تفاصيل سؤال ـ سوزان ابراهيم

سوزان ابراهيم

سوزان ابراهيم

عبر زجاجِ النافذة, شمسٌ تتسللُ تغسلُ وجهي, مشاهدُ تتأرجحُ في مخيلتي, فأعيدُ غزلَ حكايةِ فيلمٍ رومانسيٍّ تابعتُهُ ليلةَ أمس.

ملحُ الدموع التي أهرقتُها,يعتّقُ تجاعيدَ تتحلّقُ حول العينين. أكررُ تفاصيلَ صباحيةً بشكلٍ شبهِ آليٍّ. أرتدي حزامَ عزلتي المكهربَ وأمضي. في حقيبةِ يدي وثيقةٌ تؤكدُ ملكيتي الوحيدة في هذه المدينة, خطَ هاتفٍ أرضياً.. جوازَ سفرٍ خالٍ من أي ختمٍ, دفترَ جيبٍ أدفنُ فيه كلَّ هواجسي! وبطاقةً شخصيةً تثبتُ أنني وُلِدتُ في ذلك اليوم, من ذلك الشهر, في ذلك العام, في تلك القرية البعيدة!

دقائقُ عشرٌ فقط كانتْ تفصلُني عن مقرِّ عملي, إلاّ انني أوقفتُ السائقَ, ونزلت.

شاردةَ رحتُ أجوبُ الشوارعَ المزدحمةَ غيرَ عابئةٍ ببعض الشتائمِ التي تلقيتُها, وأنا أجتازُ من رصيفٍ إلى آخر.

أيها البائسُ لماذا اليومَ عبرتَ طريقي؟! وهل كان لزاماً عليكَ أن تسأل!؟

– لا لستُ متزوجةَ..

حملقََ السائقُ في وجهي عبر المرآة المعلقة أمامه قال:

– لا شك بأنكِ تمزحين؟ وماذا تنتظرين! ألا ترينَ تلك التجاعيدَ على وجهك!

جاهدتُ لرسمِ ابتسامةٍ, خشيتُ أن يتبينَ كذبي, قلت:

– بل أنا متزوجةٌ, وعندي ثلاثُ صبايا جميلاتٌ! تهللَ وجهُ ذلك البائسِ وقال: هذا أفضل.

ساعةً أخرى وتكتملُ دورةُ السنةٍ .. ساعةً أخرى وتسقطُ من شجرِ العمرِ ورقةُ الخمسين …

* * *

ما زال الغروبُ يثيرُ فيّ شجناً شفيفاً, وحنيناً لأزمنةٍ قديمة. يتهاوى قرصُ الشمسِ الأرجواني في البعيد. تتشرنقُ روحي, وأنا أصعدُ الأدراجَ عائدةَ إلى شقتي المعلقةِ هناكَ في أعلى البناء, أتعثرُ بأكياسٍ أحملها.

– أهلاً..مساءُ الخير. كيف الأولاد؟ ويردُّ جاريَ المهرولُ على الدرج :

– بخيرٍ , هل يلزمكِ شيءٌ يا آنسة؟

– لا شكراً .

لم تُثِرْ تلكَ المفردةُ حنقي كما الآن! اللعنةُ على تلك ( الآنسة )!

أتمتمُ في سرّي, وأصعدُ درجاتٍ أخرى. تعبٌ يوهِنُ مفاصلي , أتوقفُ لالتقاط أنفاسي.

– خالة نور كيفَ الحال ؟ هل أحملُ شيئاً عنك؟

– لا أيتها الجميلةُ, كيفَ دراستُك؟

– لا بأس .. لكنَّ أعصابيَ متوترةٌ, فقد اقتربَ الامتحان! ثمّ مضتْ تقفزث على الدرجِ كعصفورٍ صغير.

– آآآخ .. لو تزوجتُ, لكانت ابنتي في مثلِ عمرها الآن!

* * *

منذ عشرينَ عاماً عششتِ الأشياءُ في أماكنِها الطبيعيةِ, هنا في خزانةٍ فوقَ المغسلةِ وضعتُ أدواتِ حلاقةٍ فضيةً , لم أنسَ فرشاةَ الأسنان الخاصةََ بكَ, والمعجونَ المنكّهَ بالنعناع ,والصابونَ المعطرَ بموج البحر. في غرفةِ الجلوسِ, ثمة جرائدُ عتيقةٌ وأخرى حديثةٌ فأنا أعرفُ أنَّ الرجالَ مغرمون بالسياسة, في غرفة الاستقبالِ وضعتُ علبةَ دخان وغليوناً خشبياً,وولاعةً أنيقة, في غرفة النومِ, أفردتُ لك مكاناً فسيحاً في الخزانةِ , وثيابُ نومك الحريريةُ ما زالت معطرةً منذ سنين, على المشجبِ علّقتُ قبعةًَ.. أما الحذاءُ الأسودُ اللماع, فقد احتفظتُ به في علبتِه الكرتونيةِ.. رتبتُ كلَّ مفرداتِ الرجولة في البيت.. كلُّ أشيائِكَ هنا.. لكنك لم تأتِ؟!

* * *

أهوَ الخوفُ ما دفعَ بي بعيداً عن رغبتي بالأمومة! كانَ مساءً أيلولياً حزيناً صرخاتُها تخترقُ جدرانَ قلبي الرقيقةََ, و لمْ أكُ حينَها غيرَ طفلةٍ تتهجى الحروفَ, تسعدُها ( مرحى ) ملونةٌ, فتقفزُ كأرنبٍ صغير! دفعتني تأوهاتُها المتخامدةُ أحياناً للتسلل. غافلتُ عيونَ أبي. كان يمشي حولَ البيتِ, سمعتُ همسَ دعواتِه الخاشعةِ, وعيناه وكفّاه تتضرعان للإله . خالتي والدايةُ العجوزُ أم كامل منشغلتانِ بولادةٍ عسيرة. لم أدرِ حينذاك أيُهما كانَ أكثرَ بياضاً, قميصُ الساتان الذي ارتدته أمي, أم مفرداتُ الخصب لديها؟! يتأرجحُ رأسُها ذو الشعر الرمادي على صدرِ خالتي التي جلستْ خلفَها, فبات نصفُ جسدها الأعلى في حضنها, وثمةَ فوطةٌ بيدها تمسح بها العرق المنسفح على الوجه المحتقن, وأحياناً تضعها في الفم المتأوه لإخمادِ صرخةٍ قادمة..

يا لتلكَ الدماءِ التي غطتِ الأرض… صرخةٌ طلعتْ من عمقٍ خفيٍّ اخترقتِ الكونَ ثم انطفأت, وبكاءُ وليدٍ يتصاعد. كم حقدتُ على ذلك الطفلِ وقد تبادلَ وأمي تذكرةَ دخولِ العالم الأرضي, فأشعلتْ فتيلَ شمعتهِ من آخرِ هبةِ روحٍ لفظتها! كرهتُ الساتانَ الأبيضَ, و مفرداتِ الخصب الأنثويةَ ! فلماذا اليومَ أيها البائسُ توقظُ سنواتٍ نذرتُها خالصةً لوجهِ الخوف؟

بلى تمنيتُ طفلاً أو اثنينِ.. يشاغبانِ حولي.. يبعثران الألعاب في غرف البيت.. يرسمانِ بالألوانِ على الجدران! كنتُ سأعاقبُهما, وأزجرُهما, وحين يبكيانِ

سيركضانِ نحوي, ليدفنا رأسيهما الصغيرينِ في صدري معتذرين, لكن صرختها ما زالت تصبغ بالدمِ كل عرسٍٍ وشيك.

* * *

لم أكرهِ الرجلَ يوماً, ولم أخشَ طغيانَه, رغمَ قسوةِ أبي, كنتُ أعلمُ كم أحبَّها! كم كان حنوناً ! بعد ولاداتٍ ما عدتُ أكيدةً من عددها, استعمرَ التعبُ مفاصلَها فسارعَ ليحفرَ أولَ بئرٍ في القرية, ليعفيَها من نقلِ ماء العين, وبطنُها يزداد انتفاخاً يوماً بعد يوم. يا للنرجسِ الذي أزهرَ حول رطوبةِ البئر, وهو يضمُّه باقةً يداعبُ بتويجاتِها الرهيفةِ أنفها , فتضحكُ, وتقول:

– كفى يا رجل سينتبُه الأولاد!

* * *

ذات يومٍ أحببتُ شاباً وسيماً, تعرّفتُ إليه في الجامعة, كنّا قابَ شوقين أو أدنى من عهدٍ أبدي. أكدّ رغبتَه الإقامةَ في القرية, في بيتٍ ريفيٍّ جميلٍ سوّره بأشجار الصنوبر.. هاجمتني أطيافُ ذاكَ الغروب, والساتانُ الأبيض, والدماءُ, ووجهُ العجوزِ أم كامل.. تراكضتْ أمام عيني روحي, فما كان أمامي إلا الهروب!

لكنْ.. لِمَ تجتاحني الآن كلُّ هذه التفاصيل !؟ أيفعلُ سؤالٌ فضوليٌ كلَّ هذا!

أم هي تفاصيلُ الخمسينَ, و يباسٌ أنشبَ أظافرَ الجدب في أرض أنوثتي !

* * *

مثلَ كلِّ الوحيدينَ, حين يهطلُ الليلُ, أتأكدُ من إحكامِ إغلاقِ الأبواب والنوافذ, أُرهفُ السمعَ لكل حركة. . زقزقةُ طفلٍ في شقةٍ مجاورةٍ, تُنبِتُ ألفَ آهٍ تخنقني, سقفُ البيتِ يئنُ, ما عساها تجرّ أمُّ كنان الآن في هذا الوقت؟ صوتُ جاريَ أبي أيمنَ يهدرُ, وهو يودِّعُ الساهرين. أطفأتُ الأنوارَ, ما عدا ضوء الصالةِ, فأنا أخشى العتمةَ المطلقة. استلقيتُ في السرير , بدا واسعاً أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. كعادتي أتابعُ فيلماً على شاشةِ التلفاز. إحساسٌ بالخواءِِ يملؤني, وأنا أتماهى مع عوالمِ الفيلمِ الرومانسي الأشهر – قصة حبّ – تدفع موسيقاهُ الحزينةُ الدمعَ المحتقنَ في مجاريه الجافة. دماءٌ حارةٌ تهرول في شراييني, يصعقني صهيلُ جسدٍ خِلتُهُ براكينَ خمدتْ منذُ ألفِ خوف! دبيبٌ يسري في عروقِ صدرٍ لم يتدفق بياضهُ في فمِ رضيع, وخدرٌ يهدهدني حتى مشارف النوم.

* * *

في عمق الحلمِ, شلالُ زبدٍ لؤلؤيٍ, زهرٌ يتدفقُ في مروجٍ لا محدودة, دخانٌ أحمرُ قانٍٍ يتصاعدُ من شقوقِ الأرض, خيولٌ أفلتتْ أعنّتَها, كانتْ تطيرُ في الأعالي, رأيتُ أسرابَ حمامٍ تحملُ مهداً مرصعاً بدموع, كانتِ الحمائمُ تبكي, عربةٌ تشبهُ عربةَ بابا نويل , لكنَّ عيونَ غزلانِ الرّنةِ التي تحلق بها معصوبةٌ بالساتان! كنتُ واقفةً تحت شجرةِ السنديانِ العتيقة على دربِ العينِ في قريتنا , سمعتُ نحيبَ طفلٍ, بحثتُ حولي, لكنَّ الصغيرَ كان معلقاً أعلى الشجرة , تسلقتُ الجذعَ الخشنَ, في الأسفلِ صوتٌ يأمرني بالتراجع! وأجيبُ: لكنَّ الطفلً يبكي, لعلهُ جائعٌ! زوبعةٌ تدورُ, وتدورُ.. كنتُ في لجّتِها أسبحُ في سائلِ هلاميٍّ تطفو على وجهِهِ حمائمُ.. وغزلانٌ.. وخيلٌ.. أنظرُ تحت قدميَّ, فأرى بئراً تفورُ مياهُهُ..وثمة دخانٌ أحمرُ يتصاعدُ, ثم يخرجُ وحشٌ ذو أنيابٍ يلفُّني بساتانٍ أبيضَ ويقذفُني بكلِّ ما لديه من قوة!

* * *

ضوءُ بدرٍ يترقرق في السماء, آذارُ يسكبُ عطورَه في الأرجاء. من شرفتي بدا الإلهُ بعيداً جداً, كما كان دوماً بالنسبة لي, ولذا لمْ يسمعْ دعاءَ أبي في ذلك الغروبِ! في طفولتي, حرصتُ على مشاكستِه, فعلى مائدةِ الطعامِ, كنتُ أحركُ شفتيَّ فقط, كلما طلبَ أبي أن نبدأ الطعامَ باسمه , وفي أيامِ الصومِ, كنتُ أغافلُه, فأدلفُ تحتَ الدرج, لأتناولَ قطعةَ سكرٍ دون أن يراني. فهل كنتَ أنتَ أيضاً على تلكَ المسافةِ الشاسعة!؟

غافلتُ احتياجي إليكَ, فهل أسألكَ بعدُ لماذا لم تأتِ؟!

كانتِ الخمسونَ كافية لإشعالِ كثيرٍ من الحرائق, لكنَّ الدخانَ ما زالَ يتدفقُ أحمرَ وأنت تمتطي صهوته وتعلو.
ــــــــــــــــــ
من مجموعة لأنني لأنك

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: