم جزئيّ تارة، ومفهوم كليّ تارة أخرى، ففي التارة الأخرى هو جزئي إضافي. وما دمنا نتكلم عن أفراد الموضوع في القضية، فأنّنا ببساطة يمكن أن ننحي جانبا المفهوم الكلّيّ والمفهوم الجزئيّ ونركّز اهتمامنا على انتماء الموضوع للمحمول. فالقضيّة تكون صادقة إذا كان الموضوع ينتمي إلى المحمول. بمعنى أنّ الموضوع عنصرا في المحمول، وبهذا يكون المحمول المجموعة الكليّة (= الشّاملة ) بالنّسبة للموضوع. مثلا لدينا مجموعة المعادن التّالية : الذهب، الفضة، الحديد، الالمنيوم .فهذه عناصر (=أفراد) تنتمي الى المحمول الّذي هو ” المعدن” والمعدن هو المجموعة الكليّة . فنقول : الذّهب معدن. الحديد معدن . وهكذا. كما يمكن أن يكون الموضوع ” مجموعة جزئيّة ” من المحمول. بمعنى أنّ المجموعة الجزئيّة مُحْتَوَاةٌ في المحمول، كقولنا( الذهب والفضة معادن ). وبطريقة أوضح لو صنّفنا المعادن إلى : فلزات ولافلزات وسردنا عناصر كل صنف، فنضع الفلزات في هيئة مجموعة بسرد عناصرها ونقول عنها إنّها معادن، بمعنى إنها محتواة في المعادن، وبكلمات أخرى نقول إنّها مجموعة جزئيّة من المعادن
ويظهر الاعتلال المنطقيّ لـ “كم” القضايا في المنطق التقليدي عند القضايا السّالبة على نحو أكثر جلاء… حيث تقسّم القضايا باعتبار ” كيف” القضيّة الى موجبة وسالبة. فالموجبة ماكان محمولها يثبت لموضوعها، وفي السّالبة يرتفع هذا الثّبوت. وتعرّف القضيّة السّالبة بأنّها مسلوبة الحمل وتكتب عادة مثلا على النحو (الإنسان ليس بنبات). ونحن نقبل تعريف القضيّة السّالبة على أنّها “سلب الحمل” كما ترد في كتب المنطق التّقليديّ، لأنّها تتفق مع اللسان العربي تماما، كما تتفق مع الترميزات إذا أردنا اعتماد الرّموز في تصنيف أنواع القضايا، وهو بشكل ما يتفق مع الصّيغ الرّياضياتيّة المعتمدة في المنطق الرّياضياتي. ولكن التّعبير عن القضايا السّالبة المُكمّمة في الأمثلة على القضايا في المنطق التقليدي فيه تنكر ونكوص عن تعريف القضية السّالبة. فالتّعريف إيّاه تجده عند عرض حيثيّات ونواحي القضيّة الحملية. ولكن عندما يعبّرون عن القضية الكلية السّالبة، مثلا، فيضعون أداة السّلب أمام ” كم القضيّة ” وليس أمام المحمول كما هو في الحمليّة. ويضربون مثلا شائعا عندهم وهو ( لاشئ من الإنسان بنبات) حيث يعتبرون اللّفظ ” لاشيء” دالاّ على القضيّة السّالبة الكلية، وهذا خطأ فادح للأسباب التّالية : ـ إنّ شيئا يشير الى المفرد وهو ليس بكلّي باعتبار الكم (=السّور). ـ إنّ السّلب لم يقع على المحمول وهذا يخالف تعريف القضيّة السالبة. إنّ الصّيغة الصحيحة للقضيّة الكليّة السّالبة يجب أن تكون ( كل إنسان ليس بنبات ) فهذه كليّة سالبة، لسلب محمولها عن موضوعها: سلب النّبات عن الإنسان، أي أنهما متباينان لاعلاقة انتماء بينهما أو لا علاقة احتواء بينهما، أو لاعلاقة انتماء بعض دون بعض بينهما. ولحلّ هذا المشكل نقول إنّ سلب القضيّة يتطلّب بالواجب سلب الحمل، ما يعني وجود أداة السلب أمام المحمول، فإذا أردنا تحويل القضيّة الكلية الموجبة (كلّ إنسان حيّ) إلى قضيّة سالبة فهذا يعني وجود العبارة ( … ليس بحيّ ) وهذا السّلب يتطلّب تغيير الكمّ فتكون القضيّة ( ليس بعض الإنسان ليس حيّ) بمعنى لايوجد إنسان ولو واحد له هذه الصفة : لاحيّ. وهي قضيّة سالبة جزئية: سالبة لأنّ وضع أداة السّلب ” ليس”، كان أمام المحمول. وهي جزئيّة لأنّ ” بعض” لفظ يدل على الكمّ الجزئيّ. مع ملاحظة امكانية كتابة القضية السّالبة ولأسباب لغوية على النحو (ليس بعض الإنسان بلاحي ). ولندع الآن الفرق بين ( ليس حي ) التي تشير إلى القضيّة السّالبة و ( لاحيّ) التي تشير الى القضية المعدولةالمحمول الى مطالعة أخرى من هذه الملاحظات. لنعد إلى القضيّة ( لاشيء من الإنسان بنبات) .. التي يعدّها مروّجو المنطق التّقليديّ بأنّها وما كانت على شاكلتها كليّة سالبة ونسأل عن أصل القضية، وأصلها يجب أن يكون صائبا وهي ( كل إنسان ليس بنبات) فكيف يكون سلبها ؟ يكون (بعض الإنسان نبات) وهي خاطئة .وإذا كان الأصل هو (كل إنسان نبات ) فهي خاطئة فسلبها يعيدها إلى الصّواب لتكون (بعض الإنسان ليس بنبات). ومن هذه المفارقات يظهر لنا الاعتلال المنطقي لهذا المثال وسواه من الأمثلة المماثلة، والتي:ـ تنقلب على تعريف القضية السالبة. ـ تفتعل نسبة بين الموضوع والمحمول ليس لها وجود، فتسلبها. ونجد أنّ قواعد القياس التي ترد في كتب المنطق التقليدي تقوم في معظمها على هذا الاعتلال، لذا لايمكن تقبّلها دون تهذيب. ودون الخوض في أحكام مسبّقة على التجربة لنكتب أمثلة حسية لتمهد إلى الأحكام والقواعد ذات الصّلة بسلب القضايا المكمّمة: ـ (كل إنسان حيوان) كليّة موجبة. ـ (كل إنسان ليس بجماد) كلية سالبة. _ (بعض الغزال حيوان) جزئيّة موجبة. ـ (بعض الغزال ليس بطائر) جزئيّة سالبة . لذلك إنّ الصّياغة الصّائبة للقضيّة (لاشيء من الإنسان بنبات) نكتبها بالصّورة (بعض الإنسان ليس بنبات) فهي ليست إلا ّ جزئية سالبة. ولكن القضيّة ( لاشيء من الإنسان بنبات ) قضية صائبة فكيف يجري تصنيفها باعتبار الكيف والكم؟ سنجيب عن هذا السؤال باختصار وكالتالي : إنّ القضيّة المذكورة “منفيّة”، ونفي المسوّرات له قواعد ومبرهنات أثبتناها في كتابنا المذكور، فالقضيّة إيّاها في صيغتها المذكورة هي ” لحظة ” صيرورة لابدّ أن تؤول إلى صيغة مستقرة. فثمة فرق كبير بين سلب القضيّة المكمّمة ونفيها. فالسلب، هو سلب الحمل. أمّا النّفي فهو نقض القضية ككلّ، فبه ينقلب السّور إلى سور آخر، ويسلب المحمول أو يُعْدَل.وتفصيل ذلك في المطالعة التّالية.”
عبد الرّحمن كاظم زيارة
الإشارات
1) قال: [بأنّه عدد أفراد الموضوع] أقول: وهو الموضوع المحمول عليه الحكم في القضيّة الخبريّة المحتملة للصّدق والكذب. وقد يُقَالُ عليه أيضا المُسْنَدُ إليه. وقوله “عدد أفراد الموضوع” لا يريد به حساب أفراد الموضوع أو إحصاءها، بل أَيُقَالُ المحمول على كلّ أفراده، أم على جزء من أفراده فقط؟
2) قال: [كمّ كلي] أقول: إذا كان المحمول يُحْمَلُ على كلّ أفراد الموضوع ولا يُسْتَثْنَى منها أحد.
3) قال: [وكمّ جزئيّ] أقول: وذلك إذا كان الحكم، وهو إمّا نسبة المحمول إلى أفراد الموضوع، أو رفع عين النّسبة عنها، يُقَالُ على بعض أفراد الموضوع، وهو المتقرّر عندنا، مع عدم المنع من أن يكون سائر أفراد الموضوع كلّها قد يُقَالُ عليها أيضا عين الحكم، أو أنّه يوجد بقيّة من أفراد الموضوع لا يقال عليها الحكم أصلا، وحينئذ فهذه الجزئيّة تُسَمَّى حقيقيّة.
4) قال: [الأغلب لتعني الواحد] أقول: أي أنّ لفظة “بعض” المُقْتَرِنَةِ بالموضوع لِتَدُلَّ على أنّ الكمّ جزئيّ، هي في قوّة أن تَدُلَّ على أنّه يوجد في الأقلّ فرد واحد من أفراد الموضوع ممّا يثبت له الحكم في القضيّة، لا بمعنى أنّ “بعض” لا تدلّ ابْتِدَاءً إلاّ على الواحد.
5) قال: [قضية كلية] أقول: قضيّة كليّة موجبة، ولفظة “كلّ” تسمّى سورا كليّا.
6) قال: [قضية جزئيّة] أقول: قضيّة جزئيّة موجبة، ولفظة “بعض” تسمّى سورا جزئيّا.
7) قال: [فالمفهوم الكلّي له أكثر من مصداق، أما المفهوم الجزئيّ فليس له أكثر من مصداق] أقول: أي أنّ المفهوم الكلّيّ هو معنى في الذّهن خَاصَّتُهُ أنّه ما يَدُلُّ عليه في الخارج من أفراد قد يكونون كثيرين، لا كثيرين بالفعل؛ أمّا الجزئيّ فهو معنى في الذّهن لا يدلّ في الخارج إلاّ على فرد واحد، لاَ لأنّه لا يوجد في الخارج إلاّ فرد واحد، بل لأنّ نفس معناه يَمْنَعُ أن يدلّ على شيء آخر غيره.
8) قال: [والمصداق هو الموجود خارج ذهن الإنسان] أقول: لو توخّينا دقيق العبارة، فالواجب أن نقول: “والمصداق هو ما من شأنه أن يوجد خارج الذّهن، أو ما يمكنه أن يوجد خارج الذّهن”. إذ أنّ نفس الأفراد الممكنة الوجود، والّتي لم توجد بعد، فيمكن عَدُّهَا من مصاديق المفهوم.
9) قال: [ومصدر التّشويش هو في مفهوم الجزئيّ الإضافي الّذي يقع بين المفهوم الكلّي والمفهوم الجزئيّ] أقول: فالكلّيّ لا يكون إلاّ حقيقيّا، والجزئيّ قد يكون حقيقيّا، وقد يكون إضافيّا. والشّيء إذا لم تلحقه الصّفة بالذّات، بل بالقياس إلى غيره سُمِّيَ موصوفا به بالإضافة. لذلك فالجزئيّ الحقيقيّ هو ما قلنا في حدّه: “إنّه ما يدلّ ابتداء على الشّخص الواحد، ويمنع نفس معناه من أن يدلّ على غيره”، كاسم العَلَمِ “زيد”، فهو لا يدلّ إلاّ على زيد المُعَيَّنِ، من حيث هو لفظ إنّما قد وُضِعَ لِيَدُلَّ على ذلك الشّخص. ولكن قد يُسَمَّى المعنى جزئيّا، وهو كلّيّا في طبيعته. ولكن هذه التّسمية لا تلحقه بالذّات، بل بالقياس إلى معنى آخر يكون أعمّ منه ويشتمل عليه كاشتمال الجنس الأعلى على الأنواع الّتي تحته؛ مثلا جنس الحيوان هو كلّيّ يشتمل على أنواع كثيرة، أي الفرس، والكلب، والأسد، فهلمّ جرّا. وهذه الأنواع هي معان كلّية حقيقيّة، وتُقَالُ كلّيّات بالقياس إلى الأفراد الدّاخلة تحتها، ولكن قد تُسَمَّى جزئيّات بالقياس إلى الجنس المشتمل عليها، أي هي أجزاء ذلك الجنس.
10) قال: [يمثّل] أقول: عبارة ثقيلة أعجميّة المعنى؛ فَلِتَقُلْ: “فالمفهوم الجزئيّ إنّما هو تلفيق…”
11) قال: [جزئيّا إضافيّا بالنّسبة إلى مفهوم جزئيّ أدنى منه] أقول: المفهوم إذا قِيسَ إلى ما تحته، أي فيما قد يصدق عليه، فإمّا أن تكون أفرادا، فحينئذ فهو كليّ لا محالة، ولا يصحّ أن يُنْعَتَ بالجزئيّ، أو يكون كليّا أيضا، فأحرى ألاّ يوصف بكونه جزئيّا. وفي كلّ الأحوال فالمفهوم لا يوصف بالجزئيّة بالإضافة إلى مفهوم آخر أدنى منه. بل الجزئيّ الحقيقيّ هو مفهوم لا بالإضافة لِمَفْهُومٍ أدنى منه، بل هو مفهوم يدلّ على شخص في الخارج، ونفس تصوّره إنّما يمنع وقوع الشّركة فيه.
12) قال: [مروّجو] أقول: عبارة صحفيّة نَابِيَةٌ لا تليق بهذا الجنس من المباحث، ولك أن تستبدلها مثلا بعبارة: “أشياع”، أو “أنصار”.
13) قال: [المنطق التقليدي بالتمسّك بهذه المفاهيم وكأنّها مقدسّة، لأنها غير نافعة وغير منتجة أيضا] أقول: ليس يُمْكِنُنِي أن أجزم أنّ انكباب من انكبّ على مثل تلكم المعاني قد كان باعثه فقط التخشّب الذّهنيّ، أو الكسل العقليّ. ثمّ إنّ القطع بعدم نفعها ولا إنتاجها، فَبِالقِيَاسِ إلى أيّ شيء؟ إذ ليس بالواجب ما كان قد تَجَدَّدَ من وَضْعٍ لِأَغْرَاضِ المنطق وغاياته، أو ما كان قد تجدّد من وضع لأغراض الرّياضيات وغاياتها، في العصور الحديثة، فَيُتَبَيَّنُ قصور المنطق القديم أو الرّياضيّات القديمة عنها، قلت ليس بالواجب أن يكون ذلك دليلا مطلقا على أنّ ذلكم المنطق غير نافع، أو تلكم الرّياضيات هي غير نافعة. إذ قد تكون غايات القدامى هي غير غايات اُلْمُحْدَثِينِ، وقد يكون القدامى لو نظروا إلى علومنا اليوم، وفرحنا بها، لاستهزأوا بنا، واستدركوا علينا بقولهم: “صحيح أنّكم بابتكراكم ما ابتكرتم من طرق مُبْتَدَعَةٍ في المنطق والرّياضيّات، قد بلغتم الغاية في صنع الآلة، وقهر الطّبيعة، ولكن أن تكون طرقكم تلك قد نفعتكم في العمل والصّناعة والحرفة، فهذا لا يقوم عندنا حجّة على أنّ منطقكم خير من منطقنا، أو رياضياتكم خير من رياضياتنا، وذلك لأنّ ما نراه غاية منهما هو غير ما رأيتموه غاية منها؛ لذلك فأن يكون منطقنا ليس ينفع كنفع منطقكم في الصّناعات مثلا، لا يعني أنّ منطقنا هو دون منطقكم، بل قد يكون منطقنا أعلى من منطقكم، وإن كان منطقنا قد قَصَّرَ عن غايتكم وغايتنا، ومنطقكم كان قد بلغ غايتكم ونِلْتُمْ به غَرَضَكُمْ. فأنتم قد تُشْبِهُونَ طفلا كان قد وَرِثَ عن أبيه كتابا به حِكْمَةٌ عالية، ونظر فيه، فلم يجد صورا أو أشكالا لأشجار وحيوانات وهلمّ جرّا، فَقَضَى بأنّه كتاب فقير، فأخذ قلما وطَفِقَ يضع على صفحاته صورا شتّى إلى أن طَمَسَ جلّ السّواد المخطوط، ثمّ دفع بالكتاب إلى صديق له مُتَبَاهِيًا كيف أنّه قد حَسَّنَ منه، بعدما كان قَشِفًا، فقيرا بائسا.”
14) قال: [التّبرير] أقول: عبارة ثقيلة ذات معنى أعجميّ؛ وبَرَّرَ في اللّغة العربيّة مشتقّة من البِرِّ، وهو الإحسان، وبرّر، على وزن فعّل، فلإفادة إمّا جعل الشّيء ذا برّ، أو إصابة الشّيء ذا برّ. إذًا، فالأصحّ أن تقول مثلا: “وليس يُغْنِي عنّا شيئا في العلم القول إنّ…”
15) قال: [إنّ ” القلم ” مفهوم جزئيّ تارة، ومفهوم كليّ تارة أخرى، ففي التّارة الأخرى هو جزئي إضافي] أقول: هذه الجملة ليست واضحة المعنى. إذ ليس واحد ممّن يُعْتَدُّ قد قال بأنّ “القلم” هو معنى جزئيّ حقيقيّ. ولكن ليس يمنع أن يوصف بأنّه جزئيّ إضافيّ. إذًا، فإن كان المصنّف في التّارة الأولى يريد أنّ القلم هو موصوف بالجزئيّ الحقيقيّ، فهذا لم يقل به أحد، وتقريره هاهنا تقرير لِأَمْرٍ غير مُسَلَّمٍ، أو يريد به الجزئيّ الإضافيّ، فما محلّ التّارة الثّانية، ويصير الكلام هَذَرًا من القول.
16) قال: [ونركّز اهتمامنا] أقول: عبارة ثقيلة، ويمكن استبدالها مثلا ب” ..ولا نعتبر إلاّ معنى الانتماء، أي انتماء الموضوع للمحمول.”
17) قال: [على انتماء الموضوع للمحمول] أقول: فالمصنّف كأنّه يريد القول بأنّه مَكَانَ أن نُفَسِّرَ القضيّة الخَبَرِيَّةَ على أنّها حمل للمحمول على الموضوع، والموضوع قد يكون معنى كلّيّا أو جزئيّا، والمحمول هو معنى كليّ، وإذ أنّ مَعْنَيَي الجزئيّة والكلّيّة في المفاهيم هي مشوّشة، ومعطّلة للسّلاسة النّظريّة، فالأوضح والأبعد من اللَّبْسِ أنّ نفسّر حمل المحمول على الموضوع، على أنّ الموضوع هو عُنْوَانٌ لِأَفْرَادِهِ المعرِّف لها، والمحمول هو عنوان لأفراده المعرّف لها، وإذا قلنا بأنّ الموضوع هو المحمول فينبغي فهمه على أنّ الأفراد الموسومة باسم الموضوع هي أيضا موسومة باسم المحمول، أو هي من أفراد المحمول. واستعمل الانتماء لِيَدُلَّ على ما يبدو، على أنّ نسبة الموضوع للمحمول ليس نسبة ما تحت مجموعة إلى مجموعة شاملة تحتويها، بل نسبة وجود أفراده هو، أي الموضوع، في المحمول.
18) قال: [فالقضيّة تكون صادقة إذا كان الموضوع ينتمي إلى المحمول] أقول: هذا التّعريف للصّدق هو ناقص، إذا أُخِذَ على المعنى القديم. إذ صدق القضيّة أو كذبها ليسا لها بالذّات، بل بالقياس إلى مُطَابَقَتِهَا أو عدم مطباقتها للوجود. فإن طابقت صدقت، وإن خالفت كذبت. والقضيّة بالقياس لِلْوُجُودِ لها أربعة أوجه: فهي إمّا أن تقول على الموجود، موجود، أو تقول على الموجود، غير موجود، أو تقول على غير الموجود، غير موجود، أو على غير الموجود، موجود. إذًا، فهي تصدق إذا قالت على الموجود، موجود، أو على غير الموجود، غير موجود، وهي تكذب إذا قالت على الموجود، غير موجود وعلى غير الموجود، موجود.
19) قال: [عنصرا] أقول: الأصحّ والأفصح أن تقول: فرد.
20) قال: [المحمول المجموعة الكليّة (=الشّاملة) بالنّسبة للموضوع] أقول: أي أنّ المحمول هو اسم المجموعة الّتي يُقْضَى بانتماء الموضوع إليها في القضيّة الصّادقة، أو احتوائها على الموضوع، إذا عُدَّ الموضوع على أنّه مجموعة جزئيّة.
21) قال: [مجموعة جزئيّة من المعادن] أقول: ويُشْبِهُ أن يكون هذا البيان ينقصه بيان: فالشّيء إذا دخل في المجموعة الشّاملة على أنّه فرد قيل إنّه ينتمي للمجموعة على أنّه فرد؛ وإذا كان هو نفسه مجموعة، ولو لم يكن فيها إلاّ فرد واحد، وتكون أفرادها كلّها تنتمي إلى المجموعة الشّاملة، لم يُقَلْ على هذه المجموعة إنّها تنتمي للمجموعة الشّاملة، بل يُقَالُ إنّها تحتويها المجموعة الشّاملة، وهذه المجموعة الثّانية تُسَمَّى بالقياس إلى المجموعة الشّاملة بالمجموعة الجزئيّة، أو بِمَا تَحْتَ المجموعة.
22) قال: [يرتفع هذا الثّبوت] أقول: ليس كذلك على الدِقَّةِ، بل في السّالبة يُرْفَعُ، ولا ترتفع نسبة المحمول للموضوع، لأنّ الارتفاع يدلّ على مطاوعة ما وقع عليه فعل الرَّفْعِ، فارتفع هو، والرّفع، كالإثبات في الحكم، إنّما هو فعل ذهنيّ؛ ثمّ إنّ الّذي يُرْفَعُ في القضيّة السّالبة ليس ثبوت المحمول للموضوع، بل نسبة المحمول للموضوع. أمّا رفع ثبوت المحمول للموضوع فهو قضيّة ثانية، موضوعها الثّبوت المحكوم به أوّلا في الموضوع الأوّل، ومحمولها اللاّوجود المطلق.
23) قال: [الإنسان ليس بنبات)] أقول: قضيّة ثلاثيّة سالبة بسيطة. وقد جرت عادة الاستعمال، وليس بِمُقْتَضَى ضرورة لا لغويّة، ولا منطقيّة، أن يُدَلَّ بحرف “ليس” على السّلب، لا على العدول، في السّالبة الّتي لم يظهر فيها الكلمة الوجوديّة، فلم يُعْلَمْ مرتبته، أَقَبْلَ الكلمة فيكون سلبا لا محالة، أم بعده، مُقْتَرِنًا بالمحمول، فتكون القضيّة معدولة المحمول.
24) قال: [التّرميزات إذا أردنا اعتماد الرّموز في تصنيف أنواع القضايا] أقول: ومتى كان موافقة المعنى للرّمز مُصَحِّحًا للمعنى في وجه من الوجوه؟ ! فالمعنى ذو نسبة بالطّبيعة، وليس بموضوع تَوَاطُئٍ ألبتّة، وإن قُدِّرَ فَبِالقِياَسِ للوجود، أمّا الرّمز فهو مُتَأَخِّرٌ عن المعنى، ولا نسبة له بالطّبيعة، وهو ذو وجود تواطئيّ إطلاقا.
25) قال: [إيّاه] أقول: تركيب عامّي، والضّمير المنفصل في محلّ نصب ولا عامل له؟! فقل مثلا: “والتّعريف المذكور”.
26) قال: [عند عرض حيثيّات ونواحي القضيّة الحمليّة] أقول: يريد أنّ التّعريف المذكور للقضيّة السّالبة تَعْرِضُ له المباحث القديمة في المنطق حينما تأخذ في ذكر أركان القضيّة الحمليّة وشروطها.
27) قال: [كما هو في الحمليّة] أقول: وأيّ شيء هو في الحمليّة؟ أم المراد هو أنّهم يُقْرِنُونَ أداة السّلب باللّفظ الدّال على كمّ الموضوع، ولا يقرنونه بالمحمول على أنّه من المحمول؟
28) قال: [يشير الى المفرد وهو ليس بكلّي باعتبار الكم (=السّور)] أقول: اعتراض أوّل غريب؛ فأوّلا هو لا يُعْتَرَضُ على قاعدة بنقض مثال ممّن قد يَسْتَأْنِسُ به صاحب القاعدة لإفهام المتعلّم. فهذا سيشبه كمن سمع قائلا يحكم مثلا بجواز دخول “إذ” على الأسماء، والشّاهد فيه قول الشّاعر جرير: أمِنَ ازْدِيَارِكِ في الدُّجَى الرُّقَبَاءُ إِذْ حَيْثُ كُنْتِ من الظّلام ضِيَاءُ فيعترض عليه بأنّ القاعدة مُنْتَقِضَةٌ لأنّ هذا البيت ليس لجرير، بل للمتنبّي، وهو شاعر مولّد لا يُسْتَشْهَدُ به في اللّغة أصلا. ثمّ إنّ المنصوص، وليس فقط المفهوم من ذاك المثال: “لاشيء من الإنسان بنبات” ليس ما حَمَّلْتَهُ إيّاه، بل المعنى أنّ كلّ فرد ممّن يوصف بأنّه إنسان، فهو مسلوب عنه وجود صفة النّبات. و”لا شيء” قد دلّ على السّلب الكلّيّ، مثلما أنّ “كلّ” إذا اقترنت بالموضوع في الموجبة، دلّت على الإيجاب الكلّيّ.
29) قال: [إنّ السّلب لم يقع على المحمول وهذا يخالف تعريف القضيّة السّالبة] أقول: القضيّة السّالبة في تعريفهم هي ما رُفِعَ المحمول عن موضوعها. وهذا الرّفع ليس بالفعل الحسّي الّذي يستلزم الْتِصَاقَ آلة الرّفع بالمرفوع حتّى أنّه إذا لم نَرَ التصاق آلة الرّفع بالمطلوب رفعه، نَمْنَعُ حينئذ أن يكون ذلك المطلوب هو مرفوعا. كذلك فالسّلب في القضيّة، وقد وصفها القوم بما رُفِعَ محمولها عن الموضوع، ليس ينبغي أن نقول بأنّه ما لم نر آلة السّلب وهي لفظة “ليس”، ملتصقة التصاقا حسّيا بالمرفوع، كلفظة نبات في المثال، فليس هناك سلب، والقوم قد خالفوا إذًا بمثالهم ما قرّروا من تعريف. بل هم دائما إنّما يَقْصِدُونَ في كلّ حدودهم أو أقوالهم المعاني، وليست الألفاظ المحسوسة، أو ترتيبها في الحسّ؛ وبقولهم في تعريف القضيّة السّالبة، ذلك التّعريف، إنّما هو أنّ الذّهن إذا أحضر مَعْنَيَي الموضوع والمحمول، ورتّب الأوّل على أنّه موضوع، ورتّب الثّاني على أنّه محمول، فما يلبث أن يَكُرَّ ثانية برفعه رفعا ذِهْنِيًّا أن يكون المعنى الثّاني ثابتا للأوّل؛ فذلك هو مقصودهم الحقيقيّ، وليس ما حمّلتهم إيّاه بشيء من الغَرَارَةِ، والعَجَلَةِ.
30) قال: [(كلّ إنسان ليس بنبات) فهذه كليّة سالبة، لسلب محمولها عن موضوعها] أقول: قد تكون منازعتكم منازعة لفظيّة ليس غير؛ فباستبدالكم صيغة المثال للسّالبة الكلّيّة “لا أحد من الإنسان بنبات” بهذه الصّيغة “كلّ إنسان ليس بنبات”، فإن حَفِظْتُمْ المعنى المفهوم من صيغة المثال الأوّل، فإنّكم تكونون قد عبّرتم بتركيب لفظيّ آخر، على ما عبّر عنه التّركيب الأوّل؛ أمّا إن جعلتم حرف السّلب “ليس” مُقْتَرِنًا بالمحمول، ومُتَأَخِّرًا عن الرّابطة، أي جعلتم المحمول معدولا، كأنّك تريد أن تقول”كلّ إنسان هو ليس بنبات”، فهذه القضيّة، وإن كانت، في قوّة السّالبة البسيطة، لكنّ صورتها ليست في قوّة صورة المثال المذكور، على معنى أنّ السّالبة الكلّيّة المعدولة “كلّ ب هو ليس ج”، يلزم من صدقها صدق السّالبة الكلّيّة البسيطة “لا شيء من ب ج”؛ ولكن ليس يلزم من صدق “لا شي من ب ج”، صدق “كلّ ب هو ليس ج”. هذا على المذهب القديم.
31) قال: [سلب النّبات عن الإنسان، أي أنهما متباينان لاعلاقة انتماء بينهما أو لا علاقة احتواء بينهما، أو لاعلاقة انتماء بعض دون بعض بينهما] أقول: بل إنّ المحمول هو عبارة عن مجموعة شاملة عنوانها “نبات”، وأفرادها أنواع النّباتات كلّها. ولكن هذه الأنواع هي كلّيّات يدخل تحتها أفراد كلّ نوع؛ فمثلا نبات القرنفل هو نوع يدخل تحته كلّ أفراد القرنفل الموجودة في الخارج، أو الّتي قد توجد. إذًا، فأنواع النّبات، أو المجموعات المسمّات كلّ مجموعة منها باسم نبات ما، إن كانت تدخل في المجموعة الشّاملة “نبات”، على أنّها أفراد لها، فإنّ أفرادها هي لا تكون أفرادا للمجموعة الشّاملة. أمّا إن كانت أفرادها، ما نِسْبَتُهَا إلى المجموعة الشّاملة نسبة الانتماء، فحينئذ لا تكون هذه المجموعات النّباتيّة نسبتها إلى المجموعة الشّاملة نسبة انتماء، بل نسبة احتواء. وإذ أنّ الإنسان هو عنوان لكلّ الأفراد الموجودة تحته، فسلب النّبات عنه، إنّما يُفَسَّرُ بأنّه لا فرد من أفراده هو ينتمي للمجموعة الشّاملة النّبات، ولا يمكن أنّ يُفَسَّرَ بأنّ المجموعة المسمّاة “إنسان” هي لا تحتويها المجموعة الشّاملة “نبات”، لأنّه ليس من شرط عدم احتواء مجموعة لِأُخْرَى، أن تكون كلّ أفراد الثّانية هي مفارقة للجموعة الأولى. ثمّ إنّه لا يكفي في حدّ السّالبة الكلّيّة بأنّها إثبات لِمُبَايَنَةٍ، أو لِلاَعَلاَقَةٍ انتماء بين الموضوع والمحمول؛ بل لا بدّ من التّرتيب، بأن تقول: إنّها إثبات لِعَدَمِ انتماء الموضوع للمحمول؛ وليس إلاّ بعد البرهان إنّما يثبت عدم انتماء المحمول للموضوع حينئذ، أو عدم وجود أفراد له، لا كلّهم، هم أفراد للموضوع.
32) قال: [سلب القضيّة] أقول: سُوءُ عِبَارَةٍ. والأصحّ: “إنّ السّلب في القضيّة”؛ أمّا سلب القضيّة فهو قضيّة ثانية موضوعها القضيّة الأولى مقرونا بها كلمة اللاّوجد. فمثلا هذه القضيّة “زيد مريض”، إذا دخلها السّلب قيل “ليس زيد مريضا”، وهي تكون صادقة إذا كان زيد موجودا، وكان مريضا، وتكون كاذبة إذا كان زيد موجودا، ولم يكن مريضا. أمّا سلب القضيّة، فهو بأن نقول: “إنّ القضيّة: زيد مريض، ليس”، وهذه القضيّة هي حكم بكذب القضيّة الأولى، فتكون صادقة إذا كذبت الأولى، أي إذا كان زيد غير موجود، أو كان موجودا ولم يكن مريضا، وتكون كاذبة إذا كان زيد موجودا وكان مريضا.
33) قال: [ما يعني وجود أداة السّلب أمام المحمول] أقول: إذا كانت القضيّة السّالبة ثُلاثيّة بسيطة، فحرف السّلب إذا ظهر مُقْتَرِنًا بالمحمول، فلا بدّ من إضمار أنّه في المعنى هو غير مقترن بالمحمول، بل متقدّم عن الكلمة الوجوديّة، أو الرّابطة. فالسّالبة البسيطة “ج ليس ب”، بعد إظهار الرّابطة، إنّما تصبح هكذا: “ج ليس هو ب”.
34) قال: [فإذا أردنا تحويل القضيّة الكليّة الموجبة (كلّ إنسان حيّ) إلى قضيّة سالبة فهذا يعني وجود العبارة (… ليس بحيّ)] أقول: يبدو أنّه هناك شرط لم يُذْكَرْ في هذا المعنى، وعدم ذكره قد يُوقِعُ القارئ الغِرَّ في حيرة، أو يجعله يظنّ أنّ بيانكم مُنْطَوٍ على خَلْفٍ. فَبِطَلَبِكُمْ تحويل الموجبة الكلّية إلى سالبة، غَيْرَ ذَاكِرِينَ شرط حفظ الصّدق، فقد يُوهِمُ وَهْمًا شديدا بأنّ الأمر إنّما يتعلّق بتحصيل نقيض الموجبة الكلّيّة أو ضدّها.
35) قال: [يتطلّب تغيير الكمّ فتكون القضيّة) (ليس بعض الإنسان ليس حيّا)] أقول: إنّ تحويل الموجبة الكلّيّة، إلى سالبة، مع حفظ الصّدق، يقتضي أوّلا أن يُسْلَبَ المحمول بحسب الشّرط الّذي افْتَرَضْنَاه في وضع حرف السّلب. فنحصل على “كلّ إنسان ليس بحيّ” وهذه سالبة كلّيّة مضادّة للموجبة الكلّية؛ لذلك فلا بدّ من أن نغيّر أوّلا في الكمّ، فتصبح “بعض الإنسان ليس بحيّ”، وهذه نقيض الكلّيّة الموجبة، ثمّ نسلب كذب هذه القضيّة، أي “ليس بعض الإنسان ليس بحيّ”. وإذ أنّ نقيض الشّيء لا يمكن أن يكون إلاّ واحدا، إذًا، فنقيض “بعض الإنسان ليس بحيّ”، وهو “كلّ إنسان حيّ”، هو بعينه “ليس بعض الإنسان ليس بحيّ”. أي أنّ الموجبة الكلّيّة هي بعينها السّالبة الجزئيّة المنفيّة.
36) قال: [بمعنى لايوجد إنسان ولو واحد له هذه الصفة : لاحيّ. وهي قضيّة سالبة جزئية] أقول: السّالبة الجزئيّة هي “بعض الإنسان ليس حيّا”، أمّا “ليس بعض الإنسان ليس حيّا” فهو نفي للسّالبة الجزئيّة.
37) قال: [مروّجو] أقول: انظر إشارة (12).
38) قال: [أصل القضيّة] أقول: ليس مَفْهُومًا ما تعني بأصل القضيّة “لا شيء من الإنسان بنبات”؛ هل أصلها الصّوريّ أم أصلها الماديّ. ثمّ إنّي لَشَدِيدُ الحيرة كيف جعلت بحثك مُتَعَلِّقًا بِمِثَالٍ، والمثال كما قلت، ليس بحجّة أو برهان؛ وبيان خلل المثال عند المُخَالِفِ لا يقوم حجّة إطلاقا على خطأ قاعدة المخالف، فأين أنت من أن يقوم حجّة على صحّة قاعدتك المعاندة لِقَاعِدَةِ المخالف؟ ! هذا إن كان ما تزعمه بأنّ المثال المذكور في بيان السّالبة الكلّيّة هو مناقض لِمَقْصُودِهِ، بل أنت قد حمّلته معنى من عندك، ليس هو الّذي يُدْرِكُهُ كلّ من له أدنى فهم باللّغة العربيّة. بل الّذي يُدْرَكُ هو عين ما بَيَّنَتْهُ المباحث القديمة الذّاكرة له. فهو، أي “لاشيء من إنسان بنبات” إنّما يَنُصُّ نصّا مُبِينًا على أنّ صفة النّباتيّة هي مسلوبة عن كلّ أفراد ما يُقَالُ عليه إنّه إنسان؛ ثمّ خُذْ هذه القاعدة بأنّ الحكم أَبَدًا في المنطق، إنّما للمعاني على الألفاظ؛ وكما قال الإمام الغزالي: “إذا ظهر المعنى فلا مُشَاحَةَ في الأسماء”.
39) قال: [(بعض الإنسان نبات) وهي خاطئة] أقول: إنّ السّالبة الكلّية إن كانت بسيطة، صورتها على استعمال القدامى هي لا شيء من ب ج. وضدّها عندهم هي كلّ ب ج؛ ونقيضها بعض ب ج. ولوفرضنا أنّكم ما طلبتم من تصحيح للعبارة عن السّالبة الكلّيّة البسيطة هو كلّ ب ليس ج. فهذه إن لم تكن معدولة، فإذا أظهرنا فيها الرّابطة، فسوف تكون كلّ ب ليس هو ج. وهي تعني على التّعبير القديم أنّ وصف ج هو مسلوب عن كلّ فرد فرد من الأفراد الموصوفة بب. إذًا، فلو كانت هذه صادقة، فالقضيّة الّتي تقول إنّه يوجد في الأقلّ فرد ممّن يُوصَفُ بب، ثابت له أيضا وصف ج، قضيّة كاذبة، والعكس بالعكس.
40) قال: [(بعض الإنسان ليس بنبات)] أقول: الموجبة الكلّيّة البسيطة كلّ ب ج، إذا كانت كاذبة كفي المثال:”كلّ إنسان نبات”، فنقيضها “بعض ب ليس هو ج” أو “ليس كلّ ب هو ج”، أي السّالبة الجزئيّة البسيطة، ستكون صادقة لا محالة.
41) قال: [تنقلب على تعريف القضية السّالبة.
ـ تفتعل نسبة بين الموضوع والمحمول ليس لها وجود، فتسلبها] أقول: كلام غير مفهوم.
42) قال: [لذلك فإنّ الصّياغة الصّائبة للقضيّة (لاشيء من الإنسان بنبات) نكتبها بالصّورة (بعض الإنسان ليس بنبات) فهي ليست إلاّ جزئيّة سالبة] أقول: ما أغرب ما تقول؟ “لاشيء من الإنسان بنبات” إنّما تعني لا أحد ممّن يُوصَفُ بأنّه إنسان يوصف بأنّه نبات؛ أو على طريقتكم، قلنا كلّ إنسان ليس بنبات، أي كلّ ممّن يُوصَفُ بأنّه إنسان فَمَسْلُوبٌ عنه أن يكون من أفراد المحمول، أو يكون الموضوع مِمَّنْ يَحْتَوِيهِ المحمول. والسّالبة الكلّية إذا صدقت، فإنّه يلزم من صدقها لا محالة صدق السّالبة الجزئيّة، أي بعض الإنسان ليس بنبات. أمّا العكس فلا دائما. لذلك فجعلكم للسّالبة الجزئيّة”بعض الإنسان ليس بنبات” في قوّة السّالبة الكلّيّة “لا شيء من الإنسان بنبات” إنّما هو خلف من القول شديد؟ !
43) قال: [إيّاها] أقول: انظر إشارة 25.
44) قال: [فثمة فرق كبير بين سلب القضيّة المكمّمة ونفيها] أقول: على معنى، فيما أظنّ، أنّ السّلب هو فعل يَنَالُ المحمول في القضيّة، فيرفعه عن الموضوع. فالسّلب إذًا هو جزء من القضيّة. أمّا النّفي فهو حكم على القضيّة كلّها بالكذب. ولكن ألا ترى أيّها الأخ، أنّك إذا نفيت القضيّة، فإنّك في الحقيقة قد خرجت منها، ودخلت في قضيّة ثانية، يكون موضوعها نفس مضمون القضيّة الأولى، ومحمولها كلمة اللاّوجود، أو كذب؟ !
ـــــــــــ

النِّسْبَةُ*

*لقد ورد مبحث النّسبة عندكم تاليا لمبحث العدول في القضيّة، والرّأي عندي أن يكون متقدّما عليه. لذلك فأنا قد بدأت بالقول فيه قبل القول على فصل السّلب والعدول.

اُلْمَتْنُ
“تطرّقنا إلى مبحث النّسبة في مطالعة سابقة، من منطلق تقديرها اللّفظي في المنطق التّقليدي بالضّمير المستتر (هو). وقلنا إنّ ذلك يتنافى وقانون الهويّة (ب هي ب)، بينما المراد في القضية الحملية إنّ ( ب هو حـ )، فلا يصحّ عندئذ القول إنّ النّسبة بين الموضوع والمحمول في القضيّة الحملية تعني (إنّ هذا هو ذاك) في الإيجاب و(إنّ هذا ليس ذاك) في السّلب. وفي هذه المطالعة نتناول (النّسبة) من منطلقات أخرى يعتمدها المنطق التقليدي، بالنّقد والتّقريض والتقويم . إذ وجدنا أنّ مفهوم النّسبة غير محدّد وفيه من الإرباك الّذي يضيع المقصود منها على وجه الدقّة. إنّ تعريف النسبة بين طرفي الحملية بأنّه ((اتّحاد الطّرفين)) يلزم عنه تطابق الطّرفين. فكيف يكون التّطابق بين الغزال والحيوان؟ وبأي معنى يكونان متّحدين؟ فإذا كان القصد من اتّحادهما اشتراكهما في التّقسيم أو في الصّفة أو في الخاصّة فهذا لايعني التّطابق، كما أنّه لايعني الاتّحاد. ذلك أنّ الاتّحاد عمليّة ينتج عنها ضمّ عناصر أو مجاميع إلى بعضها لتكون مجموعة أخرى. فالغزال فرد ينتمي إلى جنس الحيوان، فأين الاتّحاد هنا. ولكن لو صنّفنا الحيوان إلى : يبيض وآخر يلد، فهذان عنصران ينتج عن اتّحادهما مجموعة الحيوان الشّاملة لكلا الصنفين. والأمر كذلك إذا ما اعتبرنا الصّنفين هما مجموعتين جزئيتين وإنّ اتّحادهما يشكّل مجموعة أشمل هي مجموعة الحيوان. ونخلص إلى أنّ تعريف النّسبة بين الموضوع والمحمول على أنّه اتّحاد لهما يتضمن تصييرهما طرفا واحدا وبالتّالي فإنّ النّسبة تنتفي بينهما. وثمة بديل يلغي هذا الاعتلال سنوضحه في هذه المطالعة. ويرد مبحث النّسبة في المنطق ضمن مباحث المفاهيم الكلية على اعتبار ((أنّ النّسبة تكون بين مفهومين كليين )). ولقد علمنا أنّ المفهوم الكليّ ما كان يصدق على كثيرين، وليس كذلك الجزئيّ فهو لايصدق على كثيرين بل يصدق على فرد لا أكثر. فلو دقّقنا الصّلة بين تعريف المفهوم الكليّ ووضع النسبة بين مفهومين كلّيين من ناحية، وبين وضع النّسبة بين مفهومين كليين و القضية الجزئيّة المقيّدة بتعريف السّور الجزئي والمفهوم الجزئي لظهرت تناقضات كثيرة. منها أنّ وضع النّسبة المذكور يعني ارتفاع النّسبة بين المفهوم الجزئيّ والمفهوم الكلّي إذا وُضِعا بصفة طرفين في قضية حمليّة، نحو (زيد إنسان) فإنّ زيدا (جزئي) و(إنسان) كلّي ومع ذلك فالنّسبة قائمة بين زيد والإنسان. ثم إنّ النّسبة في القضيّة الحمليّة الموجبة والصّادقة تفصح عن (( ثبوت شيء لشيء )) كثبوت ( الإنسان) لـ (زيد)، بمعنى أن زيد الفرد الجزئيّ ينتمي إلى المجموعة الكلية (= الشّاملة) الّتي هي ( الإنسان). يحدد المنطق التّقليديذ ثلاثة نسب تتّفق ومقولة (( ثبوت شيء لشيء)) ضمن مباحث الكلّي وهي :
1ـ نسبة المساواة : نحو المساواة بين (الإنسان) و(البشر)، والمساواة بين (الإنسان) و(النّاطق)، حيث أنّ المفهومين المتساويين لهما ذات المصاديق، وأن افرادهما غير مختلفي العدد. مثلا ( الإنسان ناطق) فعدد الإنسان يساوي عدد ما هو ناطق. وبكلمات أخرى إنّ (الإنسان ناطق) و( الناطق إنسان) .
2ـ نسبة العموم والخصوص مطلقا: فبالمقارنة بين (العراق) و(البلدان العربية)، نجد أنّ العراق (أخص مطلقا) نسبة إلى البلدان العربية التي هي (أعم مطلقا)، لذلك فإنّ النّسبة بين الموضوع والمحمول في القضية ( العراق بلد عربي) هي نسبة العموم والخصوص مطلقا. إنّ مصطلحي (الأخصّ مطلقا) و ( الأعمّ مطلقا) يمكن معالجة ما فيهما من نحت غريب ونأيهما عن اللّفظ الصائب والدلالة المباشرة، بإبدالهما بالاصطلاح على الحالين فيهما…وهما نسبة الموضوع إلى المحمول، ونسبة المحمول إلى الموضوع . ففي الأوّل إذا كان الموضوع فردا من أفراد المحمول فالنّسبة هي ( علاقة الانتماء) أو الوجود بنفس المعنى، فالإنسان موجود (=ينتمي) في المجموعة الشّاملة الّتي هي مثلا “حي” فعند القول ( الإنسان كائن حي) نسبنا الإنسان بصفته أحد الكائنات إلى الكائنات الحيّة. بمعنى أنّ الإنسان ينتمي إلى الكائنات الحيّة. هذا إذا، وإذا فقط وضعنا الإنسان عنصرا في مجموعة أشمل هي الكائنات الحيّة التي تضم النبات والحيوانات الأليفة والحيوانات البرية والحيوانات المجهرية وكل الحيوانات التي تتنفس وتنمو وتتغذى وتتكاثر . وأما إذا كان الموضوع هو مجموعة تضمّ عناصر معينة تعيينا جيّدا وهي جزء من مجموعة أشمل فنسبة الموضوع إلى المحمول هي (علاقة المجموعة الجزئية) فنقول مثلا (مجموعة الزواحف مجموعة جزئية من الكائنات الحيّة). أمّا في الثّانية فإنّ العلاقة تكون (علاقة الاحتواء) وهي تفصح عن نسبة المحمول إلى الموضوع فهذه النّسبة في القضيّة (الإنسان حيوان) حيث أنّ (الحيوان يحتوي الإنسان)، بمعنى أنّ الحيوان مجموعة شاملة تضمّ في عضويتها الإنسان، ولايمتنع بالضّرورة أن تحتوي كائنات أخرى. إنّ مفهوم المجموعة يقدّم معالجات لكثير من الاعتلال المنطقيّ في المنطق التقليديّ. وأن المجموعة بمفهومها العام تضمّ أفرادا او عناصر لها خاصّة أو صفة مميزة تشترك بها كلّ العناصر، إلاّ أنّها مختلفة في ناحية أو في وجه من الوجوه كمجموعة الزّهور { القرنفل، الجوري، الياسمين، عبّاد الشّمس، الغاردينيا…} فكلّ زهرة من هذه الزّهور عنصر في المجموعة وأنّ وجود الزّهرة المعيّنة فيها يبرّره اختلافها مع الزّهور الأخرى: (القرنفل زهرة)، (الجوري زهرة)، (الياسمين زهرة ) …
3ـ نسبة العموم والخصوص من وجه: وهي نسبة بين المفهومين اللّذين يشتركان في عدد معيّن من المصاديق، ويفترقان في مصاديق أخرى …إنّ النّسبتين المتقدّمتين “المساواة والعموم والخصوص مطلقا” تشتركان في خاصّة واحدة وهي أنّ كل أفراد الموضوع موجودة في المحمول. وفي هذه النّسبة الأمر مختلف فثمّة أفراد للموضوع موجودة في المحمول، وأخرى غير موجودة فيه . كالنّسبة بين الطير والأبيض .. الطّير مفهوم كلّي يضمّ في مجموعته “كلّ الطيور”، و”الأبيض” مفهوم كلّي” يضمّ في مجموعته “كلّ الأشياء ذوات اللّون الأبيض”. في هذه النّسبة كما وجدنا يجب أن يكون الموضوع مسوّرا بالسّور الجزئيّ فلا يصحّ القول (الطّائر أسود) لأنّ ذلك يدخل في علم السّامع أنّ كل الطيور سوداء وهي ليست كذلك سوى الغراب فهو طائر أسود، وثمة طيور بيضاء، ومتعددة الألوان، وترابيّة اللون، وغيرها.
إذن إنّ هذه النسبة تصحّ بين مفهومين خارج ارتباطهما في القضيّة الحمليّة وليس فيها. ونضيف إنّ هذه النّسبة لا تصحّ في القضية الحملية المجرّدة من السّور وينبغي أن تكون في “الجزئيّة الموجبة”، نحو (بعض الطّير أسود) إشارة إلى الغراب. ( بعض الزّهور أبيض) إشارة إلى زهرة بيضاء كالقرنفل. ولقد تولّينا المعالجة المنطقيّة لهذه النّسبة باستخدام مفهوم المجموعة ودالّة الانتماء. وخلاصتها: نحدّد أوّلا العناصر غير المشتركة بين الموضوع والمحمول، مثل (الأحمر) و(الزّهرة) ولو على مستوى التصوّر ونحصر، من ثم، العناصر المشتركة فتكون لدينا نسبة واضحة هي (نسبة التّقاطع) ومجموعة التّقاطع بين الموضوع (الزّهرة) والمحمول (الأحمر) هي مجموعة كل العناصر المشتركة بينهما فتكون : مجموعة الزّهور الحمراء. (بعض الورد الجوري أحمر). واللاّفت أنّ مروجي المنطق التّقليدي في الوقت الذي يفتعلون فيه وجود النّسبة المقدرة (هو) في القضيّة الحمليّة مثل (الإنسان حيوان)، فيقدّرونها بالتّقدير(الإنسان هو حيوان)، وبنفس الوقت يتغاضون عن أدوات صريحة في المنطوقات مثل ” أو” ، ” و” وغيرهما. ومن ذلك فهم يغضّون طرف البحث عن خطورة الأداة الشّرطية “إذا .. فإن ” فينحوها عن التّحليل والاعتبار المنطقيين. نحو (إذا أشرقت الشّمس فإنّ النهار موجود) فيعتقدون بإزائها أنّ النّسبة هي التصاحب مثلا. أي بطريقتهم هذه ” يظهرون ” ما يعتقدون أنهم باطن، وينحون ظاهرا بينـّا فيغطسون به إلى النّسيان والتّغاضي.” عبد الرّحمن كاظم زيارة

الإشارات
1) قال: [تطرّقنا إلى مبحث النّسبة] أقول: النّسبة في العلوم لها استعمالات كثيرة، فهي تُسْتَعْمَلُ أوّلا في الرّياضيّات، ويُرَادُ بها إمّا حال مقدار إلى مقدار آخر من جنسه، كحال خطّ إلى خطّ، أو سطح إلى سطح، أو جسم إلى جسم، من حيث المساواة، أو الزّيادة، أو النّقصان؛ أو حال عدد إلى عدد من حيث هو جزءه، أو بعض أجزائه. وتُسْتَعْمَلُ ثانيا في المنطق بمعنى أعمّ من استعمالها في الرّياضيّات لِتَدُلَّ على هذه المقولات: الإضافة، وهي المستعملة في الرّياضيّات أيضا، والأين، ومتى، وله. ولِتَدُلَّ أيضا على نسبة المعاني بعضها إلى بعض من حيث العموم والخصوص. وهناك استعمال لهذا المعنى في علم آخر، أي علم النّحو، ويُرَادُ به هناك الهيئة الّتي تأخذها الأسماء إذا نُسِبَتْ إلى غيرها، كقولك يَمَنِيٌّ، اسم منسوب إلى اليمن، بدليل دخول ياء النّسبة على يمن في آخره. أمّا المراد بالنّسبة هاهنا، فهو ارتباط المحمول بالموضوع في القضيّة.
2) قال: […اللّفظي في المنطق التّقليدي] أقول: قد علمنا أنّه في المنطق القديم، القضيّة إنّما تنقسم إلى ثلاثة معان، معنى الموضوع، ومعنى المحمول، ومعنى ربط المحمول بالموضوع. ولمّا كانت الألفاظ إنّما جُعِلَتْ لِتَدُلَّ على المعاني، فقد كان لا بدّ من أن يوجد لكلّ معنى لفظ بإزائه يدلّ عليه، ويُحَاذِيه، أي للموضوع لفظ يدلّ عليه وهو ج مثلا، والمحمول لفظ ب؛ فإذا كانت القضيّة ثُنَائِيَّةً، أي مركّبة من اسم وفعل، فالفعل إنّما يدلّ بذاته على ارتباطه بالموضوع، ولم يُحْتَجْ حينئذ إلى معنى ثالث، يربط الفعل بالموضوع، فلم يُحْتَجْ كذلك إلى لفظة تدلّ على ذلك المعنى؛ تقول “زيد يمشي”، فقط؛ وهو حَشْوٌ إن زدت بين الموضوع والمحمول، أداة هو، أو الكلمة الوجوديّة “يوجد”. أمّا إذا كانت ثُلاَثِيَّةً، أي مركّبة من اسم هو الموضوع، ومن اسم آخر هو المحمول، وإذ أنّ الاسم لا يطلب بذاته الموضوع، فقد لزم وضع معنى ثالث شأنه أن يربط الاسم المحمول، بالاسم الموضوع. ولكنّ اللّغات قد اختلفت في الدّلالة عليه باللّفظ في مثل هذه القضايا؛ ففي اليونانيّة مثلا، فقد وجد هذا اللّفظ، أمّا في العربيّة، فعادة العرب، أن لا يُظْهِرُوا الرّابطة هنالك. فإذا قيل: زيد إنسان، فهناك إضمار لا محالة لِمَعْنَى نسبة الإنسانيّة لِزَيْدٍ، وليس هو مجرّد وضع لِمَعْنَى أوّل يكون زيدا، ومعنى ثان يكون إنسانا؛ لأنّه لو كان الأمر كذلك لما حصلنا على قضيّة ذات ِوحْدَةٍ، بل على شيئين منفصلين. ولذلك فقد اُضْطُرَّ المناطقة العرب لأن يُوجِدُوا أداة تكون بإزاء معنى النّسبة في القضيّة الثّلاثيّة، لِتَتِمَّ صناعتهم، فاختار بعضهم ضمير الغائب “هو”، وهذا اسم، ولكن إذا اُسْتُعْمِلَ في القضيّة الثّلاثيّة تكون قوّته قوّة الأداة لأنّه حينئذ يكون ناقص المعنى؛ وفريق آخر فقد استعمل الكلمة الوجوديّة، كقولك “زيد يوجد إنسانا”.
3) قال: […بالضّمير المستتر (هو)] أقول: بل ضمير الغائب، والضّمير الغائب لا يكون مُسْتَتِرًا إلاّ إذا لم يظهر اسمه، وَوُجِدَ معناه في الفعل المصرّف. و”الهو” قد عُدَّ خَاصَّةً عند أهل المعرفة، على أنّه ظاهر الاسم، مُسْتَتِرَ المعنى والحقيقة؛ يقول ابن عربيّ في رسالته الموسومة بالهو: ﴿اعلموا وفّقكم الله أنّ “الهو” كناية عن الأحديّة، ولهذا قيل في النّسب الإلاهيّ: “قل هو الله أحد”، فهي الذّات المطلقة الّتي لا تدركها الوجوه بأبصارها…فما من مقام يكون فيه تجلّ من التجلّيات…إلاّ و”الهو” مبطون في ذلك التجّلي.﴾؛ وأنشد في كتاب التّجلّيات:
لست أنا ولست هـو فمن أنا ومن هـو
فيا هو هل أنت أنـا ويا أنا هل أنت هو
لا وأنا ما هو أنــا و لا هو ما هو هو
لو كان هو ما نظرت أبصارنا به لــه
ما في الوجود غيرنـا أنا وهو وهو وهو
فمن لنا بنا لنـــا كما له به لــه

واعلم أنّ اسم “هو” إذا اُسْتُعْمِلَ لِيَدُلَّ على الرّابطة في القضيّة الثّلاثيّة لا يبقى اسما، بل يصير أداة، لأنّ معناه يكون حينئذ ناقصا، ولا يتمّ إلاّ بعد تمام ذكر المحمول، أمّا الاسم، فأنت تعرف أنّ حدّه ما هو تامّ المعنى ولا يدلّ بذاته على زمن معناه.
4) قال: [وقلنا إنّ ذلك يتنافى وقانون الهويّة (ب هي ب)، بينما المراد في القضيّة الحملية إنّ (ب هو حـ)، فلا يصحّ عندئذ القول إنّ النّسبة بين الموضوع والمحمول في القضيّة الحملية تعني (إنّ هذا هو ذاك) في الإيجاب و(إنّ هذا ليس ذاك) في السّلب] أقول: إنّ ما سمّيته بقانون الهويّة، والأصحّ أن يقال قانون الهوهو، إنّما يفيد بأنّ الشّيء إذا كانت حقيقته ب، فلا يمكن أن تكون حقيقته لا ب. وحقيقة ح قد تكون بعينها حقيقة ب، أو لا تكون، فإن كانت، فقد جاز القول إذًا، بأنّ حقيقة ب هي عين حقيقة ح، وإن لم تكن، لَمْ يَجُزْ. لكن نسبة الشّيء لشيء هي أعمّ من نسبة حقيقة الشّيء للشّيء. على معنى أنّه إذا نسبنا ح إلى ب، وقلنا ب هو ح، فهذه القضيّة تكون كاذبة، أو منافية لقانون الهوهو، لو كانت حقيقة ح هي غير حقيقة ب، ولم يُفْهَمْ من معنى الرّابطة “هو”، غير معنى المساواة في الحقيقة. ولكن معناها أعمّ، وهي تدلّ على مجرّد النّسبة الّتي قد تكون نسبة الشّيء لِحَقِيقَتِهِ، أو نسبة معنى عَرَضِيٍّ للموضوع، فلا تكون منافاة إطلاقا كما توهّمتم، بين قانون الهوهو، وبين القضيّة الثّلاثيّة. ثمّ هناك اعتراض آخر أخصّ؛ فَهَبْ أنّ الأمر كما زَعَمْتُمْ، فإنّ امتناع الموجبة الثّلاثيّة مفهوم، فَمَا بَالُ السَّالِبَةِ الثّلاثيّة؛ لأنّه لو كان ب هو ح، معناه أنّ حقيقة ب هي بعينها حقيقة ب، وهذا مُنَافٍ لقانون الهوهو، فسيكون صادقا لا محالة، قولنا ب ليس ح.
5) قال: […إذ وجدنا أنّ مفهوم النّسبة غير محدّد وفيه من الإرباك الّذي يضيع المقصود منها على وجه الدقّة] أقول: بل عسى أن يكون الإرباك هو قصور منك في عدم صبرك أو تأنّيك في أقوال القدامى، أحرى من أن يكون عَيْبًا لازما لما حرّروه هم أنفسهم.
6) قال: [إنّ تعريف النّسبة بين طرفي الحمليّة بأنّه ((اتّحاد الطّرفين)) يلزم عنه تطابق الطّرفين] أقول: أي النّسبة بين المحمول والموضوع في القضيّة، أو بعبارة أصّح، نسبة معنى إلى معنى، فانْتَشَأَ لأجل ذلك المعنى المنسوب على أنّه محمول، والمنسوب إليه على أنّه موضوع، فانتشأت الأجزاء تلك، أي المحمول، والموضوع، والنّسبة على أنّها قضيّة تحتمل الصّدق والكذب. أمّا قولكم بأنّ القوم يعرّفون النسّبة على أنّها اتّحاد بين الموضوع والمحمول في القضيّة، فَغَرِيبٌ، ولست أدري من أين جئت به. بل النّسبة عندهم، كما ذكرت مرارا، إنّما هي رَبْطٌ للمحمول بالموضوع؛ أي حمل المحمول على الموضوع. ويفسّرون الحمل في القضيّة بأنّه حكم بثبوت مفهوم المحمول، لا لِمَفْهُومِ الموضوع، بل لِذَاتِ الموضوع، أي للشّيء الّذي يصدق عليه عنوان الموضوع. فمثلا إذا قيل الإنسان هو حيّ، فلا يعني أنّ مفهوم الإنسان هو بعينه مفهوم الحياة، حتّى لو قيل الفرس حيّ، لَصَحَّ الفرس إنسان. بل تفسيره أنّ الذّات الموصوفة بكونها إنسانا، كسقراط مثلا، هي موصوفة، لا بكونها الذّات الموصوفة بكونها حيّة، بل بكونها حيّة، أي هو يصدق عليها مفهوم الحيّ، لا الفرد الّذي يقال عليه أنّه حيّ.
7) قال: [فكيف يكون التّطابق بين الغزال والحيوان؟] أقول: القوم يفسّرون الغزال هو حيوان: بأنّ الذّات الّتي قد توجد في الخارج بِوَصْفٍ أنّها غزال، هي يُحْمَلُ عليها وصف الحيوان؛ إذًا فلا حيرة، ولا التباس، والمعنى بَيِّنٌ بنفسه.
8) قال: […وبأيّ معنى يكونان متّحدين] أقول: فالاتّحاد، إن كان قد ورد له ذكر عندهم، لا بدّ من أن يُفْهَمَ حتّى يستقيم المعنى على طريقتهم، ولا يكون لَبْسٌ ولا حيرة، بأنّ الذّات الموصوفة بالموضوع هي بعينها، موصوفة بالمحمول، وتكون الفائدة الحاصلة من القضيّة، ليست الإخبار بأنّ الذّات موصوفة بالموضوع، وموصوفة بالمحمول، بل بأنّ الذّات الموصوفة بالموضوع، ويكون ذلك حاصلا لدى السّامع، هو أيضا موصوف بالمحمول، وهي الفائدة الّتي إنّما يَسْتَفِيدُهَا السّامع.
9) قال: [فإذا كان القصد من اتّحادهما اشتراكهما في التّقسيم أو في الصّفة أو في الخاصّة فهذا لايعني التّطابق، كما أنّه لايعني الاتّحاد] أقول: وهذا لم يكن من مقاصدهم، فإلزامك لا يَتَوَجَّهُ عليهم.
10) قال: [ذلك أنّ الاتّحاد عمليّة ينتج عنها ضمّ عناصر أو مجاميع إلى بعضها لتكون مجموعة أخرى] أقول: إنّ هذا البيان للاتّحاد، إذا أُخِذَ على مبدإ المجموعات، غير دقيق، وقد يُضِلُّ القارئ الغِرَّ فيوهمه أنّ الاتّحاد هاهنا شَبِيهٌ بفعل جمع عدد لِعَدَدٍ، وهو ليس كذلك. بل الاتّحاد بين مجموعتين أ، ب، كليهما ما تحت مجموعة تحتويها مجموعة شاملة ج مثلا، هو مجموعة د مثلا، كلّ أفرادها هي كلّ أفراد المجموعة الشّاملة ج، الّتي هي موجودة على الأقلّ في واحدة من المجموعتين أ، أو ب.
11) قال: [فالغزال فرد ينتمي إلى جنس الحيوان، فأين الاتّحاد هنا] أقول: أتريد أنّ الغزال، وهو النّوع، هو فرد ينتمي لمجموعة الحيوان الجنس، ولا يكون اتّحاد بين الفرد والمجموعة المنتمي لها؟ ولكنّ عدّ المعاني على أنّها أفراد، أو مجموعات إنّما هو أمر اعْتِبَارِيٌّ، في مبدإ المجموعات، وليس بطبيعيّ؛ لذلك فالغزال، وإن كان في الطّبيعة هو نوع يدخل تحت جنس الحيوان، فليس يوجب بذاته، حسب مبدإ المجموعات، أن يكون فردا بإطلاق، والحيوان هو المجموعة المنتمي لها بإطلاق. بل قد يُأْخَذُ نفس المعنى، وإن كان واحدا، تارة على أنّه فرد بالقياس إلى المجموعة المنتمي لها، وتارة على أنّه مجموعة. وحينئذ، فالغزال إذا أُخِذَ على أنّه مجموعة، جاز أن نضمّه إلى أيّ مجموعة أخرى؛ وهو إن لم يُعْتَبَرْ إلاّ على أنّه فرد، فقد امتنع ضمّه إلى مجموعة أخرى أصلا.
12) قال: [ولكن لو صنّفنا الحيوان إلى: يبيض وآخر يلد، فهذان عنصران ينتج عن اتّحادهما مجموعة الحيوان الشّاملة لكلا الصّنفين] أقول: مثال حدسيّ، ولا تُبْنَى الأحكام المنطقيّة على أمثلة حدسيّة. وقطعك بأنّه بضمّنا لِصِنْفِ البائض من الحيوان إلى الصّنف الوالد، فنحصل على المجموعة الشّاملة الحيوان، هو قطع استقرائيّ، قد لايكون جامعا، والقسمة قد لا تكون حاصرة. إذ ما يُشْعِرُكَ أنّه لا يوجد حيوان صفته أنّه لا يلد ولا يبيض؟ ثمّ، ولو على فرض أنّ القسمة حاصرة، وأنّ كلّ أفراد المجموعة الشّاملة الحيوان هي إمّا تبيض، وإمّا تلد، فجاز أن نضع اسمين اثنين: اسما أوّلا يدخل تحته الأفراد الحيوانيّة الّتي تبيض، وهذه مجموعة أولى، أو ما تحت المجموعة الأولى، واسما ثانيا تدخل تحته الأفراد الحيوانيّة، وهذه المجموعة الجزئيّة الثّانية، فليسا بما هما عناصر كما سَمَّيْتَ، أو أفراد كما هو الأصحّ أن يُسَمَّيَا، إنّما يتّحدان، لِيَلْزَمَ منهما المجموعة الشّاملة، الحيوان، كما وصفت، بل بما هما مجموعتان جزئيّتان. فالاتّحاد، كالتّقاطع إنّما هو نسب بين المجموعات، لا بين الأفراد بما هي أفراد.
13) قال: [والأمر كذلك إذا ما اعتبرنا الصّنفين هما مجموعتين جزئيتين وإنّ اتّحادهما يشكّل مجموعة أشمل هي مجموعة الحيوان] أقول: إنّ الاتّحاد لا يكون إلاّ بين المجموعات كما أسلفت. فما اعتبرتموه هاهنا هو الصّحيح، وما اعتبرتموه آنفا لا يصحّ إلاّ إذا فُسِّرَ على أنّ الفعل هنالك لم يكن توحيدا لِذَيْنِكَ الصّنفين بما هما عنوانان، بل تأليفا للمجوعة الشّاملة كلّها من نفس أفراد الصّنف الأوّل بما هي أفراد، ونفس أفراد الصّنف الثّاني بما هي أفراد. وعلى هذا التّأويل، فإنّه سيكون في عبارتكم سوء شديد.
14) قال: [ونخلص إلى أنّ تعريف النّسبة بين الموضوع والمحمول على أنّه اتّحاد لهما] أقول: وذلك ليس ممّا ذهب إليه أحد من القدامى يُعْتَدُّ به.
15) قال: [يتضمّن تصييرهما طرفا واحدا وبالتّالي فإنّ النّسبة تنتفي بينهما] أقول: كأنّك تريد أن تقول: إنّ المساواة بين الموضوع والمحمول، يرفع النّسبة، لأنّ النّسبة، هي علاقة، والعلاقة لا تكون إلاّ بين اثنين مختلفين في الأقلّ. فإذا لم يكن اخْتِلاَفٌ لم تكن علاقة، وإذا لم تكن علاقة، لم تكن نسبة. كذلك فلو كان اتّحاد بين المحمول والموضوع لم يكن اختلاف، وإذ ليس اختلاف، فليس علاقة، فليست نسبة.
16) قال: [ويرد مبحث النّسبة في المنطق ضمن مباحث المفاهيم الكلية على اعتبار ((أنّ النّسبة تكون بين مفهومين كلّيين)] أقول: كلاّ بل إنّ مبحث النسّبة في المنطق له ثلاثة مواطن بيّنة: الموطن الأوّل: هو مبحث المقولات حيث يُنْظَرُ في مقولة الإضافة، والمتى، والأين والوضع، مع سائر المقولات الستّة. والموطن الثّاني: هو مبحث المعاني المفردة، حيث يُنْظَرُ أيضا إلى نسب بعضها إلى بعض من جهة العموم والخصوص، وكيف أنّ المعنى قد يعمّ أفراده وأفراد غيره، وغيره يعمّ أفراده ولا يعمّ أفراد المعنى الأوّل، فهلمّ جرّا. أمّا النّسبة الّتي هي جزء من القضيّة والّتي تربط المحمول بالموضوع، فموضعها مبحث الألفاظ المركّبة، والأقوال الّتي تقبل الصّدق والكذب. وهذه النّسبة المقصودة هي غير النّسبة المذكور في نسب المعاني الكلّيّة بعضها إلى بعض.
17) قال: [ولقد علمنا أنّ المفهوم الكليّ ما كان يصدق على كثيرين، وليس كذلك الجزئيّ فهو لايصدق على كثيرين بل يصدق على فرد لا أكثر] أقول: ولقد سبق منّا التّنبيه على أنّ الصّحيح في تعريف الكلّيّ بأنّه المفهوم الّذي لا يَمْنَعُ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ من وقوع الشّركة فيه بين كثيرين، وإن هو في بالفعل لا يوجد فرد واحد، أو لا يوجد إلاّ فرد واحد. فمثلا العنقاء هو اسم لِطَائِرٍ لا وجود له إطلاقا في الواقع، ومع ذلك فهو ذو مفهوم في الذّهن كلّيّ؛ كذلك فالقدماء كانوا يعتقدون أن لا وجود إلاّ لِشَمْسٍ واحدة، واسم الشّمس عندهم هو يدلّ على مفهوم في الذّهن كلّيّ. أمّا الجزئيّ فقد نَبَّهْنَا أيضا على أنّه ما نفس تصوّره يمنع وقوع الشّركة فيه، لا كما وصفت ما يكون صادقا إلاّ على فرد واحد، فالشّمس كما أسلفت قد كانت واحدة عند القدامى، ومع ذلك فمعناها معنى كلّيّ.
18) قال: [ فلو دقّقنا الصّلة بين تعريف المفهوم الكليّ ووضع النسبة بين مفهومين كلّيين … فالنّسبة قائمة بين زيد والإنسان] أقول: لم أفهم جيّدا ما الشكّ الّذي تريد أن تقيمه على معنى الحمل في المنطق القديم. وما وجه الخَلْفِ الموجود مثلا في القضيّة “زيد إنسان”، حيث زيد هو جزئيّ، وإنسان كلّيّ؟ فقد يكون مُرَادُكَ أَنْ لَمَّا كانت الرّابطة إنّما تدلّ على المساواة في الحقيقة بين طرفي القضيّة، فحكمنا بزيد هو إنسان، هو حكم بالمساواة بين الجزئيّة والكليّة. وقد أسلفت لك أنّ ذلك ليس بصحيح، إذ الرّابطة في القضيّة لا تدلّ على المساواة فقط بين طرفيها، بل على نسبة المحمول إلى الموضوع. إذًا فتفسير زيد إنسان، لا يكون بأنّ حقيقة زيد هي حقيقة الإنسان، فيصير مثلا زيد هو عمرا لأنّ عمرا أيضا هو إنسان، والمساوي للمساوي مساو. بل تفسيرها أنّ زيدا هو شيء ممّا يُوصَفُ بأنّه إنسان، أي شيء يقوم به معنى الإنسانيّة؛ وفَرْقٌ بين الإنسانيّة، وبين الشّيء ذي الإنسانيّة. وإذا أردنا أن نفسّرها على طريق مبدإ المجموعات قلنا أنّ زيدا هو فرد ينتمي إلى المجموعة المسمّات بالإنسان.
19) قال: [يحدّد المنطق التّقليديّ ثلاثة نسب تتّفق ومقولة (( ثبوت شيء لشيء)) ضمن مباحث الكلّي وهي] أقول: ليس كذلك، بل ثبوت الشّيء لشيء إنّما هو متعلّق بنسبة المحمول للموضوع في القضيّة، ومعناها إيجاب، أو رفع وجود المحمول في ذات الموضوع، أي الأفراد الموصوفة بالموضوع، وهذه الأفراد هي جزئيّات حقيقيّة. فمثلا إذ قلنا الإنسان ناطق، فتفسيرها أنّ الأشخاص الموجودة في الخارج أو الّتي شأنها أن توجد، وتكون موصوفة بأنّها إنسان، هي موصوفة أيضا بأنّها ناطقة. أمّا النّسب الثّلاثة الّتي أنت مُزْمِعٌ أن تذكرها، فإنّما تتعلّق بالمعاني الكلّيّة ونسبة بعضها إلى بعضها من حيث مصاديقها، وعمومها وخصوصها. إذًا فذاك ذاك، وهذا هذا؟!
20) قال: [نسبة المساواة : نحو المساواة بين (الإنسان) و(البشر)، والمساواة بين (الإنسان) و(النّاطق)، حيث أنّ المفهومين المتساويين لهما ذات المصاديق، وأن أفرادهما غير مختلفي العدد] أقول: سوء عبارة. فالمساواة بين مفهوم ومفهوم، هي لمّا تكون مصاديق أحدهما عين مصاديق المفهوم الآخر؛ أمّا اتّفاقهما في العدد فهو ليس من الشّروط اُلْمُقَوِّمَةِ للتّصادق، بل من لوازمه.
21) قال: [ففي الأوّل إذا كان الموضوع فردا من أفراد المحمول فالنّسبة هي (علاقة الانتماء) أو الوجود بنفس المعنى] أقول: إنّ دخول الموضوع في المحمول، على أنّه فرد مُنْتَمٍ للمحمول ليس بالأمر الطّبيعيّ، بل هو أمر اعتباريّ. لذلك فإنّ المحمول بالواجب أن يكون أعرف من الموضوع، وهو بعد تعريف المحمول، وتَعْيِينِ أفراده، إنّما جاز أن نَنْسِبَ إليه الموضوع على أنّه فرد منه كما في هذا المثال، أو على أنّه قضيّة جزئيّة له كما سيذكر قادما.
22) قال: [هذا إذا، وإذا فقط وضعنا الإنسان عنصرا في مجموعة أشمل هي الكائنات الحيّة … وتنمو وتتغذى وتتكاثر] أقول: إنّ وصف الموضوع بأنّه فرد في المحمول أو مجموعة يحتويها المحمول لا يكون متقدّما عن تعريف المحمول، أو أنّ المحمول هو لازم عن تَعْيِينِ الموضوع. بل إنّ تعيّن الموضوع على أنّه فرد للمحمول فهو مُتَأَخِّرٌ عن تعريف المحمول و لازم عنه.
23) قال: [وأمّا إذا كان الموضوع هو مجموعة تضمّ عناصر معيّنة تعيينا جيّدا … من الكائنات الحيّة)] أقول: هاهنا لا يكون تَقَدُّمٌ لِتَعْرِيفِ المحمول على تعريف الموضوع، بل يُعَرَّفَانِ معا، فيتعيّن المحمول على أنّه مجموعة ذات أفراد متعيّنة، ويتعيّن الموضوع على أنّه مجموعة ذات أفراد متعيّنة. ويُقَاسُ الموضوع إلى المحمول، فإذا وُجِدَ أنّ كلّ فرد من أفراد الموضوع هو فرد من أفراد المحمول، وليس من شرطه أن يكون كلّ فرد من أفراد المحمول هو فرد من أفراد الموضوع، قيل إنّ الموضوع هو مجموعة جزئيّة بالقياس إلى المحمول، وأنّ المحمول هو المجموعة الشّاملة المحتوية للموضوع.
24) قال: […أمّا في الثّانية] أقول: أي وهاهنا.
25) قال: [بمعنى أنّ الحيوان مجموعة شاملة تضمّ في عضويتها الإنسان] أقول: تفسير مُضْطَرِبٌ، وذو لَبْسٍ، وليس من شأن القارئ الغرّ أن يفهمه أو يفهم ما الفرق بين علاقة الانتماء الموجودة للموضوع بالقياس إلى المحمول تارة، وعلاقة الاحتواء الموجودة للمحمول بالقياس إلى الموضوع تارة أخرى. ونحن في الإشارة المتقدّمة (23) قد نبّهنا عليه شيئا من التّنبيه.
26) قال: [أوعناصر لها خاصّة أو صفة مميزة تشترك بها كلّ العناصر] أقول: والصّفة المشتركة المُوجِدَةُ للمجموعة وأفرادها إنّما يُعْطِينَاهَا التّعريف المتعلّق بالمجموعة، كقولنا: لتكن المجموعة د المتكوّنة من كلّ حاصل ضرب عدد طبيعيّ في العدد صفر. فهذا التّعريف قد أَوْجَدَ المجموعة د، وعَيَّنَ لنا أيضا أفراد هذه المجموعة الّتي لا تتكوّن إلاّ من فرد واحد وهو صفر: د = {0}.
27) قال: […الطّائر أسود] أقول: إذا أُخِذَتِ اللاّم للاسْتِغْرَاقِ لا للإهمال. لأنّه لو كانت مُهْمَلَةً تصير في قوّة الجزئيّة، فيصدق حينئذ “الطّائر أسود”.
28) قال: [إذن إنّ هذه النسبة تصحّ بين مفهومين خارج ارتباطهما في القضيّة الحمليّة وليس فيها] أقول: غير مفهوم.
29) قال: [على مُسْتَوَى] أقول: عبارة صحفيّة: فلتقل ولو في مرتبة.
30) قال: [المنطق التّقليدي في الوقت الذي يفتعلون فيه وجود النّسبة المقدرة (هو) في القضيّة الحمليّة مثل (الإنسان حيوان)] أقول: أَيُّ سهولة، وأَيُّ جَرَاءَةٍ في الحكم على ما قَرَّرَهُ القدامى من أصول في المنطق، كهذا الأصل المثبت لِوُجُودِ معنى النّسبة في القضيّة الحمليّة، وبيانهم بأنّ القضيّة إن كانت ثنائيّة، طلب المحمول بذاته الموضوع، وإن كانت ثلاثيّة، وجب إثبات معنى ثالث رابط للمحمول بالموضوع، ووضعهم حينئذ لِلَّفْظِ الدّال عليه، وهو “هو” أو الكلمة الوجوديّة “يوجد”، وإلاّ بطلت عندهم القضيّة من حيث هي قضيّة. فاعلم إذًا بأنّ إثباتهم لِمَعْنَى النّسبة ليس من باب الافتعال، كما زعمت، أو الدُّعَابَةِ؛ ولِتَفْهَمَ ضرورتها لديهم سنأخذ مثالا أوّلا: إنّك لو طلبت من نجّار أن يصنع لك كرسيّا، فأتيته بعد شهر، فدفع إليك بأخشاب، ومسامير، زاعما بأنّه هاهو ذا الكرسيّ المطلوب، أما كنت سوف تُنْكِرُ عليه ذلك قائلا بأنّ ما قدّمه إنّما هو ما به قِوَامُ الكرسيّ، وليس الكرسيّ. إذًا، فالكرسيّ ليس هو أجزاءه فقط، بل أجزاءه مع وحدة وتركيب. كذلك فالقضيّة الثّلاثيّة المحتملة للصّدق والكذب إنّما هي معنى أوّل موجود في الذّهن يُسَمَّى محمولا، ومعنى ثان يُسَمَّى موضوعا. ولكن المعنى الأوّل الحاضر في الذّهن والمعنى الثّاني الحاضر في الذّهن ليسا بذاتهما إنّما يُكَوِّنَانِ معنى ثالثا واحدا هو القضيّة، بل لا بدّ من تركيب، وهذا التّركيب إنّما هو عين فعل الذّهن في نسبته للمعنى الثّاني للمعنى الأوّل، فَيَنْتَشِئُ إذًا، المعنى الأوّل على أنّه موضوع، والمعنى الثّاني على أنّه محمول، فَتَنْتَشِئُ القضيّة من حيث هي قول يحتمل الصّدق والكذب. فبان جيّدا أنّ إثبات النّسبة بين الموضوع والمحمول ليس بالأمر اُلْجِزَافِيّ، بل هو ضرورة منطقيّة لا مندوحة منها. فأيّها الأخ شيئا من التَّأَنِّي في الحكم على هؤلاء الأَسَاطِينِ، فرسان المعنى، وَسَلاَطِينِ الدَّقِيقِ والجَلِيلِ.
31) قال: [وبنفس الوقت يتغاضون عن أدوات صريحة في المنطوقات مثل ” أو” ، ” و” وغيرهما] أقول: إنّك تعلم أنّ النّظر المنطقيّ إنّما لِلْمَعْنَى بالقصد الأوّل، وللّغة بالقصد الثّاني، و لا يَنْظُرُ في اللّغة إلاّ بِاُلْعَرَضِ. لذلك فليس يهمّه ما مدلولات الألفاظ المنطقيّة في كلّ لغة لغة، فذلك قد يكون من مشمولات النّحويّ، أو عالم كلّ لِسَانٍ لِسَانٍ. وعلى هذا فالمنطقيّ قد يجد معانيا كمعنى الموضوع، أو معنى الحكم، أو معنى الكلّ، أو معنى الفصل، أو معنى الاستصحاب، وهلمّ جرّا، فَيُثْبِتُهَا، ثمّ إنّه قد يلتفت بالعرض إلى أنّه كيف يُدَلُّ على هذه المعاني مثلا في اللّغة العربيّة، كأن يقول إنّ القضيّة تُسَمَّى في اللّغة العربيّة جملة خبريّة، والموضوع، المسند إليه، والمحمول المسند، وأنّه لا يُعْرَفُ أيّهما الموضوع وأيّهما المحمول بِتَرْتِيبِهَا في القول لا محالة، بل بِحَالِ الاسم؛ فمثلا إذا كان أحد الاسمين مُعَرَّفًا، والآخر نكرة، قُضِيَ بأنّ الأوّل هو المسند إليه، أي الموضوع، بالعبارة المنطقيّة، والثّاني مُسْنَدًا، أو محمولا بالعبارة المنطقيّة.
32) قال: [ومن ذلك فهم يغضّون طرف البحث عن خطورة الأداة الشّرطية “إذا .. أنّ النّسبة هي التّصاحب مثلا] أقول: لي قول في هذا، أثناء البحث المتعلّق بالقضايا الشّرطيّة.
33) قال: [أي بطريقتهم هذه ” يظهرون ” ما يعتقدون أنهم باطن، وينحون ظاهرا بينـّا فيغطسون به إلى النّسيان والتّغاضي] أقول: كلام خَفِيفٌ، ونابي، لا يليق بهذا الجنس من المباحث.

ـــ
السَّلْبُ واُلْعُدُولُ

اُلْمَتْنُ
“تقسّم القضايا الحمليّة باعتبار تحصيل طرف أو عدوله إلى محصّلة ومعدولة. وإنّ التّحصيل والعدول حالات لكلّ من الموضوع والمحمول. وعندما يكون طرف ما من القضيّة ” محصّلا” فهو يدلّ على شيء موجود، أمّا عندما يكون الطّرف معدولا، فمعنى ذلك دخول حرف السّلب على وجه يكون جزءا من الطّرف المعدول، ويدلّ أيضا على وجود شيء بصورة معدول. نحو ” لا إنسان بنبات” قضيّة معدولة الموضوع ومحصّلة المحمول. و(لا إنسان لاحيّ) معدولة الطّرفين. و(الإنسان لاجماد) محصّلة الموضوع ومعدولة المحمول. ويهمّنا هنا بعد هذه التّوطئة التّعريفيّة للعدول، هو الفرق بين القضيّة السّالبة والقضيّة المعدولة المحمول.
عادة تستخدم الأداة ( ليس) في القضايا السّالبة، وتستخدم كُلاًّ من (لا) و(غير) في عدول طرف القضيّة. وكلّ الأدوات المذكورة هي أدوات سلب بحسب المنطق التّقليدي. وهذا أمر فيه نظر كما سنرى. فلوكانت هذه الأدوات هي أدوات سلب فما الّذي يوجب وجود العدول أصلا، خاصّة عندما تكون القضيّة الحمليّة معدولة المحمول؟ وما الذي يوجب الفرق بينهما ؟ إنّ تصنيف القضايا إلى محصّلة ومعدولة في تقديرنا هوتصنيف لأدوات السّلب المذكورة، وهو تصنيف لغويّ محض لايتمخّض عنه فرق منطقيّ. ومع ذلك يصر مروّجو المنطق التّقليدي على وجود الفرق بين الاثنين من جهة المعنى فإنّ المقصود بالقضيّة السّالبة هي القضيّة المسلوبة المحمول نحو (بعض الإنسان ليس بكاتب). أمّا القضيّة المعدولة المحمول فتعني حمل السّلب على وجه يكون فيه السّلب جزء من المحمول . نحو (بعض الإنسان لاكاتب) فهذه موجبة وليست سالبة. ولو دقّقنا بالفرق بين (ليس بكاتب) و( لاكاتب) من حيث القيمة المنطقية فلا نجد فرقا، ولكن لو أعدنا التّدقيق من حيث تصنيف الإنسان بوصفه كائنا قابل للتّصنيف وفق مبدأ للتّصنيف أساسه (كاتب) فنجد أنّ المحمول بوصفه مجموعة شاملة يحتوي مجموعتين جزئيّتين: الكتّاب، واللاّكتّاب. و(ليس كاتب) تكافئ ( لاكاتب)، كما في المثال . إلاّ أنّ هذا التّكافؤ يسقط في أمثلة حسيّة أخرى، نحو ( طلبة هذا الصفّ غير ناجحين) معدولة المحمول ما يعني أنّ الطلبة قد جرى تصنيفهم إلى ناجحين وغير ناجحين ولكن سلب القضيّة في المثال لايؤدّي إلى (طلبة هذا الصفّ ناجحون) فقد يكون غير الناجح مكمّلا أو راسبا. وعلى هذا فإنّ معدولة المحمول لاتتكافئ مع السّالبة دائما وباعتبار السّالبة محمولها مسلوب.
إنّ مفهوم (المعدولة) يحيلنا إلى مفهوم يغيب عن المنطق التقليدي وهو مفهوم (الإتمام) وهي عمليّة أحادية تنتج متمّمها دائما. فمتمّم (اللاّحيّ) هو (الحيّ) . ومتمّم (الإنسان) هو (اللاّ إنسان) وبالعكس. والخلاصة أنّ العدول تصنيف لغوي وليس منطقيّ. يساق فرق آخر بين المعدولة المحمول والسّالبة وهو وضع ما يسمّى بـ ( الرّابطة ) في القضيّة الحمليّة. ويقصد بالرّابطة الضّمير المستترّ (هو)، وهو أمر طارئ على اللّغة العربية قال به من يكتب في اللّغة العربية ويفكّر بغيرها. نحو (الحديد معدن) فتقدير الرّابطة فيها كما يرد في المنطق التّقليدي (الحديد ـ هو ـ معدن)، وهذا ليس بالتّقدير اللغوي الصائب ولا هو بالتقدير المنطقيّ الصّائب. أمّا من النّاحية اللغوية لايستخدم الضمير هو في مثل هذه الحالات كما هو معروف. ومن النّاحية المنطقية فهذا التّقدير يتناقض مع قانون الهويّة وهوأحد قوانين الفكر الثّلاثة التي يستند إليها علم المنطق منذ أرسطو. فالقول (ب هو ب) أي أنّ هوية الشيء هو الشّيء ذاته. ويتضمّن هذا التّعريف: المساواة والتّطابق من كلّ الوجوه. الأمر الّذي يصطدم مع القول (الحديد هو معدن) لانتفاء المساواة بين الموضوع والمحمول، بل القول الصّائب يتّخذ أحد الأشكال التّالية : (الحديد معدن من المعادن)، (الحديد ينتمي إلى المعدن)، (الحديد عنصر في المعدن). ويترتّب على ما يُدّعى أنّه رابطة في القضيّة الحملية، خطأ آخر وهو اختلاف (وضع) الرّابطة بالنّسبة لأداة السّلب في معدولة المحمول والسّالبة. فيقولون إنّ (المعدولة تجعل الرابطة فيها قبل حرف السّلب لتدلّ على حمل السّلب) نحو (بعض الإنسان هو لا نبات )، (والسّالبة تجعل الرّابطة فيها بعد حرف السلب لتدلّ على سلب الحمل) نحو ( بعض الإنسان ليس هو نبات). إنّ الرّابطة ” هو” لاموضع لها في المعالجات المنطقية، فالفرق المساق على هذا النحو ملفق بطريقة غير منتجة وينمّ عن اعتلال في وعي اللّغة. إنّ هذا الاعتلال اضطرّ بعض الكتّاب إلى القول في مباحث النّقض بأنّ (الموجبة المعدولة المحمول تُحوّل إلى سالبة محصّلة المحمول .. لأنّ مؤداهما واحد.. وأنّ سلب السّلب إيجاب..) ! وقد توصّلوا إلى هذه النّتيجة عندما شرعوا ببرهان قواعد النّقض وهذا أمر نوافق عليه لأسباب منطقيّة أخرى غير التي تذكر في المنطق التقليدي وهي أسباب ممتحنة في المنطق الرّياضياتيّ. إذن ما الدّاعي المنطقيّ لمبحث العدول أصلا؟ إنّنا بهذه الملاحظة لا نطالب برفع عبارات من قبيل “لا إنسان ..” و” … لامعدن” وأضرابها من الأمثلة التي تساق في المنطق. ولكن نلفت الأنظار إلى أنّ العدول هو أمر لغوي محض، وبذات الوقت أمر يتعلّق بتصنيف المجموعات وتكون معالجته عبر عملية الإتمام كما قلنا. مرّة أخرى يثير غياب مبحث النّفي والاكتفاء بمبحث السّلب في المنطق التقليدي إشكالات عديدة، تظهر جلية في القضايا المسوّرة، أي القضيّة التي تظهر فيها ألفاظ الكم (الكم هو سور القضيّة ولهما المعنى ذاته). إنّ نفي القضيّة المسوّرة يؤدّي إلى تغيير السّور ويغيّر كيف القضية، والعدول هو تعبير لغوي آخر للسّلب . هذا ما نعتقده، و هذا ما أثبتناه في محلّه. لذا فإنّ:
(1) نفي القضيّة الكليّة الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئيّة الموجبة.
(2) نفي القضيّة الكليّة السّالبة المعدولة المحمول يكافئ القضيّة الجزئيّة السالبة. (ههنا لدينا ثلاثة عمليات : النّفي، السّلب ، العدول).
(3)نفي القضيّة الجزئية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية الموجبة.
(4)نفي القضية الجزئيّة السّالبة المعدولة المحمول يكافئ القضيّة الكلية السّالبة.
إنّ عمليّة النفيّ لاتحوّل عدول الموضوع إلى موضوع محصّل، وهكذا يمكن الاستمرار في استخراج بقيّة القضايا المسوّرة في أحوالها الأخرى.”
عبد الرّحمن كاظم زيارة

الإشارات
1) قال: [تقسّم القضايا الحمليّة باعتبار تحصيل طرف أو عدوله إلى محصّلة ومعدولة. وإنّ التّحصيل والعدول حالان لكلّ من الموضوع والمحمول] أقول: إنّ القضيّة الحمليّة إمّا ثنائيّة، وهي الّتي محمولها فعل؛ أو ثلاثيّة، وهي الّتي محمولها اسم، ويوجد لها فعل رابط للاسم المحمول بالموضوع. والقضيّة الحمليّة بنوعيها قد يكون موضوعها محصّلا، كإنسان في القضيّة: “الإنسان هو حيّ”، وقد يكون موضوعها معدولا، كلاإنسان في القضيّة: “لاإنسان ليس هو ناطقا”. وقد تكون القضيّة الحمليّة موضوعها محصّلا، ومحمولها معدولا. فإذا كانت ثنائيّة دخل حرف السّلب على الفعل، مثل “زيد لا يوجد”؛ ولأنّ هذه الصّورة لا تَفْتَرِقُ عن صورة السّلب، لم يُعْتَبَرْ العدول الحمليّ في القضيّة الثّنائيّة. أمّا في القضيّة الثلاثيّة، فهي تكون معدولة المحمول، إذا اقترن حرف السّلب بالمحمول، وتأخّر عن الرّابطة، قولك: “زيد هو لا عادل”. وقد تكون القضيّة أيضا معدولة الموضوع، ومعدولة المحمول، قولك: “لاإنسان هو لا جائر”. أمّا القضيّة، فإن خَلَتْ من العدول، سُمِّيَتْ بسيطة، ولكن هي لا تُسَمَّى معدولة بإطلاق، إلاّ إذا كانت معدولة المحمول، فإذا كانت معدولة الموضوع فقط، فلم تجر العادة، في التّعليم الأوّل، بِتَسْمِيَتِهَا بالمعدولة.
2) قال: [ أمّا عندما يكون الطّرف معدولا، فمعنى ذلك دخول حرف السّلب على وجه يكون جزءا من الطّرف المعدول، ويدلّ أيضا على وجود شيء بصورة معدولة] أقول: إنّ الطّرف في القضيّة يكون محصّلا، إذا لم يقترن به حرف السّلب، ويدلّ في المعنى على أمر مُتَعَيِّنِ الوجود والصّورة. ويكون معدولا إذا اقترن به حرف السّلب، ويدلّ في المعنى على ارتفاع أمر، أو لاوجوده. أمّا تفسيرك هاهنا للعدول ففيه شيء من الاضطراب والخلل؛ فأنت بعد أن فسّرت المقصود المعنويّ من التّحصيل، وشرعت في بيان المقصود المعنويّ من العدول، إنّما ذكرت صورته اللّفظيّة، ثمّ بَيَّنْتَهُ بنفسه، كالّذي رَامَ أن يشرح معنى “السّارق”، فقال “هو الّّذي فعل فِعْلَ السّرقة”.
3) قال: [وكلّ الأدوات المذكورة هي أدوات سلب بحسب المنطق التّقليديّ. وهذا أمر فيه نظر كما سنرى. فلوكانت هذه الأدوات هي أدوات سلب فما الّذي يوجب وجود العدول أصلا] أقول: إلزام مضطرب وغير واضح؛ ولست أفهم كيف جاز أن يُحْتَجَّ على المعاني المنطقيّة بأدلّة لغويّة، وقد قلنا مِرَارًا أنّ الحكم في هذا العلم إنّما للمعنى على اللّفظ، وأنّ تَعَرُّضَهُ للّغة إنّما يكون أبدا بالعرض؟ أمّا قولك بأنّ تصنيف القضيّة في المنطق القديم إلى بسيطة، أو محصّلة، ومعدولة، تصنيف لغويّ فحسب، فهو مجانب جدّا للصّواب، ودعوى مجرّدة.
4) قال: [(ليس بكاتب) و(لاكاتب) من حيث القيمة المنطقيّة فلا نجد فرقا] أقول: وكيف تَتَعَيَّنُ عندك القيمة المنطقيّة؟ أمّا لدى القدامى فالفرق كبير بين السّلب والعدول. ذلك لأنّك إذا قلت “ليس بكاتب”، فقد دللت على موضوع سُلِبَ عنه الإنسانيّة، وإن لم يكن قد صُرِّحَ به في القول. أمّا “لاكاتب”، فهو لا يدلّ على موضوع قد سُلِبَتْ عنه الكتابة، بل على عدم معنى فحسب، كما أنّ الاسم المحصّل إنّما يدلّ على معنى ثابت، لا على ثبوت معنى لِمَعْنَى. وكما أنّ الاسم المحصّل ككاتب، إنّما هو معنى مُفْرَدٌ غير مركّب، أي لا يحتمل الصّدق والكذب، كذلك فالاسم المعدول، كلاكاتب، إنّما يدلّ على عدم معنى، وهو بعينه معنى مُفْرَدٌ لا يحتمل الصّدق والكذب. فبان لِكُلِّ ذي نَظَرٍ مُنْصِفٍ الفرق بين السّلب والعدول؛ و كما رأيت فهو من باب الفرق بين المعنى المفرد والمعنى المركّب، وناهيك به من فرق منطقيّ عظيم!
5) قال: [وعلى هذا فإنّ معدولة المحمول لاتتكافئ مع السّالبة دائما وباعتبار السّالبة محمولها مسلوب] أقول: أي السّالبة البسيطة هي ما سُلِبَ محمولها عن موضوعها، أمّا المعدولة، فهي موجبة قد أُوجِبَ لِمَوْضُوعِهَا عدم المحمول. وليست هناك مساواة بين السّالبة البسيطة، والموجبة المعدولة، أو الموجبة البسيطة والسّالبة المعدولة، بل لُزُومٌ لأحدهما للآخر. فمثلا، إمّا أن تصحّ الموجبة البسيطة”زيد هو كريم”، أو تصحّ السّالبة البسيطة “زيد ليس هو بكريم.” فيلزم من صحّة “زيد هو كريم” صدق السّالبة المعدولة “زيد ليس هو لا كريم”، وليس يلزم من صدق “زيد ليس هو لا كريم”، وذلك سَلْبٌ عنه لِِضِدِّ الكرم، أي البخل، صدق “زيد هو كريم”، لأنّ زيدا قد لا يكون بخيلا، ولا كريما، كأن يكون مُقْتَصِدًا في نَفَقَتِهِ ليس غير. وإن كان الّذي صدق، السّالبة البسيطة، “زيد ليس بكريم”، فهذه لا يلزم منها صدق الموجبة المعدولة “زيد هو لا كريم”، أي بخيل، لأنّه قد يكون مقتصدا فحسب؛ أمّا هي، أي السّالبة البسيطة، فيلزم صدقها من صدق الموجبة المعدولة، على معنى إذا صحّ أنّ “زيد هو لا كريم”، فقد صحّ لا محالة أنّ “زيد ليس هو بكريم”. ذلك لأنّه مِنْ صِدْقِ الأخَصِّ يلزم صدق الأعمّ، وليس من صدق الأعمّ يلزم صدق الأخصّ.
6) قال: [والخلاصة أنّ العدول تصنيف لغوي وليس منطقيّا] أقول: لم يظهر لي أين وجه الملازمة بين ما تقدّم ذكره، واستنتاجكم المتعجّل بأنّ معنى العدول في المنطق القديم إنّما ترجع فائدته إلى كونه مجرّد تقسيم لفظيّ ليس تحته من موجب منطقيّ؟
7) قال: [يساق فرق آخر بين المعدولة المحمول والسّالبة وهو وضع ما يسمّى بـ (الرّابطة) في القضيّة الحمليّة] أقول: إنّ الفروق المذكورة بين السّلب والعدول هي فروق منطقيّة؛ أمّا الفروق المذكورة بين مرتبة حرف السّلب قبل الرّابطة في البسيطة، وتأخّرها عن الرّابطة في المعدولة فليست من الأمور المقوّمة لذلك الفرق المنطقيّ، بل هي تَابِعَةٌ له، وذات تعلّق بِهَيْئَةِ ترتيب الألفاظ في القضيّة المنطقيّة الّتي صِفَتُهَا صفة ما، حتّى يكون ذلك التّرتيب دَالاًّ باللّفظ، على ما هو مُتَحَقِّقٌ مَعْنًى. لذلك فقد اختلف حاله من لغة إلى لغة. وأنت تعلم أنّ الأحكام المنطقيّة إنّما هي واحدة، وراء كلّ تعدّد في اللّغة.
8) قال: [الضّمير المستترّ (هو)] أقول: انظر إشارة (3) في فصل النّسبة.
9) قال: [وهو أمر طارئ على اللّغة العربية قال به من يكتب في اللّغة العربية ويفكّر بغيرها] أقول: إنّ ضرورة إثبات الرّابطة في القضيّة الثّلاثيّة، هي ضرورة منطقيّة، وليست ضرورة لغويّة؛ وإذ أنّه قد اتَّفَقَ أن قد كان موجودا في اللّغة اليونانيّة ما يدلّ على هذا المعنى، ولم يكن ذلك موجودا في العربيّة، فقد اُضْطُرَّ المناطقة العرب، أن يَنْحِتُوا مكافئا لِهَذَا المعنى، لا لِيُدْخِلُوهُ في اللّغة العربيّة، فليس ذلك من مقاصدهم ألبتّة، بل ليدخلوه في صناعتهم. إذ أنت تعلم أنّ كلّ صناعة طارئة على لسان، فلا بدّ لأهل الصّناعة في ذلك اللّسان من أن يُوَلِّدُوا كلّ العبارات بلغتهم الّتي تدلّ على عين المعنى الّذي تدلّ عليه في اللّسان الأوّل.
10) قال: [وهذا ليس بالتّقدير اللغوي الصائب] أقول: أوّلا إنّه ليس يهمّ إن صحّ ذلك في اللّغة أم لم يصحّ؛ فكما قلت إنّما مقصود أهل صناعة المنطق لم يكن إصلاح اللّغة، بل أن يُوجِدُوا المقابل العربي لِمَعْنَى صناعيّ. وثانيا، ليس بصحيح لا يوجد مثل ذلك التّركيب في اللّغة العربيّة. بل هناك الضّمير المسمّى بضمير الفصل أو العماد؛ وهو وإن كان معناه، في المبحث النّحويّ، غير معناه في المنطق، فصورته اللّغوية هي هي، على أيّة حال. فمثلا هذه الآية الكريمة من سورة سبأ الآية 34، ﴿ويرى الّذين أوتوا العلم الّذي أنزل إليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾
11) قال: [ولا هو بالتّقدير المنطقيّ الصّائب] أقول: وقد سبقت منّي الإشارة بأنّ ذلك ليس بصحيح.
12) قال: [أمّا من النّاحية اللّغوية لايستخدم الضّمير هو في مثل هذه الحالات كما هو معروف] أقول: انظر الإشارة المتقدّمة عن الأخيرة.
13) قال: [ومن النّاحية المنطقية فهذا التّقدير يتناقض مع قانون الهويّة … لانتفاء المساواة بين الموضوع والمحمول] أقول: وقد سبق لنا ردّ على هذا الوهم في مبحث النّسبة. فانظره هناك.
14) قال: [بل القول الصّائب يتّخذ أحد الأشكال التّالية : (الحديد معدن من المعادن)، (الحديد ينتمي إلى المعدن)، (الحديد عنصر في المعدن)] أقول: إنّ صوغك لِنَفْسِ القضايا هذه الصّياغة حتّى تستعيضوا بها عن الرّابطة الّتي حَكَمْتُمْ بلا فائدتها المنطقيّة، لا يُغْنِي شيئا في نظر القدامى، ولا يَنْفَعُ فَتِيلاً، لأنّ الرّابطة في القضيّة الثلاثيّة، إنّما هي معنى ضروريّ، ولا بدّ من وَضْعٍ لِلَفْظٍ لِيَدُلَّ عليها. وقد أسلفت لك القول ما وجه ضرورتها. ولا بأس من أن أعيد عليك طَرَفًا من ذلك. فالقضيّة الثّلاثية ما يكون محمولها اسما. وأنت تعلم أنّ الألفاظ ذوات المعنى هي ثلاث: اسم، وفعل، وأداة. أمّا الاسم فيدلّ على معنى تامّ، ولا يدلّ مع معناه، على زمن ذلك المعنى، ولا يَطْلُبُ بعد ذكره أن يُنْسَبَ إلى موضوع ما إطلاقا. فلو سُمِعَ اسم “إنسان”، حضر في الذّهن معناه، ولم يحضر وجوده في زمن من الأزمان الثّلاثة ألبتّة، ولم يطلب الذّهن لأن يَنْسِبَهُ إلى غيره في الخارج. أمّا لو سُمِعَ فعل “يمشي”، فُهِمَ منه أنّه هناك مَشْيٌ، فهذا معنى تامّ، وأنّ ذلك المشي هو الآن، أو في المستقبل، وأنّ ذلك الفعل إن كان واقعا في الخارج، فلا بدّ من أن يُنْسَبَ لِمَوْضُوعٍ مَا، وبذينك إنّما يختلف الفعل عن الاسم. أمّا الأداة فَتُخَالِفُ الاثنين من حيث أنّها ذات معنى، ولكن ليس بتامّ، ولا يَكْمُلُ معناها إلاّ إذا اقترنت باسم، كحرف في، فهو ناقص المعنى، ويتمّ معناه إذا قُرِنَ مثلا ب “الدّار” فقيل “في الدّار”. إذًا، فلمّا كان الفعل إنّما يطلب بذاته موضوعه في الخارج، لم يُحْتَجْ إذا أُخْبِرَ به في القضيّة الثّنائيّة، كقولنا “زيد يمشي”، إلى معنى يربطه بموضوعه؛ أمّا الاسم، فلمّا كان معناه لا يطلب بذاته موضوعه، فلو قام في الذّهن مع معنى اسم ثان، يكون تاليا له في الذّكر، لم يلزم من ذلك وجود القضيّة. لذلك فالذّهن سيضطر لأن يفعل فعلا، وهو نسبة الاسم الثّاني للموضوع، وهذا الفعل هو بعينه الرّابطة المنطقيّة الّتي زعمتم بأن لا وجود لها إلاّ الوجود اللّفظيّ.
15) قال: [وهو اختلاف (وضع) الرّابطة بالنّسبة لأداة السّلب في معدولة المحمول والسّالبة] أقول: سوء عبارة؛ والأوضح أن يقال: ..خطأ آخر متعلّق بِعَدِّهِمْ أنّ وضع أداة السّلب مع الرّابطة يختلف بين المعدولة، والسّالبة البسيطة.
16) قال: [إنّ الرّابطة “هو” لاموضع لها في المعالجات المنطقية، فالفرق المساق على هذا النحو ملفق بطريقة غير منتجة وينمّ عن اعتلال في وعي اللّغة] أقول: دعوى مجرّدة، وتعليل خطابي. ولِمَ هو لم يَعُدْ لها موضع في المعالجات المنطقيّة، وأيّها تعني. فإن أنت أردت بها العلوم المنطقيّة اليوم، فليس من حقّنا أن نُلْزِمَ العقل الحكميّ والفلسفيّ، بما انساقت إليه هي من فعل تجريديّ رهيب قصاراه أنّه كان قد أرضى العقل العمليّ النّفعيّ الآليّ، ليس غير.
17) قال: [(الموجبة المعدولة المحمول تُحوّل إلى سالبة محصّلة المحمول .. لأنّ مؤداهما واحد.. وأنّ سلب السّلب إيجاب..)] أقول: كلام مضطرب وينقصه الوضوح. فإمّا إنّك تعني أنّ الموجبة المعدولة تُحَوَّلُ بعد النّقض، إلى محصّلة المحمول، وقد وصفتها، ربّما على سبيل السّهو، بالسّالبة، والصّحيح، إلى محصّلة موجبة؛ وليس بصحيح أنّه عند القدامى، نقيض الموجبة المعدولة يلزم عنها موجبة محصّلة المحمول؛ فمثلا “زيد هو لا كريم موجبة معدولة”؛ نقيضها “زيد ليس هو بلا كريم”؛ وهذه لا يلزم منها عندهم “زيد هو كريم” موجبة محصّلة؛ فزيد قد يكون مرفوعا عنه لا كريم، أي البخل، وقد لا يكون كريما، كأن يكون مقتصدا في نفقته فقط. أمّا إن كان مقصودك أنّ الموجبة المعدولة هو يلزم منها سالبة محصّلة المحمول، فذلك قولهم، لأنّ ثبوت اللاّكرم لِزَيْدٍ هو أخصّ من رفع الكرم عنه، وإِذا ثبت الأخصّ ثبت الأعمّ؛ لذلك فهو يلزم من صدق الموجبة المعدولة، صدق السّالبة المحصّلة. وقولك “وأنّ سلب السّلب، إيجاب”، فغير مفهوم ما نِسْبَتُهُ لِمَا تقدّم من تفسير؟
18) قال: [وقد توصّلوا إلى هذه النّتيجة عندما شرعوا ببرهان قواعد النّقض وهذا أمر نوافق عليه] أقول: ولا جرم أنّ القدامى سوف لن ينسوا لك هذه المكرمة، أو يغمطوك هذا الفضل.
19) قال: [نلفت الأنظار إلى أنّ العدول هو أمر لغوي محض] أقول: إنّه لَمِنَ الصّعب على الذّهن الّذي لم يَأْلَفْ طُرُقَ القدامى، ولم يطّلع جيّدا على الأصول الحكميّة والفلسفيّة لهم، أن يَتَبَيَّنَ حَقًّا ما الفرق بين السّلب والعدول في القضيّة المنطقيّة، وهو سوف يقضي بِأَخَرَةٍ بأنّه ليس مِنْ فَرْقٍ بينهما إلاّ الفرق اللّفظيّ. فلا بدّ من أن تعلم ابْتِدَاءً أيّها الأخ أنّ موضوع المنطق، ومقصوده، عند هؤلاء هو يختلف عن موضوعه ومقصوده عند المحدثين. فالمحدثون قد جرّدوا موضوع المنطق من كلّ معنى، أو نسبة إلى الوجود، وحصروه في جملة من الرّموز والمبادئ والقواعد الموضوعة وَضْعًا. إذ مقصوده الأوّل عندهم، فأن يُحْصَلَ على نسق ما منطقيّ؛ أي أنّ نفس الأحكام المنطقيّة وقانون ارتباط بعضها ببعض إنّما هو كلّ غاية علم المنطق. أمّا القدامى فلم يكن كذلك إدراكهم لِهَذَا العلم. فموضوعه مُتَعَيِّنٌ لا محالة وذو نسبة بالوجود، ويرون أنّ هذا الموضوع هو المعقولات الثّانية اللاّزمة عن اعتبار معاني المعقولات الأولى الّتي هي آثار الوجود في الذّهن. و ليس هو مقصودا لذاته، أو لأجل أن يُؤَلَّفَ نَسَقٌ ما، بل إنّه مقصود لأجل معرفة حقائق الموجودات. لذلك، فإنّه وإن كان عندهم لا تدخل مُقَدِّمَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ، في وضع الأحكام المنطقيّة أصلا، فهذا لايعني أن لا يكون اعتبار ما للوجود حين وضع تلكم الأحكام، إذ هي من أجل معرفته هو، إنّما وُضِعَتْ هذه الأحكام. فمثلا أنت قد تَرُومُ صناعة آلة لِنَشْرِ الخشب. فَمَعْلُومٌ أنّك حينما تصنع الآلة لا تأخذ أجزاء ماديّة من الخشب، ولكن هذا لا يعني أنّك لا تَعْتَبِرُ في ذهنك نَوْعًا من الاعتبار الموضوع الخشب، فُتَرَاعِي ذلك في صناعتك للآلة. كذلك فالمنطق لمّا كان عند القدامي هو آلة للعلم، والعلم إنّما هو بحث في أحكام الوجود. فلا يُحْتَاجُ إلى بيان كبير بأنّ هذه الأحكام لا يمكن أن تكون علما إلاّ إذا أثبتت شيئا موجودا لشيء موجود. والحكم يكون باطلا، إذًا، فلا يكون كاشفا لِحَقِيقَةِ الوجود، إمّا إذا كان المحكوم عليه موجودا، والمحكوم به غير موجود، أو يكون المحكوم عليه من رَأْسٍ غير موجود. إذًا، فإذا كان موضوع الحكم غير موجود، كان الحكم غير علميّ، فهو غير كاشف للوجود؛ لذلك، فالعلم لا يمكن أن يكون مقصوده بنحو من الأنحاء الأحكام الّتي موضوعاتها غير موجودة؛ وموضوع الحكم إنّما عن طريق الخطأ لا يكون موجودا، وليس عن طريق اُلْوَضْعِ. وإذ المنطق هو آلة للعلم؛ إذًا فلا بدّ أن يُعْتَبَرَ فيه ما يكون من مقاصده الحقّ، أي الأحكام الكاشفة للوجود، فالمنطق لا بدّ أن يَعْتَبِرَ أوّلا في بحثه، القضايا الّتي إذا تَعَيَّنَتْ في مَادَّةٍ ما، صارت حكما علميّا، إذًا، فليس من مَنَاصٍ أن يكون نظره في القضايا الّتي لا بدّ من أن يُعْتَبَرَ وجود موضوعها بِاُلْوَضْعِ، ومَوْرِدُ الصّدق والكذب فيها إنّما يكون نفس الحكم.
وبعد هذه المقدّمة، فَيُمْكِنُنَا الآن أن نُبَيِّنَ أنّ التّفرقة بين السّلب والعدول في المنطق القديم هي لَذَاتُ معنى: وذلك أنّ أوّل القضايا وأَتَمَّهَا من حيث الكيف هي الموجبة، فهي مقصودة بذاتها. والموجبة إنّما تُثْبِتُ شيئا لِشَيْءٍ؛ ومَعْلُومٌ أنّ ثبوت الشّيء لشيء إنّما هو فرع لِثُبُوتِهِ هو نفسه. لذلك فكلّ من رام أن يثبت شيئا ما، فلا يمكن حينئذ أن يكون في نفس قصده للإثبات وَاضِعًا لِلاَثُبُوتِ الموضوع، وإلاّ فهو لاعب أو مُتَسَفْسِطٌ. والإثبات قد يكون إثباتا لِصُوَرٍ وجوديّة، وقد يكون لِصُوَرٍ عَدَمِيَّةٍ. فمثلا نحن نثبت أنّ داود عادل، وهذه صورة وجوديّة، ونثبت أنّ فرعون جائر وهذه صورة عدميّة. ولمّا كان لِبَعْضِ المعاني العدميّة لا يوجد لها ألفاظ في بعض اللّغات تَدُلُّ عليها، فقد يُضْطَرُّ أحيانا لِعَدْلِ المعنى الثّبوتيّ. كما لو لم يوجد اسم يدلّ على ضدّ العدل في اللّسان العربيّ، فَيُقَالُ “فرعون هو لا عادل”. فهذا إذًا إثبات، والقاصد لِلاَّعَادِلِ إنّما قاصد له من أجل إثباته لفرعون، فلا يمكن حينئذ أن يكون وَاضِعًا لِعَدَمِهِ، أي لِعَدَمِ فرعون، بل لا بدّ من أن يكون حينها قاصدا لِوَضْعِهِ. أمّا في السّلب، فلمّا كان عبارة عن رفع شيء عن شيء، ورفع الشّيء عن شيء لا يقتضي ثبوت الشّيء المرفوع عنه ذلك الشّيء، فالسّالبة تكون صادقة إذا ارتفع الوصف المرفوع، على أيّة حال. وهو يرتفع إذا كان المرفوع عنه موجودا، وهو غير موجود، أو كان المرفوع عنه غير موجود، فهو مرتفع لا محالة. لذلك كانت السّالبة قد تصدق، ولم يلزم من صدقها صدق المعدولة، لأنّها قد تكون صادقة لعدم وجود موضوعها؛ وإن رُمْتَ إثبات المعدول المحمول لها، كنت قد رمت إثبات شيء لشيء غير موجود، فتكون الموجبة المعدولة كاذبة.
20) قال: […ما أثبتناه في محلّه] أقول: هاهنا أم في محلّ آخر؟ أمّا هاهنا فلست أرى لك بيانا يُعْتَدُّ به، أو يشفي غليلا، لكلّ الدّعاوي المذكورة.
21) قال: [نفي القضيّة الكليّة الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئيّة الموجبة] أقول: أي إذا كذبت الكلّيّة الموجبة المعدولة كلّ ب هو لا ج، فقد صدقت ليس كلّ ب هو لا ج؛ أي بعض ب ليس هو لا ج، فيلزم صدق بعض ب ج ؛ جزئيّة موجبة بسيطة. وهذا اللّزوم هو غير صحيح أو مطّرد، على المذهب القديم.
22) قال: [نفي القضيّة الكليّة السّالبة المعدولة المحمول يكافئ القضيّة الجزئيّة السّالبة. (ههنا لدينا ثلاثة عمليات : النّفي، السّلب ، العدول)] أقول: أي إذا كذبت السّالبة الكلّيّة المعدولة، لا أحد من ج هو لا ب، فقد صدقت الموجبة الجزئيّة المعدولة، بعض ج هو لا ب؛ ويلزم من صدق هذه، صدق السّالبة الجزئيّة البسيطة ليس كلّ ج ب. وهذا اللّزوم صحيح على المذهب القديم.
23) قال: [نفي القضيّة الجزئية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية الموجبة] أقول: على معنى إذا كذبت الجزئيّة الموجبة المعدولة، بعض ج هو لا ب، فقد صدقت السّالبة الكلّيّة المعدولة، لا أحد من ج هو لا ب؛ ويلزم من صدق هذه صدق الموجبة الكليّة البسيطة كلّ ج هو ب؛ وهذا ليس بصحيح ولا مطّرد على المذهب القديم.
24) قال: [نفي القضية الجزئيّة السّالبة المعدولة المحمول يكافئ القضيّة الكلية السّالبة] أقول: إذا كذبت الجزئيّة السّالبة المعدولة، ليس كلّ ج هو لا ب، فقد صدقت كلّ ج هو لا ب؛ ومن هذه يلزم صدق لا أحد من ج هو ب، وهي سالبة كلّيّة بسيطة. وهذا اللّزوم صحيح على المذهب القديم.
25) قال: [إنّ عمليّة النّفيّ لاتحوّل عدول الموضوع إلى موضوع محصّل] أقول: انْتِقَالٌ من معنى إلى معنى آخر غير سليم، ولا يُبَيِّنُ المقصود. فكأنّك تريد أن تقول: “إنّ نفي القضيّة إذا كانت معدولة المحمول، وَوُضِعَتْ على أنّها كاذبة، فمن شأنه أن تتبعه قضيّة أخرى صادقة تكون محصّلة المحمول. ولكن إن كانت نفس القضيّة معدولة الموضوع، فلا أثر للنّفي في قلبه للعدول الّذي في الموضوع إلى حصول.”

ـــــــــــ

القَضَايَا الشَّرْطِيَّةُ وَأَقْسَامُهَا

اُلْمَتْنُ
“تُقسّم القضايا في المنطق التّقليديّ ابتداءا إلى : حمليّة وشرطيّة، وسنتناول في هذه المطالعة (القضيّة الشّرطيّة) في المنطق المذكور .. فالشّرطية ( تتألف من طرفين هما قضيّتان بالأصل ) والقضيتان كل منهما مركب تام كما هو معروف. ويضربون أمثلة في الشرطية ،منها : (إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود)، و (اللّفظ إمّا أن يكون مفردا أو مركّبا). فالقضيّة الأولى في الأصل قضيّتان: (أشرقت الشّمس ) و(النّهار موجود ). والقضيّة الثّانية في الأصل قضيّتان : (هذا اللّفظ مفرد) و (هذا اللفظ مركب). ولكن لنلاحظ فرقا جوهريا بين القضيّتين : فالأولى وردت فيها الأداة ( إذا .. فإن) والثّانية وردت فيها الأداة ( إمّا .. أو ). إنّ هذا الفرق لم يخضعه المنطق التّقليدي للدّرس ولم يعده أساسا لتقسيم القضايا، وراح ينقب عن ما يسمّيه (النّسبة) بين طرفي الشّرطيّة، وهي نسبة مؤوّلة ومقدّرة، اصطلح عليها بـ( نسبة الأحوال والأزمان ) وهي كما ترى ليست مما يمكن تحديده بدقّة بمكان يسمح باستخراج قواعد عامة. ويظهر ذلك جليّا في تعريف الشّرطيّة، فيعرّفونها بأنها (ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضيّة وأخرى أو لا وجودها). فكيف يتمّ تأليف الشّرطية إذا لم يكن بين أطرافها نسبة. إنّ التّعبير (لا وجودها) ينطوي على تلفيق تحصيل النّسبة بتصييرها معدولة، وباعتبار أنّ الشّيء المعدول موجود لأنّ السّلب جزءا منه وليس سلبا له، وهذا لايستقيم. والنّسبة التي يعنونها ويصطلحوا عليها بـ (نسبة الأحوال والأزمان) هي الرّابطة بين القضيّتين المؤلّفتين للشّرطيّة، فكيف إذن تتألف النسبة من (لاوجودها) ؟ خاصّة وأنّ النسبة بينهما ليست الاتّحاد كما تقدّم الكلام عنها في مطالعة سابقة، لأنّ (لا اتّحاد بين القضايا). إنّ (لاوجود) النّسبة لا يعني (التّباين) لأنّ التّباين يكون بين الموضوع والمحمول إن لم ينتم الموضوع للمحمول، وبالتّباين تكون القضيّة خاطئة.
ولنصطلح اصطلاح (القضية البسيطة)، والّتي تعني القضية التي لايمكن تحليلها إلى قضيّتين ومنها القضية الحمليّة، وتقابل في القسمة القضيّة السالبة. ففي هذين الاصطلاحين عون لنا لتوضيح ما نريد قوله. ووفقا للاصطلاح تكون القضيّة الحمليّة، قضية بسيطة “موجبة” وهي صادقة حسب تعريف الحمليّة، والقضيّة السّالبة هي قضية بسيطة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة. ونقول طالما أنّ النّسبة (لاموجودة) بين القضيّتين البسيطتين في الشّرطية فهي ليست شرطيّة. وعلى هذا يجب البحث عن أساس آخر نستطيع معه تمييز الشّرطية عن غيرها، سواء كانت سالبة أم موجبة، صادقة أم كاذبة. تقسّم الشرطية بدورها إلى : متّصلة ومنفصلة، وهذا التّقسيم يتّخذ من (نسبة الأحوال والأزمان ) أساسا له ..
ـ المتّصلة تكون فيها النّسبة بين القضيّتين البسيطتين هي (تعليق إحداهما على الأخرى) ومثالها (إذا أشرقت الشّمس فإنّ النّهار موجود). و (ليس إذا كان الإنسان نمّاما كان أمينا). في الأولى حسب التّعريف إنّ النّسبة موجودة وهي التّعليق، أمّا في الثّانية فيعدّونها غير موجودة (لاموجودة) بسبب دخول أداة النّفي عليها (ليس). وهذا ينطوي على خلل واضح لجهة تصوّر النّسبة. ففي القضيّة الثّانية النّسبة موجودة، وهي هنا بمعنى الرّابطة، وإلا فسينفرط عقد القضيّة الشّرطية ويتحلّل تأليفها إلى القضيّتين البسيطتين المؤلّفتين لها. إنّ دخول أداة النّفي (ليس) على الشّرطية يغيّر في بنية القضيّة الشّرطيّة، وهذا التّغيّر سيحوّلها إلى قضية من نوع آخر. وسيأتي الكلام في ذلك. ـ المنفصلة تكون فيها النّسبة بين القضيّتين البسيطتين (الانفصال والعناد) . ومثالها (اللّفظ إمّا أن يكون مُفْرَدًا أو مركّبا) و(ليس الإنسان إمّا أن يكون كاتبا أو شاعرا). وملاحظاتنا هنا هي ذاتها الّتي أثبتناها في مناقشة المتّصلة. وسنناقش هذا القسم وتعريفه من ناحية مدى صحّة اعتباره (قضيّة شرطية)؛ فنقول إنّ هذا القسم لا يعدّ قضيّة شرطيّة بأي حال من الاحوال، لارتفاع أداة الشرط فيها وهي (إذا .. فإنّ ) أو إحدى الصّيغ المكافئة لها منطقيا ولغويا. كما أن الأداة الموجودة في أمثلة هذا القسم هي ( إمّا .. أو ..) وشتّان بين الأداتين، من حيث معناهما، وفواعلهما المنطقية. أضف إلى ذلك أنّ القضيّة الشّرطية التي تحتوي على أداة الشّرط ( إذا .. فإنّ ..) يتميز فيها الطّرفان تبعا لوضعهما في القضيّة : فالأوّل يسمّى (مقدّما) والثّاني (تاليا) . ولا يمكن إبدال المقدّم بالتّالي، كما لايجوز العكس في الشّرطيّة. إنّ البنية المنطقيّة للشّرطيّة هي (إذا كانت ب متحقّقة فإنّ حـ متحقّقة)، فالمقدّم “ب” شرط للتّالي “حـ” . ولكن البنية المنطقيّة للمنفصلة هي مختلفة البناء تماما وصيغتها العامّة ( إمّا أن يتحقّق ب أو يتحقّق حـ) أو بصيغة مكافئة (ب أو حـ) . فأين الشّرط هنا ؟ نتّفق بأن البنية المنطقيّة ( ب أو حـ) تكون منفصلة بمعنى تعاند تحقّق كلاّ من “ب” و”حـ” في وقت أو حال واحد. نحو (العدد 4 زوج أو فرد)، فلاتصدق إلاّ إذا تحقّقت (العدد 4 زوج)، إذ لا يمكن أن يكون العدد 4 زوجا وفردا معا، فهي تصدق فقط في حالة أنّ أحد الطّرفين فقط يكون صادقا. ولكن القضيّة (قام علي أو جاء زيد) ليست منفصلة بالرغم من الأداة الموجودة في القضيّة هي ذاتها الموجودة في مثال المنفصلة المتقدم (أو)، فهذه تفيد ( التّخيير) إذ لايتنافى قيام علي مع مجئ زيد. فهي تصدق عندما يتحقّق الطرفان وعندما يتحقّق أحدهما دون الآخر . لذلك فإنّ القضايا الّتي فيها الأداة (إمّا .. أو ..) ليست قضيّة شرطيّة. والخلاصة أنّ القضيّة التي لها البنية (إذا كان ب فإنّ حـ ) فهي قضيّة شرطية. وإنّ القضيّة التي لها البنية (إمّا ب أو حـ)، فهي قضيّة ليست شرطية وإنّما تُقسم بحسب (تنافي أو عدم تنافي) تحقّق الطّرفين : فإن كان تحقّقهما متنافيان فهي (منفصلة)، للتّعاند الّذي بين طرفيها. وإن كان تحقّقهما يجتمعان فهي (مفصلة) للتّخيير الّذي بين طرفيها وإمكان اجتماعهما. وعلى هذا فإنّ (نسبة الأحوال والأزمان) الّتي يقول بها المنطق التّقليديّ، مفيدة فقط في تقدير قيمة الحقيقة للقضيّة : صادقة أو كاذبة.
ومعروف أنّ المنطق التّقليدي يهتمّ بتقسيمات القضايا الصّادقة دون غيرها ولايدخل في مباحثه احتمالات الصّدق والكذب لأنّه لايتعامل مع (البنى المنطقيّة) التي هي كالقوالب المتمايزة والتي يمكن بمحاكاتها بناء القضايا، وعلى نحو معكوس بالنظر إلى القضايا على أنّها من جنس هذه البنية أو تلك. بمعنى أن البنية المنطقيّة هي صيغة عامّة ومجرّدة، أمّا القضية فهي مثال حسيّ. إنّ مبحث القضيّة الشّرطية من المباحث المرتبكة في المنطق التقليدي، وفيها من التّعقيد ما يبعد التقعيد عن جادة الصواب. فلنتأمل هذا النّص المقتبس من أحد كتب المنطق التّقليدي الأكثر رواجا وشيوعا. يقول النصّ [وليس من حقّ أطراف المنفصلة أن تسمّى مقدما وتاليا، لأنّها “غير متميّزة بالطّبع” كالمتّصلة، فإنّه لك أن تجعل أيّا شئت منها مقدّما وتاليا، ولايتفاوت المعنى فيها، ولكن سميت بذلك فعلى “نحو العطف” على المتّصلة تبعا لها، كما سميت السّالبة باسم الموجبة الحملية أو المتّصلة أو المنفصلة.) انتهى الاقتباس. وملاحظاتنا على النّص هي :
1 ـ إذا كان ليس من حقّ أطراف المنفصلة أن تسمّى مقدّما وتاليا فكيف إذن تسمّى القضية المؤلفة منهما قضيّة شرطية ؟ أليس هذا تناقض وإرباك؟ إنّ القضيّة الشّرطية تستمدّ صفتها هذه من إمكان تمييز طرفيها إلى مقدّم وتالي، وإذا كان الطّرفان لايتميّزان هكذا فهي ليست شرطية أبدا. وإن لم يكونا متميزين بهذا النحو فمن أين جاءت صفتها الشرطية ؟
2 ـ ليس من الجائز أن نسمّي القضية السّالبة بـ “القضيّة الحمليّة السّالبة” عطفا على الموجبة الحمليّة، ذلك أنّ السّالبة هي سلب الحمل كما جاء في تعريفها، والحمليّة هي حملية لأنّها موجبة وبدون الإيجاب فهي ليست بحمليّة .. فكيف إذن الاحتجاج بالجواز المعطوف على قاعدة معطوفة هي الأخرى ؟ وكأنّ قائل النص يجوّز استبدال القمر بالشمس لعطف الاول على الثاني بواسطة النور المنبعث من القمر المعطوف على الضّياء المرسل من الشّمس. إذن ليس من الجائز أن نطلق على السّالبة “حملية سالبة” لأنّ القول بحمليّتها يعني ثبوت المحمول للموضوع والسّالبة تسلب هذا الثّبوت فتحيلها إلى ” ليست حملية” . وكذلك الأمر في المنفصلة، فما دامت غير متميّزة الأطراف إلى مقدّم وتالي فهذا يعني أن الاصطلاحين غير موافقين لوضع طرفيهما، وبالتّالي فهي ليست شرطية.
3 ـ إنّ تجويز اعتبار أيّ من طرفيّ القضيّة المنفصلة مقدّم، والآخر تالي بحجّة عدم تغيير المعنى، يخرج القضيّة عن كونها شرطيّة. لأنّ عدم تغيير المعنى بسبب تبديل الطّرفين : التّالي بالمقدم والمقدّم بالتّالي، يوّلد اعتلالا منطقيّا في القضيّة المنطقيّة، إنْ أُريد بها الشّرطيّة. ومن المعروف أنّ كلّ قضيّة شرطيّة ليست إبداليّة وهذه قاعدة، يجب أن تسري على كلّ قضيّة شرطيّة دون استثناء. وليس من الصّحيح القول إنّ لكلّ قاعدة استثناء، فالقاعدة التي تسقط في مثل ولو واحد لايصح اطلاق اصطلاح قاعدة عليها. إنّ القاعدة والقانون صيغ عامّة لا تقبل الاستثناء. مثلا القضيّة الشّرطية (إذا ارتفعت درجة حرارة الحديد تمدّد) لا يصحّ فيها إبدال المقدّم بالتّالي، فالقضيّة (إذا تمدّد الحديد ارتفعت درجة حرارته) قضيّة خاطئة. والخلاصة الإجماليّة : إنّ ما يميّز القضيّة الشّرطيّة عن سواها هي وجود الأداة الشّرطيّة (إذا كان .. فإنّ ..) فهذه الأداة تميّز المقدّم والتّالي، بترتيبهما فالمقدّم طرف أوّل والتّالي طرف ثان. ولا موضع لنسبة الأحوال والأزمان في الشّرطيّة، وهي ليست بالأساس الصائب للتّقسيم أو لتصنيف الشّرطيّة. وترد أداة الشرط بصيغ مكافئة أخرى نحو (بما أنّ .. فإنّ ..)، (طالما كان ..فإنّ..)، (كلّما .. فإنّ ..) …وإن (نفي الشّرطيّة) ترتّب عليه تغيرات تطال أداة الشّرط وكيف الطّرفين أواحدهما، نحو (إذا جاء زيد نبدأ بالعمل) وطرفاها : المقدّم (جاء زيد) وتاليها (بدأنا بالعمل). وإنّ نفيها يكون : ليس (إذا جاء زيد نبدأ بالعمل). وهذه تؤول منطقيّا إلى (لم يأت زيد أو لم نبدأ بالعمل). ولك أن تقدّر الآن فيما إذا كان مجيئ زيد والبدأ بالعمل متلازمين أومتنافيين، وعلى هذا تستخرج قيمة القضيّة : صادقة أو كاذبة. ومثال آخر (إذا كان العدد 4 زوجا فإنّه عدد طبيعيّ)، والنّفي يكون (العدد 4 ليس زوجا أو العدد 4 عددا طبيعيا). فإنّ كون العدد 4 زوجا لايتنافى مع كونه عددا طبيعيّا، لذلك لوصدق أحد الطّرفين من المنفيّة فهي صادقة، وصدقهما معا يجعلها صادقة أيضا، وليس كذلك التّنافي فصدق المتنافيين معا مرتفع.” عبد الرّحمن كاظم زيارة
***
الإشارات
1) قال: […والقضيّتان كل منهما مركّب تام كما هو معروف] أقول: للقضيّة الشّرطيّة جزئيّات وأجزاء. فجزئيّاتها أنّها إمّا شرطيّة متّصلة أو شرطيّة منفصلة. وأجزاءها إن كانت بسيطة فهي قضيّتان قُرِنَ بينهما، إمّا على أنّ إحداهما ثابتة على تقدير ثبوت الأخرى، وهذه المتّصلة، أو على أنّ إحداهما مرفوعة بالذّات لِثُبُوتِ الأخرى، أو هي ثابتة بالذّات لارتفاع الأخرى، وهذه المنفصلة. فكما أنّ الحمليّة هي مُؤَلَّفَةٌ من جزئي الموضوع والمحمول، ونسبة. كذلك فالشّرطيّة مؤلّفة من قضيّتين تقومان مقام الموضوع والمحمول في الحمليّة، فَتُسَمَّى الموضوعة أوّلا اُُلْمُقَدَّمَ، والموضوعة ثانيا، التّالي. ومعلوم أنّ النّسبة بينهما هي ليست نسبة أنّ التّالي هو المقدّم كما في الحمل، بل نسبة تَعَلُّقِ ثبوت التّالي لِثُبُوتِ المقدّم، أو تعاند أحدهما للآخر. وشيء آخر، أنّ القضيّتين في الشّرطيّة حين كونهما أجزاء للشّرطيّة، ولا يُنْظَرُ إليهما من الخارج، فلا يُعْتَبَرُ صدقهما أو كذبهما. فمثلا إذا قلت: “كلّما قلت لِزَيْدٍ مرحبا، قال لا مرحبا”، فليس يُنْظَرُ فيها لِمَعْرِفَةِ صدقها أو كذبها، إن كان الآن القضيّة “قلت لزيد مرحبا” هي صادقة أو كاذبة، وكذلك إن كانت القضيّة “قال زيد لامرحبا” صادقة أو كاذبة. فقد تكون هذه القضيّة صادقة، وإن هو لم يُقَلْ أبدا لِزَيْدٍ مرحبا، وليس هو يقال له الآن مرحبا.
2) قال: [(إذا أشرقت الشّمس فالنّهار موجود)] أقول: شرطيّة متّصلة.
3) قال: [(اللّفظ إمّا أن يكون مفردا أو مركّبا)] أقول: شرطيّة منفصلة.
4) قال: [فالقضيّة الأولى في الأصل قضيّتان: (أشرقت الشّمس) و (النّهار موجود)] أقول: سُوءُ عِبَارَةٍ. بل الأدقّ أن تقول: فالقضيّة الأولى، مؤلّفة من قضيّتين حمليّتين قد أُخْرِجَتَا من خَبَرِيَّتِهِمَا بإدخال حرف الشّرط “إذا” على الأولى، وحرف الجزاء “ف” على الثّانية، فصارت الفائدة ليس أنّ القضيّة الأولى صادقة بالفعل، والثّانية صادقة بالفعل، بل إنّ صدق الثّانية هو مُعَلَّقٌ بالأولى فقط. وهذه قضيّة واحدة شرطيّة متّصلة.
5) قال: [والقضيّة الثّانية في الأصل قضيّتان…] أقول: سوء عبارة أيضا. بل الأدقّ أن تقول: والقضيّة الثّانية مؤلّفة من قضيّتين قد أُخْرِجَتَا من خبريّتهما بحرف العِنَادِ والفصل، “إمّا…أو”، فصارت الفائدة ليس أنّ هذا اللّفظ هو الآن مثلا مفردا بالفعل، فهو الآن ليس مركّبا بالفعل، بل إنّ هذا اللّفظ لا وجوده مفردا يوجب وجوده مركّبا، والعكس بالعكس. وهذه قضيّة واحدة شرطيّة منفصلة.
6) قال: [ولكن لنلاحظ فرقا جوهريا … فالأولى وردت فيها … والثّانية وردت …] أقول: القضيّة الأولى لأنّها شرطيّة متّصلة، فقد أُفِيدَ هذا الاتّصال بحسب اللّغة العربيّة بالأدوات المذكورة، والمنفصلة، فلأنّها منفصلة، فقد أُفِيدَ هذا الانفصال في اللّغة العربيّة بالأدوات المذكورة. فالفرق المنطقيّ بين الاتّصال والانفصال إنّما هو ذاتيّ، والفروق اللّغويّة هي تابعة لذلك الفرق.
7) قال: [إنّ هذا الفرق لم يخضعه المنطق التّقليدي للدّرس … وهي نسبة مؤوّلة ومقدّرة، اصطلح عليها بـ(نسبة الأحوال والأزمان) … قواعد عامّة] أقول: دعاوي مجرّدة، وكلام مُجْمَلٌ، ومضطرب. فأوّلا ما تقصد بأنّه لم يُبْحَثْ في المنطق القديم عن الفرق بين الاتّصال والانفصال في الشّرطيّات، وهو قد بُحِثَ فيها، وما تقصد بأنّه لم يَتَّخِذْهُ قاعدة في قسمة القضايا، وقد اتَّخَذَهُ. ولِمَ حَكَمْتَ بأنّ النّسبة المبحوث فيها بين طرفي الشّرطيّة، نسبة مؤوّلة ومقدّرة، وهذا دَعْوَى مجرّدة وكلام خطابيّ. ومَا تَفْسِيرُكَ لِهَذِهِ النّسبة على أنّها نسبة الأحوال والأزمان، وهذا تفسير خاطئ!؟
8) قال: [ويظهر ذلك جليّا في تعريف الشّرطيّة، … لا وجودها)] أقول: ليس كذلك؛ فهذا التّعريف جامع وغير مانع. فالنّسبة الحمليّة هي نسبة يُقْضَى فيها بأنّ الشّيء هو الشّيء؛ وليس يُقْضَى لا في الاتّصال ولا الانفصال بأنّ القضيّة الأولى هي القضيّة الثّانية. بل إن كانت القضيّة شرطيّة متّصلة، إذا كان أ فب يكون، فالّذي يُقْضَى هو أنّ ب ثابت على تقدير ثبوت أ؛ أي أنّ هناك مصاحبة لِصِدْقِ ب لصدق أ. وليس أنّ هناك صدقا لب لأنّ أ صادق. واعلم أن نسبة مُصَاحَبَةِ صدق التّالي لِصِدْقِ المقدّم في المتّصلة هي أعمّ من كون هذه المصاحبة على سبيل اللّزوم أو على سبيل الاتّفاق. على معنى أنّ التّالي قد يكون معلولا لِلْمُقَدَّمِ، فتكون القضيّة الشّرطيّة إنّما تدلّ أوّلا على لُزُومِيَّةِ التّالي للمقدّم، ويتبع ذلك دلالتها على مُطْلَقِ مصاحبة التّالي للمقدّم. فمثلا إذا قلت “إذا كانت الشّمس طالعة، فالنّهار موجود”، فهذه ليست تدلّ فقط على أنّه في وقت طلوع الشّمس هناك ظهور للنّهار، كما لو كنت قلت: “إذا كانت الشّمس طالعة، فالحمار ينهق”. بل فوق ذلك، فهي تدلّ على أنّ نفس وجود النّهار إنّما هو لازم في نفس الأمر عن المقدّم؛ أي أنّ اللّزوم هو جزء من التّالي. وهذه الشّرطيّة المتّصلة تُسَمَّى باللُّزُومِيَّةِ. أمّا الضّرب الآخر من المتّصلة، فهي الّتي تدلّ على مطلق المصاحبة، ولا يكون التّالي في نفس الأمر لازما عن المقدّم. كقولك “إذا كان الشّمس طالعة، فالحمار ناهق”. وتفسيرها أنّ الحمار يُوَافِقُ نَهِيقُهُ وقت طلوع الشّمس. وتُسَمَّى هذه المتّصلة بالاتّفاقيّة. أمّا إذا كانت الشّرطيّة منفصلة، كقولك إمّا أ أو ب، فالّذي يُقْضَى هو أنّ أ مُعَلَّقُ الوجود بوجود ب، من حيث تَعَانُدِهِمَا؛ فب إمّا موجود لأنّ أ غير موجود، ولا وجود أ واضع بالذّات لوجود ب، أو أ هو موجود، لأنّ ب غير موجود، وبطلان وجود ب، واضع بالذّات لوجود أ. ولكنّ المنفصلة هي على ثلاثة ضروب: فالأولى هي الّتي تضع نِسْبَةَ المعاندة بين الشّيء ونقيضه أو ما يُسَاوِي نقيضة. فالشّيء إمّا موجود أو غير موجود. ولا يمكن لا أن يجتمع وجوده وعدم وجوده، ولا أن يرتفع وجوده و لا وجوده. فهو إن وُجِدَ امتنع ألاّ يكون موجودا، وإن لم يكن موجودا امتنع أن يكون موجودا، فامتنع الجمع بين وجوده وعدمه. وإن كان كَذِبًا وجوده، فهو غير موجود، فيمتنع أن يكون موجودا، فيمتنع أن يكذب لا وجوده. والمنفصلة الّتي تمنع الجَمْعَ بين جُزْئَيْهَا و الخُلُوَّ من جزئيها تُسَمَّى بالحقيقيّة. فمثال عن العناد بين الشّيء ونقيضه قولك: “إمّا أن يكون زيد موجودا أو لا موجودا”. ومثال عن العناد بين الشّيء وما يُسَاوِي نقيضه قولك: “العدد إمّا أن يكون فردا أو زوجا”. والضّرب الثّاني من العناديّة، فهي الّتي تَمْنَعُ أن يَخْلُوَ الأمر من الجزئين الاثنين، ولا تمنع أن يُجْمَعَ بينهما. كقولك: “إمّا أن يكون زيد في البحر أو لا يغرق”. فَزَيْدٌ قد يكون في البحر، ولا يغرق مَعًا، فَجَازَ الجمع؛ ولكن لا يمكن أن يكذب كون زيد في البحر، فيكون في البَرِّ، ويكذب مَعًا، كونه لا يغرق، فهو يغرق، فيكون قد اجتمع عندنا كون زيد في البَرِّ وهو يغرق، وهذا مُمْتَنِعٌ. ويُسَمَّى هذا الضّرب من المنفصلة بِمَانِعَةِ الخُلُوِّ. والضّرب الثّالث، فهي الّتي تَمْنَعُ الجمع، ولا تمنع الخلوّ، وتُسَمَّى بمانعة الجمع دون الخلوّ؛ كقولك: “إمّا أن يكون الحيوان أسدا أو كلبا”. أي أنّه لا يمكن أن يكون الحيوان الواحد الموجود في الواقع مَعًا أسدا وكلبا، ولكن قد لا يكون الاثنين مَعًا، كأن يكون جملا مثلا.
والشّرطيّة من حيث الكَيْفِ، إذا كانت موجبة، فالحكم إنّما يتعلّق بإثبات نسبة اتّصال بين التّالي والمقدّم، أو الانفصال بينهما. وإن كانت سالبة، فهي لا تُثْبِتُ وجود اتّصال بين التّالي المسلوب، ومقدّمه، أو انفصال بينهما. فمثلا إنّ الموجبة المتّصلة “إذا كانت الشّمس طالعة فالنّهار موجود”، ليس سلبها هو “إذا كانت الشّمس طالعة، فليس النّهار موجودا”، بل “ليس إذا كانت الشّمس طالعة، فالنّهار موجود”. فالسّلب إنّما يَرْفَعُ الاتّصال، وليس يُثْبِتُ اتّصالا بين المقدّم ونَقِيضِ التّالي. وقِسْ على ذلك أمر السّلب في المنفصلة.
9) قال: [فكيف يتمّ تأليف الشّرطية إذا لم يكن بين أطرافها نسبة] أقول: إنّ سلب النّسبة ليس إِثْبَاتًا لِلاَّنِسْبَةِ. فالأوّل هو عدم بِمَعْنَى العدم المقابل للوجود، والثّاني هو عدم مطلق. فالعدم الأوّل، وإن كان عدما، فهو عدم لِوُجُودٍ مُتَعَيِّنٍ، لِذَلِكَ فقد يَلْحَقُهُ الاسم المقول أَوَّلاً على الوجود. أمّا العدم الثّاني فلا يجوز أن يَنْطَلِقَ عليه الاسم المقول على الوجود، لأنّه ليس بِسَلْبٍ لِوُجُودٍ مُتَعَيِّنٍ أصلا، فلا مُوجِبَ لأن يُلْحَقَ به اسم هذا الوجود دون غيره. إذًا فسؤالك على جهة الانْكَارِ لأن يكون للقضيّة الشّرطيّة وحدة إن كانت سالبة بِمَعْنَى رفع النّسبة، فقد انطوى على مقدّمة مُضْمَرَةٍ غير صحيحة، وهي أنّ سلب النّسبة هو إثبات لِلاَّنسبة. وليس ذلك بصحيح. فإثبات اللاّنسبة هو أن تقول لا نسبة بين القضيّة الأولى والقضيّة الثّانية، لا نِسْبَةَ حَمْلٍ، ولا نسبة لزوم، ولا نسبة مصاحبة، ولا نسبة انفصال، فهلمّ جرّا. أي هما شيئان موجودان ليس غير. وأنت إذا نَقَضْتَ هذا الحكم، إنّما عَلِمْتَ أنّ بين القضيّتين نِسْبَةً، ولَمْ تعلم هل هي نسبة اتّصال أو انفصال، فهلمّ جرّا. لِذَلِكَ لم يمكن أن يُلْحَقَ بإثبات اللاّنسبة هاهنا اسم الوجود المقابل لها، لأنّه غير مُتَعَيِّنٍ. أمّا السّلب في الشّرطيّة فهو سلب لِمَعْنَى مُتَعَيِّنٍ، إمّا اتّصال، أو انفصال، فجاز أن يُسَمَّى هذا السّلب باسم أحدهما، فَتُطْلَقُ على السّالبة المتّصلة اسم الشّرطيّة المتّصلة، والسّالبة المنفصلة اسم الشّرطيّة المنفصلة، ولكن على جهة الإلحاق، وليس بِتَوَاطُئٍ. بل يُقال على الإيجاب حَقِيقَةً، وعلى السّلب إلحاقا.
10) قال: [إنّ التّعبير (لا وجودها) ينطوي على تلفيق…وهذا لايستقيم] أقول: إنّ النّسبة موجودة في الشّرطيّة السّالبة لا لأنّه قد عُدِلَ بالسّلب إلى أن صُيِّرَ جُزْءً من الوجود، فصارت اللاّنسبة موجودة، وهي نسبة اللاّوجود. بل الرّفع كالوضع إنّما هما عَمَلاَنِ ذهنيّان، والتّسمية بالاتّصال أو الانفصال للشّرطيّة السّالبة إنّما قد جاءاها على جهة الإلحاق كما بَيَنَّا.
11) قال: [والنّسبة التي يعنونها ويصطلحوا عليها بـ (نسبة الأحوال والأزمان) هي الرّابطة بين القضيّتين المؤلّفتين للشّرطيّة] أقول: ليس كذلك!؟ بل النّسبة بين القضيّتين من حيث هي نسبة، فَلاَ تَعَلُّقَ لَهَا لا بالأزمان ولا بالأحوال. بل هي نفس معنى الاتّصال، أو معنى الانفصال؛ أي نفس معنى أن ثبوت شيء ما، هو متعلّق بثبوت شيء غيره، أو نفس معنى معاندة شيء ما بالذّات لِشَيْءٍ آخر. كالحمل في القضيّة الحمليّة، فهي نفس معنى إثبات معنى المحمول للموضوع. ولكن حِينَمَا يُنْظَرُ إلى أنّ هذا الإثبات لِلْمَحْمُولِ، يُقَالُ على كلّ أفراد الموضوع، أو بعضها فقط، أو ليس على واحد منها، فهذا النّظر يكون مُتَعَلِّقًا بِكَمِّ موضوع الحكم، وليس بِنَفْسِ الحكم من حيث ثُبُوتِهِ أو سلبه. كذلك في الشّرط، فإن زِيدَ على النّظر في نفس النّسبة، كنسبة اتّصال التّالي بالمقدّم، هل هو في وقت مُتَعَيِّنٍ، أم في وقت ما لا متعيّن، أم في كلّ أوقات وأحوال المقدّم، أو في بعضها فقط، فهذا النّظر إنّما يكون مُتَعَلِّقًا بكمّ أوقات المقدّم الّتي تصحّ فيها النّسبة الشّرطيّة، وليس بنفس معنى النّسبة. والرّابط بين القضيّتين حتّى تتألّفا قضيّة واحدة شرطيّة، ليس هو زمن النّسبة، بل عين النّسبة.
12) قال: [فكيف إذن تتألف النّسبة من (لاوجودها)] أقول: إنّ سلب النّسبة هي نسبة غير النّسبة المسلوبة؛ فيسقط إذًا هذا الاعتراض.
13) قال:[خاصّة.. (لا اتّحاد بين القضايا)] أقول: وذلك لأنّ نسبة الاتّصال أو الانفصال بين جزئيّ الشّرطيّة، ليست بنسبة حمليّة.
14) قال: [إنّ (لاوجود) النّسبة] أقول: انظر إشارة (10).
15) قال: [ولنصطلح اصطلاح (القضيّة البسيطة)] أقول: القضيّة الحمليّة تُسَمَّى بسيطة إذا كانت بِمُقَابِلِ القضيّة المعدولة. والقضيّة قد تُسَمَّى بسيطة إذا كانت الأولى في التّركيب، أو آخر ما ينحلّ إليه التّحليل للقضايا المركّبة. فالشّرطيّات إنّما تنحلّ بِأَخَرَةٍ إلى قضايا بسيطة حمليّة.
16) قال: [والّتي تعني القضية التي لا يمكن تحليلها … القضيّة السّالبة] أقول: كلام غير مفهوم. أَفَتُرِيدُ أنّ القضيّة البسيطة هي الحمليّة لأنّها إذا حُلِّلَتْ لم تَنْتَهِ إلى أقوال مركّبة بل إلى أقوال مفردة لا تقبل الصّدق أو الكذب؟ وماذا تعني [تقابل في القسمة القضيّة السّالبة]؟ أإنّ القضيّة الحمليّة هي بسيطة بِقِسْمَيْهَا: الموجبة والسّالبة، أم أنّ القضيّة الحمليّة البسيطة هي الموجبة، ومقابلها، أي مقابل البسيطة في الحمليّة هي القضيّة الحمليّة السّالبة، على معنى أنّ الحمليّة المسلوبة إنّما هي مركّبة؟
17) قال: [ففي هذين الاصطلاحين عون لنا … والقضيّة السّالبة هي قضيّة بسيطة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة] أقول: إنّ الإيجاب والسّلب إنّما يتعلّقان بنسبة المحمول إلى الموضوع في الذّهن، ولا يُوجِبَانِ صدقا ولا كذبا بِمُجَرَّدِهِمَا. بل الصّدق والكذب تُوصَفُ بهما القضيّة إذا قِيسَتْ إلى الواقع، فإن كان الإيجاب الّذي في الذّهن يُطَابِقُهُ ثُبُوتٌ في الخارج، وُصِفَتْ القضيّة بالصّادقة، وإن لم يطابقه، وُصِفَتْ بالكاذبة. وإن كان السّلب الّذي في الذّهن يطابقه ارتفاع في الخارج، وُصِفَتْ القضيّة بالصّادقة، وإن لم يطابقه، وُصِفَتْ بالكاذبة. أمّا اصْطِلاَحُكَ أنت بأنّ الموجبة الحمليّة هي الصّادقة، والسّالبة الحمليّة ما يحتمل الصّدق أو الكذب، فلا أرى له وجها منطقيّا مفهوما !؟
18) قال: [ونقول: طالما أنّ النّسبة (لاموجودة)…فهي ليست شرطيّة] أقول: سفسطة، وسوء فهم. وقد أَسْلَفْتُ لك أنّ قولهم في الشّرطيّة ما قُضِي فيها بوجود نسبة أو لا وجودها، فلا يريدون بلاوجودها إثبات اللاّنسبة، بل رفع النسّبة، وذلك في السّالبة الشّرطيّة. وهذا الرّفع قد يكون صادقا، إن كانت النّسبة غير موجودة، أي نسبة الاتّصال أو الانفصال، وقد يكون كاذبا إذا كانت النّسبة موجودة.
19) قال: [وعلى هذا يجب البحث عن … صادقة أم كاذبة] أقول: إنّ اعتبار أمر الصّدق أو الكذب في الشّرطيّات هو مُتَأَخِّرٌ عن اعتبار كونها قضيّة شرطيّة بما هي شرطيّة، وتَقَوُّمِهَا على أنّها متّصلة أو منفصلة، موجبة أو سالبة، كلّيّة أو جزئيّة، فهلمّ جرّا.
20) قال: [تقسّم الشرطية بدورها إلى… وهذا التّقسيم يتّخذ من (نسبة الأحوال والأزمان) أساسا له] أقول: غير صحيح. بل تَقَوُّمُ معنى الاتّصال من حيث هو كذلك، وتقوّم معنى الانفصال من حيث هو كذلك، أعني الاتّصال المطلق، والانفصال المطلق، فليس بِمَشْرُوطٍ ألبتّة بِقَيْدِ الأحوال والأزمان؛ بل هذا الشّرط إنّما يُعْتَبَرُ حينما يُنْظَرُ في كمّ القضايا الشّرطيّة. فمثلما أنّه في القضيّة الحمليّة، الحكم بثبوت، أو لا ثبوت المحمول للموضوع هو معنى مُتَحَقِّقٌ بذاته، وأنّه إذا زِيدَ إلى اعتبار الحكم، اعتبار على أَيٍّ من أفراد الموضوع هو يُحْمَلُ، أعلى كلّها، أم على بعضها، أم على فرد مُعَيَّنٍ، أم على الموضوع من غير تَعْيينٍ، وُصِفَ هذا الاعتبار الزّائد بأنّه تَكْمِيمٌ للقضيّة الحمليّة؛ كذلك في القضيّة الشّرطيّة، كالمتّصلة مثلا، فإنّه قد يُعْتَبَرُ أوَّلاً نفس الاتّصال بين التّالي والمقدّم، وهذا الاعتبار هو الّّذي تَتَحَقَّقُ به الشّرطيّة المتّصلة من حيث هي شرطيّة متّصلة، ثمّ قد يُزَادُ عليه اعتبار إن كان هذا الاتّصال للتّالي بالمقدّم، في كلّ الأوقات والأحوال، فتكون المتّصلة كليّة، أم في بعض الأوقات، فتكون جزئيّة، أم في وقت معيّن مفروض فتكون شخصيّة، أم على الاطلاق فتكون مهملة.
21) قال: [المتّصلة تكون …هي (تعليق إحداهما على الأخرى)] أقول: إنّ الاتّصال هو الحكم بثبوت شيء على تقدير ثبوت شيء آخر. ويُسَمَّى مُعَلَّقُ الثّبوت، التّالي، واُلْمُعَلَّقُ به الثّبوت، المقدّم. فالاتّصال ليس هو الحكم بثبوت شيء مع ثبوت شيء آخر، بل بأنّ شيئا، قد يكون الآن غير صادق، هو صادق في وقت صِدْقِ شيء آخر. فمثلا قولك: “إذا قلت لِزَيْدٍ مرحبا، قال لا مرحبا”، فهي قد تكون صادقة وإن لم يكن قد قِيلَ مِنْ ذِي قَبْلٍ إلى الآن، لِزَيْدٍ مرحبا مرّة واحدة، ولم يكن قد أجاب قطّ بلا مرحبا.
22) قال: […أمّا في الثّانية فيعدّونها …أداة النّفي عليها (ليس)] أقول: “ليس إن كان الإنسان نمّاما كان أمينا” هي سالبة للاتّصال، أي لِنِسْبَةِ الاتّصال، وليست هي مثبتة للاوجود النّسبة. فَفَرْقٌ بين قولك “إنّ الدّعوى بأنّ الأمانة، لا تَقْتَرِنُ في الإنسان بِخَصْلَةِ النّميمة” وهذا سلب للاتّصال، وبين قولك في هذه العبارات”كان الإنسان نمّاما؛ كان الإنسان أمينا” بأنّه لا وجود لِنِسْبَةٍ بين القضيّتين الاثنتين، والأولى خَبَرٌ تَامٌّ، والثّانية خبر تامّ.
23) قال: […وإلا فسينفرط عقد القضيّة الشّرطية …المؤلّفتين لها] أقول: نعم إنّ النّسبة موجودة في السّالبة المتّصلة، والقوم لم يُخَالِفُوا في ذلك، بل أنت قد أسأت فهم تعريفهم فَطَفِقْتَ تُحَاجِجُ في غير موضع مُحَاجَّةٍ، وتطلب إصلاحا لِخَلَلٍ ما كانوا قد وقعوا هم فيه. ثمّ ما تعني بأنّ النسّبة الموجودة في هذه السّالبة المتّصلة هي الرّابطة؟ أتعني الرّابطة المذكورة في القضيّة الحمليّة والّتي إنّما تدلّ على أنّ الشيّء هو الشّيء الآخر؟ فإن كان كذلك، فهذا خَطَأٌ لَعَمْرِي كبير. بل إنّ معنى نسبة الاتّصال هو غير معنى الحكم بأنّ الشّيء هو الشّيء، بل بأنّ الشّيء هو صحيح على تقدير صحّة الشّيء الآخر. فالمقدّم في المتّصلة هو غير الموضوع في الحمليّة إطلاقا.
24) قال: [إنّ دخول أداة النّفي (ليس) على الشّرطية يغيّر في بنية القضيّة الشّرطيّة] أقول: إن دخول حرف السّلب على القضيّة الشّرطيّة، كما كنّا قد رأينا فيما سلف في الحمليّة، إمّا أن يكون جزء من القضيّة، فيكون سلبا للحكم، أو رفعا للنّسبة، وليس حكما بكذب القضيّة؛ أو يكون سلبا للقضيّة إجمالا، فلا يكون جزء من القضيّة، بل إنّه قضيّة ثانية، موضوعها القضيّة الأولى، ومحمولها السّلب المطلق. وكي نفهم معنى السّلب في الشّرطيّة المتّصلة، فلابدّ من أن نبسط القول شيئا من البسط في المتّصلة الموجبة، ونُبَيِّنَ ما شروط صدقها وما شروط كذبها.
اعلم أنّ الاتّصال في الشّرطيّة المتّصلة على ضربين: إمّا اتّصال يُفِيدُ بأنّ التّالي هوثابت ثبوتا لازما عن المقدّم لِعَلاَقَةٍ بينه وبين المقدّم. أي أنّه لا يقول فقط بأنّ التّالي مُوَافِقٌ في وجوده لِوُجُودِ المقدّم، بل إنّ التّالي، إذا صحّ المقدّم، أوجب المقدّم وُجُودَهُ هو. وذلك إمّا لأنّ المقدّم هو عِلَّةٌ للتّالي، أو مُضَافٌ لَهُ، أو أنّهما مَعْلُولاَنِ لِعِلَّةٍ واحدة تُوجِبَانِهِمَا مَعًا، أو غير ذلك من العلاقات. وتُسَمَّى هذه الشّرطيّة المتّصلة باللّزوميّة. وهي أيضا نوعان: لزوميّة بِحَسَبِ الأمر في نفسه، ولزوميّة بحسب القياس، أو الإِلْزَامِ. والمقصود بالأولى، المفيدة بأنّه في الخارج وجود التّالي لازم عن وجود المقدّم لِعِلَّةٍ ما: فمثلا هذه القضيّة “إذا كانت الشّمس طالعة، فالنّهار موجود”، إنّما تُفِيدُ ليس فقط بأنّ ظهور النّهار مُوَافِقٌ لطلوع الشّمس، بل بأنّ طلوع الشّمس هو في الواقع عِلَّةٌ، يلزم عنها ظهور النّهار. وهاهنا يكون المقدّم أعرف من التّالي، ومن مَعْرِفَتِهُ يُعْرَفُ التّالي. واللّزوميّة الموجبة بحسب الأمر في نفسه، إذا كُمِّمَتْ تَكْمِيمًا كُلِّيًّا، أفادت، بأنّ التّالي مُتَحَقِّقٌ في كلّ أوقات تحقّق المقدّم على جهة اللّزوم، أي أنّ اللّزوم هو جزء من التّالي. وهذه لا تصدق إلاّ على هذا الوجه: أن لا يكون المقدّم مُحَالاً، بل شأنه أن يَتَحَقَّقَ في وقت من الأوقات، وأنّه في كلّ أوقات تحقّق المقدّم يكون أيضا التّالي متحقّقا، وإن كان هو قد يكون مُتَحَقِّقًا في أوقات أَعَمٍّ من أوقات المقدّم، فيكون مُتَحَقِّقًا في أوقات لا يكون المقدّم مُتَحَقِّقًا فيها، لأنّ المعلول مثلا قد يكون له أكثر من علّة واحدة. ويُزَادُ شرط آخر لِصِدْقِ هذه اللزوميّة الموجبة، وهو أن يكون تحقّق التّالي في كلّ أوقات صدق المقدّم على جهة اللّزوم، وليس على جهة الموافقة المطلقة. فمثلا: “إذا كانت الشّمس طالعة، فالنّهار موجود” موجبة كلّيّة لُزُومِيَّةٌ صادقة، لأنّ طلوع الشّمس ممكن الحصول، وفي كلّ أوقات حصوله، يُوَافِقُهُ ظهور النّهار ليس فقط اتّفاقا، بل على جهة المعلوليّة، أي على جهة اللّزوم. أمّا هذه القضيّة “كلّما كان الحمار ناهقا، كان الإنسان ناطقا”، فموجبة كلّيّة متّصلة غير صادقة إن أُخِذَتْ على أنّها لُزُومِيَّةٌ، وإن كان مقدّمها صادقا، وتاليها صادقا، وتاليها صادق في كلّ أوقات صدق المقدّم، وذلك لأنّ ناطقيّة الإنسان موجودة في الواقع، لا لِعَلاَقَةٍ بوجود ناهقيّة الحمار إطلاقا. حينئذ، فالموجبة الكلّيّة اللّزوميّة بحسب الأمر في نفسه إنّما تكذب في هذه الأوضاع؛ أوّلا: إذا كان المقدّم صادقا في أوقات ما، ويوافقه صدق التّالي في كلّ أوقات المقدّم، ولكن صدق التّالي لا يكون حينئذ لِعَلاَقَةٍ في الواقع تربطه بالمقدّم. ثانيا: إذا كان المقدّم صادقا في أوقات ما، و لا يكون التّالي صادقا إمّا في كلّ أوقات المقدّم أو في بعضها. ثالثا: أن يكون المقدّم صادقا في أوقات ما، ويكون التّالي صادقا في كلّ تلك الأوقات، ولكن يكون في بعضها صادقا على جهة اللّزوم، وسائرها صادقا على جهة الاتّفاق لا اللّزوم. رابعا: أن يكون المقدّم مُحَالاً، أي غير صادق في أيّ وقت من الأوقات، فالتّالي إن صدق، فلا يمكن أن يكون صدقه لازما عن المقدّم، لأنّ الوجود لا يمكن أن يلزم من اللاّوجود، وإذ ليست ملازمة، فاللزوميّة المتصّلة الموجبة الكلّيّة كاذبة. أمّا النّوع الثّاني من اللّزوميّة، فالّتي بحسب القياس أو الإلزام. فنحن نعلم من تعريف القياس بأنّه “قول مُؤَلَّفٌ من أقوال، إذا سُلِّمَ ما أُورِدَ فيه من قضايا لَزِمَ لِذَاتِهِ قول آخر.”[ابن سينا]، فالنّتيجة في القياس اُلْمُنْتِجِ تَلْزَمُ لِذَاتِهَا من المقدّمات، لا من حيث هي صادقة أو كاذبة، والنّتيجة تلزم لا لأنّها صادقة أو كاذبة. لِذَلِكَ فإنّه إن وُضِعَتْ قضيّة صادقة أو كاذبة، وقُرِنَتْ بها قضيّة صادقة، على هيئة مُنْتِجَةٍ في القياس، فَسَيَلْزَمُ منها لا محالة قضيّة أخرى، إذًا فتكون علاقة لزوميّة بينها وبين المقدّمة الموضوعة أوّلا، ولا يَهُمُّ إن كانت هي صادقة أم كاذبة. فَمَثَلاً من سلّم “أنّ المتساوي السّاقين مُثَلَّثٌ”، فلا مَنْدُوحَةَ له من أن يَضَعَ “أنّ المتساوي السّاقين مجموع زواياه يُسَاوِي قائمتين”؛ وذلك ليس لأنّ هذه صادقة، ومُوَافِقَةٌ في صدقها لِكُلِّ أوقات صدق القضيّة الأخرى، بل لأنّ القضيّة الأولى إذا ضُمَّتْ إلى قضيّة ثانية بَيِّنَةِ الصِّدْقِ: “كلّ مثلّث، فمجموع زواياه يساوي زاويتين قائمتين”، لَزِمَ بِحَسَبِ الشّكل الأوّل من القياس، الضّرب الأوّل، لاَ صدق “المتساوي السّاقين مجموع زاوياه يُسَاوِي قائمتين”، بل نفس هذا القول. لِذَلِكَ فَمَنْ وضع مُحَالاً كهذا: “كلّ حَجَرٍ إنسان”، فلا مندوحة له من أن يسلّم بأنّ “كلّ حجر ناطق”، وهو مُحَالٌ. ذلك لأنّه إذا ضُمَّتْ إليها قضيّة ثانية بَيِّنَةُ الصّدق، وهي “كلّ إنسان ناطق”، لزم لا محالة بحسب الضّرب الأوّل، الشّكل الأوّل من القياس “كلّ حجر ناطق”. إذًا، فالموجبة المتّصلة الكلّيّة اللّزوميّة بحسب القياس تكون صادقة، إذا كان التّالي صَادِقًا مع كلّ أوقات صدق المقدّم، مع كونه لازما عن قياس، يكون المقدّم أحد مقدّماته، والمقدّمات الأخرى بيّنة الصّدق؛ وتكون صادقة إذا كان التّالي محالا، وكان المقدّم محالا، والتّالي لازما عن قياس يكون المقدّم أحد مقدّماته، والمقدّمات الأخرى بيّنة الصّدق. وهي لا تكون كاذبة إلاّ إذا كان التّالي ليس يلزم عن قياس يكون المقدّم أحد مقدّماته، والمقدّمات الأخرى بيّنة الصّدق.
أمّا الموجبة الجزئيّة في اللّزوميّة؛ ففي اللّزوميّة بحسب نفس الأمر، فصورتها هكذا: قد يكون إذا كان أ لزم عنه ب. وهذه إنّما تكذب إمّا إذا كان أ صادقا في أوقات ما، ويكون ب صادقا في كلّ تلك الأوقات، ولكن لاوقت من تلك الأوقات يكون موافقته للمقدّم في الصّدق، هو على جهة اللّزوم؛ أو يكون المقدّم محالا، والتّالي صادقا، أو يكون المقدّم محالا، والتّالي محالا. وتصدق جزئيّة، إذا كانت قد صدقت كلّيّة، وتصدق أيضا إن كان المقدّم صادقا في أوقات ما، ولو لم يصدق في كلّها، ويكون التّالي صادقا على جهة اللّزوم في بعض أوقات المقدّم، ولو لم يكن في كلّها. أمّا المتّصلة الموجبة الجزئيّة على جهة القياس، فهي تكذب، إذا كان لا يوجد وقت من الأوقات يمكن أن تصدق فيه قضيّة شأنها إذا ضُمَّتْ إلى المقدّم لَزِمَ عنها التّالي بحكم القياس. وهي تصدق في غير ذلك.
والضّرب الثّاني من الشّرطيّة المتّصلة هي المسمّاة بالاتّفاقيّة، وهذه تَقْضِي بثبوت التّالي على تقدير صدق المقدّم من غير أن يكون التّالي لازما للمقدّم وجودا لِعَلاَقَةٍ ما، أو قياسا. أي أنّها تقضي فقط بأنّ التّالي هو ثابت في كلّ أوقات، أو بعض أوقات وضع المقدّم على جهة الاتّفاق لا اللّزوم. قولك: “إذا كان الحمار ناهقا كان الإنسان ناطقا”. وعلى هذا فالاتّفاقيّة الموجبة لا تصدق إلاّ إذا كان التّالي ثَابِتًا، لأنّ ثبوته مُعَلَّقٌ بتقدير وجود المقدّم، لا بوجود المقدّم، فالمقدّم لا تأثير له في الوجود، إذًا فالمقدّم المفروض لا ينفع في ثبوته هو، فلا بدّ أن يكون ثابتا أوّلا هو، إذ أنّ ثبوت الشّيء مع تقدير ثبوت الغير إنّما هو فرع لثبوت الشّيء نفسه، متى كان الغير المقدّر لا تأثير له في وجوده هو. لذلك اُشْتُرِطَ في المتّصلة الاتّفاقيّة حتّى تكون صادقة أن يكون تاليها صادقا في كلّ الأحوال. ثمّ هي تُقَسَّمُ إلى قسمين: قسما أوّلا: يكون فيه التّالي صادقا، والمقدّم كاذبا، ويسمّيها القدامى بالاتّفاقيّة العامّة، وهذه تكذب فقط إذا كان المقدّم صادقا، والتّالي كاذبا، وتصدق في سائرها. وقسما ثانيا: يكون فيه التّالي صادقا، والمقدّم صادقا، وهذه لا تصدق إلاّ إذا كان المقدّم والتّالي صادقين مَعًا، وتكذب في البقيّة. ويسمّيها القدامى بالاتّفاقيّة الخاصّة. والكلّيّة الموجبة في الاتّفاقيّة العامّة تكون صادقة إذا كان التّالي صادقا أوّلا، وهو صادق في كلّ أوقات فرض المقدّم، لا وجوده، لأنّه قد يكون محالا؛ ولا يكذب إلاّ إذا كان في وقت من أوقات فرض المقدّم لا يكون هو موجودا. والاتّفاقيّة الخاصّة لا تصدق إلاّ إذا كان التّالي صادقا في كلّ أوقات صدق المقدّم، والمقدّم يكون صادقا لا محالة في بعض الأوقات في الأقلّ. وتكذب فيما سوى ذلك. أمّا الجزئيّة الموجبة في الاتّفاقيّة العامّة، فتصدق إذا كان التّالي صادقا في بعض أوقات وضع المقدّم، وليس ضرورة كلّها، وتكذب فيما سوى ذلك؛ والاتّفاقيّة الخاصّة لا تصدق إلاّ إذا كان المقدّم صادقا في بعض الأوقات في الأقلّ، ويوافقه في الصّدق التّالي في بعض أوقات صدق المقدّم، في الأقلّ.
وبعد هذا البسط للمتّصلة الموجبة، وبيان أصنافها، وكمّها، وشروط صدقها وكذبها، فإنّه يمكننا الآن أن نبيّن أيضا ما معنى السّلب فيها. فالمتّصلة إن كانت لزوميّة بحسب نفس الأمر، فالسّالبة الكلّية منها صورتها هكذا: ليس ألبتّة إذا كان أ كان ب، وتفسيرها: إنّه لايوجد وقت من الأوقات إطلاقا يكون فيه ب لازم الوجود عن أ. فهي تكون صادقة إذا كانت أ كاذبة أبدا، أو ب كاذبة أبدا، أو كلاهما كاذبان معا أبدا، أو إذا كانت ب صادقة في كلّ أوقات صدق أ، ولكن في كلّ تلك الأوقات، ب لا يكون لازما في الواقع لِصِدْقِ المقدّم أ، بل مُوَافِقًا له في الصّدق ليس غير. وتكون كاذبة إذا كان وَقْتٌ وُجِدَ فيه أ، ووافق وجوده وجود ب، وكان وجود ب حِينَئِذٍ إنّما على جهة اللّّزوم الواقعي عن أ. أمّا السّالبة الجزئيّة منها فصورتها هكذا: قد لا يكون إذا كان أ كان ب؛ وهذه تصدق إذا كان وقت من الأوقات لم يوجد أ، أو لم يوجد ب، أولم توجد الملازمة في الواقع بين أ وب. وتكذب، إذا كان أ موجودة دائما، و ب موجودا دائما، ولُزُومُ ب في الواقع لـأ يكون في كلّ الأوقات.
وإنّه لك أن تقيس من نفسك، ممّا بينّاه كيف يكون السّلب أيضا في المتّصلة الاتّفاقيّة.
25) قال: [المنفصلة تكون فيها النّسبة بين … ومثالها (اللّفظ إمّا أن يكون مُفْرَدًا أو مركّبا)] أقول: وهذه القضيّة هي منفصلة حقيقيّة، أي مانعة الجمع، مانعة الخلوّ: فاللّفظ لا يمكن أن يَخْلُوَ مَعًا عن كونه مفردا، وعن كونه مركّبا، ولا يمكن أن تجتمع فيه الصّفتين مَعًا.
26) قال: [و(ليس الإنسان إمّا أن يكون كاتبا أو شاعرا)] أقول: وهذه القضيّة هي منفصلة سالبة ترفع منع الجمع، ولا ترفع منع الخلوّ، لأنّها جواب بالإبطال من السّامع لِمُتَكَلِّمٍ ادّعى أنّه لا يمكن للمرء أن يجمع بين صفة الشّاعر وصفة الكاتب: فقال: “كلاّ، ليس إمّا أن يكون المرء شاعرا، أو كاتبا، بل يمكن أن يجمع بين الصّفتين.” وبَيِّنٌ أنّ المتكلّم لا يكون قَصْدُهُ من قوله “المرء إمّا أن يكون شاعرا أو كاتبا” أنّه لا يخلو من أحدهما حتّى أنّ كلّ النّاس شعراء، أو كتّاب، أو بعضهم شاعر وبعضهم كاتب، وبعضهم كاتب وشاعر.
27) قال: [فنقول إنّ هذا القسم لا يعدّ قضيّة شرطيّة…وشتّان بين الأداتين، من حيث معناهما، وفواعلهما المنطقية] أقول: كلام عجيب، فقولك هذا يُشْبِهُ كَمَنْ أخذ علما على معلّم له أوّل، وَوُصِفَ له ذلك المعلّم على أنّه أستاذ. فَلَمَّا تَعَدَّى إلى علم آخر، كَمَنْ انْتَقَلَ من اللّغة إلى المنطق، نَكَصَ عن أن يصف مُعَلِّمَهُ لِذَلِكَ العلم الثّاني، بالأستاذ، مُتَحَجِّجًا بأنّ الأستاذ هو اسم كان قد وُصِفَ به من كان معلّما له في اللّغة. كذلك، فأن يكون اسم الشّرط قد أُطْلِقَ أوّلا، على معنى الاتّصال، وكان قد دُلَّ عليه في اللّفظ بأداتي: “إذا…ف”، فإنّه لا يمنع أن يُطْلَقَ ثانيا على معنى الانفصال الّذي يُدَلُّ عليه “بإمّا …أو.” وبَيِّنٌ حينئذ أنّ هذا الاطلاق على المعنيين لا يكون على جهة التّواطئ، بل على جهة المناسبة، أو التّقديم والتّأخير، أوبوجه آخر من الوجوه.
28) قال: [ولا يمكن إبدال المقدّم بالتّالي، كما لايجوز العكس في الشّرطيّة] أقول: إنّ القضيّة الّتي لها المرتبة الأولى في الشّرطيّة تُسَمَّى مقدّما، والّتي لها المرتبة الثّانية تُسَمَّى التّالي. ولكن وضع المقدّم في المتّصلة، وتقدّمه على التّالي إنّما بحسب الطّبع، أمّا في المنفصلة فَبِحَسَبِ الوضع. لذلك فإنّه لو عُكِسَتْ مرتبة التّالي، وجعل مقدّما، والمقدّم تاليا، فقد تكذب المتّصلة حينئذ بعدما كانت صادقة. فمثلا: “كلّما كان الفرس حيوانا كان شيئا حسّاسا”، هي صادقة؛ فلو عكست قائلا: “كلّما كان الشّيء حسّاسا كان فرسا حيوانا”، كذبت، إذ قد يكون الشّيء حسّاسا وهو أسد حيوان. أمّا المنفصلة فلا يَضُرُّ فيها تغيير عكس التّالي والمقدّم.
29) قال: [ولكن البنية المنطقيّة للمنفصلة هي مختلفة البناء تماما … فأين الشّرط هنا] أقول: انظر إشارة 27. “إمّا أ أو ب”، هي شرطيّة لا على معنى الشّرطيّة المتّصلة، أي على معنى تعليق ثبوت على ثبوت، بل لِمَعْنَى أخصّ هو موجود في المتّصلة، وموجود في المنفصلة. وهذا المعنى هو أنّ القضيّة الّتي هي جزء من الشّرطيّة لا يُنْظَرُ لِحَالِهَا بالقياس إلى الواقع؛ لأنّها حينئذ تكون قضيّة خبريّة تامّة؛ بل بالقياس إلى حال القضيّة الأخرى، أو الجزء الآخر من القضيّة الشّرطيّة. فالمتّصلة هي شرطيّة لأنّها تَعْلِيقٌ لِحَالِ الثّبوت في القضيّة المسمّاة بالتّالي على ثبوت المقدّم؛ والمنفصلة هي شرطيّة لأنّ ثبوت أو لاثبوت أحد جزئيها هو معلّق بلاثبوت أو ثبوت الجزء الآخر. فافهم.
30) قال: […إذ لا يمكن أن يكون العدد 4 زوجا وفردا معا … يكون صادقا] أقول: “العدد 4 إمّا زوج أو فرد” هي منفصلة حقيقيّة. إذًا فهي ليست لا تصدق إلاّ إذا كان أحد جزئيها صادقا؛ فهذا من صفة مانعة الخلوّ دون الجمع. بل هي لا تصدق إلاّ إذا صدق أحد جزئيها فقط، ولا بدّ من أن يصدق أحد جزئيها، بحيث إذا كذب المقدّم، صدق التّالي لا محالة، وإذا صدق المقدّم كذب التّالي لا محالة، والعكس بالعكس.
31) قال: […فهذه تفيد ( التّخيير) إذ لايتنافى قيام علي مع مجيء زيد] أقول: لقد أَشَرْتُ مرارا كثيرة إلى أنّ الحكم في المنطق للمعاني على الألفاظ، لا العكس. وأن تكون “أو” في اللّغة العربيّة قد تدلّ على التّخيير، فهذا لا يعني المنطقيّ في شيء، فهو حكم متعلّق باللّغة. بل غاية ما يطلبه أنّه يوجد في المعنى، معنى الاتّصال، وهذا المعنى يمكن أن يُدَلَّ عليه في اللّغة العربيّة بِهَذِهِ الأداة أو تلك؛ وأنّه يوجد معنى الانفصال، ويمكن أن يُدَلَّ عليه في اللّغة العربيّة بعبارة “إمّا ..أو”، وبعدها هو لا يعنيه إن كانت هذه العبارة في اللّغة العربيّة قد تَدُلُّ أيضا على التّخيير الّذي هو غير الفصل، فذلك من مباحث اللّغة، واهتمام النحّاة.
32) قال: [لذلك فإنّ القضايا الّتي فيها الأداة (إمّا .. أو ..) ليست قضيّة شرطيّة] أقول: إنّه ليس كلّ عبارة وردت في اللّغة العربيّة انطوت على “إمّا.. أو” أفادت لا محالة الشّرط الانفصاليّ. ولكن ليس معنى ذلك أنّه لا يوجد معنى الشّرط الانفصاليّ من حيث هو كذلك، والّذي من شأنه أيضا أن يُدَلَّ عليه بأداتي: “إمّا.. أو.”
33) قال: [والخلاصة أنّ القضيّة … فهي قضيّة ليست شرطية] أقول: وذلك لَعَمْرِي إنّما اشتراط مجرّد اشترطه أنت، فلا يلزم غيرك، ولا يزن في العلم ذبابا.
34) قال: [وإن كان تحقّقهما يجتمعان … للتّخيير الّذي بين طرفيها وإمكان اجتماعهما] أقول: وهذه شرطيّة لغويّة، وليست من أقسام المنفصلات المذكورة في المنطق، ولا فائدة منطقيّة لها ألبتّة.
35) قال: [وعلى هذا فإنّ (نسبة الأحوال والأزمان)… كاذبة] أقول: الأحوال والأزمان في القضايا الشّرطيّة ليست هي النّسبة، بل أوقات وجود النّسبة، وتكميم القضايا الشّرطيّة إنّما هو بيان لِكَمِّ الوقت الّذي توجد أو لاتوجد فيه النّسبة.
36) قال: [ومعروف أنّ المنطق التّقليدي يهتمّ بتقسيمات القضايا الصّادقة … وعلى نحو معكوس بالنظر إلى القضايا على أنّها من جنس هذه البنية أو تلك] أقول: كلام مضطرب، ومجمل جدّا، وليس فيه فائدة بيّنة. أمّا قولك أنّ المنطق القديم لم يُعْنَ باحتملات الصّدق والكذب، فغير صحيح؛ وإلاّ فما دخول مباحث الجهة في القضيّة عندهم؟ فهم يفرّقون بين الواجب، والممكن، والمحال. ويقولون بأنّ العلم إن تعلّق بالواجب كان يَقِينًا، وإن تعلّق بالممكن صار ظَنًّا، وإن تعلّق بالمحال صار جهلا ضروريّا. ولا غَرْوَ في أنّ مبحث الجهة في المنطق القديم لَمِنْ أعوص المباحث، وأبعدها غورا، وليس يَجْسُرُ على الخوض فيها إلاّ القويّ اُلْجَلْدُ.
37) قال: [بمعنى أنّ البنية المنطقيّة هي صيغة … فهي مثال حسيّ] أقول: إنّ القضيّة هي مثال حسّي من حيث هي محتوى معيّن يصدق أو يكذب بحسب الواقع. وتجريد القضيّة من محتواها، يجعل النّظر المنطقيّ لا ينظر إليها إلاّ من حيث هي قيمة صدقيّة، أو كذبيّة، فتصير كلّ القضايا إنّما تُرَدُّ إلى قيمتين اثنتين: صادق أو كاذب. وقد يُسْتَغْنَى أيضا عن اسمي الكذب والصدّق، برمزين اثنين: مثل1، و0. لذلك فهو قد أمكن في المنطق الحديث أن يُنْشَأَ علم يعالج القضايا المنطقيّة معالجة حسابيّة، وأن يُبْنَى ما يُسَمَّى بمنطق القضايا الاستنتاجيّ. والغالب في هذا المنطق إنّما البحث على البنى المركّبة من قيم كثيرة لا تخرج عن كونها 1، أو 0، وتكون صادقة أبدا أيّا ما كانت قيم الأجزاء المكوّنة لها. وكان المنطقيّ الألمانيّ فيجنشتاين، قد أطلق على هذه البنى بالبنى اُلْمُحَصِّلَةِ لِلْحَاصِلِ.
38) قال: […ولكن سمّيت بذلك فعلى “نحو العطف] أقول:يريد أنّ تسمية جزئيّ المنفصلة بالمقدّم والتّالي، وإن لم يمتازا بالوضع، إنّما هو على سبيل الإلحاق، بالمتّصلة. إذًا فذانك الاسمان إنّما يُقَالاَنِ بالأحقّ في المتّصلة، وعلى سبيل الاستعارة في المنفصلة، لِوُجُودِ شَائِبَةٍ ما مشتركة بين المنفصلة والمتّصلة.
39) قال: [إذا كان ليس من حقّ أطراف المنفصلة أن تسمّى مقدّما … أليس هذا تناقض وإرباك] أقول: إنّما المؤلّف أراد بأنّهما ليس من حقّهما أن يسمّيا كذلك بالحقّ الأوّل، أو القول الأوّل، وليس إطلاقا وبأيّ معنى. ثمّ ولو على فرض أنّه لم بجز ذلك ألبتّة، فما مَنْعُكَ أن تكون المنفصلة أيضا شرطيّة بنوع آخر من الشّرط، غير نوع المتّصلة، فيختلف شرطها عن شرطها، فإن شُرِطَ في المتّصلة أن تتميّز جزءاها بالطّبع، ويُسَمَّى الجزء الأوّل بالمقدّم، تَسْمِيَةً على التّحقيق، والجزء الثّاني بالتّالي، تَسْمِيَةً على التّحقيق، لم يُشْتَرَطْ ذلك في المنفصلة، ومع ذلك جاز أن يُسَمَّى على سبيل الاشتراك الاسميّ، ما تقدّم بالوضع فيها بالمقدّم، وما تأخّر، بالتّالي؟
40) قال: […وإن لم يكونا متميزين بهذا النحو فمن أين جاءت صفتها الشرطية] أقول: كلّ هذا إمّا حيرة وهميّة لِعَدَمِ قدرتك على فهم خصوصيّة الشّرط في المنفصلة، وتفرقتها عن خصوصيّة الشّرط في المتّصلة، أو أنّه اشتراط اشترطته أنت، واصطلاح اصطلحته أنت، من غير أصل، ليس يلزم إلاّ أنت، ولا يلزم أحدا غيرك أبدا.
41) قال: [.. فكيف إذن الاحتجاج بالجواز المعطوف على قاعدة معطوفة هي الأخرى] أقول: انظر إشارة 9.
42) قال: [لأنّ القول بحمليّتها يعني ثبوت المحمول … فتحيلها إلى “ليست حملية”] أقول: ما هذا التّفسير العجيب لِعِبَارَةِ القوم؟ إنّما هم يسمّون الحمليّة السّالبة كذلك، إلحاقا في التّسمية على الحمليّة الموجبة، لأنّها ليست عدما مطلقا، بل هي عدم لِإِيجَابٍ، هو وضع الحمل. والسّلب في القضيّة إذا سُلِبَ ثبوت المحمول للموضوع، لا يقلبها إلى لا حمليّة، فتصير حينئذ شرطيّة، أو غيرها، بل إنّه يرفع صورة من الوضع هي غير وضع الشّرط أو غيرها، بل وضع الحمل.
43) قال: [وبالتّالي] أقول:عبارة صحفيّة ركيكة؛ فقل مثلا: “..ولذلك فهي ليست شرطيّة.”
44) قال: [لأنّ عدم تغيير المعنى بسبب تبديل الطّرفين … إنْ أُريد بها الشّرطيّة] أقول: كلام مكرّر ودعاوي مجرّدة، أصلها عدم التّحقّق بما يكفي في أقوال القدامى، وما بسطوه من معنى في هذا الأمر.
45) قال: [ومن المعروف أنّ كلّ قضيّة شرطيّة ليست إبداليّة … دون استثناء] أقول: وهذه القاعدة معروفة عند مَنْ؟ وما حُجَّةُ من وضعها، وأوجبها في كلّ أنواع الشّرط بلا استثناء؟
46) قال: [وليس من الصّحيح القول إنّ لكلّ قاعدة استثناء … لا تقبل الاستثناء] أقول: إنّ سقوط المثال الواحد من القاعدة يكون سقوطا للقاعدة إذا كان مُنْدَرِجًا بالقوّة أو بالفعل أوّلا في مقصود القاعدة، والاستثناء حينئذ لا يكون من عمل القاعدة، بل من خارج القاعدة. فمثلا لو قال قائل: “كلّ حيوان مُجْتَرٍّ يحرّك فَكَّهُ الأسفل عند الاجترار”، فهذه قاعدة مقصودها بالوصف إنّما يشتمل على كلّ الحيوانات المجترّة، ولا يستثني منها أحدا. فيأتي أحد من خارج القاعدة، ويَسْتَدْرِكُ على صاحبها، “أَيْ فلان! إلاّ التِّمْسَاحَ، فهو يحرّك فَكَّهُ الأعلى حينما يَجْتَرُّ!” فهذا الاستثناء، فلأنّه من خارج القاعدة، وهو مخالف لِمَا تنصّ عليه القاعدة، كان حَقًّا إبطالا لها، وتسفيها لها. أمّا لو كان القائل الأوّل قد قال : “كلّ حيوان مجترّ يحرّك فكّه الأسفل عند الاجترار إلاّ التّمساح.” فهذه قاعدة قد اُسْتُثْنِيَ منها المثال المخالف للقاعدة، فصحّت القاعدة مع هذا الاستثناء. إذًا، فليس على الاطلاق إنّما يكون مخالفة المثال للقاعدة إسقاطا لها، وكان حَقَّكَ أن تُقَيِّدَ قولك بالشّروط المذكورة، لِيَصِحَّ.
47) قال: [والخلاصة الإجماليّة : إنّ ما يميّز القضيّة الشّرطيّة …(إذا كان .. فإنّ ..)] أقول: ذلك شرط المتّصلة، والمنفصلة شرطها آخر، وليس لأنّها ليست بذلك الشّرط هي غير شرطيّة بإطلاق.
48) قال: [ولا موضع لنسبة الأحوال والأزمان في الشّرطيّة… لتصنيف الشّرطيّة] أقول: أوّلا الأحوال والأزمان كما أسلفت التّنبيه، لا تدخل في الشّرطيّات على أنّها نسبة، بل على أنّها أوقات وجود النّسبة، وهي مُتَعَلَّقُ التّكميم فيها، كما كان أفراد الموضوع هي متعلّق التّكميم في الحمليّة. وثانيا هو ليس صحيحا أنّ اعتبار الأحوال والأزمان هو الأساس الّذي به تُصَنَّفُ الشّرطيّات إلى منفصلة ومتّصلة، بل الأساس الّذي به تُكَمَّمُ القضايا، سواء كانت منفصلة أو متّصلة.
49) قال: […وإنّ نفيها يكون : ليس (إذا جاء زيد نبدأ بالعمل)] أقول: إنّ سلب المتّصلة كقولك: “إذا جاء زيد نبدأ العمل”، “ليس إذا جاء زيد نبدأ العمل”، ليس هو إثباتا مثلا لاتِّصَالِ عدم بَدْئِنَا بالعمل لِمَجِيءِ زيد، أو إثباتا لاتّصال بدئنا بالعمل بِعَدَمِ مَجِيئِ زيد، أو إثباتا لاتّصال عدم بدئنا بالعمل بعدم مجيئ زيد، بل إنّها ترفع أن يكون بَدْؤُنَا بالعمل هو مُعَلَّقُ الحصول بمجيئ زيد على جهة اللّزوم، إن كانت لزوميّة، أو بعدم موافقة بدئنا في العمل لِمَجِيئِ زيد إن كانت اتّفاقيّة.
50) قال: [وهذه تؤول منطقيّا إلى (لم يأت زيد أو لم نبدأ بالعمل)] أقول: أي أنّ المتّصلة “إذا جاء زيد نبدأ العمل” يلزمها منفصلة تَمْنَعُ الخلوّ من بدئنا بالعمل، وعدم مجيء زيد، فتكون هكذا: “إمّا لم يجيء زيد أو نبدأ العمل”. وسلب المتّصلة: “ليس إذا جاء زيد نبدأ العمل”، فهي سلب لأن يكون بَدْؤُنَا بالعمل موافقا لِمَجِيئِ زيد، فهي مانعة الخلوّ من عدم بدئنا في العمل، وعدم مجيء زيد، “إمّا لم يجئ زيد أو لم نبدأ في العمل.”
51) قال: [ومثال آخر (إذا كان العدد 4 زوجا فإنّه عدد طبيعيّ)، والنّفي يكون (العدد 4 ليس زوجا أو العدد 4 عددا طبيعيا)] أقول: “إذا كان العدد4 زوجا كان عددا طبيعيّا” تلزم عنها المنفصلة، مانعة الخلوّ “إمّا ليس العدد 4 زوجا، أو العدد 4 طبيعيّا”. فهو إذا كذب “ليس العدد 4 زوجا”، فقد صدق أنّ “العدد 4 زوج”، فلا بدّ أن يصدق ” العدد 4 طبيعيّ”، لأنّه لو كذب، لَصَدَقَ “ليس العدد 4 طبيعيّا”. وإذا لم يكن العدد 4 طبيعيّا بعكس نقيض المتّصلة، لم يكن العدد 4 زوجا؛ ولكن هو زوج. إذًا، فلابدّ من أن يصدق “العدد 4 طبيعيّ”. كذلك إذا فرضت أنّ “العدد 4 طبيعيّ” كاذب، فلا بدّ من أن يصدق “ليس العدد 4 زوجا”. وإن كان بحسب الواقع لا يمكن الجمع بين لا زوجيّة 4 وكونها عددا طبيعيّا، فإنّها بحسب صورة المثال، فهذه القضيّة مانعة الخلوّ غير مانعة الجمع. وذلك لأنّه إذا كذب المقدّم، وصدق التّالي، فالمتّصلة تكون صادقة أيضا. إذًا فهو يمكن الجمع بين كذب: “العدد 4 زوجا”، أي صدق “ليس العدد 4 زوجا”، وبين صدق التّالي: “العدد 4 طبيعيّ”. إذًا، فالمنفصلة اللاّزمة عن المتّصلة ” إذا كان 4 عددا زوجا كان العدد أربعة عددا طبيعيّا” إنّما تلزم عنها منفصلة مانعة الخلوّ غير مانعة الجمع مفادها ” إمّا ليس العدد 4 زوجا أو العدد 4 عدد طبيعيّ.”
ـــــــ

القَضَايَا اُلْمَنْحَرِفَة

اُلْمَتْنُ
“تعدّ القضيّة منحرفة بحسب المنطق التقليدي (إذا انحرفت عن استعمالها الطبيعيّ ووضعها المنطقيّ)، وحدّدوا مواضع المنحرفات في القضايا الحمليّة والقضايا الشّرطية وكما يلي ..
(أوّلا) انحراف القضيّة الحمليّة :
ويأتي من (اقتران سور القضيّة بالمحمول)، والاستعمال الطبيعيّ هو (اقتران السّور بالموضوع). وهذا لانخالفه، فالسّور قرينة للموضوع. ويضربون مثلا في هذا النّوع من الانحراف نحو (الإنسان بعض الحيوان). ووجه الانحراف أنّ السّور “بعض” اقترن بالمحمول “الحيوان” والمُدّعى أنّ الاستعمال الطّبيعيّ يجب أن يكون (بعض الحيوان إنسان). ونسأل هنا : هل ثمة ضرورة ملزمة باعتبار الطّرف الأوّل في الحمليّة المسوّرة “موضوعا”، والطّرف الثّاني منها ” محمولا ” ؟ أم أنّ المعيار في الاصطلاح على الطّرفين هو اقتران لفظ السور فقط؟
وجوابا عن هذا التّساؤل نقول؛ نعم إنّ الأمر “المعتاد” هو أنّ الطرف الأوّل موضوعا والثّاني محمولا في القضية الحمليّة. ولكن هذا التّرتيب ليس ملزما، طالما يمكن الاستدلال على الموضوع من قرينة السور. فالمثال (الإنسان بعض الحيوان) تتألّف من الموضوع ” الحيوان ” لأنّه مقترن بالسور، وهو هنا سور جزئيّ، و”الإنسان” محمولا. وهذا من شأن اللّغة. أمّا من حيث وضعها المنطقيّ فإنّ صيغتها المذكورة لاتخرجها من كونها مركّبا تامّا، بمعنى أنّ (الإنسان بعض الحيوان) مركّبا تاما وهذا كاف لعدّها قضيّة قابلة للحكم صدقا أو كذبا، والقضيّة إيّاها صادقة. إنّ ترتيبها مشابه تماما لتقديم الخبر على المبتدأ في اللّغة، فيصحّ القول “موضوعها متأخّر” و”محمولها متقدّم”. فالقضيّتان في المثال متكافئتان، بمعنى أنّ لهما قيمة ذاتها وهي هنا الصّدق، وهذا دليل آخر على أنّ استعمالها طبيعي، وهو استعمال لغويّ كما لايخفى، وأنّ وضعها منطقيّ للسّبب المذكور. إنّ القضيّتين المتكافئتين لهما القيمة ذاتها : فإمّا كلاهما صادق أو كلاهما كاذب، بشرط أن يكون لهما الأطراف ذاتها. فليس كلّ قضيّتين صادقتين أو كاذبتين متكافئتان. ولابدّ أن نستعمل في هذا الموضع مفهوم ” الإبدال” .. ونقصد به تبديل طرفي القضيّة، أحدهما في محلّ الآخر، وليس هذا من شأن العكس المستوي كما سيتّضح. فنقول إنّ القضيّة الحملية بأنّها إبداليّة إذا أمكن إبدال طرفيها أحدهما في محلّ الآخر، وحافظت على صدقها أو حافظت على كذبها. وواضح أنّ القضيّة الأصل والقضيّة المبدّلة الطّرفين متكافئتان. لذلك فإنّ القضيّة (الإنسان بعض الحيوان) صادقة بصدق المبدّلة (بعض الحيوان إنسان)، وليس باعتبار آخر . ليست كلّ القضايا الحمليّة إبدالية، فإنّ الخاصّة الإبداليّة قد تتوافر أو قد لا تتوافر في القضيّة تبعا لكلّ من: السّور والكيف والنّسبة بين الموضوع والمحمول، بوصفهما مفهومين كلّيين بحسب تعبير المنطق التقليديّ. ويمكن وضع حالات الإبدال كما يلي:
أ ـ فإذا لم تكن القضيّة الحمليّة مسوّرة وإنّ الموضوع جزء من المحمول نحو (الإنسان حيوان) فإنّ القضيّة ليست إبدالية لأنّ (الحيوان إنسان ) خاطئة بينما الأصل صادق، فيسقط شرط الخاصّة الإبداليّة وهو التّكافؤ.
ب ـ وإذا كان سور القضيّة الموجبة جزئيّ، والموضوع يساوي المحمول، أو الموضوع جزء من المحمول فالخاصّة الابدالية متوافرة فيها .نحو (الإنسان بعض النّاطق) صادقة، (بعض الإنسان ناطق) صادقة. (إبدالية) و ( الإنسان بعض الحيوان) صادقة، (بعض الحيوان إنسان) صادقة. (إبدالية).
جـ ـ وإذا كان السّور كلّيّ وكانت النّسبة بين الكلّيين؛ الموضوع والمحمول التّساوي فإنّ الخاصّة الإبداليّة متحقّقة. نحو:
(كلّ إنسان ناطق) صادقة، (الناطق كل الإنسان) صادقة. (إبدالية). أو(كلّ ناطق إنسان) صداقة، (الإنسان كلّ الناطق). صادقة. (إبداليّة).
د ـ وإذا كان السّور كلّيّا والنّسبة بين الموضوع والمحمول هي نسبة الجزء إلى الكلّ فلا وجود لخاصّة الإبدال. نحو: (كلّ إنسان حيوان) صادقة، (الحيوان كل الإنسان) كاذبة. ( ليست إبدالية) . وهكذا يمكن سرد الحالات السّالبة المماثلة من حيث السّور والنّسبة. وإن الاحتكام للذّائقة والسّليقة اللّغوية العربيّة وفصاحة اللّغة والإلمام بالبلاغة يغني عن كلّ هذه التّعقيدات. وننوّه هنا أنّنا لا نقول بضرورة تسوير المحمول وإن كان ذلك ممكنا، وهذا مبحث ليس هذا محلّه. ومطالعتنا انصبّت في تقديم وتأخير طرفي الحمليّة.(ثانيا) انحراف القضيّة الشرطيّة :
ويكون عندما (تخلو الشّرطية عن أدوات الاتّصال والعناد فتكون بصورة حملية وهي في قوّة الشّرطيّة ). وقبل مباشرة ملاحظة هذا النّوع من الانحراف المُدّعى في الشّرطية، فلابدّ من القول إنّ المنطق التّقليدي لم يعن بـ “أدوات الرّبط”، ولم نعرف عن أيّة أدوات يشير إليها نصّ التّعريف. فأدوات الرّبط كلّها مقدّرة بالنّسبة بين أطراف الحمليّة، وبين أطراف الشّرطيّة ـ أي الشّرطيّة وفق المنطق التّقليديّ ـ فيضربون مثلا القضيّة الشرطيّة المنحرفة: ـ (لا تكون الشّمس طالعة أو يكون النّهار موجودا)، فهي في قوّة المتّصلة، وأصلها (كلّما كانت الشمس طالعة كان النّهار موجودا). ونقول، في التّعبير “في قوّة المتّصلة” يكمن التّصويب. إنّ القضيّة الأصل عندنا هي قضيّة شرطيّة وليست متّصلة، لأنّ القضيّة المتّصلة تتميّز بوجود أداة الاتّصال ” و”. بمعنى أنّ الشّرطيّة لاتقسّم إلى متّصلة ومنفصلة كما دللنا على ذلك. فالقضيّة الأصل تتألّف من قضيّتين بأداة الشّرط ” كلّما كان … كان ..” وصيغتها العامّة “إذا ب فأن حـ”. وهذه الصّيغة تكافئ الصّيغة “ليس ب أو حـ”، حيث أنّ الأداة “أو” اتّفاقيّة، فلا يمتنع تحقّق الطّرفين بوجودها، وأنّها تصدق بصدق أحد الأطراف في الأقلّ، كما تصدق بصدق الطّرفين. فإذن القضيّة الّتي لها الصّيغة “إذا ب فإنّ حـ” تكافئ القضيّة الّتي لها الصّيغة “ليس ب أو حـ” . وعلى العموم إذا كان طرفا الشّرطيّة، أي المقدّم والتّالي، غير متنافيين، فهي صادقة، وبالتّالي من الصّائبة يكون تحويلها بنفي المقدّم وإبقاء كيف التّالي على حاله وربطهما بأداة الرّبط “أو ـ الاتّفاقيّة”. فليس إذن ثمّة انحراف لا من حيث الاستعمال الطّبيعيّ، ولا من حيث الوضع المنطقيّ.
ـ (لايجتمع المال إلاّ من شح أو حرام)، فإنّها في قوّة المنفصلة والأصل (إمّا أن يجتمع المال من شحّ أو من حرام). ونقول إذا كان المقصود بالانفصال التّخيير، بمعنى جواز اجتماع تحقّق الطّرفين “الشحّ” و”الحرام”، ولا تناف بينهما فهو تقدير صائب في التّحليل المنطقيّ، أمّا إذا كان التّنافي، فهذا ليس بالتّقدير الصائب. إنّ ما يدّعى أنّ المثال المذكور قضية منحرفة، فيه نظر أيضا لأنّها من الاستعمال الطّبيعيّ، وهو دارج في اللّغة الفصحى، وإنّها قابلة للحكم بصدقها أو كذبها. كما أنّ وجود أداة الاستثناء ليس لها مكان في الوضع المنطقيّ، فهو استثناء تبع النّفي. فلو قلت (لا يجتمع المال من شحّ أو حرام)، فسيكون لها مكافئ هو (لا يُجْمَعُ المال من شحّ (و) لا يجمع المال من حرام) وبالصّيغة المعتادة (لا يُجْمَعُ مال من شحّ ولا يجمع من حرام). فأين الانحراف هنا؟ والخلاصة : إنّ حالات الانحراف المدّعاة في المنطق التّقليديّ، والمذكورة بعيدة عن الانحراف من حيث الاستعمال اللغوي والوضع المنطقيّ.”
عبد الرّحمن كاظم زيارة

الإشارات
أ‌) انحراف القضيّة الحمليّة
1) قال: [والاستعمال الطّبيعيّ هو (اقتران السّور بالموضوع)] أقول: القضيّة إن كانت حمليّة، فهي تَنْقَسِمُ إلى موضوع ومحمول. والموضوع قد يكون شخصيّا، أو جُزْئِيًّا حقيقيّا، والمحمول كذلك، قولك: “زيد هو عمرو.” والموضوع قد يكون شخصيّا والمحمول كليّا، قولك: “زيد إنسان.” وقد يكون الموضوع كلّيّا والمحمول شخصيّا، قولك: “الإنسان زيد؛” وقد يكون الموضوع كلّيّا والمحمول كلّيا، قولك: “الفرس حيوان.” والاستعمال الطّبيعيّ في القضايا الحمليّة أن يكون الموضوع فيها إنّما الشّخص بِعَيْنِهِ إن كان الموضوع جزئيّا حقيقيّا، أو الأفراد المقول عليها الموضوع، لا الموضوع الكلّيّ، إن كان الموضوع كلّيّا. أمّا المحمول، فهو المفهوم، لا الأفراد المقول عليها المفهوم. فمثلا إذا قلت “الإنسان ناطق”، فتفسيره ليس الإنسان الكلّي بما هو كلّي يَتَّصِفُ بمعنى النّطق الكلّيّ، بل بأنّ الأفراد المتّصفة بالإنسان هي متّصفة بالمعنى الكلّيّ، النّطق. لذلك فإنّه قد اُحْتِيجَ في هذه القضايا، لِتَعْيِينِ كَمِّ أفراد الموضوع المقول عليها المحمول، إلى ذكر السّور الكلّيّ أو الجزئيّ، إن كان الموضوع كلّيا، ولم يُحْتَجْ لأن يُقْرَنَ السّور بالمحمول الكلّيّ؛ والموضوع فإن كان شخصيّا، فهو لم يُحْتَجْ لأن يُقْرَنَ به سور ألبتّة، لأنّه مُتَعَيِّنُ الذّات. أمّا إذا قُرِنَ السّور بالمحمول الكلّيّ، قولك: “الفرس كلّ حيوان”، أو بالموضوع الجزئيّ، قولك: “كلّ زيد إنسان”، فقد خَرَجَتْ عن الوضع الطّبيعيّ، وسُمِّيَتْ لِذَلِكَ بالمنحرفة.
2) قال: [وهذا لانخالفه، فالسّور قرينة للموضوع] أقول: تعليل غير كاف؛ والموضوع في الحمليّة لا يقتضي السّور على جهة الإطلاق، فالشّخصيّة، لا يُبَيَّنُ كمّ موضوعها، فلا تطلب السّور. لذلك تَصِيرُ منحرفة لو قُرِنَ السّور بموضوعها، قولك “كلّ زيد إنسان”؛ فهو يُفْهَمُ منه أنّ مفهوم الإنسان يقال على كلّ فرد من أفراد زيد. وإذ أنّ زيدا هو جزئيّ، ولا يقبل الشّركة، فلا أفراد له؛ إذًا، فهذه مُنْحَرِفَةٌ موجبة كاذبة. والقضيّة الحمليّة إن كانت منحرفة الموضوع، دَلَّتْ على دخول السّور على الشّخص، وهو إمّا أن يكون سورا كلّيّا موجبا، قولك: “كلّ زيد عمرو”. أي كلّ فرد من أفراد مِمَّا يُقَالُ عليه زيد الكلّيّ، هو عمرو، وهذه بَيِّنَةُ الكذب؛ أو سورا كلّيّا سالبا، قولك: “لا أحد من زيد عمرو”، وهذه منحرفة الموضوع صادقة، مع أنّها مُوهِمَةٌ لِلْكَذِبِ كما يقول ابن سينا؛ أو يكون السّور جُزْئِيًّا موجبا، قولك: “بعض زيد هو عمرو”، وهذه كاذبة لِعَيْنِ السّبب المذكور آنفا؛ أو يكون السّور جزئيّا سَالِبًا، قولك: “ليس كلّ زيد هو عمرو”، وهذه منحرفة الموضوع، صادقة مع إِيهَامِهَا لِلْكَذِبِ. فأمّا إن كانت القضيّة منحرفة المحمول، دلّت على دخول السّور عليه. ولكن حِينَئِذٍ إنّما يَصِيرُ السّور والمحمول جُمْلَةً وَاحِدَةً، وهذه الجملة هي المحمول على الحقيقة في هذه القضيّة المنحرفة. والمحمول الأوّل قد يكون شَخْصًا، وقد يكون كلّيّا، وهو اُلْمُعْتَبَرُ. وهَاؤُمُ الآن تلخيص أمر المنحرفة المحمول، كلّها، مُوجِبَهَا وَسَالِبَهَا:
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ.
قولك: “زيد هو كلّ عمرو”، وتفسيره زيد هو كلّ فرد من أفراد عمرو، وإذ عمرو هو جزئيّ لا أفراد له، فهذه المنحرفة بَيِّنَةُ الكذب.
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ.
قولك: “زيد هو بعض عمرو”، وهذه كاذبة، لأنّ معناها أنّ زيدا هو فرد من أفراد المحمول عمرو، وإذ عمرو ليس بكلّيّ، فلا أفراد له، فليس له لا كلّ أفراد، ولا بعضها.
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب كلّيّ.
قولك: “زيد لا شيء من عمرو”، وهذه صادقة مع إِيهَامِهَا لِلْكَذِبِ، فهي تُوهِمُ الكذب، لأنّك قد تَظُنُّ بأنّ عمروا له أفراد، وزيد ليس بفرد واحد منها، كقولك: “زيد لا شيء من الحجر”. وهي صادقة، لأنّ عمروا سواء كان ذا أفراد أم لم يكن، فهو صحيح أنّ زيدا لاشيء من عمرو؛ وهذا يُشْبِهُ شرط الصّدق في المحمولة الطّبيعيّة. إذ هناك لا تصدق الموجبة إلاّ إذا صَحَّ، مع صحّة الحمل، وجود الموضوع. أمّا في السّلب، فيكفي أن يكون الموضوع غير موجود حتّى تصدق، وإن امتنع ذِهْنًا رَفْعُ المحمول عن الموضوع.
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب جزئيّ.
قولك: “زيد هو ليس كلّ عمرو”، وهذه صادقة مع إيهامها للكذب، وتفسير ذلك مَا مَرَّ.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ.
قولك: “ليس زيد هو كلّ عمرو”، وهذه صادقة، لأنّ عمروا لا أفراد له، فامتنع إِذًا أن يكون زيد كلّ فرد فرد من أفراده.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ.
قولك: “ليس زيد هو بعض عمرو”، وهذه صادقة، لأنّ عمروا لا أفراد له إطلاقا، فَزَيْدٌ لا يُمْكِنُ أن يكون لا كلّ فرد فرد منها، ولا بعضها.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب كلّيّ.
قولك: ” ليس زيد لا شيء من عمرو”، وهذه في قوّة الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ “زيد هو بعض عمرو”، وقد رأينا أنّها كاذبة.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب جزئيّ.
قولك: “ليس زيد ليس كلّ عمرو”، وهذه في قوّة الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ “زيد هو كلّ عمرو”، وقد رأينا أنّها كاذبة.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ: “كلّ ج كلّ زيد”.
وبَيِّنٌ أنّ هذه كاذبة، فَزَيْدٌ ليس بكلّيّ، فلا أفراد له، فلا كلّ أفراد له.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ: “كلّ ج بعض زيد”.
وبَيِّنٌ أنّ هذه كاذبة أيضا، فزيد ليس بكلّيّ، فلا أفراد له، فلا بعض أفراد له.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب كلّيّ: “كلّ ج لا أحد من زيد”.
وهذه صادقة وإن أَوْهَمَتْ كَذِبًا، إذ زيد ليس بكلّيّ، فلا أفراد له، فكلّ فرد فرد من ج ليس بفرد واحد من أفراد زيد الغير موجودة.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب جزئيّ: “كلّ ج ليس كلّ زيد”.
وهذه صادقة وإن أَوْهَمَتْ كذبا أيضا، إذ زيد ليس بكلّيّ، فلا أفراد له، فكلّ فرد فرد من ج ليس بِفَرْدٍ واحد من أفراد زيد، فكلّ فرد فرد من ج ليس بعضا، أيّا كان من أفراد زيد الغير موجودة أصلا.
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ: “بعض ج كلّ زيد”.
وهذه كاذبة لِعَيْنِ السّبب المذكور آنفا.
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ: “بعض ج بعض زيد”.
وهذه أيضا كاذبة لِعَيْنِ السّبب المذكور آنفا.
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب كلّيّ: “كلّ ج لا أحد من زيد”.
وهذه صادقة مع إِيهَامِهَا لِلْكَذِبِ، وانظر التّعليل فيما قد سبق.
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب جزئيّ: “كلّ ج ليس كلّ زيد”.
وهذه صادقة أيضا، مع إيهامها للكذب، وانظر التّعليل فيما قد سبق.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ: “لا أحد من ج كلّ زيد”.
وهذه صادقة مع إيهامها للكذب، فهو لا يُوجَدُ لِزَيْدٍ أفراد، فلا يمكن أن يكون فرد واحد من أفراد ج كلّ فرد فرد من أفراد زيد الغير موجودة.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ: “لا أحد من ج بعض زيد”.
وهذه صادقة مع إيهامها للكذب، والسّبب كالمذكور آنِفًا.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب كلّيّ: “لا أحد من ج لا أحد زيد”.
وهذه في قوّة “كلّ ج هو بعض زيد”، وقد رأينا أنّها كاذبة.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب جزئيّ: “لا أحد من ج ليس كلّ زيد”.
وهذه في قوّة “كلّ ج كلّ زيد”، وقد رأينا أنّها كاذبة.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب كلّيّ: “ليس بعض ج كلّ زيد”.
وهذه صادقة مع إيهامها للكذب.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ موجب جزئيّ: “ليس بعض ج بعض زيد”.
وهذه أيضا صادقة مع إيهامها للكذب.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب كلّيّ: “ليس بعض ج لا أحد من زيد”.
وهذه في قوّة “كلّ ج بعض زيد”، وقد رأينا أنّها كاذبة.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الشّخصيّ سالب جزئيّ: “ليس بعض ج ليس كلّ زيد”.
وهذه في قوّة “كلّ ج كلّ زيد”، وقد رأينا أيضا أنّها كاذبة.
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ: “زيد هو كلّ ب.”
وقبل أنّ نبحث في المنحرفات من جهة المحمول الكلّيّ، فلا بدّ من أن نُمَهِّدَ لِذَلِكَ بهذا التّمهيد:
اعلم أنّ كلّ صفة مِمَّا يُوصَفُ بها الشّيء، فإمّا أن تكون ضَرُورِيَّةً لِلشَّيْءِ، بِحَيْثُ لا يخلو منها في وقت من الأوقات، إلاّ إذا كان مرتفع الوجود، مثل النّطق للإنسان، فهو موجود ما دام الإنسان موجودا، ولا يرتفع إلاّ بارتفاع وجود الإنسان. وإمّا أن تكون الصّفة مُمْتَنِعَةً، بحيث تكون مرتفعة أبدا عن الشّيء، ما دام الشّيء موجودا أو غير موجود، مثل الحَجَرِيَّةِ للإنسان. أو تكون الصّفة مُمْكِنَةً للشّيء، على معنى غير ممتنعة الوجود له، إن كان موجودا، وغير واجبة الوجود له إن كان موجودا، مثل الكتابة للإنسان.
وبعد هذا التّمهيد الّذي سَيَنْفَعُنَا هاهنا وفي بَقِيَّةِ البحث كلّه نقول: الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ، هي الّتي موضوعها شخص ومحمولها الأوّل مقترن به سور كلّيّ موجب، وصورتها هكذا: “ج هو كلّ ب”. فالمحمول الأوّل الكلّيّ ب، سواء كان واجبا للشّخص ج، مثل “زيد هو كلّ إنسان”، أو ممكنا مثل “زيد هو كلّ كاتب”، أو ممتنعا، مثل “زيد هو كلّ ناهق”، فَبَيِّنٌ أنّه لا يمكن إطلاقا، أن يكون هو بعينه كلّ فرد فرد من أفراد المحمول الأوّل ب؛ إذًا، فهذه المنحرفة هي كاذبة.
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “زيد هو بعض ب.”
وهذه تكون صادقة إذا كان المحمول الأوّل ب واجبا لِزَيْدٍ، قولك: “زيد هو بعض الإنسان”، وإذا كان ممكنا، قولك:”زيد هو بعض الكاتب”؛ أمّا إذا كان ب ممتنعا أن يقال على زيد، فهذه المنحرفة تكون كاذبة، قولك: “زيد هو بعض النّاهق.”
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “زيد لا شيء من ب.”
نقول بأنّ قولنا: “زيد لا شيء من ب”، قد يصدق أحيانا، وقد يكذب أخرى؛ فلو كان أوّلا ب هو صفة ضروريّة في زيد الإنسان، كالنّطق، وقَضَيْنَا بأنّ “زيد لا شيء من النّاطق”، أي بأنّه لا فرد من أفراد النّاطق هو بِعَيْنِهِ زيد، فهذا كذب، لأنّ زيدا لَوْ خَلاَ من كونه عَيْنَ فَرْدٍ وَاحِدٍ من أفراد النّاطق، لَخَلاَ من كونه إنسانا، وَلَوْ خَلاَ من ذلك، لَخَلاَ من كونه موجودا. هذا خلف. أمّا لو كان ثانيا ب صفة ممتنعة عن زيد، كَكَوْنِهِ نَاهِقًا، وقلنا: “زيد لا شيء من النّاهق”، فَبَيِّنٌ أنّ هذه صادقة أبدا. وإذا كان ثالثا ب، صفة ممكنة لِزَيْدٍ، كَكَوْنِهِ كاتبا، فهي قد تصدق أيضا: قولك: “زيد هو لاشيء من الكاتب”، لأنّ زيدا هو أُمِّيٌّ.
الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب جزئيّ: “زيد ليس كلّ ب.”
وهذه المنحرفة تصدق في كلّ مواد ب، لأنّ زيدا الفرد لا يمكن أن يكون كلّ فرد فرد من ب، سواء كان ب، ضروريّا، أو ممتنعا، أو ممكنا.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ: “كلّ ج كلّ ب.”
وهذه تكذب في كلّ أحوال ب، لأنّه لا يمكن أن يكون كلّ فرد فرد من أفراد ج الكلّيّ، هو بعينه كلّ فرد فرد من أفراد ب الكلّّيّ.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “كلّ ج بعض ب.”
وهذه تصدق إذا كان ب واجبا لـج، قولك: “كلّ فرس هو بعض الحيوان”، أي كلّ فرد فرد من أفراد الفرس، هو فرد واحد من أفراد الحيوان؛ وتصدق إذا كانت ب ممكنة لـج، قولك: “كلّ إنسان هو بعض اُُلْمَاشِي”، فقد يكون الآن كلّ فرد من أفراد النّاس هو فردا واحدا من أفراد الماشي، الّذي فيها أيضا أفراد آخرون، كالبهائم وغيرها. أمّا إذا كانت ب ممتنعة عن ج، فهذه المنحرفة تكون كاذبة، قولك: “كلّ إنسان بعض الحجر”، إذ لا يوجد فرد واحد من الإنسان هو فرد واحد من الحجر، فكيف أن يكون ذلك لِكُلِّ فرد فرد منه.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “كلّ ج لا شيء من ب.”
وهذه تكون صادقة إذا كانت ب ممتنعة عن الموضوع ج، لأنّه كلّ فرد من أفراد ج لا يمكن أن يكون فردا واحدا من أفراد المحمول ب. وتكون كاذبة إذا كانت ب واجبة على الموضوع ج. مثل “كلّ إنسان لا شيء من النّاطق”، فكلّ فرد ممّا يقال عليه إنسان، هو بالضّرورة فرد واحد من أفراد كلّ المحمول. أمّا إن كانت ب ممكنة لـج، فقد تصدق. قولك: “كلّ أهل طبلبة لا شيء من المتكلّم بالإنجليزيّة”. فالتكلّم بالإنجليزيّة هو معنى ممكن الثّبوت للموضوع أهل طبلبة، لذلك فقد جاز أن يكون كلّ واحد واحد من الموضوع، هو لايكون واحد واحد من أفراد كلّ المحمول.
الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب جزئيّ: “كلّ ج ليس كلّ ب.”
وهذه تصدق في أحوال ب الثّلاث. فب سواء كان ضروريّا للموضوع ج، أو ممكنا، أو ممتنعا، فليس يمكن أن يكون كلّ فرد فرد، من أفراد ج، هو بعينه كلّ فرد فرد من أفراد كلّ المحمول. فصدق إذًا: “كلّ ج ليس كلّ ب.”
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ: “بعض ج كلّ ب.”
وهذه تكذب في كلّ أحوال ب، لأنّه لا يمكن لِفَرْدٍ واحد من ج أن يكون كلّ فرد فرد من أفراد ب.
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “بعض ج بعض ب.”
وهذه تصدق إذا كان ب واجبا لـج، قولك: “بعض الفرس بعض الحيوان”؛ وإذا كان ب ممكنا لـج، قولك: “بعض الإنسان بعض الماشي”. أمّا إذا كان ب ممتنعا عن ج، فلا تصدق هذه المنحرفة، قولك: “بعض الإنسان بعض الحجر.”
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “بعض ج لا شيء من ب.”
وهذه تصدق إذا كان ب مُمْتَنِعًا للموضوع ج، لأنّه أي فرد من أفراد ج، من ذلك أيّ فرد من أفراد بعض ج، لا يمكن أن يكون فردا واحدا من كلّ أفراد ب المحمول الممتنع، قولك: “بعض الإنسان لا شيء من النّاهق.” وتكذب إذا كانت ب واجبة، قولك: “بعض الإنسان لا شيء من النّاطق.” كزيد مثلا، الّذي هو بعض الإنسان، لا شيء من أفراد النّاطق. وهذا كذب بَيِّنٌ. وإذا كانت ب ممكنة، فقد تصدق، قولك:”بعض الإنسان لا واحد من الكتّاب”. ككون ذلك البعض، مثل زيد، هو أُمِّيٌّ، فهو ليس بِعَيْنِهِ عَيْنَ فَرْدٍ وَاحِدٍ من أفراد كلّ المحمول الكاتب.
الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب جزئيّ: “بعض ج ليس كلّ ب.”
وهذه تصدق في كلّ أحوال ب، لأنّه لا يمكن أن يكون فرد من أفراد ج، هو بِعَيْنِهِ كلّ فرد من أفراد ب، سواء كان ب ضروريّا، أو ممكنا، أو ممتنعا.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ: “ليس زيد كلّ ب.”
وهذه في قوّة إمّا الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “زيد هو بعض ب”، وتكون صادقة متى صدقت هذه المنحرفة، أو في قوّة الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “زيد لا شيء من ب”، وتكون صادقة حيث صدقت هذه المنحرفة.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “ليس زيد بعض ب.”
وهذه في قوّة الموجبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “زيد لا شيء من ب”، وتكون صادقة حَيْثُمَا صدقت هذه المنحرفة.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “ليس زيد لا شيء من ب.”
وهذه تصدق إذا كان المحمول الأوّل واجبا، قولك: “ليس زيد لا شيء من النّاطق”، بل هو واحد من كلّ أفراد النّاطق. وقد تصدق إن كان المحمول الأوّل ممكنا: قولك “ليس زيد لا شيء من الكاتب”، بل هو أحد أفراد كلّ الكاتب. أمّا إن كان المحمول الأوّل ممتنعا، فتكذب، قولك: “ليس زيد لا شيء من الحجر”، فهذا في قوّة أنّه واحد من أفراد كلّ الحجر.
السّالبة الشّخصيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب جزئيّ: “ليس زيد ليس كلّ ب.”
وهذه في قوّة الإيجاب: “زيد هو كلّ ب”. وقد رأينا أنّ هذه لا تصدق في كلّ أحوال ب.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ: “لا شيء من ج كلّ ب.”
وهذه تصدق في كلّ أحوال ب، لأنّه لا يمكن لِفَرْدٍ واحد من أفراد الكلّيّ ج أن يكون كلّ فرد فرد من أفراد ب، سواء كان ب واجبا، أو ممكنا، أو ممتنعا عن أفراد الموضوع ج.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “لا شيء من ج بعض ب.”
وهذه تصدق إذا كان ب ممكنا لـج، كقولك: “لاشيء من أهل طبلبة بعض مِمَّن يتكلّم الانجليزيّة”، أي لا يوجد فرد واحد من هؤلاء هو فرد ممّن يتكلّم الانجليزيّة؛ وتصدق أيضا إذا كانت ب ممتنعة عن ج، قولك: “لا شيء من الإنسان بعض النّاهق.” أمّا إذا كانت ب واجبة لـج، فالمنحرفة تكذب، قولك: “لا شيء من الفرس ببعض الحيوان”، على معنى أنّه لا يوجد فرس واحد من الأفراد هو بِعَيْنِهِ فرد واحد من أفراد الحيوان، وهذا كَذِبٌ بَيِّنٌ.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “لا شيء من ج لا شيء من ب.”
وهذه في قوّة “كلّ ج هو بعض ب”؛ إذًا، فهي تصدق مع كلّ شروط صدق الموجبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الأوّل مُوجِبٌ جُزْئِيٌّ.
السّالبة الكلّيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب جزئيّ: “لا شيء من ج ليس كلّ ب.”
وهذه في قوّة “كلّ ج هو كلّ ب”؛ إذًا، فهي تكذب مع كلّ أحوال ب.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب كلّيّ: “ليس كلّ ج كلّ ب.”
وهذه صادقة في كلّ أحوال ب، وإن كانت من السّلب اُلْمُوهِمِ لِلْكَذِبِ.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ موجب جزئيّ: “ليس كلّ ج بعض ب.”
وهذه تصدق إذا كانت ب ممتنعة، قولك “ليس كلّ إنسان بعض الحجر”، أو إذا كانت ب ممكنة، قولك: “ليس كلّ إنسان بعض الكاتب”، فزيد مثلا أُمِّيٌّ. أمّا إذا كانت ب واجبة، فإنّها تكذب، قولك: “ليس كلّ إنسان بعض النّاطق.”
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب كلّيّ: “ليس كلّ ج لا شيء من ب.”
وهذه في قوّة “بعض ج هو بعض ب”؛ إذًا، فهي تصدق مع كلّ شروط صدق الموجبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الأوّل موجب جزئيّ.
السّالبة الجزئيّة المنحرفة، والسّور المقترن بالمحمول الكلّيّ سالب جزئيّ: “ليس كلّ ج ليس كلّ ب.”
وهذه في قوّة “بعض ج هو كلّ ب”؛ إذًا، فهي تكذب في كلّ أحوال ب.
والانحراف في الحمليّة له صورة ثالثة، وهي أن يدخل السّور على موضوع الشّخصيّة، ويقترن أيضا بمحمولها، وهذه بيّن أنّها تكون كاذبة إذا كانت موجبة كلّيّة أو جزئيّة: كلّ زيد هو كلّ عمرو، أو كلّ زيد هو كلّ ب، والب معنى كلّيّ، أو كلّ زيد هو بعض عمرو، أو كلّ زيد هو بعض ب، أو كلّ زيد لا أحد من عمرو، أو كلّ زيد لا أحد من ب، أو كلّ زيد ليس كلّ عمرو، أو كلّ زيد ليس كلّ ب، أو بعض زيد كلّ عمرو، أو بعض زيد كلّ ب، أو بعض زيد بعض عمرو، أو بعض زيد بعض ب أو بعض زيد لا أحد من عمرو، أو بعض زيد لا أحد من ب، أو بعض زيد ليس كلّ عمرو، أو بعض زيد ليس كلّ ب؛ ذلك أنّ الموضوع الشّخصيّ في كلّ هذه القضايا لاقتران السّور به، فَسَيَقْتَضِي أنّ يكون معنى كلّيّا ذا أفراد، وهو ليس كذلك. أمّا سوالبها أي سوالب كلّ هذه القضايا، فهي صادقة مع إِيهَامِهَا لِلْكَذِبِ، وهي:
لا أحد من زيد هو كلّ عمرو، أو لا أحد من زيد هو كلّ ب، والب معنى كلّيّ، أو لا أحد من زيد هو بعض عمرو، أو لا أحد من زيد هو بعض ب، أو لا أحد من زيد لا أحد من عمرو، أو لا أحد من زيد لا أحد من ب، أو لا أحد من زيد ليس كلّ عمرو، أو لا أحد من زيد ليس كلّ ب، أو ليس كلّ زيد كلّ عمرو، أو ليس كلّ زيد كلّ ب، أو ليس كلّ زيد بعض عمرو، أو ليس كلّ زيد بعض ب، أو ليس كلّ زيد لا أحد من عمرو، أو ليس كلّ زيد لا أحد من ب، أو ليس كلّ زيد ليس كلّ عمرو، أو ليس كلّ زيد ليس كلّ ب.
3) قال: [ووجه الانحراف أنّ السّور “بعض” اقترن بالمحمول “الحيوان” والمُدّعى أنّ الاستعمال الطّبيعيّ يجب أن يكون (بعض الحيوان إنسان)] أقول: إنّ الاستعمال الطّبيعيّ هو أن يقترن السّور بالموضوع، ولا يقترن بالمحمول، مثل “كلّ ج ب”، لأنّ حقيقة الحمل في القضيّة إنّما هي إثبات مفهوم المحمول ب على أفراد الموضوع ج، لا على مفهوم الموضوع ج. لذلك فإنّه حِينَمَا يدخل السّور على المحمول، تنحرف القضيّة عن مقصودها الأصليّ، ويصير لَهَا مَقْصُودٌ ثَانٍ، أي أنّه بعدما كان مقصودها الطّبيعيّ هو أن تُخْبِرَنَا بثبوت معنى المحمول الأوّل على أفراد الموضوع، صارت الآن تخبرنا بأنّ أفراد الموضوع هو محمول عليه أو غير محمول عليه كلّ، أو بعض أفراد المحمول، وهذا حمل ثان غير الحمل الأوّل، وهو عبارة عن جملة السّور والمحمول الأوّل. ولأنّ الحمل في القضيّة الطّبيعيّة إنّما هو إثبات مفهوم المحمول على أفراد الموضوع، لا على معنى الموضوع بِعَيْنِهِ، فقد مَسَّتْ الحاجة إلى بَيَانِ إن كان اُلْمَعْنِيَّ بالحمل هو كلّ أفراد الموضوع، أو بعضها، أو لا واحد منها، فهلمّ جرّا، فَلَزِمَ دخول السّور على الموضوع.
4) قال: [أم أنّ المعيار في الاصطلاح على الطّرفين هو اقتران لفظ السور فقط] أقول: صحيح أنّه ليس للمعاني في القضايا الحمليّة بالاعتبار المنطقيّ المحض، وضع ضروريّ طبيعيّ واحد بحيث تكون موضوعا أبدا أو محمولا أبدا، فهو لنا أن نقول “ج هو ب”، و “ب هو ج”، فتكون ج مثلا مرّة موضوعا، ومرّة محمولا. ولكن هي متى دخلت محمولا، صار لِلْقَضِيَّةِ مَعْنَى، وإن دخلت موضوعا صار للقضيّة معنى آخر. ففي الأوّل هي تُؤْخَذُ حينئذ على أنّها مفهوم يُحْمَلُ على أفراد الموضوع، لِذَلِكَ إذا قُرِنَ بها السّور انحرفت القضيّة، وفي الثّاني فهي تُؤْخَذُ على أنّها موضوع للأفراد، فجاز اقتران السّور بها.
5) قال: [ولكن هذا التّرتيب ليس ملزما، طالما يمكن الاستدلال على الموضوع من قرينة السّور] أقول: غير صحيح، لأنّ الحكم على القضيّة بالانحراف ليس بالقياس إلى وضع طبيعيّ مطلق، بل بالقياس إلى القضيّة الأصليّة. فأنت إذا قلت ” الإنسان هو بعض حيوان” سَمَّيْتَ هذه منحرفة، لأنّها انحراف عن هذه القضيّة الأصليّة “الإنسان هو حيوان”. أمّا لو اتَّخَذْتَ الضَّابِطَ كما ادّعيت في تَعْيِينِ الموضوع من المحمول قرينة السّور، مثل: “الإنسان هو بعض حيوان”، فهي نفس “بعض الحيوان هو إنسان”، فَسَيَصِيرُ للقضيّتين معنى واحد، وليس كذلك؛ فالثّانية إنّما تدلّ على أنّ مفهوم الإنسان هو مِمَّا يُقَالُ على بعض أفراد الحيوان، لأنّ الحيوان هو ينقسم إلى أنواع كثيرة هي أفراده، ومن أفراده النّوع الإنسانيّ. أمّا القضيّة الأولى فَتَدُلُّ على أنّ أفراد الإنسان، كلّهم، أو بعضهم، كلّ واحد واحد، هو بِعَيْنِهِ فرد واحد من أفراد الحيوان. ولعلّ هذا المثال لا يُظْهِرُ بما يكفي الفرق المراد بيانه، فَلْنَأْخُذْ إِذًا مثالا آخر: “إنسان هو كلّ ناطق”، و “كلّ ناطق هو إنسان”. فالثّانية هي صادقة بَيِّنَةُ الصّدق، لأنّها تقول أنّه من أفراد النّاطق كُلِّهِمْ أو بعضهم يُحْمَلُ عليه مفهوم الإنسان، وهذا صحيح. أمّا الأولى، فَبَيِّنَةُ الكذب، لأنّها تدلّ على أنّ كلّ فرد فرد من أفراد الإنسان، أو بعضها، ولو فرد واحد، هو كلّ فرد فرد من أفراد الإنسان؛ مثل زيد فهو إنسان، هو كلّ فرد من أفراد النّاطق، أي هو بِعَيْنِهِ عمرو، وعلي، وصالح، فهلمّ جرّا. وهذا ظاهر الخلف.
6) قال: [إنّ ترتيبها مشابه … استعمال لغويّ كما لايخفى، وأنّ وضعها منطقيّ للسّبب المذكور] أقول: تَشْبِيهٌ خاطئ. وانظر جوابا على هذا الكلام الإشارة السّالفة.
7) قال: [ونقصد به تبديل طرفي القضيّة، أحدهما في محلّ الآخر، وليس هذا من شأن العكس المستوي كما سيتّضح] أقول: وذلك لأنّ العكس المستوي هو تصيير الموضوع محمولا، والمحمول موضوعا، مع بقاء الإيجاب والسّلب، والصّدق والكذب. وفوق هذا فإنّ السّور يَنْتَقِلُ إلى المحمول بعد أن يصير موضوعا، ولا ينتقل مع الموضوع بعد تصييره محمولا، وقد يختلف كمّه من القضيّة الأصليّة إلى القضيّة المعكوسة: مثل الموجبة الكلّيّة، “كلّ ج ب”، فهي تنعكس “بعض ب ج”.
8) قال: [وواضح أنّ القضيّة الأصل والقضيّة المبدّلة الطّرفين متكافئتان] أقول: الأدقّ أن تقول: “فيلزم لِذَلِكَ أنّ القضيّة الأصل…متكافئتان.”
9) قال: [لذلك فإنّ القضيّة (الإنسان بعض الحيوان) صادقة بصدق المبدّلة (بعض الحيوان إنسان…. ويمكن وضع حالات الإبدال كما يلي] أقول: ولَكِنَّ العِبْرَةَ في وضع الأحكام المنطقيّة ليس أخذ الأمثلة الماديّة، الّتي قد تختلف من مثال إلى آخر، بل أخذ الصّور. إذًا فما ضَابِطُكَ الصُّورِيِّ في معرفة أنّ القضيّة الحمليّة إذا كانت على هذه الصّورة هي إبداليّة، أو على الأخرى ليست بإبداليّة؟ فمثلا في مبحث العكس المستوي، فقد بُيِّنَ بأنّ الموجبة الكلّيّة “كلّ ج ب”، هي تنعكس موجبة جزئيّة “بعض ب ج”، ليس بأخذ الأمثلة، بل بالبرهان الصّوريّ. إذ لو كذبت الموجبة الجزئيّة “بعض ب ج”، لَصَدَقَ نقيضها وهو السّالبة الكلّيّة “لا أحد من ب ج”؛ وهذه تنعكس مثلها لا “أحد من ج ب”، وقد كان “كلّ ج ب”، هذا خلف، فصدق “بعض ب ج”. ثمّ إنّ القضيّة “الإنسان بعض الحيوان” هي مهملة وهي في قوّة الجزئيّة.
10) قال: [وإنّ الموضوع جزء من المحمول نحو (الإنسان حيوان)] أقول: عبارة خاطئة على الوصف القديم؛ ف”الإنسان حيوان” ليس معناها أن الإنسان النّوع هو فرد من أفراد الحيوان الجنس، لأنّ الحيوان هو جنس ذو أنواع كثيرة، من جملتها النّوع الإنسانيّ؛ بل معناها أن فردا ما من أفراد الموضوع أو كلّها، هو ممّا يُحْمَلُ عليه مفهوم الحيوان. فأين هذا من ذاك !؟
11) قال: [فإنّ القضيّة ليست إبدالية لأنّ (الحيوان إنسان) خاطئة بينما الأصل صادق، فيسقط شرط الخاصّة الإبداليّة وهو التّكافؤ] أقول: وهذه القضيّة عند القدامى هي غير منحرفة، بل طَبِيعِيَّةٌ.
12) قال: [(بعض الإنسان ناطق)] أقول: هكذا في الأصل، وأظنّها “بعض النّاطق إنسان.”
13) قال: [(الإنسان بعض النّاطق) صادقة، (بعض النّاطق لإنسان)، صادقة)] أقول: إن كنت تريد “الإنسان بعض النّاطق”، الإنسان النّوع، فهو من بعض أفراد النّوع النّاطق، فالقضيّة كاذبة، لأنّ أفراد النّاطق هم أشخاص، كزيد، وعمرو، ولا يمكن أن يكون النّوع شخصا. وإن كنت تريد بها كلّ فرد فرد ممّا يُقَالُ عليه الإنسان، أو بعض أفراده، هو فرد مِمَّا يُقَالُ عليه النّاطق فالقضيّة صحيحة. ولكن المبدّلة منها: “بعض النّاطق إنسان.” سَتُفِيدُ حينئذ بعض ممّا يقال عليه ناطق يقال عليه مفهوم الإنسان.
ب) انحراف القضيّة الشّرطيّة
1) قال: [ويكون عندما (تخلو الشّرطية عن أدوات الاتّصال والعناد فتكون بصورة حمليّة وهي في قوّة الشّرطيّة)] أقول: الانحراف في القضيّة الشّرطيّة هو خُرُوجُهَا عن أوضاعها الطّبيعيّة في اللّفظ، ليس في الطّبيعة فقط، كما قد رأينا في انحراف القضيّة الحمليّة. فهنالك إدخال السّور على المحمول، ليس هو مجرّد صيغة أخرى لفظيّة للدّلالة على عين القضيّة الحمليّة، بل صورة منطقيّة أخرى غير صورة القضيّة الحمليّة الأولى. أمّا هاهنا، فالانحراف إنّما هو فقط في صورة الألفاظ الطّبيعيّة المعتادة في الدّلالة على معاني الشّرط المعلومة، وليس يصعب لِلْعَارِفِ باللّسان العربيّ أن يَسْتَنْبِطَ منها ما القضايا الشّرطيّة الّتي في قوّتها، وتكون على الصّورة اللّفظيّة الطّبيعيّة.
2) قال: [ولم نعرف عن أيّة أدوات يشير إليها نصّ التّعريف] أقول: أداة الاتّصال هي (إذا كان…ف)؛ وأداة الانفصال (إمّا..أو).
3) قال: [فأدوات الرّبط كلّها مقدّرة …وفق المنطق التّقليديّ] أقول: جملة غير مفهومة.
4) قال: [(لا تكون الشّمس طالعة أو يكون النّهار موجودا)، فهي في قوّة المتّصلة، وأصلها (كلّما كانت الشمس طالعة كان النّهار موجودا)] أقول: “لاتكون الشّمس طالعة أو يكون النّهار موجود” تدلّ على منع الجمع بين عدم وجود النّهار، وطلوع الشّمس، أي على عدم الخلوّ من وجود النّهار، وعدم طلوع الشّمس؛ فالنّهار إذا لم يكن موجودا، لَزِمَ أنّ “لا تكون الشّمس طالعة” صادقة، لأنّها لو كانت كاذبة، لَصَدَقَ “الشّمس طالعة”، واجتمع صدقها مع عدم طلوع النّهار؛ هذا خلف. ولو كذبت القضيّة “لا تكون الشّمس طالعة”، لَصَدَقَ نقيضها “الشّمس طالعة”، فوجب أن تصدق القضيّة “النّهار موجود”. ومن ذلك فَأَنْتَ لَتَرَيَنَّ أنّ هذه المنحرفة الشّرطيّة هي أيضا في قوّة المتّصلة الّتي تضع استلزام نقيض “لا تكون الشّمس طالعة”، لِصِدْقِ “النّهار موجود”، هكذا: “إذا كانت الشّمس طالعة، فالنّهار موجود.”
5) قال: [إنّ القضيّة الأصل عندنا هي قضيّة شرطيّة وليست متّصلة، … ومنفصلة كما دللنا على ذلك.] أقول: انظر جوابنا على هذا الكلام في فصل القضايا الشّرطيّة، الإشارات: 27، 29، 32.
6) قال: [حيث أنّ الأداة “أو” اتّفاقيّة، فلا يمتنع تحقّق الطّرفين بوجودها… بصدق الطّرفين] أقول: إنّ هذا الوصف الأحقّ أن يُدَلَّ به على المنفصلة، مانعة الخلوّ دون الجمع؛ فهي المعتبرة في العلوم. أمّا الاتّفاقيّة، فلمّا كان نَفْيُ أحد جزئيّ الشّرطيّة فيها لا يقتضي بالذّات ثبوت الآخر، وإن كانا قد جازا أن يجتمعا معا اتّفاقا، فليست مفيدة في العلوم، لأنّها لا تنفع إذا دخلت في القياس الشّرطيّ.
7) قال: [فإذن القضيّة الّتي لها الصّيغة “إذا ب فإنّ حـ” تكافئ القضيّة الّتي لها الصّيغة “ليس ب أو حـ”] أقول: “ليس ب أو ح” هي قضيّة منفصلة منحرفة، وفي قوّة المتّصلة الّتي تدلّ على استلزام ب، ل ح، هكذا: “إذا كان ب ف ح”.
8) قال: [وعلى العموم إذا كان طرفا الشّرطيّة، أي المقدّم والتّالي، غير متنافيين، فهي صادقة] أقول: “ليس ب أو ح”، هي في قوّة المنفصلة مانعة الخلوّ، لأنّها تدلّ على إن كان ح كاذبا، فليس يمكن أن تصدق ب، فيجب أن تصدق “ليس ب”، أو إن كان ب صادقا، فليس يمكن أن تكذب ح، وسيكذب “ليس ب”، إذًا، فإنّه إن كذب “ليس ب”، فلا بدّ من أن يصدق ح. لِذَلِكَ فهي مانعة الخلوّ.
9) قال: [فليس إذن ثمّة انحراف لا من حيث الاستعمال الطّبيعيّ، ولا من حيث الوضع المنطقيّ] أقول: إنّ الانحراف في الشّرطيّات، كما ذكرنا في أوّل إشارة، ليس لها بحسب الوضع الطّبيعيّ المنطقيّ كما في الحمليّات، بل بحسب الوضع الطّبيعيّ اللّفظيّ.
10) قال: [ونقول إذا كان المقصود بالانفصال التّخيير] أقول: “لا يجتمع المال إلاّ من شُحٍّ أو حرام”، هذه في قوّة مانعة الخلوّ دون الجمع: أي “إمّا أن يجتمع المال من شحّ أو من حرام”؛ فهو إن خلا من أن يجتمع من شحّ، فلا بدّ من أن يكون اجتماعه من حرام، وإن خلا اجتماعه من حرام، فلا بدّ من أن يجتمع من شحّ؛ ولكن هو قد يَجُوزُ أن يكون اجتماعه مَعًا من شحّ وحرام.
11) قال: [ولا تناف بينهما فهو تقدير صائب في التّحليل المنطقيّ، أمّا إذا كان التّنافي، فهذا ليس بالتّقدير الصائب] أقول: أتريد بالتّنافي منع الجمع دون الخلوّ، كقولك: “إمّا أن يكون العدد ناقصا أو زائدا” لأنّ العدد الواحد لا يمكن أن يكون مَعًا زائدا وناقصا، ولكن قد يرتفع الوصفان عنه معا، إذا كان تامّا، مثل العدد 6؟ ولكنّي لست أفهم ما تقصد بالتّقدير المنطقيّ الصّائب، أإنّها غير مفيدة؟ فَنَعَمْ إذ أنّ المنفصلة الّتي هي مانعة الجمع لا فائدة لها في العلوم، فكم من شيء لا يجتمع مع كم من شيء، ولكن رفع أحدهما غير موجب بالذّات لِرَفْعِ الآخر، إذًا فهو غير نافع في القياس: مثلما أنّك تعلم بأنّ السّطح الواحد لا يمكن أن يكون معا أبيض وأسود، ولكن رفع أحدهما ليس موجبا بالذّات لِثُبُوتِ الآخر. فلو قلت “إمّا أن يكون هذا السّطح أبيض أو أسود”، عَانِيًا به مَنْعَ الجمع، ثُمَّ اسْتَثْنَيْتَ: “ولكنّه ليس بأبيض”، لم يجب بالذّات من ذلك أنّه أسود، فقد يكون أصفر.
12) قال: [إنّ ما يدّعى أنّ المثال المذكور …كذبها] أقول: لَكَأَنِّي بك قد فهمت معنى الانحراف في الشّرطيّات فهما خاطئا، وتوهّمت أنّه بمعنى الفساد، والخروج عن حقيقته؛ وليس كذلك، بل المراد كما بَيَّنْتُ آنفا، التّغيير في صورة القضيّة من حيث الاستعمال اللّفظيّ الطّبيعيّ، إلى هيئة لفظيّة أخرى هي انحراف بالقياس للأصل، ولكن يبقى مدلولها المنطقيّ هو هو.
13) قال: [كما أنّ وجود أداة الاستثناء ليس…إلى آخر الكلام] أقول: ظَنِّي أنّ كلّ هذا إنّما هو اعتراض وهميّ، سببه عدم الفهم جيّدا لِمَعْنىَ الانحراف في الشّرطيّات عند القدامى.
ــــــــ

النَّقْضُ

اُلْمَتْنُ
“النّقض من المباحث الشّائكة في المنطق التّقليديّ، وهذا يفسّر عزوف الكثير من المؤلّفين عن تناوله في مؤلّفاتهم. ويلحق مبحث النّقض بمبحث العكوس لسبب لانراه وجيها، وهو القائل (أنّ كلا من العكوس والنّقض طريقتان لاستخراج قضية صادقة من قضية صادقة هي الأخرى )، وهو سبب غير كاف لأنّهما ليس الطريقتين الوحيدتين التي تستخرج بهما القضايا الصّادقة على تقدير صدق قضيّة أخرى. وثمّة سبب آخر يدعونا إلى عدم الموافقة على اعتبار النّقض ملحقا بالعكوس بنوعيه: العكس المستوي، وعكس النقيض، وهو أنّ العكوس تتضمّن تبديل طرفي القضيّة ببعضهما ليكون موضوع القضيّة الأصل محمولا في القضيّة المستخرجة، وليكون محمول الأصل موضوعا للمستخرجة، وليس كذلك النّقض، إذ ليس فيه هذا التّبديل.
كما لا نعثر على تعريف محدّد لمفهوم ” النّقض” في المنطق التّقليديّ، ليقول لنا: ما هو، وماذا يعني؟ سوى أنّ الأمثلة المُساقة فيه تبيّن أن الطرف المنقوض معدولا. فبين مصطلح “النقض” وتطبيقه بصورة الطّرف المعدول يحصل التّداخل واللاّتعيين، حيث أنّ القضيّتين المتناقضتين قضيّتان مختلفتان في : الكم والكيف والقيمة. فالكليّة الموجبة تتناقض مع الجزئيّة السّالبة، والكليّة السّالبة تتناقض مع الموجبة السالبة. ولاستخراج نقضة القضيّة يتمّ بنفيها لاسلبها، إذ من شأن “النّفي” أن يغيّر الكيف والكم والقيمة (وهذه القيمة مضافة من قبلنا ولا وجود لها في المنطق التقليدي)، نحو نفي القضيّة الكليّة الموجبة (كل ب حـ) هو ليس (كلّ ب حـ)، وتكافئ (بعض ب ليس حـ)، وهكذا . ولكن عندما يتمّ نقض طرف دون آخر من القضية، أو نقض طرفيها معا، لاينتج تناقضا مع القضيّة الأصل إذا ما تمّ إجراء تغييرات ضروريّة، أو ملزمة لبقاء الصّدق على تقدير صدق الأصل. فالنّقض من النّاحية الإجرائيّة يتمّ بخطوات معاكسة لخطوات عمليّة نقض القضيّة ككلّ بالنّفي. والمسألة في كلّ هذا تتمثّل فيما يبدو أنه مشترك بين استخراج النقيضة بنفي القضية، واستخراج المنقوضة الطّرف أو المنقوضة الطّرفين. والمشترك الّذي نوهنّا عنه هو أنّ فواعل نقض القضيّة على كم وكيف القضية وقيمتها، هي ذاتها فواعل النّقض عندما يقع على طرف دون آخر، أو عندما يقع على الطّرفين معا بدأ ً. ونعلم أن ” نقيضة ” قضيّة ما، تختلف مع الأصل في الكيف، بينما عندما يتمّ نقض طرف معيّن من القضيّة لا يجعله مختلفا في الكيف، لأنّ الكيف هو كيف القضيّة وليس لكلّ طرف كيف مستقل عن كيف القضيّة. لذلك ما يعتقد أنّه مشترك لأوّل وهلة هو في الحقيقة ليس مشتركا للسّبب المذكور. لذلك فإنّ الاصطلاح على مبحث النّقض بأنه “نقض” ليس دقيقا، لارتفاع صلته بالتّناقض. والبديل هو “المتمّم” أو “المعدول” بنفس المعنى، نحو القسمة الحاصرة للكائنات إلى : حيّة وغير حيّة، فإنّ واحد القسمين متمّم للآخر، وأنّ اتّحادهما يؤلّف المجموعة الشّاملة وهي الكائنات. واكمالا لعمليّة الاصطلاح فإنّ المصطلح يكون “تميم” المحمول، أو تميم الموضوع أو التّتميم التّام، ومتمّمة المحمول ومتمّمة الموضوع.
ولأنّ المصطلح المقترح غير متداول فإنّنا نواصل ملاحظاتنا باعتماد المصطلح القديم “النقض” على أنّ نفهم بأنّه ليس النّفي كما هو في نقض القضيّة ككل، بل إبدال الطّرف في القضية بالطّرف المعدول، والطّرف المعدول هو متمّم الطرف الأصل، وأنّ نقض طرف يعني : جعله معدولا.
وجدير بالذّكر أنّ نقض القضيّة الّذي ينتج عنه قضيّة متناقضة مع القضيّة الأصل، ونقض طرف فيها، كلاهما يؤدّيان إلى رفع النّسبة بين الموضوع والمحمول، إلاّ أنّ مبحث “النّقض” معنيّ باستخراج قضيّة صادقة على تقدير صدق الأصل، فيلزم عن ذلك إجراء تغيير في كلّ من الكيف والكم أو في أحدهما مع بقاء الصّدق.
فالنّقض على ثلاثة: منقوضة المحمول، ومنقوضة الموضوع، والمنقوضة نقضا تامّا ـ أي بنقض الطّرفين معا ـ وقد وضع المنطق التقليدي قاعدتين للنّقض: قاعدة نقض المحمول، وقاعدة النّقض التّام ونقض الموضوع. فالأوّل يلزم عنه تغيير الكيف دون الكم، أمّا الثّاني وهو “النّقض التّام” فيلزم عنه تغيير الكم دون الكيف. والثّالث” نقض الموضوع”، فيلزم عنهما تغيير الكم والكيف معا. فلا ضرورة لجعل النقضين “التّام” و”نقض الموضوع” في قاعدة واحدة طالما أنّ التّغيرات اللاّزمة فيهما بسبب النّقض مختلفة.
ويمكن وعي قواعد النّقض على أنّها جواب لـ (ما الّذي يتغيّر إذا نقض طرف أو طرفا القضيّة لإبقاء القضيّة على قيمة الأصل وهي الصّدق)؟ ومن هذا المنطلق سنعيد قراءة تلك القواعد ومناقشتها سالكين طريقة جديدة في برهان قواعد مباحث النّقض، وهي طريقة “الارتداد”، بسياقها التّراجعيّ. وهي طريقة استنتجناها واختبرنا صحّتها بطرق البرهان الرياضياتيّ في كتاب “المنطق الموحّد”.
وسنعتبر “ب” موضوع القضيّة، و “حـ” محمولها، ونقض الموضوع (“لا” ب) أو (“غير” ب)، ونقض المحمول (“لا” حـ) أو (“غير” حـ). ويمكن كتابة هذه الرّموز بدون الأقواس الصغيرة المزدوجة إذا لم يكن ثمّة التباس.
(أوّلا ) منقوضة المحمول ..
المدّعى (أن القضية تحوّل بنقض محمولها، ببقاء موضوعها على حاله، وتغيير الكيف، وبقاء الكم.)
(أ) الموجبة الكليّة تحوّل بنقض محمولها إلى سالبة كلّية.
بفرض أنّ الكليّة الموجبة (كلّ ب حـ) صادقة، فإنّ نقض محمولها دون إجراء تغييرات ملازمة يجعلها كاذبة لارتفاع النّسبة بين الموضوع والمحمول، أي أنّ(كلّ ب لا حـ) كاذبة على تقدير صدق الأصل. ولكي تعاد النّسبة بين الموضوع (كل ب) والمحمول المعدول (لا حـ)، يجب سلب المحمول المعدول فتكون القضية (كل ب ليس لا حـ) كليّة سالبة، وصادقة. نحو (كلّ غزال حيوان)، تكافئ (كلّ غزال ليس بلا حيوان)، فهذه كليّة سالبة. إنّ وقوع أداتي السّلب (ليس ولا) بهذه الصّورة المتعاقبة يعني الإثبات، لأنّ سلب السّلب إثبات، وبصورة عامّة “نفي النّفي إثبات”. وبطريق آخر وباستخدام قاعدة نفي النّفي المذكورة، نقول : لاستخراج القضيّة منقوضة المحمول صادقة على تقدير الأصل ننقض الأصل مرّتين : النّقض االأوّل يحوّل الكلية إلى جزئيّة منقوضة المحمول، ومنقوضة المحمول تكافئ السّالبة، لأنّ العدول والسّلب مؤداهما واحد، فتكون بالصّورة (بعض ب لاحـ) كاذبة على تقدير صدق الأصل. والنّقض الثّاني للقضيّة يحوّل القضيّة إلى كليّة سالبة معدولة المحمول (كلّ ب ليس لا حـ).
فالقضيّة (كلّ غزال إنسان) تحوّل بالنقض الأوّل إلى (بعض الغزال لاحيوان)، وبالنّقض الثّاني (كلّ غزال ليس بلاحيوان).
وهنا لابدّ من ملاحظتين : الأولى أنّ تجاور أداتي السّلب وتعاقبهما على النّحو في الصّيغة العامّة وفي المثال يفيد انتفائهما، وبالتّالي يمكن رفعهما، فتعود القضيّة إلى أصلها في أوّل مرّة. وحيث أنّ مطلوبنا قضيّة منقوضة المحمول فلا يجب تفعيل هذا التّعاقب. أمّا الملاحظة الثّانية فإنّنا لا نعدّ القضيّة (لاشيء من الإنسان بلاحيوان)، وأضرابها كلّية سالبة لأسباب ذكرناها مفصّلة في مطالعة سابقة من ملاحظاتنا النّقديّة.
(ب) الموجبة الجزئيّة تحوّل بنقض محمولها إلى جزئيّة سالبة.
إذا صدقت (بعض ب حـ)، فإنّ (بعض ب غيرحـ) كاذبة لارتفاع النّسبة بين الموضوع والمحمول على تقدير ثبوتها في الأصل. وبطريقة الارتداد نسلب المحمول المنقوض، فتعود النّسبة بين الطّرفين فتكون القضيّة المنقوضة المحمول (بعض ب ليس غير حـ)، نحو (بعض الإنسان كاتب)، تكافئ (بعض الإنسان ليس غير كاتب) صادقة، على تقدير صدق الأصل. وبطريقة نفي النّفي : النّفي الأوّل ينتج (كلّ ب لا حـ)، والثّاني ينتج (بعض ب ليس بلا حـ). نحو (بعض الذّهب معدن)، تتناقض معها بالنّقض (= النّفي) الأوّل (كل ذهب لامعدن)، وبالنّقض الثّاني (بعض الذّهب ليس لامعدن )، صادقة لنفس السّبب، مع ملاحظة أنّ حرفي العدول “لا” و “غير”، لهما مؤدى واحد، ولا يختلفان بالاعتبار المنطقي، إلا أنّهما مختلفان بالاعتبار اللغوي، وبالاعتبار المقسم. ولقد لفت نظرنا المثال (ليس كلّ حيوان لا إنسان) الوارد في أحد مؤلّفات المنطق التّقليدي على أنّه يمثّل قضيّة منقوضة المحمول “جزئية سالبة”، والأصل هو (بعض الحيوان إنسان) ! فهل أخطأ المؤلف؟ كلاّ، لم يخطأ. وقد توصّل إلى المثال بطريق الحدس، لأنّ نقض المحمول تطلب تغيير السّور من جزئيّة إلى كليّة، ثمّ أردف القضيّة ككلّ بالنّقض، إلاّ أنّه لم يفعّل النّقض الأخير لتكون القضيّة بصورتها النّهائيّة (بعض الحيوان ليس بلا إنسان). رحم الله تعالى ((الشّيخ محمد رضا المظفر)) إذ كان أفضل من ألـّف في المنطق التّقليديّ في عصره، ولم يقترب من علوّ علمه أحد بعد في المنطق التّقليدي، فلقد شذّب المنطق وأضاف إليه أساليب برهانيّة تنمّ عن عقليّة علميّة متقدّمة. وإلى اليوم يعد كتابه الشّهير في المنطق أفضل وأدقّ المصادر في علم المنطق.
(ح) الكلّية السّالبة تحوّل بنقض محمولها إلى كلّية موجبة.
وعلى فرض أنّ القضيّة (كلّ ب ليس حـ) صادقة، فهذا يعني أنّ النّسبة بين الموضوع (ب) والمحمول (حـ) التّباين وأنّ السّلب جعلها صادقة. فبنقض محمولها تكون (كلّ ب ليس بلا حـ) كاذبة على تقدير صدق الأصل. وبالارتداد تكون (كلّ ب ليس ليس بلا حـ) وهذه تكون بالصّورة (كلّ ب لاحـ) كلّية موجبة منقوضة المحمول وصادقة. وإنّ التّعاقب في أدوات السّلب (ليس ليس لا) يكافئ (لا).
نحو (كلّ إنسان ليس بجماد) تحوّل بنقض محمولها إلى (كلّ إنسان لاجماد). وهذا مثال جيّد على أنّ السّلب والعدول مؤداهما واحد. وبطريق قاعدة نفي النّفي إثبات ننقض السّالبة الكليّة نقضا أوّلا فتكون (بعض ب ليس لا حـ)، فنردفها بنقض ثان فتكون (كلّ ب ليس ليس لا حـ)، وهي (كلّ ب لاحـ). نحو (كلّ شجرة صفصاف ليست مثمرة)، فبالنّقض الأوّل تكون (بعض شجر الصّفاف ليست غيرمثمرة)، وبالنّقض الثّاني (كلّ شجرة صفاف ليس ليست غير مثمرة)، وهذه تكون (كل شجرة صفاف غير مثمرة) كليّة موجبة منقوضة المحمول.
وخلاصة البحث في منقوضة المحمول ثمّة طريقان جديدان لاستخراجها صادقة على تقدير الأصل وهي طريقتنا الّتي سمّيناها “الارتداد”، واستخدامنا الاستخدام الجديد لقاعدة نفي النّفي.
(د) الجزئيّة السّالبة تحوّل بنقض محمولها جزئيّة موجبة.
فلتكن (بعض ب ليس حـ)، جزئيّة سالبة وصادقة، حيث أنّ النّسبة بين الموضوع والمحمول التّباين، وأنّ سلب المحمول في الأصل أعاد إليها الثّبوت، أي ثبوت الموضوع إلى المحمول ولهذا صدقت. ومعنى (بعض ب ليس حـ)، هو وجود عنصر مثل “ب” لا ينتمي إلى حـ، أو غير موجود في “حـ” بنفس المعنى. إنّ نقض محمولها فقط دون إجراء ما يلزم من تغييرات، يجعلها كاذبة، أي أنّ (بعض ب ليس غير حـ) كاذبة على تقدير صدق الأصل، فبالارتداد، ولكي تعود النّسبة إلى نصابها بسلب المحمول المنقوض (ليس غير حـ)، ليكون (ليس ليس غير حـ)، والنّاتج هو (بعض ب غيرحـ)، جزئيّة موجبة منقوضة المحمول وصادقة على تقدير الأصل. نحو (بعض الإنسان ليس بكاتب)، فبنقض محمولها تكون (بعض الإنسان غير كاتب). وعلى نحو آخر، وباستخدام قاعدة نفي النّفي .. فبالنّقض الأوّل للقضيّة الأصل تكون (كلّ ب حـ) كاذبة لأنّها متناقضة مع الأصل، ثم بالنّقض الثّاني تكون (بعض ب غير حـ). ومعلوم أنّ النّقض سواء كان أوّلا أو ثانيا، يعني سلب الحمل وتغيير الكم، وحيث أنّ سلب الحمل وعدوله متكافئان، ومطلوبنا هو منقوضة المحمول، بمعنى معدولة المحمول فإنّا نختار معدولة المحمول لدلالتها على نقض المحمول. نحو (بعض الإنسان ليس بكاتب)، بالنّقض الأوّل للقضيّة تكون (كلّ إنسان ليس ليس بكاتب)، أي (كلّ إنسان كاتب) خاطئة بسبب التناقض مع الأصل، ثم بنقضها ثانية فتكون (بعض الإنسان غير كاتب) صادقة.
(ثانيا) منقوضة الموضوع ..
المدّعى (أنّ القضية تحوّل بنقض موضوعها، ببقاء محمولها على حاله، وتغيير الكيف، وتغييرالكم)، و (لا ينقض بهذا النّقض إلاّ الكلّيتان).
وقبل مناقشة تطبيق القاعدة على المحصورات الأربعة، فلابدّ من ملاحظة حقيقة أنّ الموضوع في المسوّرة يُقرن بالسّور (=الكمّ)، فأي تغيير فيه يشمل جزئيه : الكمّ ولفظ الموضوع. وهذا التّوضيح غير متوفّر في المنطق التّقليدي، ونحن نثبته هنا. إنّ نقض الموضوع (كلّ ب ..) ينتج ( بعض لا ب .. )، ومثل ذلك إنّ نقض الموضوع (بعض ب ..) ينتج (كلّ لا ب …)، وهذا بديهي. على أنّ هذا النّوع من النّقض ليس نقضا للقضيّة ككلّ ابتداءا، بل نقض ينصبّ على الموضوع بدأً، ثم يتحرّى عن التغير اللاّزم لهذا النّقض، وحيث أنّ القاعدة تنصّ على شرط بقاء المحمول على حاله، بمعنى لايصيبه العدول بالنّقض أو سواه، فلم تبق من التّغييرات سوى التّغيّر في كيف القضية. إنّ اختلاف القضيتين في الكيف والكم ليس بكاف لتناقضهما، فالنّظر إلى اختلاف حال موضوعها أو محمولها في الأصل وتغيّرهما في القضيّة المُحوّلة ينحّي نسبة التناقض بينهما، لأنّ التغير المشار إليه كما تنصّ على ذلك قاعدة نقض الموضوع يبقيهما صادقتين.
الموجبة الكليّة تحوّل بنقض موضوعها إلى جزئية سالبة.
بفرض أن (كلّ ب حـ) صادقة فإنّ نقض موضوعها (بعض لاب حـ) يجعلها كاذبة لارتفاع النّسبة بين الطّرفين، حيث أنّ (كلّ ب) موجود في (حـ) ، فهذا يعني أنّ (بعض لا ب) غير موجود في (حـ). ولإعادة نسبة ثبوت الموضوع (بعض لا ب) إلى المحمول (حـ)، فلابدّ من سلب المحمول فتكون القضيّة (بعض لاب ليس حـ)، وهي جزئيّة سالبة، صادقة على تقدير صدق الأصل. فالارتداد هنا وقع على المحمول فيسلبه. نحو (كلّ عدد طبيعيّ موجب) صادقة، فتحوّل بنقض موضوعها إلى (بعض العدد اللاّطبيعي ليس بموجب) صادقة أيضا .
(ب) الكليّة السّالبة تحوّل بنقض موضوعها إلى جزئيّة موجبة.
فالقضيّة (كلّ ب ليس حـ) إن كانت صادقة فإنّ القضيّة (بعض لاب ليس ليس حـ)، ويتعاقب السّلب ينتج (بعض لاب حـ). نحو (كلّ حديد ليس بذهب)، تكافئ بنقض موضوعها (بعض اللاّحديد ذهب). وبكلمات أخرى إنّ الموضوع في الأصليّة لاينتمي إلى المحمول، وهذا معنى سلب الحمل، أي أنّ (كل ب) غير موجودة في (حـ). ولكن (بعض لاب) أيضا غير موجودة في (حـ)، لأنّ (بعض لاب) جزء من (كلّ لاب)، فإذا لم ينتم الكلّ إلى (حـ) فإنّ بعضه لاينتمي إليه أيضا.
(ح) استثناء الجزئيّتين من القاعدة.
أمّا لماذا لا يمكن استخراج منقوضة الموضوع صادقة على تقدير صدق الأصل من الجزئيّة الموجبة (بعض ب حـ)، فبنقض المحمول تكون (بعض لا ب حـ) كاذبة على تقدير صدق الأصل، وباستغراق نقض الموضع للسّور تكون ( كل لا ب حـ ) أيضا كاذبة، لأنّه لا مكن حصر (لا ب) حتى نتصوّر انتماءه أو وجوده في (حـ). كما أنّ (كل لاب ليس حـ) خاطئة لنفس السّبب. وبالمثل نقول من (بعض ب ليس حـ )، لا يمكن استخراج منقوضة الموضوع صادقة على تقدير الأصل. هنا في منقوضة الموضوع لا موضع لقاعدة نفي النفي. لأنّ نقض القضية ككلّ من شأن أنّ يغيّر السّور ولا ينقض الموضوع.
وجدير بالملاحظة أنّ الاستثناء المذكور جزءا من القاعدة، وليس حيودا عنها.
(ثالثا) النقض التّام ..
المدّعى (إنّ القضيّة تحوّل بنقض طرفيها، وبقاء الكيف، وتغييرالكمّ) و(لا ينقض بهذا النّقض إلاّ الكليّتان).
ولنسأل :
ـ ما هو السّبب الّذي يبقي الكيف على حاله، ويغيّر الكم في هذا النقض؟
ـ وهل إنّ الإبقاء على الكيف وتغيير الكمّ هو حصيلة لقاعدتي نقض المحمول ونقض الموضوع؟
ـ وهل يمكن التدرّج في الوصول إلى نتيجة هذا النّقض باستيفاء شروط النّقضين الآخرين ؟
وفي الحقيقة إنّ الأسئلة الثّلاثة هي صور مختلفة لسؤال واحد. فالإجابة عن أحدهما، تمثّل إجابة عن الآخرين.
إنّ نقض المحمول يغيّر الكيف دون الكم، بينما نقض الموضوع يغيّر الكيف والكم فينتج منقوضة نقضا تامّا بتغيير الكم فقط دون الكيف.
فالنّقض الأوّل (نقض المحمول)، ينتج عنه تغيير الكيف دون الكم. والنّقض الثّاني (نقض الموضوع)، هو نقض موضوع ناتج النّقض االأوّل فيعود بالكيف إلى الأصل قبل النّقض الأوّل، ويغيّر الكمّ.
والنّاتج عن النّقضين المتعاقبين، هومنقوضة الطّرفين مع تغيير الكم دون الكيف.
ولا نعلم ما الأسباب التي عطلت كتّاب المنطق التّقليديّ من الانتباه لهذا الاستنتاج، فهو ليس بالاستنتاج العسير ولا هو ببعيد عن النّظر الثّاقب، سيّما وأنّ “المباحث منطقية ” .. أهي سقطة التّقليد ؟ ربّما ..
الكليّة الموجبة تحوّل بالنّقض التّام إلى جزئيّة موجبة.
لتكن الكليّة الموجبة (كل ب حـ) صادقة؛ فهذا يعني أنّ كلّ أفراد (ب) موجودة في (حـ). وللحصول على المنقوضة نقضا تامّا صادقة على تقدير صدق الأصل، نتدرّج في النّقض باستخدام القاعدتين الاخريين. فبنقض المحمول تكون (كلّ ب ليس لا حـ) صادقة، وبنقض الموضوع تكون (بعض لاب لاحـ). فهذا نقض تامّ للأصل. وهي صادقة على تقدير الأصل. نحو (كلّ فضّة معدن)، فتحوّل بالنّقض التّام إلى (بعض اللافضّة لامعدن).
الكليّة السّالبة تحوّل بالنّقض التّام إلى جزئيّة سالبة.
فلتكن الكليّة السّالبة (كلّ ب ليس حـ) صادقة، فبنقض محمولها تحوّل إلى (كلّ ب لا حـ) كليّة موجبة منقوضة المحمول. وبنقض موضوعها تحوّل إلى (بعض لا ب ليس لا حـ)، فهذه صادقة على تقدير الأصل. نحو (كلّ حديد ليس بذهب) صادقة، وبنقض محمولها تحوّل إلى (كلّ حديد لاذهب)، وبنقض موضوعها تحوّل إلى (بعض اللاّحديد ليس لاذهب ).
(ح) استثناء الجزئيتين من قاعدة النّقض التّام.
نحو (بعض الحيوان ليس إنسانا)، جزئيّة سالبة لاتحوّل بالنقض التّام لأنّ ( كل لاحيوان ليس لا إنسانا) كاذبة على تقدير صدق الأصل. وكذلك في الجزئيّة الموجبة، نحو (بعض الطّائر أبيض) صادقة ونقضها التّام (كلّ لاطائر ليس بلاأبيض) كاذبة، حيث أنّ (اللاّطائر) في سبيل المثال يشمل الثّوب الأسود وهو (لاأبيض). إنّ القاعدة تسقط عندما تكون النّسبة نسبة الخصوص والعموم من وجه بحسب تعبير المنطق التّقليدي، ونسمّيها متمّمة الفرق التّناظري.” عبد الرّحمن كاظم زيارة

الإشارات
إنّكم أيّها الأخ قد جعلتم بحثكم في النّقض على ثلاثة أقسام، قسم أوّل في نقض المحمول، والثّاني في نقض الموضوع، والثّالث في النّقض التّامّ. وإنّا لنا فيها قول مُجْمَلٌ أوّل: إذ أنّ عبارتكم فيها سوء شديد، واضطراب كبير، ولقد وجدت عناء في تبيّن مقاصدكم، وليس يَبْعُدُ أنّي فيما سوف أُشِيرُ عليه من بيانكم، قد أخطئ، لِفَهْمِي معنى كلامكم على غير المعنى الّذي كنتم تقصدون. ثمّ إنّه في كلّ المواضع الّتي جئتم فيها بأشياء من عندكم كطريقة الارتداد، بدل طريقة القدامى، وتقديم مبحث نقض الموضوع على النّقض التّامّ، فقد ظهرت لي خاطئة، وموغلة في الصّناعيّة، وبعيدة عن الطّبيعة، وتنطوي على عيوب منطقيّة جمّة. ولِمَنْزِلَةِ قسم نقض المحمول إلى سائر الأقسام، فقد أَخْلَصْتُ له هذا التّلخيص مع ما خَصَصْتُهُ به من إشارات أخرى متفرّقة، عليه وعلى سائر الأقسام.
نقض المحمول:
إنّكم في هذا المبحث قد استعملتم طريقة من عندكم، وَسَمْتُمُوهَا بالارتداد، وبَيَّنْتُمُ بها الأحكام المطلوبة بوجهين اثنين. وأنتم في بيانكم ذاك قد اطْمَأْنَنْتُمُ لِقَاعِدَتَيْنِ اثنتين: القاعدة الأولى: السّلب والعدول مؤداهما واحد، والقاعدة الثّانية : نفي النّفي إثبات. وصورة هذه الطرّيقة بِوَجْهَيْهَا هي؛ الوجه الأوّل: يُؤْخَذُ الأصل الصّادق، فَيُنْقَضُ محموله، مع بقاء كلّ صفاته الأخرى بلا تغيير، سوى أنّه يصبح كاذبا، ثمّ يُسَلَّطُ حرف سلب آخر على حرف السّلب المقترن بالمحمول، فيرفع في المعنى ذلك السّلب الّذي كان سبب صيرورة القضيّة الأصل كاذبة، فَتَعُودُ القضيّة إلى صدقها الأصليّ، ولكن حَرْفَا السّلب يَبْقَيَانِ في الرّسم، وإن ارتفعا في المعنى، فنحصل على القضيّة المنقوضة المحمول الصّادقة على تقدير صدق الأصل. ونُلَخِّصُ ذلك في القضايا الأربع المحصورة:
الوجه الأوّل من طريقة الارتداد في بيان أحكام نقض المحمول في القضايا الأربع المحصورة:
(أ) الموجبة الكليّة “كلّ ب حـ” تُصْبِحُ بنقض محمولها سالبة كلّية “كلّ ب ليس لاحـ”.
الأصل الصّادق “كلّ ب حـ”، يُنْقَضُ محمولها “كلّ ب لا حـ”، ولأنّ حرف السّلب “لا”، لَمَّا اقترن بالمحمول “حـ” رفع نسبته بالموضوع الموجودة له أصلا، ولذلك صارت هذه كاذبة، فإنّه حينما نُسَلِّطُ عليه حرف سلب آخر يسلبه مَعْنًى، ولا يرفعه خَطًّا، فإنّ تلك النّسبة الأصليّة ستعود كما كانت، وترجع القضيّة إلى صدقها الأصليّ “كلّ ب ليس لاحـ”. فَبَانَ بهذا الوجه الأوّل من طريقة الارتداد بأنّ الموجبة الكلّيّة “كلّ ب حـ”، يلزم منها بعد نقض محمولها، مع بقاء الصّدق، سالبة كلّيّة معدولة المحمول “كلّ ب ليس لاحـ”.
أمّا أنا فأقول، إنّ حُكْمَكُمْ بأنّ “كلّ ب لا حـ”، كاذبة على تقدير صدق الأصل، بِدَعْوَى أنّها قد رفعت نسبة موجودة أوّلا، يحتاج إلى برهان، وأنتم إنّما قد عَوَّلْتُمْ فيه على الحدس: فمثلا أن تكونوا قد تخيّلتم أفراد النّاس موجودين كلّهم في الحيوان، وتخيّلتم أنّه لا يمكن أن يوجدوا أيضا في مُتَمِّمِ الحيوان. والبرهان على ذلك له طريقان: الأوّل، لمّا كانت “كلّ ب حـ” صادقة، فَضِدُّهَا لامحالة كاذب “كلّ ب ليس حـ”. وهذه في قوّة الموجبة المعدولة، لأنّ موضوعها ب موجود، “كلّ ب لاحـ”، فهذه إذًا كاذبة. والطٍّريق الثّاني: لَوْصَدَقَتْ “كلّ ب لا حـ”، وعكسنا الأصل الصّادق لِنَحْصُلَ على موجبة جزئيّة”بعض حـ ب” صادقة؛ نَضُمُّهَا صُغْرَى إلى “كلّ ب لا حـ”، فَيَنْتَظِمُ قياس من الضّرب الثّالث من الشّكل الأوّل يُعْطِي “بعض حـ لا حـ” هذا خَلْفٌ.
وأَمْرٌ آخر إنّه ليس صحيحا أنّه إذا كانت “كلّ ب لا حـ” كاذبة، لَزِمَ من سلب المحمول المعدول صدق هذه القضيّة “كلّ ب ليس لا حـ”؛ فَمَثَلاً “كلّ حيوان لاإنسان” كاذب، وليس يلزم صدق “كلّ حيوان ليس لا إنسان”، أي “كلّ حيوان إنسان”.

(ب) الموجبة الجزئيّة “بعض ب حـ”، تُصْبِحُ بنقض محمولها سالبة جزئيّة “بعض ب ليس غير حـ”.
الأصل الصّادق “بعض ب حـ”، تصبح كاذبة بعد نقض المحمول “بعض ب غير حـ”، ولِتَعُودَ لِلصِّدْقِ نُسَلِّطُ على المحمول المعدول حرف السّلب، فنحصل على “بعض ب ليس غير حـ” صادقة. فَبَانَ المطلوب.
وأقول أيضا إنّه متى صدق “بعض ب حـ”، لم يلزم إطلاقا كذب “بعض ب غير حـ”؛ وقولي لم يلزم إطلاقا، ليس يَدُلُّ على أنّه يلزم دائما صدق “بعض ب غير حـ”، بل معناه أنّه قد يجتمع صدق “بعض ب حـ”، مع صدق “بعض ب غير حـ”، فَمَثَلاً “بعض الحيوان إنسان” صادق، وليس من صدقه يلزم كذب “بعض الحيوان غير إنسان”، فَالفَرَسُ بعض الحيوان وهو غير إنسان. اللّهم إلاّ أن تكون تُرِيدُ مِنْ “بعض ب غير حـ”، عَيْنَ البعض الأوّل من ب الّّذي صَحَّ فيه وجوده في حـ. وحينئذ فهذه ستكون في معنى الكلّيّة، ولا تَبْقَى جزئيّة، إذ يمكن أن نُشِيرَ إلى كلّ بعض ب الموجودة في حـ، بحرف د، ونقول “كلّ د حـ”، وصدق هذه يلزم منها كذب “كلّ د غير حـ”، لأنّ هذه في قوّة السّالبة البسيطة “كلّ د ليس حـ” الّتي هي ضدّ “كلّ د حـ” الصّادقة؛ وإذ أنّ “كلّ د غير حـ” كاذبة، ف”بعض ب غير حـ” كاذبة أيضا.
(ح) الكلّية السّالبة “كلّ ب ليس حـ”، تُصْبِحُ بنقض محمولها، كلّية موجبة “كلّ ب لاحـ”.
الأصل الصّادق “كلّ ب ليس حـ”، بعد نقض محمولها تصبح كاذبة “كلّ ب ليس بلا حـ”. ونُسَلِّطُ حرف السّلب على حرف السّلب، “كلّ ب ليس ليس بلاحـ”، وهذه صادقة، وإذ أنّ سلب السّلب إثبات، فهذه في قوّة “كلّ ب لا حـ”، كلّيّة موجبة منقوضة المحمول. فبان المطلوب.
وأنا أقول إنّ القَطْعَ بأنّ “كلّ ب ليس بلا حـ” هي كاذبة على تَقْدِيرِ صدق الأصل إنّما يحتاج إلى برهان، وبرهانه هذا: إنّ الأصل “كلّ ب ليس حـ” صادقة، وإذ أنّ السّلب والعدول مُؤْدَاهُمَا واحد على قولكم، فهو يلزم منها الموجبة الكلّيّة المعدولة “كلّ ب لا حـ” الصّادقة لِصِدْقِ الأصل، فيكون ضدّ هذه، أي “كلّ ب ليس لا حـ” كاذبا، فبان المطلوب. ثُمَّ هو يُقَالُ أيضا: فَلَيْتَ شعري لِمَ كلّ هذا التّطويل في بيان أنّ منقوضة المحمول اللاّزمة من السّالبة الكلّيّة البسيطة هي موجبة كلّيّة، أي “كلّ ب لا حـ”، إذا كنتم تُقِرُّونَ بأنّ السّلب والعدول مؤداهما واحد؛ أي كُنْتُمْ تَقُولُونَ رَأْسًا، واعتمادا على القاعدة المذكورة، ومن غير برهان ارتدادي، أو غيره، بأنّ السّالبة الكلّيّة “كلّ ب ليس حـ”، هي الموجبة المعدولة “كلّ ب لاحـ”، وذلك لأنّ السّلب والعدول مؤداهما واحد!؟ وشيء آخر: إنّه إذا ثبت أنّ السّالبة الكلّية معدولة المحمول “كلّ ب ليس بلا حـ” كاذبة، فليس صحيحا أنّه يلزم من ذلك، بطريق ما سمّيته بالارتداد، صدق “كلّ ب ليس ليس بلا حـ”؟ فمثلا “كلّ حيوان ليس بلا إنسان”، هي كاذبة، وليس يَلْزَمُ من كذبها صدق “كلّ حيوان ليس ليس بلاإنسان”، أي “كلّ حيوان هو لا إنسان”، فالإنسان هو حيوان وليس بلا إنسان!؟
(د) الجزئيّة السّالبة “بعض ب ليس حـ”، تصبح بنقض محمولها جزئيّة موجبة “بعض ب غير حـ”.
الأصل الصّادق “بعض ب ليس حـ”، بعد نقض محمولها تصبح كاذبة “بعض ب ليس غير حـ”، ولِتَعُودَ لِلصِّدْقِ يُسَلَّطُ حرف السّلب على حرف السّلب “بعض ب ليس ليس غير حـ”، وإذ سلب السّلب إثبات، ف”بعض ب غير حـ” صادق. فبان المطلوب.
وأنا أقول ليس صحيحا أنّ نقض محمول الأصل الصّادق “بعض ب ليس حـ”، يُعْطِي دائما قضيّة كاذبة “بعض ب ليس غير حـ”؛ فهذه في قوّة “بعض ب حـ”، والجزئيّتان الموجبة والسّالبة قد تصدقان مَعًا؛ فمثلا “بعض الحيوان ليس بإنسان” صادقة، والجزئيّة السّالبة “بعض الحيوان ليس غير إنسان”، صادقة أيضا. ثمّ إنّي أُشِيرُ عين الإشارة المتقدّمة، فَلَمَّا كان السّلب والعدول مؤداهما واحد، فَلِمَ الحاجة إلى البرهان، ولِمَ لَمْ نَقُلْ مُعَوِّلِينَ على هذه القاعدة بأنّ “بعض ب ليس حـ”، بعد النّقض تصبح “بعض ب لاحـ”، صادقة على تقدير صدق الأصل، لأنّ السّلب والعدول مؤداهما واحد !؟

أمّا الوجه الثّاني من طريقة الارتداد المذكورة، فهي أن تأخذ نقيض الأصل الصّادق، فيكون كاذبا، ثمّ تأخذ نقيض ذلك النّقيض، ولا يكون في صورته الأصل، لِتَحْصُلَ على منقوضة المحمول الصّادقة. ونُلَخِّصُ ذلك في القضايا الأربع المحصورة:

الوجه الثّاني من طريقة الارتداد في بيان أحكام نقض المحمول في القضايا الأربع المحصورة:

(أ) الموجبة الكليّة “كلّ ب حـ” تُصْبِحُ بنقض محمولها سالبة كلّية “كلّ ب ليس لاحـ”.
الأصل الصّادق “كلّ ب حـ”، نقيضها الكاذب “بعض ب ليس حـ”، سالبة جزئيّة، وهي في قوّة الموجبة المعدولة “بعض ب لاحـ”. فهذه كاذبة؛ نأخذ نقيضها الصّادق “كلّ ب ليس لا حـ”، سالبة كلّيّة منقوضة المحمول صادقة. فبان المطلوب.

(ب) الموجبة الجزئيّة “بعض ب حـ”، تُصْبِحُ بنقض محمولها سالبة جزئيّة “بعض ب ليس غير حـ”.
الأصل الصّادق “بعض ب حـ”، نقيضها الكاذب “كلّ ب ليس حـ”، وهذه في قوّة الموجبة المعدولة “كلّ ب لا حـ” الكاذبة. ونقيض هذه “بعض ب ليس لاحـ” سالبة جزئيّة منقوضة المحمول صادقة. فبان المطلوب.
(ح) الكلّية السّالبة “كلّ ب ليس حـ”، تصبح بنقض محمولها، كلّية موجبة “كلّ ب لاحـ”.
الأصل الصّادق “كلّ ب ليس حـ”، وهذه في قوّة الموجبة المعدولة “كلّ ب لاحـ” صادقة، فنقيضها “بعض ب ليس لاحـ” كاذب، ونقيض هذه، “كلّ ب ليس ليس لا حـ” صادقة، أي “كلّ ب لا حـ”. فبان المطلوب.
وأنا أقول، أوّلا إنّك قد رأيت كيف أنّك قد استعملت المطلوب “كلّ ب لا حـ”، في طريق بَيَانِكَ بأنّّ السّالبة الكلّيّة يلزم منها موجبة كلّيّة معدولة المحمول صادقة، وهذا عَيْبُ المصادرة على المطلوب. وثانيا، وكَمَا كَرَّرْتُ مِرَارًا: لَمَّا كان حاصلا عندك بالقاعدة أنّ السّلب والعدول مؤداهما واحد، فَمَا اُلْحَاجَةُ لِلْبُرْهَانِ هَاهُنَا، وَلِمَ لَمْ تَقُلْ رَأْسًا إنّ السّالبة “كلّ ب ليس حـ”، يلزم منها بحكم القاعدة المذكورة “كلّ ب لاحـ”، وهو المطلوب !؟
(د) الجزئيّة السّالبة “بعض ب ليس حـ”، تصبح بنقض محمولها جزئيّة موجبة “بعض ب غير حـ”.
الأصل الصّادق “بعض ب ليس حـ”، ونقيضها الكاذب “كلّ ب حـ”، ونقيض هذه “بعض ليس حـ”، سالبة جزئيّة بسيطة، وهذه في قوّة الموجبة الجزئيّة المعدولة “بعض ب غير جـ”. فبان المطلوب.
وأنا أقول مَا أَغْرَبَ هذا الدَّوَرَانَ، فإن أنت قد أُبْتَ بالنّقض الثّاني إلى السّالبة الجزئيّة الصّادقة الموضوعة في الأصل، ولَزِمَ منها بِحَسَبِ القاعدة المعروفة “السّلب والعدول مؤداهما واحد”، “بعض ب غير حـ”، وهو المطلوب، فَمَا كُلُّ ذلك العَنَاءِ، وَهَلاَّ بَقِيتَ في القضيّة الأصل، وقلت مُعَوِّلاً على عين القاعدة بأنّ السّالبة الجزئيّة الصّادقة “بعض ب ليس حـ”، إذا نُقِضَ محمولها، مع بقاء الصّدق، كانت الموجبة الجزئيّة المعدولة “بعض ب غير حـ”، وهو المطلوب !؟

ثمّ نواصل الآن إشاراتنا على النّمط المعتاد:

1) قال: [النّقض] أقول: ليس المقصود بالنّقض هاهنا، كما قد يُفْهَمُ لِأَوَّلِ الأمر، أخذ نقيض القضيّة جُمْلَةً، والّذي هو قضيّة أخرى مختلفة عن الأولى في الكمّ والكيف، بحيث إن صدقت تلك كذبت هذه، وإن كذبت تلك صدقت هذه، مثل أخذ نقيض الموجبة الكلّيّة “كلّ ب حـ،” وهو “ليس كلّ ب حـ؛” بل أخذ قضيّة ثانية تكون صادقة أيضا على صدق القضيّة الأصل، وقد لا تكون كاذبة وإن كذب الأصل، ويكون إمّا موضوعها عين موضوع الأصل، ومحمولها عين محمول الأصل مُقْتَرِنًا به حرف السّلب، وهذه تُسَمَّى منقوضة المحمول؛ أو يكون محمولها عين محمول الأصل، وموضوعها عين موضوع الأصل مقترنا به حرف السّلب، وهذه تُسَمَّى منقوضة الموضوع؛ أو يكون موضوعها عين موضوع الأصل مقترنا به حرف السّلب، ومحمولها عين محمول الأصل مقترنا به حرف السّلب أيضا، وهذه منقوضة الطَّرفين.
2) قال: [النّقض من المباحث الشّائكة في المنطق التّقليديّ، وهذا يفسّر عزوف الكثير من المؤلّفين عن تناوله في مؤلّفاتهم] أقول: لَسْتُ أدري من تَعْنِي بالمؤّلّفين الّذين كان عُزُوفُهُمْ عن مبحث النّقض المذكور، أهم اُلْمُحْدَثُونَ، فأولائك، قد يكون مَا صَرَفَهُمْ عنها، كما قد صرفهم عن غيرها من المباحث القديمة، إِنَّمَا صُعُوبَةُ المادّة، وإِمْعَانُهَا في الدّقيق واللّطيف. أمّا إن عَنَيْتَ بهم القدامى، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنْ سَيَكُونُ عُزُوفُهُمْ عَنْهَا لِذَلِكَ السَّبَبِ، إذ مَا صُعُوبُةُ مَبْحَثِ النَّقْضِ إلى مباحث أخرى هائلة كَمَبْحَثِ الجِهَةِ وَغَيْرِهَا الّتي خاضوا فيها خَوْضَ الأبطال. وبِحَقٍّ فَمَبْحَثُ النَّقْضِ فَأَنَا لا أجد له أَصْلاً مَعْدُودًا إطلاقا، في أيّ من كتب القدامى، لا عند قدماء القدامى كأرسطو وابن سينا، أو متأخرّي القدامى، كالقطب الرّازي، أو الكاتبي، أو العطّار. وتَفْسِيرُ ذلك عِنْدِي أنّ من وَضَعُهُ فقد أخطأ لَمَّا تَوَهَّمَ أنّ هذا النّقض يمكن أن يكون طريقا من طرق الاستدلال، وهو يُفِيدُ عِلْمًا مُتَجَدِّدًا من علم صادق متقدّم، كالعكس المستوي، أو عكس النّقيض. بل إنّما حقيقته العبارة بصورة أخرى لِمَعْنَى هو هو، وليس استنباطا لحقيقة أخرى من حقيقة أولى. لذلك فإنّ كلّ البراهين المستعملة في استخراج المنقوضات فقد استعملت أحكاما هي في الحقيقة أَقَلُّ بَيَانًا من نفس الأحكام اُلْمُبَيَّنَةِ. بل من المنقوضات ما لا يمكن أن تكون صحيحة على الشّروط الموضوعة في المنطق القديم؛ فمثلا نقض محمول السّالبة الكلّيّة “لا شيء من ب حـ،” يُدَّعَى أنّه يُعْطِي موجبة كلّيّة “كلّ ب لاحـ”، وهذا غير صحيح، لأنّ المذكور على الشّرط القديم أنّ السّالبة البسيطة تكون في قوّة الموجبة المعدولة، ولا فرق بينهما إلاّ في العبارة، إلاّ إذا كان ب موجودا؛ ومتى لم يكن ب موجودا لم يصحّ لُزُومُ “كلّ ب لا حـ”، من السّالبة البسيطة “لا شيء من ب حـ”.
3) قال: [ويلحق مبحث النّقض بمبحث العكوس لسبب لانراه وجيها] أقول: ذلك شكّكم على إلحاق مبحث النّقض بمبحث العكوس لِعِلَّةٍ سوف تذكرونها، أمّا شكّي فهو أشدّ، إذ كيف قد جاز أن يُعَدَّ ذلكم الفعل بعينه فعلا استنباطيّا أصلا، ولم يفهم على أنّه مجرّد تصوير لِمَعْنَى أوّل هو هو، بصورة أخرى ليس غير، كما فعل القدامى كأرسطو، والفارابي، وابن سينا لمّا ذكروا في فصول من كتاب كلّ منهم الموسوم بالعبارة، بأنّ الموجبة المعدولة هي تلزم عنها السّالبة البسيطة ضرورة، وهي في معناها، وأنّ السّالبة البسيطة لا تلزم عنها الموجبة المعدولة، إلاّ إذا كان الموضوع موجودا، وهي في معناها.
4) قال: [وهو القائل (أنّ كلا من العكوس والنّقض طريقتان لاستخراج قضية صادقة من قضية صادقة هي الأخرى، وهو سبب غير كاف … قضيّة أخرى] أقول: تُرِيدُ أن تقول بأن اشتراك النّقض والعكس، في كونه فعلا يستخرج من قضيّة أصليّة صادقة، قضيّة أخرى صادقة، لا يوجب بِمُجَرَّدِهِ جعل الأوّل مُلْحَقًا بالثّاني؛ فَلَوْ لَزِمَ ذلك لَكَانَ مثلا القياس الّذي هو أيضا استخراج قضيّة صادقة من مقدّمات صادقة، مُوجِبًا أيضا لإلحاقه بالعكوس، وهذا لا يقول به أحد.
5) قال: [وثمّة سبب آخر يدعونا …عكس النقيض] أقول: قد يكون مُرَادُ من ألحق النّقض بالعكوس، ليس لِمَا تَوَهَّمْتَ أنت، وهو أنّه يُشْبِهُ في صورته العكسين، العكس المستوي، وعكس النّقيض، بل قد يكون لأنّه إنّما يُعَوِّلُ في كلّ بيانه لأحكامه على ذَيْنِكَ الفِعْلَيْنِ؛ فهذه التَّسْمِيَةُ قد تكون لَحِقَتْهُ من جهة العلّة، لا من جهة المشابهة.
6) قال: [كما لا نعثر على تعريف محدّد لمفهوم ” النّقض” في المنطق التّقليديّ] أقول: فَكَمَا نَبَّهْتُ في الإشارة الثّانية، هذا المبحث ليس له أصل في الآثار المنطقيّة القديمة المعدودة إطلاقا.
7) قال: [فبين مصطلح “النقض” وتطبيقه بصورة الطّرف … مع الموجبة السالبة] أقول: هذه مُنَاقَشَةٌ في المصطلح، وبِحَقٍّ، فأخذ عبارة النّقض على الإطلاق، إِنَّمَا تَدُلَّ على أخذ نقيض القضيّة، أمّا مَعْنَاهَا المخصوص هاهنا، فهو يدلّ علي شيء آخر. وكان من حقّ من ابتدع هذا المبحث أن يكون قد اتَّخَذَ مصطلحا آخر تَوَرُّعًا من اللَّبس الّذي قد يَنَالُ لاَ سِيَّمَا أهل الابتداء في علوم المنطق.
8) قال: [وهذه القيمة مضافة من قبلنا]أقول: خطأ لغويّ: الفعل إنّما بُنِيَ للمجهول لأنّه مجهول الفاعل، فإن كان صاحب الفعل، وهو أنتم، معلوما، فَمَا بِنَاءُهُ لِلْمَجْهُولِ؟ بل قُلْ: “وهذا معنى قد أضفناه نحن.”
9) قال: [نحو نفي القضيّة الكليّة الموجبة (كل ب حـ) .. وتكافئ (بعض ب ليس حـ)] أقول: أي أنّ “ليس” هاهنا ليست جزء من الموضوع، فهي ليست جزء من القضيّة، وغَرَضُهَا ليس بأن تقول، إنّ المحمول لا يوجد على كلّ أفراد الموضوع، أي هي ليست متعلّقة بالموضوع، بل إنّها متعلّقة بالقضيّة جميعها، وغرضها بأن تقول إنّ كلّ القضيّة “كلّ ب حـ” كاذبة؛ وإن صدق كذب هذه القضيّة، فقد صدق في الأقلّ أنّ “بعض ب ليس حـ”.
10) قال: [والمسألة في كلّ هذا تتمثّل فيما يبدو … لارتفاع صلته بالتّناقض] أقول: كلّ هذا البحث في تسمية مبحث النّقض بهذا الاسم، وبيان الفرق بينه وبين نقض القضيّة، إنّما هو عناء غير ضروريّ؛ بل العِبْرَةُ النّظر في المقاصد والمعاني، والتّسمية إنّما هي تَابِعَةٌ لَهَا، وليس العكس؛ وإن نُظِرَ للمصطلح فليس لاستفادة فائدة نظريّة يُعْتَدُّ بِهَا، بل لِلتَّنَبُّهِ أو التّنبيه على أنّ ذلك المصطلح لاَئِقٌ بالمعنى أو غير لائق، صحيح أو غير صحيح، فهلمّ جرّا.
11) قال: [والبديل هو “المتمّم” أو “المعدول” بنفس المعنى] أقول: يريد أنّه الأدقّ أن نستبدل عبارة النّقض هاهنا، لِلَبْسِهَا، بعبارة اُلْمُتَمِّمِ، وهو مصطلح مُحْدَثٌ، أو بعبارة المعدول القديمة، فكلا العبارتين معناهما واحد.
12) قال: [واكمالا لعمليّة الاصطلاح فإنّ المصطلح يكون “تميم” المحمول، أو تميم الموضوع أو التّتميم التّام، ومتمّمة المحمول ومتمّمة الموضوع] أقول: يريد:وبعد تصحيح المصطلح، فعوض أن نقول “نقض المحمول”، نقول “تتميم المحمول”، وعوض أن نقول “نقض الموضوع”، نقول “تتميم الموضوع”، وعوض أن نقول “النّقض التّامّ”، نقول “التّتميم التّامّ”. ولا بدّ، حتى يكون تتميم، كتتميم ب، وهو “لا ب”، من أن يكون أفراد “لا ب” إذا اجتمعت مع أفراد اُلْمُتَمَّمِ وهو ب، إنّما تنشأ عن ذلك، المجموعة الشّاملة.
13) قال: [جعله معدولا] أقول: وذلك بِجَعْلِ حرف السّلب مُقْتَرِنًا به، والكلّ هو المعنى المعدول.
14) قال: [وجدير بالذّكر أنّ نقض القضيّة الّذي ينتج عنه قضيّة متناقضة مع القضيّة الأصل… رفع النّسبة بين الموضوع والمحمول] أقول: سوء عبارة: أوّلا: فليس كلّ نقض للقضيّة هو رفع لِنِسْبَةٍ، بل إذا كانت القضيّة الأصل موجبة، اقتضى نقضها رفع نسبة المحمول عن الموضوع، أمّا إذا كانت سالبة، فسوف تقتضي إثبات النّسبة المرفوعة أوّلا بين المحمول والموضوع، اللّهم إذا فُهِمَتِ النّسبة بمعنى أعمّ، وهو نفس الإيجاب، ونفس السّلب؛ وثانيا: إنّ القضيّة المعدولة، لا يُقَالُ فيها بأنّ نسبة المحمول فيها مرفوع عن موضوعها، بل إنّه موجب، لأنّ المحمول هنالك لا يُعَدُّ المعنى المحصّل وحده، بل مجموع حرف السّلب والمعنى المحصّل الأصليّ مثل “لا ب”. و ب إنّما هي المحمول الأوّل للقضيّة الأولى مثل: “كلّ ج ب”. سوى أنّه قد يُقَالُ بأنّ الموجبة المعدولة الّتي توجب نسبة المعنى المعدول “لا ب” إلى الموضوع ج، إنّما تلزم منها سالبة بسيطة، وهي في معناها وقوّتها، “ليس ج ب” شأنها أن ترفع نسبة المعنى المحصّل ب عن ج.
15) قال: [فلا ضرورة لجعل النقضين “التّام” و”نقض الموضوع” في قاعدة واحدة … مختلفة] أقول: إذا قال قائل “قَاعِدَةُ النَّقْضِ التَّامِ وَنَقْضِ الموضوع،” فليس بالواجب أن يُفْهَمُ منه القاعدة الواحدة الجارية حكمها على النّقض التّام ونقض الموضوع، فيكون لاعتراضك وجه؛ بل إنّ الكلام يحتمل معنى آخر وهو المقصود، أي “قاعدة النّقض التّام وقاعدة نقض الموضوع”، فَحَذَفَ المضاف، وأبقى المضاف إليه معطوفا على القاعدة الأولى؛ وهذا نحو معروف جدّا في لغتنا العربيّة ظَاهِرٌ لِكلّ مَنْ له أدنى معرفة بها. إذًا، فالمراد ليس قاعدة واحدة، بل قاعدتين.
16) قال: [(ما الّذي يتغيّر إذا نقض طرف أو طرفا القضيّة … وهي الصّدق)] أقول: سوء في العبارة، وثقل شديد، والأوضح أن تقول: “إذا ما فرضنا قضيّة ما صادقة وجعلناها الأصل، ثمّ رُمْنَا أن نَنْقُضَ أحد طرفيها، أو طَرَفَيْهَا مَعًا، فما الّذي يجب أن يَتَغَيَّرَ فيها، وما لا يجب أن يتغيّر، حتّى تبقى صادقة، كأصلها الصّادق؟”
17) قال: [وفي المثال يفيد انتفائهما] أقول: أي أنّ سلب السّلب إيجاب.
18) قال: [فلا يجب تفعيل هذا التّعاقب] أقول: عبارة صَحَفِيَّةٌ على غَايَةٍ من القُبْحِ: بل قل مثلا:” ولا ينبغي أن نُظْهِرَ أَثَرَ طُرُوِّ النّفي الثّاني على النّفي الأوّل، برفع أداتي النّفي مَعًا.”
19) قال: [وأضرابها ..مطالعة سابقة من ملاحظاتنا النّقديّة] أقول: ونحن قد كان لنا قول على ذلك في موضعه، فانظره هناك.
20) قال: [ولقد لفت نظرنا المثال … بطريق الحدس] أقول: لست أفهم ما وجه استغرابك من كون المثال المذكور”ليس كلّ حيوان لا إنسان”، هو دليلا في المصنّف الّذي قرأت في المنطق القديم، على السّالبة الجزئيّة منقوضة المحمول، أو المعدولة. إذ أنّه من عادتهم أن يَدُلُّوا على كلّ سالبة جزئيّة إمّا هكذا”بعض ب ليس حـ”، أو هكذا: “ليس بعض ب حـ”، أو هكذا، وهو الغالب، “ليس كلّ ب حـ”، وتفسير ذلك عندهم ليس كما تَوَهَّمْتَ بأنّه حكم بكذب القضيّة الموجبة الكلّيّة كلّها “كلّ ب حـ”، بل السّلب هو جزء من السّور الكلّيّ، ومَفَادُهُ أنّ المحمول ليس ثابتا على كلّ أفراد الموضوع. والقضيّة إذا كانت معدولة، اقترن حرف السّلب بالمحمول، وصار الكلّ هو المحمول. فواضح إذًا بأنّ “ليس كلّ حيوان بلا إنسان”، هي سالبة جزئيّة منقوضة المحمول، وهي مطابقة في صورتها لِصُورَةِ السّالبة الجزئيّة المعدولة كما قرّرها القدامى، ولم يَتَطَرَّقْ إليها ذلك المعنى بسبب الحدس كما زعمت.
21) قال: [لأنّ نقض المحمول تطلب تغيير السّور … (بعض الحيوان ليس بلا إنسان)] أقول: ليس كذلك، فالقضيّة الأصل الصّادقة هي “بعض الحيوان إنسان”، ونقيض هذه الكاذب هو “لا شيء من الحيوان بإنسان”؛ وإذ أنّ الحيوان موجود، فالسّالبة البسيطة يلزم منها موجبة كلّية معدولة كاذبة أيضا: “كلّ حيوان لا إنسان”. ونقيضها سيكون صادقا، وهو السّالبة الجزئيّة “ليس كلّ حيوان بلا إنسان؛” و”ليس” ههنا ليست مُتَعَلِّقَةً بالقضيّة الكاذبة “كلّ حيوان لا إنسان”، كلّها، بل بسور الموضوع، فهي جزء من القضيّة.
22) قال: [وأنّ السّلب جعلها صادقة] أقول: سوء عبارة، واضطراب في الكلام، والأوضح أن تقول: إنّ وضع المحمول حـ إلى الموضوع ب في الوجود وضع اُلْمَبَايَنَةِ، والقضيّة “كلّ ب حـ”، الواضعة في القول مُقَارَنَةَ المحمول حـ لِلْمَوْضُوعِ ب هي غير مطابقة للوجود، فهي كاذبة؛ إذًا فالقضيّة الأخرى “بعض ب ليس حـ”، الّتي تَرْفَعُ في القول مقارنة حـ للموضوع ب، إنّما تَدُلُّ على مباينة المحمول للموضوع، فهي مطابقة للوجود، إذًا فهي صادقة.
23) قال: [(كلّ شجرة صفصاف ليست مثمرة) … منقوضة المحمول] أقول: “بعض شجر الصّفصاف ليست غير مثمرة”، وكيف لَزِمَتْ هذه بالنّقض الأوّل. إنّه لا يكون ذلك فيما أرى إلاّ هكذا: الأصل “كلّ شجرة صفصاف ليست بمثمرة”؛ وهذه في قوّة الموجبة المعدولة “كلّ شجرة صفصاف غير مثمرة”، وهذه صادقة أيضا. ويُؤْخَذُ نَقِيضُهَا “بعض شجرة الصّفصاف ليست غير مثمرة” وهي كاذبة أيضا. ولكن أنت في طريقك للوصول إلى هذا النّقض قد استعملت عين النّتيجة الّتي رُمْتَ الوصول إليها، والّتي هذا النّقض هو مرتبة فيها، أعني لزوم الموجبة المعدولة “كلّ شجر الصّفصاف غير مثمرة” من السّالبة الكلّيّة البسيطة الأصل “كلّ شجرة الصّفصاف ليست بمثمرة”!؟
24) قال: [وهي طريقتنا الّتي سمّيناها “الارتداد”] أقول: أمّا أنا فأرى أنّ الحَرِيَّ أن تُسَمَّى بطريقة الدَّوَرَانِ فهي تُشْبِهُ أن تكون ممّا يستعمل النّتيجة في عين الدّليل، وذلك عَيْبٌ في الاستدلال معروف يُوصَفُ عَادَةً بالمصادرة على المطلوب.
25) قال: [وأنّ سلب المحمول في الأصل أعاد إليها الثّبوت… صدقت] أقول: انظر إشارة 22.
26) قال: [ومعنى (بعض ب ليس حـ)، هو وجود عنصر مثل “ب” لا ينتمي إلى حـ، أو غير موجود في “حـ” بنفس المعنى] أقول: بل الأدقّ أن تقول: ومعنى “بعض ب ليس حـ”، وجود فرد في الأقلّ، من أفراد ب، لا يُوصَفُ بمفهوم حـ، أو لا ينتمي لِعُنْوَان حـ.
27) قال: [نحو (بعض الإنسان ليس بكاتب)، فبنقض محمولها تكون (بعض الإنسان غير كاتب)] أقول: لقد كان لك أن تقول رَأْسًا، وبلا تطويل أو بيان، بأنّ السّالبة الجزئيّة البسيطة “بعض الإنسان ليس بكاتب”، يلزم منه بنقض محموله “بعض الإنسان لا كاتب”، لأنّه معلوم بالقاعدة المذكورة أنّ السّالبة البسيطة يلزم عنها موجبة معدولة.
28) قال: [ثم بالنّقض الثّاني تكون (بعض ب غير حـ)] أقول: “بعض ب ليس حـ”، صادقة، فيكذب نقيضها “كلّ ب حـ”، موجبة كلّيّة؛ ونقيض هذه صادق “بعض ب ليس حـ”، وتلك في معنى الموجبة المعدولة “بعض ب غير حـ”. فبان المطلوب. إِنَّهَا بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا !؟
29) قال: [وحيث أنّ سلب الحمل وعدوله متكافئان، ومطلوبنا هو منقوضة المحمول، بمعنى معدولة المحمول فإنّا نختار معدولة المحمول لدلالتها على نقض المحمول] أقول: إذًا فَلَمَّا كان، كما تقولون بأنفسكم، السّلب والعدول متكافئان، فَلِمَ لَمْ تحكموا رأسا، وبمقتضى هذه القاعدة نفسها، ومن غير حاجة لكلّ هذا التّطويل في البرهان، بأنّ “بعض ب ليس حـ”، يلزم منها موجبة معدولة:”بعض ب غير حـ”؟ وذلك هو نقض محمولها.
30) قال: [حقيقة أنّ الموضوع في المسوّرة يُقرن بالسّور (=الكمّ)] أقول: سوء عبارة، بل السّور هو الّذي يُلْحَقُ بالموضوع، فالموضوع له الأَصَالَةُ في الوجود، وقد يُوجَدُ ولا يوجد السّور، أمّا السّور فلا يمكن أن يوجد إلاّ وهو لاَحِقٌ بالموضوع؛ إذًا فالمقرون هو السّور، والمقرون به هو الموضوع.
31) قال: [فأي تغيير فيه يشمل جزئيه : الكمّ ولفظ الموضوع] أقول: تريد أيّ تغيير في الموضوع فلا بدّ أن يسري التّغيّر إلى السّور.
32) قال: [وهذا التّوضيح غير متوفّر في المنطق التّقليدي، ونحن نثبته هنا… ينتج (كلّ لا ب …)، وهذا بديهي] أقول: إنّك إن قلت نقض الموضوع، اقْتَضَى ذلك أن يكون المعنى المنقوض هو جزء من قضيّة، إذ لا يُسَمَّى المعنى موضوعا إلاّ لأنّه جزء من قول يُحْمَلُ فيه مَعْنًى، على ذلك المعنى. حينئذ فإنّه بِعِبَارَتِكِ “نقض الموضوع “كلّ ب..” ينتج “بعض لا ب..”، لا فِكَاكَ لك من أن يكون ذلك النّقض لِلْمَوْضُوعِ نَقْضًا له وهو في القضيّة. أي مثلا نقض الموضوع “بعض ب …”، إنّما هو نقض لِمَوْضُوعِ القضيّة “بعض ب حـ”. وهُنَالِكَ فيصير حكمك بلزوم هذا الموضوع الآخر بداهة “كلّ لا ب…”، إنّما في معنى حكمك بلزوم هذه القضيّة الأخرى منقوضة المحمول “كلّ لا ب حـ”؛ وهذا لَعَمْرِي بَيِّنُ الكذب: إذ “بعض الإنسان حيوان”، صادق، وبعد نقض الموضوع لم يلزم منه “كلّ لا إنسان حيوان”، فالحجارة هي لا إنسان، وليست بحيوان. أمّا إن رُمْتَ بالعبارة عينها، أي نقض الموضوع، المعنى المنقوض بِتَجْرِيدِ كونه مَوْضُوعًا، أو جزء داخلا في القضيّة محمولا عليه مَعْنًى، فهو، مع ما فيه من سوء عبارة، غير مفهوم منطقيّا إطلاقا: إذ ما معنى قولك نقض الموضوع “كلّ ب..” يُنْتِجُ “بعض لا ب..”؟ هل أنّ نقض “كلّ ب”، هو بعينه أن تُكْتَبَ الصّورة الأولى بهذه الصّورة “بعض لا ب..”، فإذًا، يرجع الكلام إلى هذا: [إنّ كتابة “كلّ ب..” بهذه الصّورة “بعض لا ب..” يَنْتُجُ عنه هذه الصّورة “بعض لا ب”؛ هَذَرٌ من القول وتحصيل حاصل؛ فإن لم يكن ذلك، والنّقض عندكم غير صورة “بعض لاب..” النّاتجة منطقيّا عن فعل نقض الموضوع “كلّ ب..”، فهلاّ بَيَّنْتَ ما هذا الفعل!؟
33) قال: [بفرض أن (كلّ ب حـ) صادقة فإنّ نقض موضوعها (بعض لاب حـ) يجعلها كاذبة لارتفاع النّسبة بين الطّرفين] أقول: أيّ خبط كبير !؟ فخذ مثلا “كلّ إنسان حيوان” فهذه أليست صادقة؟ وهذه أيضا ما تقول فيها “بعض لا إنسان حيوان”، أليست صادقة، إذ الأسد هو من بعض ما يُقَالُ عليه “لا إنسان”، ومع ذلك فهو حيوان؟!. إذًا، فليس دائما من صدق “كلّ ب حـ”، إنّما يلزم كذب “بعض لا ب حـ”.
34) قال: [فهذا يعني أنّ (بعض لا ب) غير موجود في (حـ)] أقول: ولكن أن يكون “بعض لا ب غير موجود في حـ”، لا يلزم منه كذب “بعض لا ب حـ”، بل يلزم منه كذب “كلّ لا ب حـ”. فمثلا بعض الحيوان، كالأسد، لا يصدق عليه كونه ناطقا، ومع ذلك فإنّ الموجبة الجزئيّة “بعض الحيوان ناطق” صادقة، فالإنسان بعض الحيوان، وهو ناطق.
35) قال: [فلابدّ من سلب المحمول فتكون القضيّة (بعض لاب ليس حـ)، وهي جزئيّة سالبة، صادقة على تقدير صدق الأصل] أقول: إن كانت الموجبة الجزئيّة “بعض لا ب حـ”، كاذبة، فكيف تنقلب صادقة، بسلب المحمول عن الموضوع المعدول، وإبقاء الكمّ كما هو!؟ إن هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، بل أنت لَتَعْلَمُ بأنّ الموجبة الجزئيّة الكاذبة “بعض ب حـ”، إذا كذبت، فالصّادق هو نقيضها، أي “كلّ ب ليس حـ”، على طريقتكم، وليس ضدّها “بعض ب ليس حـ”، فَذَانِكَ قد يصدقان مَعًا.
36) قال: [نحو (كلّ عدد طبيعيّ موجب) صادقة، فتحوّل بنقض موضوعها إلى (بعض العدد اللاّطبيعي ليس بموجب) صادقة أيضا] أقول: فلو مَرَرْنَا في هذا المثال بكلّ مراتب طريقتك فسنرى: “كلّ عدد طبيعيّ موجب”، الأصل الصّادق؛ ثمّ ننقض موضوعها “بعض لاطبيعيّ موجب”، وهذه كاذبة أم صادقة؟ إنّها صادقة، لأنّه من الأعداد الحقيقيّة مثل جذر 2، ما هو لا طبيعيّ وهو موجب. وإذا نقضنا هذه القضيّة، فسنحصل على قضيّة كاذبة فحواها ليس “بعض العدد اللاّطبيعيّ موجب”، أي “لا عدد لاطبيعيّ موجب”.
37) قال: [فالقضيّة (كلّ ب ليس حـ) إن كانت صادقة فإنّ القضيّة (بعض لاب ليس ليس حـ)، ويتعاقب السّلب ينتج (بعض لاب حـ)] أقول: “كلّ ب ليس حـ” صادقة، ونقض الموضوع على طريقتكم يعطي “بعض لا ب ليس حـ” كاذبة، ثمّ يُسْلَبُ “بعض لا ب ليس ليس حـ”، فيلزم “بعض لا ب حـ”. وهو المطلوب. وكلّ ذلك خاطئ: إذ أنّه إن صدقت السّالبة الكلّيّة “كلّ ب ليس حـ”، فليس يلزم كذب “بعض لا ب ليس حـ”. “كلّ حجر ليس بإنسان”، صادقة، و “بعض لا حجر ليس بإنسان” صادقة أيضا، فالأسد لا حجر، وهو ليس بإنسان.
38) قال: [أي أنّ (كل ب) غير موجودة في (حـ). ولكن … في (حـ)] أقول: وما وجه لزوم الثّاني من الأوّل؟
39) قال: [أمّا لماذا لا يمكن استخراج منقوضة المحمول…وليس حيودا عنها] أقول: إنّي من غير التّدقيق خَاصَّ التّدقيق في كُلِّ كلامكم هذا اُلْمُعَلِّلِ لِعَدَمِ جَوَازِ نقض الموضوع في الجزئيّتين، فإنّي أُجِيبُ، بأنّ اُلْمَنْعَ ليس بصحيح، وأنّه يُوجَدُ لَهُمَا حَقًّا نقض الموضوع، وأنا سأترك بيان ذلك حين الحديث في النَّقْضِ التَّامِّ، لأنّ التّرتيب الطّبيعيّ لِهَذَا البحث إنّما أن يكون المذكور الأخير مُتَقَدِّمًا على مبحث نقض الموضوع.
40) قال: [وهذا التّوضيح غير متوفّر في المنطق التّقليدي، ونحن نثبته هنا. إنّ نقض الموضوع (كلّ ب ..) ينتج ( بعض لا ب .. )، ومثل ذلك إنّ نقض الموضوع (بعض ب ..) ينتج (كلّ لا ب …)، وهذا بديهي] أقول: ليس ذلك لِمَا خَيَّلْتَ؛ فأوّلا لقد قلت لك بأنّ القدامى المعدودين، قدماءهم ومتأخرّيهم، لم يَتَّخِذُوا مبحث النّقض. ولو توهّمناهم أنّهم قد بحثوا فيه، فما كان لِيَتَّخِذُوا التّرتيب الّذي وَضَعْتَ من عندك، ثمّ أخذت تَسْتَغْرِبُ مَا بَالُ أُولاَئِكَ ما تَنَبَّهُوا على أنّ النّقض التّام هو نقض موضوع منقوضة المحمول. وأنا أرى أنّ بحثهم كان سيكون على هذه الطّريقة:
نقض المحمول:
الموجبة الكلّية “كلّ ب حـ” تُنْقَضُ بنقض المحمول سالبة كلّيّة “لاشيء من ب لاحـ”.
إنّ نقض محمول هذه القضيّة، سالبة كلّيّة معدولة “لا شيء من ب لاحـ”. لأنّه لو لم يكن كذلك، لَصَدَقَ نقيضها “بعض ب لا حـ”، وهذه موجبة معدولة تلزمها “ليس كلّ ب حـ”، نقيض الأصل الصّادقة. إذًا فالصّادق هو “لاشيء من ب لا حـ”. فَبَانَ المطلوب.
الموجبة الجزئيّة “بعض ب حـ” تنقض بنقض المحمول جزئيّة سالبة “ليس كلّ ب لاحـ”.
إنّ نقض محمولها هو “ليس كلّ ب لا حـ”؛ فلو كذبت، لَصَدَقَ نقيضها “كلّ ب لا حـ”، موجبة كلّيّة معدولة، يلزمها سالبة كلّيّة بسيطة “لاشيء من ب حـ”، نقيض الأصل؛ إذًا فقد صدق “ليس كلّ ب لا حـ”. فبان المطلوب.
السّالبة الكلّية “لا شيء من ب حـ” تنقض بنقض المحمول إلى كلّيّة موجبة “كلّ ب لا حـ”.
نقض محمولها هو ” كلّ ب لا حـ”، موجبة كلّيّة معدولة، ولكن بِشَرْطِ أن تكون ب موجودة، أو مُقَدَّرَةَ الوجود، أو مُعْتَبَرَةَ الوجود في الذّهن. ولا يحتاج ذلك لِبَيَانٍ، لأنّ السّالبة الكلّيّة البسيطة الصّادقة، وموضوعها موجود يلزم عنها “كلّ ب لا حـ”.
السّالبة الجزئيّة “ليس كلّ من ب حـ” تنقض بنقض المحمول إلى جزئيّة موجبة “بعض ب لا حـ”.
نقض محمولها هو “بعض ب لاحـ”، موجبة جزئيّة بسيطة، ولكن بِشَرْطِ أن تكون ب موجودة، أو مقدّرة الوجود، أو معتبرة الوجود في الذّهن. ولا يحتاج ذلك لبيان، لأنّ السّالبة الجزئيّة البسيطة الصّادقة وموضوعها موجود يلزم منها موجبة جزئيّة معدولة “بعض ب لا حـ”.
النّقض التّامّ:
الموجبة الكلّية “كلّ ب حـ” نقضها التّامّ جزئيّة موجبة”بعض لا ب لا حـ”.
معلوم أنّ عكس النّقيض الموافق لِهَذِهِ هو “كلّ لا حـ لا ب”؛ وإن عَكَسْنَاهُ عَكْسًا مُسْتَوِيًا كان “بعض لا ب لا حـ”. وهو المطلوب.
الموجبة الجزئيّة “بعض ب حـ” نقضها التّامّ “بعض لا ب لا حـ”.
وأنت فقد ادَّعَيْتَ أنّها لا تُنْقَضُ هذا النّقض، وهي تُنْقَضُ. إذ أنّ عكس نقيض الموجبة الجزئيّة بِعَكْسِ النّقيض الموافق هو “بعض لا حـ لا ب”، وتنعكس بالاستواء إلى “بعض لا ب لا حـ”. فَبَانَ المطلوب. وأنت لَعَلَّكَ قَائِلٌ بأنّك قد وجدت في منطق المظفّر بأنّها لا تنعكس بعكس النّقيض الموافق، وهُنَالِكَ فقد ذكر برهانا، وأخذ مثالا على عدم جواز عكس الموجبة الجزئيّة بعكس النّقيض الموافق. فَأُجِيبُ: اعلم أوّلا أيّها الأخ أنّه من بديهيّات علم البرهان أنّ إبطال الشّيء لا يكون بالبرهان على بطلان دليله، لأنّه قد يكون لِلْبُرْهَانِ عليه طريق آخر غير ذلك الطّريق. وثانيا: أمّا المثال الّذي ذكره وهو “بعض اللاّ إنسان حيوان”، موجبة جزئيّة، لو انعكست بالنّقيض الموافق على صورة “بعض لا حـ لا ب”، لَكَانَتْ هذه الكاذبة “بعض اللاّحيوان إنسان”، فغير صحيح، وليس السّبيل ذلك السّبيل؛ بل صورة المثال “بعض اللاّإنسان حيوان”، ليست صورة الموجبة البسيطة “بعض ب حـ”، بل “بعض لاب حـ”؛ لأنّ الحرف إذا كان مُجَرَّدًا من السّلب دَلَّ أبدا على معنى مُحَصَّلٍ، وإن وُجِدَ مقترنا بحرف سلب دلّ أبدا على معنى غير محصّل، وفي المثال، فالموضوع “لا إنسان” لا يمكن أن يُرْمَزَ إليه بحرف مُجَرَّدٍ عن السّلب ب، بل بحرف مقترن به حرف السّلب “لاب”، لأنّه معنى غير محصّل “بعض اللاّإنسان حيوان”؛ وهذه الموجبة الجزئيّة الّتي صورتها “بعض لاب حـ”، إنّما هي عكس النّقيض المخالف للسّالبة الجزئيّة “ليس كلّ حيوان إنسان”.
أمّا برهاننا على أنّ الموجبة الجزئيّة “بعض ب حـ”، تنعكس بالنّقيض الموافق إلى “بعض لا حـ لا ب”، فلابدّ أن نقدّم له أوّلا بهذا التّمهيد الطّويل:
إنّه بَيِّنٌ أنّ كلّ معنى موجود أو غير موجود، فهو غَيْرٌ لِمَعَانٍ موجودة لا متناهية. لذلك فمتى سُلِبَ عنها كلّها كان السّلب صادقا ذا موضوع موجود. ولو أُشِيرَ إلى المعاني الموجودة المغايرة بحرف ب، وإلى المعنى المسلوب بحرف حـ، صدقت هذه السّالبة لا محالة: “لا أحد من ب حـ.” وإذ أنّ ب موجودة، فَعَلَى شَرْطِ الفارابي، “لا أحد من ب حـ” هي مساوية اضطرارا “لكلّ ب لاحـ.” إذًا، فالمعنى المعدول “لا حـ “، هو أبدا قد يُقَالُ على موجود. وعليه، فمتى وُجِدَ في كلّ قضيّة موجبة أو سالبة، الموضوع معدولا، كان موضوع القضيّة موجودا اضطرارا. ولِمُعْتَرِضٍ أن يَعْتَرِضَ: بل هناك معنى حـ، لو جعلته معدولا، امتنع كَوْنُهُ يقال على موجود، أعني الموجود، أو ما في معناه كالشّيء، والواحد، والثّابت؛ فمثلا إذا قلت “لا أحد من ب موجود”، وكان صادقا، فسيكون ب غير موجود، ولو أُوجِبَ عليه المعنى المعدول لاموجود، فسيكون إيجابا على لاموجود، لا على موجود، كما ادَّعَيْتُمْ. والجواب: لا جَرَمَ أنّ هذا الاعتراض لَيَنْطَوِي على شيء من القوّة، بَيْدَ أنّه قد غَفَلَ عن دَقِيقَةٍ عظيمة، وهي أنّ الموجود المرفوع هاهنا ليس الوجود المطلق، بل وجود مَخْصُوصٌ، أي الوجود الخَارِجِيُّ. فَمَثَلاً من حكم بأنّ العنقاء غير موجود، فقد قال صِدْقًا، وأنت تعلم أنّه من شرط صدق الموجبة، وجود موضوعها، والعنقاء غير موجود، فَكَانَ حَقُّ هذه القضيّة أن تكون كاذبة على هذا الاعْتِرَاضِ. ولكن هي صادقة، وذلك لأنّ تفسيرها الصّحيح هو أنّ المعنى الموجود في الذّهن، وهو العنقاء، غير موجود في الخارج. كذلك فإن قلنا “لا أحد من ب موجود”، فنقصد، “لا أحد من معنى ب الموجود في الذّهن هو موجود في الخارج”، فب حينئذ لم يخرج عن حَالٍ من الوجود، وصار جَائِزًا أن يُوجَبَ عليه اللاّوجود، أي اللاّوجود الخارجيّ، و هذا المعنى المعدول بِعَيْنِهِ إنّما يُقَالُ أيضا على مَوْجُودٍ لاَمَحَالَةَ، وإن كان موجودا ذِهْنِيًّا غير الموجود الخارجيّ.
وبعد هذا التّمهيد نقول: إنّ الموجبة الجزئيّة البسيطة “بعض ب حـ”، إن انعكست على جهة النّقض إلى “بعض لا حـ لا ب”، فهذه صادقة لا محالة. إذ لِكُلِّ معنى ب موجود أو غير موجود، وحـ موجود أو غير موجود، يُوجَدُ لَهُمَا أَبَدًا معنى آخر موجود د بحيث يكون “لا شيء من د ب،” و “لاشيء من د حـ” صادقين. فَيَلْزَمُ منهما مُوجِبَتَانِ معدولتان” كلّ د لا ب”، و”كلّ د لا حـ”؛ فبعكس الثّانية على الاستواء “بعض لاحـ د”، ثمّ ضمّها صغرى إلى الأولى “كلّ د لاب”، فَيَلْزَمُ من الضّرب الثّالث من الشّكل الأوّل “بعض لا حـ لا ب”. فَبَانَ المطلوب.
ثم يصير بَيِّنًا بعد ذلك أنّه بعكس هذه “بعض لا حـ لا ب”، على جهة الاستواء إلى “بعض لاب لاحـ”، يكون نَقْضٌ تامّ للموجبة الجزئيّة الأصل “بعض ب حـ”، خِلاَفًا لِمَا قَرَّرْتُمُوهُ من امْتِنَاعِ ذلك.
السّالبة الكلّية “لا شيء من ب حـ” نقضها التّامّ جزئيّة سالبة “ليس كلّ لاب لا حـ”.
نعكس الأصل بالاستواء، فنحصل على “لاشيء من حـ ب”، ثمّ نعكسها بطريق النّقيض المخالف، فنحصل على “بعض لا ب حـ”؛ ثمّ ننقض محمول هذه الموجبة الجزئيّة، فنحصل على “ليس كلّ لاب لا حـ”. فبان المطلوب.
السّالبة الجزئيّة “ليس كلّ ب حـ” نقضها التّامّ “بعض لاب لا حـ”.
إمّا أن تكون ب موجودة أو غير موجودة. فإن كانت ب غير موجودة، والإنسان مثلا ليس حـ، موجود، فصحّ إذًا كلّ إنسان لاب، وكلّ إنسان لاحـ، فيلزم من الضّرب الأوّل من الشّكل الثّالث من القياس أنّ “بعض لا ب لا حـ”. وإن كانت ب موجودة، فالقضيّة الأصل “ليس كلّ ب حـ”، هي في قوّة الموجبة الجزئيّة المعدولة “بعض ب لا حـ”. فَلَوْ لَمْ يَصْدُقْ “بعض لاب لا حـ”، لَصَدَقَ نقيضه “لاشيء من لاب لا حـ”، فنعكسه على جهة الاستواء “لا شيء من لاحـ لاب”، ثمّ نَضُمُّ هذه كبرى إلى “بعض ب لاحـ”، فينتظم قياس من الضّرب الرّابع من الشّكل الأوّل يُنْتِجُ سالبة جزئيّة “بعض ب لا ب”. هذا خَلْفٌ. فَبَانَ المطلوب.
نقض الموضوع:
الموجبة الكلّية “كلّ ب حـ” تُنْقَضُ بنقض الموضوع جزئيّة سالبة “ليس كلّ لا ب حـ”.
لَقَدْ قلنا بأنّ النّقض التّام للموجبة الكلّيّة يعطي “بعض لاب لا حـ”. وهذه تلزم منها سالبة جزئيّة منقوضة الموضوع “ليس كلّ لاب حـ”. فبان المطلوب.
الموجبة الجزئيّة “بعض ب حـ” تُنْقَضُ بنقض الموضوع جزئيّة سالبة “ليس كلّ لا ب حـ”.
فقد بَيَنَّا أيضا أنّ النّقض التّام للموجبة الجزئيّة هو “بعض لاب لاحـ”. فيلزم من هذه المعدولة سالبة جزئيّة منقوضة الموضوع “ليس كلّ لاب حـ”. فبان المطلوب.
السّالبة الكلّية “لاشيء من ب حـ” تُنْقَضُ بنقض الموضوع جزئيّة موجبة “بعض لا ب حـ”.
إذ قد قلنا بأنّ النّقض التّام لهذه يُعْطِي “ليس كلّ لاب لاحـ”، وهذه يلزم منها “بعض لاب حـ”، لأنّه لو كذبت، لَصَدَقَ “لاشيء من لاب حـ”؛ و”لاب” موجودة بِمَا بَيَنَّا آنفا، فهي في قوّة الموجبة المعدولة “كلّ لاب لاحـ”، نقيض “ليس كلّ لاب لاحـ” الصّادق. إذًا “بعض لاب حـ” صادق. فبان المطلوب.
السّالبة الجزئيّة “ليس كلّ ب حـ” تُنْقَضُ بنقض الموضوع سالبة جزئيّة “ليس كلّ لا ب حـ”.
لقد قلنا بأنّ النّقض التّامّ لِهَذِهِ هو “بعض لاب لا حـ”، وهذه في قوّة السّالبة الجزئيّة منقوضة الموضوع “ليس كلّ لاب حـ”. فَبَانَ المطلوب.

فهرس الكتاب

التّصدير……………………………………………3

كمّ القضايا…………………………………………8

النّسبة…………………………………………….31

السّلب والعدول…………………………………….54

القضايا الشّرطيّة وأقسامها………………………….72

القضايا المنحرفة………………………………….110

النّقض…………………………………………..145

فهرس الكتاب…………………………………….189

Advertisements