فيلم “مملكة النمل” لشوقي الماجري بين العمق والسطحية ملامح إنسانيّة من التفاصيل الفلسطينية ـ بشرى بن فاطمة

فيلم “مملكة النمل” لشوقي الماجري
بين العمق والسطحية ملامح إنسانيّة من التفاصيل الفلسطينية
بشرى بن فاطمة

بشرى بن فاطمةبمجرّد أن أضيئت الأنوار في قاعة السينما معلنة للجمهور انتهاء وقت الدّهشة، كانت حالة الذهول تتشبّث في الوجوه ولم تغادر الأسئلة الأذهان.. أي قصيدة سينمائية وأي ملحمة فنيّة عرضت؟
هكذا حال الجمهور التونسي المتابع لأي عمل يعرض القضيّة الفلسطينية ويتوغّل في تفاصيلها مهما كانت مكرّرة ومهما كانت الرؤية التي تحرّكها العاطفة المفرطة والمبالغة الواضحة..
هو الفيلم الجديد “مملكة النمل” أوّل فيلم طويل للمخرج التونسي شوقي الماجري الذي بدأ عرضه في قاعات السينما التونسية منذ 3 من أكتوبر.. هذا الفيلم هو إنتاج مشترك بين نجيب عياد من تونس، الضفاف للإنتاج، المجموعة الفنية المتحدة، إيبلا الدوليّة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، تمثيل صبا مبارك، منذر رياحنة، جميل عواد، جوليات عواد، عابد فهد، صباح بوزويتة، وشارك شوقي الماجري، خالد الطريفي في كتابة السيناريو، و صمّم وليد الهشيم الموسيقى.

الفيلم ليس حالة معيّنة بل هو تشابك حالات ومع كل حالة تبدو التناقضات والمتضادات المتشعبة لتصل إلى تناغم انفصالي، الفيلم حمل فلسطين الفكرة والحضور على الأرض وتحتها على السطح وفي العمق في البعد الظاهر وفي البعد اللامرئي من خلال تلك الأسرار والطقوس التي تمّ تجريدها وتفتيتها داخل المشهد العام والصورة والإضاءة لتبدو مثل ملحمة تحمل في طياتها الموت والفناء، والحياة بين الأسر والحرية بين النور والعتمة، وذلك يخلق هواجس عاطفية انفعالية مؤثّرة..
فالموت فكرة لامفرّ منها ولا من حضورها وحضرتها، الحب متجدّد ومتوارث، يأتي من الأرض من الرصاص من النار من الطمأنينة والسكون من الاضطراب والتوتر..
يقدّم الفيلم شبكة من التفاصيل تمرّ مثل فلاشات كحلم يطوّعه التصعيد إلى كابوس لا يخلو من منافذ أمل، الحلم هو ثلاثية الأرض والقلب والقبر، يطرح في الذهن تساؤلات عن الوطن والسلام.
أما فكرة الحياة تحت الأرض ومملكة النمل تلك كانت رؤية أخرى حاولت تسليط الضوء على الحياة دون حدود مؤلمة دون تقسيمات تحت الأرض قلب فلسطين.. منافذ واتجاهات لا تعرف الحواجز تؤدي إلى حيفا و يافا والقدس وعكا وغزة كما تحمي الذكرى وتحرس الذاكرة، وتجمع رفات الفلسطيني الثابت في أرضه كما تجمعه للحياة أيضا كرمزية تدل على الاستمرارية وتواصل الأجيال داخل رحم فلسطين ومن روحها ..
المخرج شوقي الماجري عرفه الجمهور من خلال أعمال تلفزيونية ناجحة، وهذه التجربة الأولى مع الأفلام الطويلة لم تحرّره من أسلوب المسلسلات، وهو ما يفسر ذلك التباطؤ الإيقاعي في الأحداث وإسقاط كليشيهات على الفيلم كان بإمكانه الاستغناء عنها..
الفيلم يطرح موضوع المقاومة لا من خلال مقاربة موضوعية بل بغلوٍّ مترف، ظهرت المواقف نمطية الطرح مصطنعة تبدو مبالغة وأحيانا مزيفة رغم النجاح في تمرير رسائل خرجت من السطحية التي سيطرت على المشهد العام للفيلم أهمها أنّ المقاومة هنا ليست إيديولوجية دينية وإنما إنسانية بدرجة شاملة غايتها البقاء والحق المشروع الذي يعكس تنوع الإنسان الفلسطيني.
تقنيا، قدّم الفيلم فلسطين في صورة جميلة جغرافيا بملامح طبيعية مدهشة، جمال صورة تلك الكهوف تحت الأرض وكذلك جمال الأرض المحتلة، دون زحمة ولا فوضى الشوارع والأبنية، أرض نضرة قريبة من مخيلة كل فلسطيني يحلم بالعودة..
كما وظّف الفيلم الآليات العسكرية والمروحيات فضلاً عن المؤثرات البصرية والصوتية ذات الجودة العالية.
أحسن شوقي الماجري اختيار فريق قدير من الممثلين الذين تقمّصوا الدور مع جانب كبير من الإحساس من التحمل من العاطفة التي بدت صادقة مع تنوع المواقف المشهدية والرمزية التي تميّز القضية الفلسطينية عموما الحصان.. القمر.. الحمامة.. الزيتون.. التراب..إضافة إلى تلك الأزياء والأهازيج والزغاريد التي عيّشت المشاهد في البيئة الفلسطينية.

يغرق “مملكة النمل” في دوامة المبالغات يتشبع بما يفيض من طقوس أسطورية تحيك البطولة المطلقة كما اعتادها الخيال العربي.. وهنا تظهر المبالغة المفرطة على بعض المشاهد في الفيلم التي صوّرت بأسلوب هوليوودي مثلا القذائف التي سقطت على محتفلين، يواصلون احتفالهم بعدها دون أن يصاب أحد أو حتى تتسخ ملابسه.. وفي لقطة شهيد يبتسم لصديقه بدت الصورة كاريكاتورية أكثر منها رمزية غلب عليها التكلّف..
أما التسلسل فلم يكن منطقياً ، الاسترجاع لم يخدم الفيلم ولا الأحداث أظهر فراغ الترابط في عقدة القصة أرهق الجمهور الذي كان داخله يصرخ متى ينتهي الكابوس..
تنوعت الأفلام التي عالجت القضية الفلسطينية والواقع الفلسطيني لكن في كل مرة نتساءل أين الأفلام من القضية نفسها ومن عقلية الفلسطيني وما ينتابه ومن يومياته.. هل المبالغة التي تصل إلى درجة إثارة الشفقة يمكن أن تنفع القضية المعالجة؟ هل الإفراط في الموت كفكرة تلاحق الفلسطيني تحكي الفلسطيني والحياة القادمة وتحميه اليأس والإحباط والألم..
كان يمكن للفيلم أن يكون أفضل وأقوى بكثير مما ظهر رغم براعة الماجري و صدقه وحمله للقضية الفلسطينية بكل قوة تلخّصت في النهاية فقد رسم الماجري حزمة من الضوء يشع منها الحب والوطن والفقد والحصار والحرب والسلام والأمل والاستمرار.
فضاء اوروك

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: