الاسلام دين عالماني : نحو تصحيح للمفاهيم ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك في هذا البحث لانريد مزاحمة الفقهاء والمتخصصين بالاطروحات الدينية عامة ، والاسلامية خاصة ، بل نيد ان ندلوا بدلونا فيما نراه من ضرورة لتصحيح بعض المفاهيم التي بدأت تؤثر تأثيرا بالغا في خلق الوعي الزائف بالدين والتي حولت الدين الى عامل فرقة وتناحر بدلا من ان يكون كما هو اصله عامل وحدة ورحمة ووئام وتقدم وتطور .
نناقش في هذا المبحث معنى العلمانية ، وموقف الاسلام منها ، ومعنى الفكر الوضعي وموقف الاسلام منه ، وهل ان الاسلام مجموعة عقائد حقا ؟ وما هو معنى ان الاسلام دين اممي ؟ ولماذا هذا الاستعداء للقومية من قبل اصحاب الفكر الديني السياسي او اصحاب العقائد الفقهية ؟.
وازاء هذه المفاهيم قيل الكثير ، خلقت فوضى مفاهيمية ادت الى اتجاهات تكفيرية لها اول وليس لها آخر ، وقامت بسببها صراعات دموية اطاحت بفرض التقدم والعيش الكريم الرغيد لمعظم الشعوب الاسلامية ، كما تكونت بسببها اديان شتى ، متضاربة ومتناقضة إلا ان جميعها يحمل اسم الاسلام ، وليس الطائفية إلا مظهر واحد من مظاهرها، ففي داخل الطائفة الواحدة ، بل وداخل المذهب الواحد برزت الى الوجود ملل ونحل واحزاب بعضها يناطح بعض ، وبعضها ينقض بعض ، وبعضها يكفر بعض . والادهى من ذلك يصرح اللاعبون بهذا الامر بأن ” اختلافهم ” هذا من الرحمة ، ويسوقون الحديث الشريف ( اختلاف أمتي رحمة ) دليلا على ما ذهبوا اليه من رأي . فإي رحمة هذه التي انتجت حروب طائفية هنا وهناك بين المسلمين انفسهم ، وقد نشبت من اختلاف اراء الفقهاء والمجتهدين ” المسلمين ” ؟ فاذا صح الحديث الشريف فإنه لايغطي هذا النوع من الاختلاف الذي ادى ويؤدي الى صراعات تحيل المسلمين الى امم متناحرة ، بعضها يكفر بعض ، وبعضها يفسق بعض ، بعضها يقتل بعض ويستبيح ماله وعرضه . ان الرحمة التي جاءت في الحديث غير منبثقة عن هذا النوع من الاختلاف بكل تأكيد ، لأن الاختلاف اختلاف تناقض لايرقى الى التنوع المنبثق عن التشريع الالهي ، بل خارج عنه بكل تأكيد ، وإلا كيف ادى الى كل هذه النزاعات وهذه الحروب الطائفية .
وبغض النظر عمن بادر اول مرة لاطلاق مصطلح ” المتأسلمين ” فإننا نعتقد بصحته اذا اردنا ان نشير به الى اولئك الذين استخدموا الاسلام والشعارات الاسلامية وسيلة لمفاسد قصدوها ،ادت الى المآسي والخراب والاحتراب الداخلي ، ومنها ما حصل في بلدان عربية كثيرة خلال حقبة ما يسمونه بالربيع العربي ، وسيول الدم لاتبدو لها نهاية بسبب الفتاوى المتناقضة والتي تثير الرعب لدى المسلمين ، وراح ضحيتها آلاف الارواح البريئة من اطفال وشيوخ ونساء وشباب ورجال ، وتقوضت بسببها مجتمعات ودول فتحولت الى كيانات طائفية او مذهبية او فرقية او حزبية يلعب من خلالها رجل الدين للاسف دور قادح النار التي أكلت الاخضر واليابس .
ان هذه الفوضى في المفاهيم والفتاوى والمعتقدات انعكست على الرؤى الدينية والايديولوجية على حد سواء ، كما انعكست بظلالها المؤذية في العلاقة بين الدين والدولة ، او في العلاقة بين الدين والمجتمع ، او العلاقة بين الدين والفرد .
وارى ان حوارا سليما ينبني حول خطورة الجماعات المتأسلمة على الاسلام نفسه وعلى الشعب العربي او بتعبير ادق على الامة العربية ان يبدأ من جملة مسلمات تدور حول المسلمة المركزية التي نقول بها .

(اولا) الفكر الوضعي

المسلمة الاولى : ( كل قول عدا القران الكريم والسنة النبوية الشريفة هو قول وضعي ) .
ان الفكر الوضعي ، هو من وضع الانسان ، وليس كذلك قول الله تعالى وقول رسوله الامين خاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام ، والفكر الوضعي يشمل كل تفسير للقران الكريم لم يرد في القران نفسه او لم يقل به الرسول . ويشمل ايضا كل الفتاوى التي اجتهد بوضعها الواضعون من الفقهاء والمجتهدين . فاذن ان الفكر الوضعي لاينحصر فقط في الافكار الايديولوجية والعقائد الفلسفية والرؤى السياسية والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية التي وضعها المفكرون او الفلاسفة ، كما يشمل كل العلوم التي وضعها العقل البشري ، سواء كانت علوم انسانية او نظرية مجردة او تطبيقية بما في ذلك نظريات العلاقات الدولية وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والجغرافية والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء والمنطق واللغة والبلاغة وغير ذلك .
وعلى هذا :
نتيجة (1) للمسلمة الاولى ان : ( ليس هناك نص مقدس سوى القران الكريم والحديث النبوي الشريف) .
نتيجة (2) للمسلمة الاولى ان : ( كل فكر او فكرة او نص وضعي قابل للمراجعة والتعديل والقبول والرفض ) .
وببساطة ، كل ما وصلنا غير القران الكريم والسنة النبوية الشريفة بشقيها : الحديث والسيرة ، هي افكار وضعية دون جدال .

المسلمة الثانية : ( لاتوجد لبشر بعد النبي محمد عليه الصلاة والسلام سلطة التشريع او سلطة السيطرة على الناس تحت دواعي الدين )
ان التكفير نوع من السيطرة ، والسيطرة نفاها الله تعالى عن الرسول ، فكيف ينسبها رجل الدين الى نفسها ، ويعلي ” مقامه ” فوق مقام النبي ، ويضحى ـ رجل الدين ـ مسيطرا على الناس ، يطلب الاتباع ، والمتاع ، والرفاه ، والابهة ، والغنى ، ويضحى الدين هو وهو الدين !
وكل ما يصدر عن فتوى لمسألة لم تكن على زمن الرسول ، قابل للمراجعة ايضا ، وان التسليم بالفتوى ـ اي فتوة ـ هو نوع من الاتفاق ، وفي كل الاحوال ليس لها قوة التشريع الالهي الذي جاء به القران الكريم اوجاءت به السنةالنبوية الشريفة .

(ثانيا) العقائد الاسلامية

يكثر تداول لفظ العقيدة ومصطلح العقيدة الاسلامية ، وقد دونت مؤلفات في العقائد الاسلامية كثيرة واكثر من ان تحصى . فما هي العقيدة ،وما صلتها بالقران الكريم والسنة النبوية الشريفة ؟
سؤال قد يبدو لرجل الدين مستفزا ، او ناكرا لوجود عقائد اسلامية ، او ان الاسلام لا ” يرقى ” الى العقائد ، ونسارع في القول ان من يقول بوجود عقائد اسلامية او يقر بوجود عقيدة اسلامية إنما هو يهبط بالاسلام هبوطا مريعا ويجعله ادنى من الفكر الوضعي . ولنفسر قولنا بالاجبابة عن السؤال : ما ي العقيدة اجمالا ؟ وما هي العقيدة الاسلامية بوجه خاص ؟ وهنا علينا ان نعيد الى مصطلح الشريعة اعتبارها ، واعتبارها يتمثل في مكانتها المتقدمة على العقيدة . فههنا مصطلحان : شريعة وعقيدة .
اما الشريعة فهي كل ما جاء في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة ، نصا . ولكي نوسع مفهوم الشريعة لابد من محاولة تحديد ماهية الايات القرانية طبقا لموضوعاتها ، فنجد انها شرائعه في التوحيد وعبادة الله تعالى واركان الاسلام وشعائره ، وقصص ذات حكمة وعظة ، ومفاتيح للعلوم تمس مباشرة قصة الخلق ، وتبين الطبيعة والاشياء بذاتها وصلتها ببعضها ، وقضايا اخرى لايمكن الالمام بها في هذه العجالة .
ولايصح وصف الشريعة بالعقيدة ابدا ، لأن العقيدة وضعية والشريعة الهية . . ذلك ان العقائد : هي ما تعاقد عليه القوم حول أمر ما . ومن بين العقائد الفتاوى التي صدرت عن الفقهاء والمجتهدين في مسائل لم تكن في زمن الرسول عليه الصلاة والصلاة ولم يقل بشأنها قولا . واللافت ان تناول الفقهاء للشريعة يأتي من باب العقيدة ، وهنا احد مكامن التناقض الذي ادى بالامة نحو التشرذم الى طوائف وملل ونحل وفرق واحزاب متناحرة في الخفاء او في العلن .
يحق لحزب سياسي ما ان يقول بعقيدته ، والتي منظومة فكرية يبين فيها رؤيته للحياة العامة وشؤون الشعب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية والخدمية ، كما يحق له ان يعمل من اجل الاهداف التي يرتبها طبقا لمعتقده ويسعى لتحقيقها بالوسائل المقررة . اما مراكز الافتاء والتعليم الديني فينبغي ان تكون ابعد عن العقائد كلما امكنها ذلك ، لأن موضوعهم يتعلق بالتشريع الالهي ، وليس بوجهات نظر قابلة للتغير كتغير وجهات نظر الاحزاب واصحاب الايديولوجيات . ان الاخذ بالعقائد بهذا الميل الواضح على حساب الشريعة ادى الى التحزب لذلك نرى ما نقوله في المسلمة لثاثة التالية .

المسلمة الثالثة :( لاتوجد احزاب اسلامية إنما توجد احزاب طائفية او مذهبية او فرقية تنبثق من بيئات طائفية اومذهبية او فرقية على الترتيب ).
ذلك ان اي حزب يحمل لواء الاسلام ، لابد ان ينحصر في بيئته الطائفية او المذهبية ، وان حمل اسم الاسلام من قبله عمل من انواع التزوير . فمهما كان نطاق هذا الحزب او ذاك فإنه لايستطيع يقنع كل ابناء الامة الاسلامية ، ولايستطيع ان يقنع مسلمين من طائفتين مختلفتين للانضواء في حركته او تنظيمه ويعمل طبقا لرؤاه . فالحزب الديني دائما حززب غير اسلامي ، بل حزب ( بعض طائفي) في اعلى تقدير له .
ان الظاهرة الحزبية والحركية ” الدينية ” في المجتمعات الاسلامية هي نتيجة سلبية من نتائج سيادة العمل بالعقيدة وضعف العمل بالشريعة. وعلى هذا من الصواب القول ان هذه الاحزاب لااسلامية ، وان حملت اسم الاسلام وشعاراته . والى حد ما ينطبق هذا القول على المذهبية ذات النمط المنغلق .

(ثالثا) العالمانية

كجزء من الميل الشديد لامتهان الفتوى والزعامة الدينية في الوسط الاجتماعي والطائفي تمترس الكثير من رجال الدين بمفاهيم مشوهة ، تؤدي دور الساتر الذي يقيهاخسارة جزء من مكانة الزعامة وحفاوة الجماهير والمقلدين والتابعين . ومن هذه المفاهيم مفهوم ( العلمانية ) ، وعدها معادلة للكفر ! وهذا أمر عجب ، مع ان العلمانية هي ( العالمانية) نسبة الى العالم ، ولكن كما يبدو لنا ان المترجم الاول لهذه اللفظة عن الفرنسية ترجمها خطأ الى ( العلمانية) ، وقد سوّق المتأسلمون محمول هذا المصطلح على انها كفر والحاد ! وبأنها دعوة لوضع العلوم الانسانية او الافكار الوضعية محل كلام الله تعالى والحديث النبوي الشريف ، واضافوا الى هذا التشويه بعدا آخر باحالة الاتباع الى الفساد في اوربا العلمانية ، الفساد التي يتمحور حول الجنس ، ولكنهم لم ينظروا في الفرق الحضاري بين امتنا الاسلامية والامم الاوربية المتقدمة ، كما لم يلاحظوا الفرق بين كرامة المسلم المهدورة في وطنهم وكرامة المواطن الاوربي المصانة في وطنه وخارج وطنه ، كما لم يلاحظوا ان الامم الاوربية العمانية قد ضمنت مستقبل وصحة وعمل مواطنيها ، في حين ان المسلمين يموتون بالجملة ، ويحيون حياة بائسة ، وهذه مسألة اخرى .
ولاهمية هذا المصطلح ـ المفهوم ـ عنْوَنا المقال به ، وكما تقدم ذكره بأن اللفظ الصحيح هو العالمانية ، واذا شأت فالاصح هو ( العالمية) ، ليس بمعنى نطاق دول العالمية والذي يكافئ لفظ الاممية كما تقول به النظرية الشيوعيةالاممية ، بل نسبة الى العالم . واذا احتكمنا الى اللفظ القراني فإن العالمين هم كل الكائنات التي خلقها الله تعالى في السماوات والارَض ، وان عالم الانسان الاقرب هو الارض بطبيعة الاحوال . وردت عبارة ( رب العالمين ) في القران الكريم نحو 41 مرة او اكثر ، ومنها ما جاء في سورة فاتحة الكتاب ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) صدق الله العظيم .
ولو استحضرنا او استذكرنا معنى الشريعة ومعنى العقيدة ، ومعنى الفكرة الوضعية المتقدمة في هذا البحث وربطها بمفهوم العالمانية الذي يتصل بامور العالمين ـ الذين يوجدون ويعيشون في العالم ـ لوجدنا فرزا واضحا بين قسمي شؤون العالمين ، وهما : الشريعة والامر . لقد ورد لفظ القران الكريم : مرة اسم ومرة فعل .اما الفعل فنحو ما أمر الله تعالى الانسان من واجبات الطاعة ، اما الاسم ( أمر) فهو بمعنى الشأن الاختصاصي ، يختص به الله تعالى او المسلمين . اما أمر الله فهو قوله للشئ كن فيكون ، كما ورد في الاية الكريمة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) ـ ياسين 82 ، ولفظ ( أمرهم) بمعنى شأنهم وهو مختص بالمسلمين (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )الشورى – الآية 38 ، وغيرها من الايات التي للفظ أمر نفس المعنى .
والخلاصة ان امور المسلمين بعضها نزل فيه تشريع وبعضها الاخر لم ينزل به تشريع ، فترك سبحانه امرها للمسلمين شورى بينهم حتى في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام . هذا الجزء المتروك وهو اكثر من مساحة من الاول ، هو شأن للعالمين ، فالعالمانية في صلب التشريع الاسلامي عبر الشورى . وعلى هذا ايضا من غير المقبول القول بضرورة وجود حكومة اسلامية ، او حزب اسلامي يدير سياسة الامة وشؤونها ، انما الامة بما هي مسلمة تدير شؤونها وامورها عبر الشورى ، ويمكن وبمنهج عالماني لادخل للتشريع فيه ان تتخذ الامة او الشعب طرقا في بناء نظام الشورى لا على اساس تجربة الامة في الماضي ، فهذه التجربة مهما كانت نقية فإنها تمثل رؤية عالمانية مرتبطة بظرفها ، زمانها ومكانها ، ولاترقى الى مستوى التشريع ، لأنها في كل الاحوال هي اجراءات ورؤى وضعية وضعها الواضعون كتعبير عن روح الشريعة الاسلامية في العدل والكرامة والمساواة والوحدة والحرية .
والخلاصة ليس لرجل الدين او الحزب المتأسلم سلطة عالمانية على رقاب الناس وامورهم ، انما رجل الدين رجل ناصح ومصلح ومعلم ، واذا اراد الانخراط في الامور العامة فعليه ان لايعطي لنفسه مكانة واعتبارا اكثر مما كان للرسول ، او لايحق له ان يساوى مقامه مع مقام الرسول ، فما يجوز للرسول ليس كله جائزا لغيره ، وان خلافة العلمناء للانبياء ان صح الحديث الذي يقول بها لاتعني خلافة مكانة واعتبار .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: