من هم النَحْنيّون ؟ ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك هنالك فرق كبير بين سيادة فرد على جماعة وسيادة فكر او عقيدة تُنظّم الجماعة .. والعقيدة في مفهومنا ما تعاقدت عليه الجماعة ، وهي امر ملزم لتلك الجماعة ولكنها قابلة للمراجعة والتغيير …
وثمة صلة بين القائد والعقيدة من جهة ، وصلة بين القائد والجماعة من جهة اخرى ، سواء كانت الجماعة حزبا او تنظيما نقابيا او مهنيا ..
التاريخ القريب والبعيد يحدثنا عن دور الرمز القائد ، وتاريخنا العراقي ملئ بأمثلة من هذا النوع .. الرمز القائد يمثل حالة تجسيد حي للعقيدة ، وحارسا لها وامينا عليها ومستعد للتضحية في سبيلها .. كما يحدثنا التاريخ عن زعامات نرجسية تأخذ ولاتعطي ، ومن بين هؤلاء الآخذين بنظرية الحق الالهي .. يطلبون من الناس التقديس وهم يعلمون ويتجاهلون ان القدسية كلها لله ..
هذا الصنف من الزعامات نطلق عليه النحنيون … ولسان حالهم يقول دائما ( نحنُ) .. نحنيون …
كل الشرائع السماوية غير المحرفة او غير المزيفة لاتسلط فرد على جماعة ، ولاتفرض تقديس فرد من قبل جماعة ، بل تقرر ولاة أمر ، وهو في التعبير المعاصر رئيس الدولة سواء كان اميرا او ملكا او سلطانا او رئيس جمهورية او امبراطور .. وليس بالضرورة ان يكون ولي الامر رجل دين ، بل هذه صيغة تجاوزها المجتمع الانساني منذ زمن بعيد ، ولم يقرها الاسلام ، كما لم يقرها اي دين سماوي غير محرف .
لذلك ليس ثمة موضع للدولة الدينية ، وما قيل ان للمسلمين كانت دولة ، فهذه دولة فرضتها ظروف تطور الحياة ، وظروف نشر الاسلام ، كما فرضتها بروز الملكية العامة بعيد العصر الراشدي ..
ان الدين شأن للافراد والجماعات ، وليس من وظائف الدولة بما هي دولة .. وأمر طبيعي ان تراعي الدولة دين الاغلبية مثلما تراعي الاديان الاخرى .. باعطائه معتنقيها حرية التعبد وممارسة طقوسهم بما لايؤثر سلبا على مفهوم الامة ..
الامة حسب مفهومنا هم الشعب بغض النظر عن الدين والطائفة والمذهب ..
فلقد عدّ الرسول عليه الصلاة والسلام في وثيقة المدينة التي ابرمها مع اليهود ان المسلمين واليهود أمة .. بمعنى ان الجميع مواطنون في المدينة المنورة .. وكان الرسول في سياسته يفصل بين الشأنين الديني والعام .. الشأن العام كان يخضع للشورى ، اما الشأن الديني فأمره محسوم كما هو في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة ..
لم تعرف كل حقب تاريخنا العربي الاسلامي الزاهر فئة النحنيون ، بل ان ظهور هذه الفئة كانت علامة على التقهقر والانحطاط وانفراط عقد الدولة وتدهور احوال الناس …

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: