شعرية البدايات في ترنيمة الطائر الجريح ـ كتاب جديد للكاتبة التونسية نزيهة الخليفي

نزيهة اخليفيصدر عن الدار التونسية للكتاب ( شعرية البدايات في ترنيمة الطائر الجريح ) للكاتبة التونسية نزيهة الخليفي ، ويقع الكتاب في 260 صفحة من القطع المتوسط تناولت فيه الكاتبة ديوان ترنيمة الطائر الجريح للشاعر التونسي بلقاسم المرزوقي من زاويتين متضافرتين:
زاوية المعمار الفني لعتبة البدايات، باعتبارها تجريدا للخصائص البنيوية أو الملامح اللّفظية الملازمة والمنتجة لأدبيته.
وزاوية إحالة البدايات على الدّلالات الكلية للنص، وهي دلالات اجتماعية وسياسية وفكرية تعكسها الألفاظ والتراكيب والأساليب المشكّلة لها. ويتمّ ذلك من خلال استجلاء الرؤى الضّمنية من البنى المعلنة في النص حتى نقف على درجة شعريتها من خلال تقصّي الكيفية التي وظّف بها الشاعر خطاب البدايات بين المعاني والمباني بما هو نصّ محيط ومسيّج لمتن الديوان.

تقول المؤلفة نزيهة الخليفي عن كتابها :
ما من نصّ إبداعي إلاّ ويسيّج ببدايات تسوّره وتحيطه، وتساهم في الدّخول إلى فحواه وفضّ مغاليقه، مثرية له ومنوّعة عليه، باعتبارها مكوّنا بنائيا وجوهريا يعضد النصّ، ويكسبه طرائق جديدة في البناء والتّشكيل وفي التنظيم والتنضيد. وتسلمنا طريقة التشكيل هذه، وعملية البناء تلك، إلى ضرورة دراسة أشكال انبناء البنيات النصّية وكيفية تحقّقها، إنّها الجزء المشكّل والمفتتح للنصّ الرئيسي.
ولعلّ الدّخول إلى هذه البدايات والشّروع في خلق تآلف معها، يجعل المتلقي قادرا على تحريك السّواكن، وإحداث ردّ الفعل واقتراح التأويل، منتقلا بذلك ممّا هو واقعي نحو الخيالي الواقعي، ذلك أنّ “المتلقي يتمثّل النص كعالم مواز تلعب فيه الإشارات والرّموز دورها للوصول إلى دلالاتها العميقة في النص. إنّ المتلقي يقيم صلته مع واقع لغوي يختار كمتكئ له الفن على مستوى الرؤية والإدراك، كما التأثير في الآخر” ، إيمانا بأنّ ما تعمل عليه البدايات في العمق، هو ضبط مختصر للنصّ، ويكفينا في أكثر من نصّ أدبي التعامل مع بداياته لمعرفة لواحق أحداثه ومجرياتها، ففيه توجد بالضّرورة وحدة مركزيّة تنزع إلى اختصاره وتلخيص دلالاته بإحكام. وبناء على ذلك، فإنّ النص الشعري –مجال بحثنا- ليس امتدادا لا شكل له، بقدر ما يمتلك مجموعة من المداخل والمنافذ والمخارج، تتيح مجتمعة العبور إليه واجتيازه ومن ثمّ مغادرته. ولعلّ العبور من البدايات إلى الخواتم يجعل النص الشعري مدركا بداياته ومستشرفا نهاياته، يطرح عبر فجواته النّاطقة والصّامتة، إشكالية الكتابة والقراءة، أي إشكالية الفّني والجمالي في ارتباطهما المستديم. ذلك أنّ القراءة في معناها، كسيرورة من البداية إلى النهاية، تتضمّن الكتابة، والكتابة بصفتها حدثا فعليا، ممتدّا بين نقطتي الانطلاق والوصول، تتضمّن القراءة أيضا. ولعلّ هذين الحدثين اللّذين يتوفّر عليهما النص الأدبي: -الفني والجمالي- يتواشجان ويتقاطعان عبر سيرورة التأويل، ليشكّلا ذلك الكلّ المتماسك بناء ودلالة وهو النص. فالحدث الفني يمثّله النص الشّعري بمختلف بنياته ودلالاته، أمّا الحدث الجمالي، فهو الفعل الذي يحقّقه القارئ فيم هو ينسج دلالاته ويتقوّم عمليّة التأويل. ولعلّ هذا التواشج وهذا التعالق بين الحدثين يخلق معاناة بلاغة الاجتياز وجمالياتها التي لا تَمْثُلُ في العبور من البدايات إلى النص، أو من الفاتحة إلى الخاتمة فحسب، وإنّما أيضا في العلاقة بين النص والقارئ، بين الدّاخل والخارج، بين الفنّي والجمالي. وعلى هذا الأساس، تعدّ البدايات بناء نصّيا له خصائصه الشّكلية ووظائفه الدّلالية التي تمكّنه من اختلاق جدل بينه وبين أبنية أخرى لها نفس الدّرجة من التعقيد كبنية النصّ وأفق الانتظار. باعتبار أنّ النص مقدود على أنقاض نصوص أخرى، هي النص السّابق والنص اللاّحق، نص حاضر وآخر غائب، أو هو بنية مشكّلة من بنية سابقة عليها، ومجاورة لها ومختلفة عنها، فتتعالق معها على أكثر من صعيد وأكثر من وجه. ولعلّ تجاور هاتين البنيتين المختلفتين يدفعنا من جهة، إلى التساؤل عن طبيعة كلّ منهما، ويسلمنا من جهة أخرى، إلى البحث عن العلاقة التي تربط بينهما. يفترض سؤالا الطّبيعة والعلاقة الدّخول إلى عالم النص والنّظر في مختلف بنياته التي يتشكّل منها، وانطلاقا من معاينة بداياته وصولا إلى نهايته. نجد أنفسنا ننتقل بين البنيات في تجاورها وتباعدها من جهة، وفي تآلفها واختلافها من جهة أخرى، وأخيرا في انتظامها مجتمعة لتكوّن ذلك الكلّ المتمثّل في النص. ولعلّ هذا ما أدّى إلى تبلور مفهوم التّفاعل النصّي وتحقيق الإمساك بالعلاقات الظّاهرة والخفيّة التي تصل النّصوص بعضها ببعض، والتي صارت تحتلّ حيّزا هامّا في الفكر النقدي الحديث، فكان التطوّر في فهم النص والتّفاعل النصّي مناسبة أعمق لدراسة النص والالتفات إلى بداياته. ولعلّ هذا ما حفّزنا على اختيار مبحث شعرية البدايات في ترنيمة الطائر الجريح للشاعر التونسي بلقاسم المرزوقي. وسنسعى من خلاله، إلى البحث عمّا يجدّد أسئلة البدايات، باعتبارها منافذ عبور واجتياز إلى عوالم النص القصيّة، بحثا عن المعاني الثواني الثاوية طيّ الخطاب. وهو اشتغال ينهض على بلاغة الانزياح اللّغوي القائم على أشكال حضور خطاب البدايات وأبنيته التركيبية، في تعالقها مع المعاني والدّلالات ليشكّلا ذلك الصّوغ الجمالي الذي يحدث إثر تقاطع بنيتي الدّلالة والتدليل. ولا يتمّ ذلك إلاّ بواسطة اجتراح مداخل قرائية لها القدرة على التفاعل مع النص وتذوّقه، ومن ثم اقتراح جمالية تأويلية تخترق سرانيته، وتكشف ثراءه الدّلالي، لأنّ قراءة النصّ الأدبي تستدعي التوغّل في مفاصله والوقوف على المسكوت عنه والمخفي والملغز، ولأنّ تعدّد القراءات يكشف عن أسرار النص وجمالياته.
غلاف  (شعرية البدايات)
خاتمة الكتاب
ووضعت المؤلفة خاتمة لكتابها تجمل فيها رؤيتها واستنتاجاتها ، خاتمة لاتخلو من اضافات على متن نصوص الكتاب ، تقول فيها :
تعدّ الشعرية من أبرز سمات النص الأدبي، فهي تحدّد خاصيته الأدبية، وتميّزه عن غيره من النّصوص، إذ تتجاوز بناه السطحية إلى بناه العميقة، باعتبارها “صفة لا ماهية، الشعرية تلحق بالكلام، تتلبّس به فيشرع في الارتقاء إلى ذرى جمالية وتعبيرية، ما كان ليطالها بدونها” ، فتثريه بدلالات جديدة مستقاة من مختلف الثقافات في لغة مراوغة، تعجّ بالانزياحات والإيحاءات. وهي بذلك تستنبط من الأدب وتتجاوزه، لتؤسّس للنصوص المقبلة أو المحتملة وتدرس مختلف الأعمال، فالشعرية “تقوم ببلورة الوسائل التقنية الكفيلة بتحليل الآثار الأدبية، التي تحمل إمكانية تناسل لا نهائي من النصوص” . وباعتبارنا قد بحثنا، في هذا العمل، عن شعرية البدايات في ديوان ترنيمة الطائر الجريح للشاعر التونسي بلقاسم المرزوقي، أدركنا أنّ الشّعرية قد مكّنتنا من الغوص عميقا في بدايات النص الشعري، واستكشاف طاقاتها التعبيرية والدّلالية والجمالية، لإغناء النص وتعميق قضاياه. وهو ما وقفنا عنده في المحور الأوّل من عملنا والمعنون بـــ”المفاهيم: منارات وعلامات”، ذلك أنّ بدايات ترنيمة الطائر الجريح قد حملت كشفا مضيئا لمسكوت عنه كان متستّرا ومخبوءا في الديوان، تآزرا معا لإضاءته وكشف الحجب عنه، إنّها المفاجأة الكبرى التي يواجهها القارئ لحظة ممارسة فعل الكشف، باعتبار أنّ النص عندما يقاوم توقّعات القارئ بوسائل الكتابة وحيلها وألاعيبها، لا يعلن عن نهايته الحقيقية إلا بلعبة المفاجأة الكبرى القائمة على التوقّع وقدرة خطاب البدايات، بدءا بالعنوان، وانتهاء بآخر كتابة للقصيدة، على التآزر مع المتن النصّي لصنع شعريته، وشعرية بداياته.
فالنص الشعري مزدوج الشفرة، لذلك تناولنا دراسة شعرية البدايات فيه من زاويتين متضافرتين: زاوية المعمار الفني لعتبة البدايات، باعتبارها تجريدا للخصائص البنيوية أو الملامح اللّفظية الملازمة والمنتجة لأدبيته، وزاوية إحالة البدايات على الدّلالات الكلية للنص، وهي دلالات اجتماعية وسياسية وفكرية تعكسها الألفاظ والتراكيب والأساليب المشكّلة لها. ويتمّ ذلك من خلال استجلاء الرؤى الضّمنية من البنى المعلنة في النص حتى نقف على درجة شعريتها من خلال تقصّي الكيفية التي وظّف بها الشاعر خطاب البدايات بين المعاني والمباني بما هو نصّ محيط ومسيّج لمتن الديوان.
وقد تسنّى لنا، ونحن ندرس خطاب البدايات في علاقته بمتن الديوان، أنّ القارئ وهو يتقوّم عملية القراءة ويتقوّل دلالاتها، يدرك مدى توفّر خطاب البدايات على الغنى الفكري والدّلالي والفني، ومدى مساهمته في إثراء قراءة الديوان، ذلك أنّ هذه البدايات النصية لم توظّف اعتباطا، بل كان الشاعر يتغيا من ورائها مزيدا من الدّلالات والإضاءات والإيضاحات التي تساهم في جلاء رموز نصّه سواء أكان ذلك في صياغتها أو في تشكّلها أو في دلالتها وتعالقها بمتن النص.
وقد تبين بالإضافة إلى ذلك أنّ ولوج عوالم النص الدّاخلي جاء عند الشاعر بالتدرّج بدءا من النصوص الموازية بوصفها نصوصا مصغّرة وصولا إلى فضاء النص الرحب (المتن)، وبالتالي كسر الحواجز التي تفصل بين النصوص المحيطة والنص المركزي.
إنّ البدايات النصية تخترق النسيج النصي للنص، وتذوب داخله لتأخذ مكانها فيه كأجزاء لها وظائفها البانية. وهو ما بيّناه في المحور الثاني من عملنا والمعنون بـترنيمة الطائر الجريح واشتغال البدايات، وكنّا قد قسّمناه قسمين: تناولنا في القسم الأوّل مظاهر حضور البدايات انطلاقا من لوحة الغلاف وما نحت فوقها من اسم المؤلّف والتعيين الجنسي والعنوان العام، وهي منارات وإشارات دالّة ينجذب إليها القارئ دون رويّة أو تبصّر أحيانا، فتحمله إلى الفضاء الشعري وتشدّه إليها. وقد ساهمت هذه اللوحة وما رسم فوقها في تفسير دلالة العنوان الرئيسي الذي تواتر صداه في متن كامل الديوان. كما تناولنا التصديرات والعناوين الداخلية والتقديم، وبيّنا مدى قدرتها على القيام بدور جمالي ودلالي، فهي تختزل متن النصّ، كما تعدّ من عناصر البناء الشعري المعقّد. وتوصّلنا في نهاية هذا القسم إلى أنّ البدايات النصّية تلعب دورا هامّا في تلخيص النص الأصلي وتساهم في كشف دلالاته. وأمّا القسم الثاني المعنون بـ شعرية البدايات: بحث في الدّلالة، فيه بيّنا أنّ خطاب البدايات يكاد يضارع خطاب المتن في الكشف عن الدلالة الكلية للنص، ذلك أنّ المعاني والدّلالات التي استكنت البدايات النصية وأحالت عليها تظلّ متشظية في ثنايا المتن النصّي، ومتناثرة في سلسلة من الخطوط والصّور والألوان.. وبذلك تكون البدايات النصية قد أدت وظيفتها كموجّه قراءة تغري القارئ وتلفت انتباهه وتدعوه لارتياد عوالم النص.

إنّ دراسة خطاب البدايات في علاقته بالنص تؤكّد حضور التعالق والتداخل بين النص الموازي والنص المركزي. ذلك أنّ الشاعر قد عمد إلى إغراء القارئ، فجعله مدرّجا إلى عالم النص الداخلي انطلاقا من بداياته، باعتبارها نصّا ملخّصا ومكثفا للدلالة المركزية للنص النوى، يتضمّن مقتطفات تغوي القارئ وتحفّزه على مكاشفة خباياه.
ولعلّ استدعاء الشاعر لشخصية أخرى من خلال ذكر أقوالها (مثل مقولتي نيتشه والمسعدي) قد جعل خطاب البدايات حاملا لتجربة إضافية تنضاف إلى أبعاد تجربة الشاعر، ممّا ساهم في إغناء هذه التجربة وزادها ثراء وخصوبة وإيحاء وقد أسهم التشكيل الإيقاعي للنص الموازي بوضوح في إغناء النص الشعري من خلال الأبنية الصّوتية.

المؤلفة في سطور
نزيهة الخليفي (تونس)
-باحثة أكاديمية متخصّصة في الأدب العربي الحديث.
-متحصلة على:
-الأستاذية في اللغة والآداب العربية
-رسالة الماجستير في الأدب العربي الحديث
-بصدد إنهاء أطروحة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث
-عضو بوحدة البحث، الدراسات الإنشائية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة.
-راسلت صحف ودوريات عربية مختلفة.
-شاركت في مؤتمرات وملتقيات علمية وثقافية وطنية ودولية مختلفة.
-صدر لها:
-البناء الفنّي ودلالاته في الرواية العربية الحديثة
-شعرية البدايات في ترنيمة الطائر الجريح
-المرأة في الخطاب الصوفي (قيد النشر)

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: