الادب الفلسفي في المقابسات ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة ـ فضاء اوروك

عبد الرحمن كاظم زيارة ـ فضاء اوروك

الادب الفلسفي في المقابسات
عبد الرحمن كاظم زيارة

( كـتــــاب )
*المقدمة ـ ( التعريف بالمقابسات ، فلسفة المقابسات ، اسلوب المقابسات وعيوبه بالعيار الفلسفي ، فضاء كل مقابسة ، التعريف بالبحث واهدافه )
*الادب الفلسفي ( الفلسفة ، الادب الفلسفي ، الاجناس الادبية في المقابسات ، ضرورة تلك الاجناس في المقابسات ، صلتها بفلسفة المقابسات )
*القصة ( سرد القصص والاشارة الى مواضعها ونسبتها الى الموضوع الفلسفي مع تقريض لكل واحدة منها حسب الاسلوب الحديث للنقد الادبي ).
*المثال ( الامثلة الحسية كاسلوب للافهام )
*المقالة ( اللمحات الفلسفية في المقالة )
*الشعر ( الشعر الفلسفي ، اغراضه الفلسفية )
*المقولة ( التي تجرى مجرى الحِكم )
*الخاتمة ( الاستنتاجات النهائية ).

المقدمة

ـ التعريف بالمقابسات ـ فلسفة المقابسات ـ اسلوب المقابسات وعيوبه بالعيار الفلسفي ـ فضاء كل مقابسة ـ التعريف بالبحث واهدافه ـ
1ـ المقابسات كتاب أَلَفَهُ ابو حيان التوحيدي في القرن الرابع الهجري في بغداد. وهو من أخطر كتبه ، اذ حرر فيه رؤى ومعارف علماء عصره بسعة لم يدانيه فيها كِتابٌ آخر ، وشكلت مقابسات اولئك المناطِقة والفلاسفة سجلا حافلا لنصيب وافرمن ثقافة بغداد. وقد صاغ التوحيدي المقابسات باسلوب بلاغي وأدبي قرّب المسافة الفاصلة بين المشتغلين بالفلسفة من ناحية والادباء والمثقفين من ناحية أخرى . وقد لفتت السمة البلاغية والطابع الادبي للمقابسات ، انتباه المتخصصين بالفلسفة ، ومنهم ((مايرهوف)) الذي لم يجد للمقابسات قيمة كبرى (( فهي موضوعة في قالب ادبي ، والملح تسودها ، الى جانب التلاعب بالالفاظ )) (1). فيما ذكر (( دي بور )) ( وكانت جماعة السجستاني* تتلاعب بالالفاظ والمعاني ) (2).

الا ان (( مرجليوث )) له رأي آخر فيقول عن كتاب المقابسات (( انه ثبت للمجادلات الفلسفية التي يقول ابو حيان انه استمعها بنفسه )) (3). والحق ان المقابسات لم تكن ابحاثا منظمة في قضايا الفلسفة ، فالارتجال كان من طبيعة ما يستمع اليه التوحيدي عندما يتقابس المتقابسون ، او ما يُملى عليه من واحدهما . اضف الى ان القضية الفلسفية الواحدة يأتي ذكرها في مقابستين او اكثر ، لان إثارتها كانت في اوقات متفرقة ومن علماء مختلفين. لذلك لاينبغي ان يؤخذ على المقابسات تناقض طروحاتها ، فهي في النهاية تمثل رؤى محتملة الاختلاف بين متقابسين مختلفين في الرؤى والمعتقدات وطبيعة مايحفل به كل واحد من هؤلاء من علم . وليس من العسير الوقوف على مباحث المقابسات على نحو منظم لو قُرأت قراءة متأنية وفاحصة وإرجاع ما قيل وحرره التوحيدي الى اصولها الفلسفية وهي في الغالب الفلسفة الافلاطونية الحديثة كما وُصِفت (4).اما ما يؤخذ عنها طابعها الادبي وتضمنيها الملح وتفخيم العبارة فهذا أمر مردود لسببين في الاقل : فليس من شروط التفلسف غموض العبارة ، بل بيانها ، وليس من شروطه العزوف عن البلاغة ، فالفلسفة في النهاية توضحها النصوص ولكل كاتب الحرية في استخدام ما يراه مناسبا في انشاءها . ان تقديم الفكرة مزينة بالفاظ مترادفة بمعنى تجاور المعنى او الدلالة ، من شأنها تحديد ادق للفكرة بحدودها التامة .

2ـ وفي نظرة عامة للمقابسات يمكن حصر وتصنيف محتوياتها الى :
ـ اطروحات ومجادلات فلسفية هي في الغالب منظمة ومرتبة ، والتعليل والحجة فيها ظاهرة ، دون زيادة مدخولة عليه. وهذه قابلة للتصنيف من وجهة أخرى الى مقابسات ذات موضوع او قضية واحدة ، ومقابسات ذات اكثر من موضوع وقضية.
ـ اطروحات ومجادلات فلسفية منظمة ومرتبة ، مع الاستعانة بالمثل والحكاية والشعر والمقالة ، قيدت لاغراض متكاثفة وعلى سبيل الايضاح وافهام مفهوم ما .
ـ وحدها المقابسة 89 استقلت بطبيعة ميزتها عن سواها ، إذ اثبت ابو حيان التوحيدي فيها ( اشياء سمعها في مجالس الانس .. وان لم تكن من صدر الفلسفة ) كما قال في مقدمة المقابسة المذكورة . وقد استدعى اعتذاره بأن هذه التي كتبها ليس موضعها هذا الكتاب ، وعوضا عن ذلك رصّع المقابسة اياها بمسألة عن جد السؤال والمنع ، وهي من صدر الفلسفة .
فالصورة العامة التي صورنا بها متن المقابسات تنطوي على سرد منتظم لقضايا فلسفية هي في الغالب مرتجلة او منقولة عن الترجمة ، او قضايا فلسفية عدة ضمتها المقابسة الواحدة ، مع ايراد ما حسبه ملائما من شعر ومقالة وحكاية وامثال ،واقوال تجري مجرى الحكم.

3ـ ولابد هنا من الاشارة الى ما تعنيه ارتجالية المقابسات ، فهي لاتنطوي على اي معنى غير ايجابي بل نرى فيه انعكاس للقدرة الحاضرة في التعبير عن الحقائق الفلسفية ، وتولى الاجابة عن المسائل وتعليل القضايا ، من قبل المتقابسين في التو واللحظة . كما ان تنوع القضايا وتشابكها في المقابسة الواحدة وما قد تتضمنه من انتقالات من شأن الى آخر دون علة بين المنتقل منه والمنتقل اليه ، انما هو يفصح حقا عن الارتجال ، وهذه هي الاخرى لاتشكل مَثلَبة تُحسب على المقابسات ، بل هي لها ، وامر ينساق بتداعى الافكار والخواطر في اثناء ما يتنفس فيه الوقت عند التقابس .

4ـ على ان التقسيم الشامل للمقابسات بصفة عامة يسمح بالتقاط المشتركات السردية والنصية التي تقوم باجمعها عليها ،في الغالب . فنجد المقابسة تفتتح بكلمات تعريفية لموضوع المقابسة أو سؤال يثيره التوحيدي او سواه ، او بقوله (وامّلى عليّ ..)، او (هذه من ديوان الحفظ .. ) ثم موضوع المقابسة او موضوعاتها المختلفة ، ويتخلل ذلك ما نعده تعقيبات ليست من صلب الموضوع فمكانها الهوامش. واخيرا يختتم المقابسة بانواع شتى من القول ، هي ايضا ليست من صلب القضية المثارة في المقابسة .
هذا لأن التوحيدي نفسه لم يعرف له تخصصا متفردا في الفلسفة او المنطق ، كما عُرف في غيرها ، إلاّ انه كان واعيا لهما ، لهذا كان تدخله فيما يقال ويطلع ، تدخلا فيه الاختيار والايضاح في قالب ادبي بليغ ، وما الزيادات على النص الفلسفي منه سوى استطرادات تنم عن شغف مزدوج عنده : بهذا الصنف من المعرفة وملكته البلاغية.
5ـ لهذا ليس من العسير التمييز بين النص الفلسفي والنص غير الفلسفي في المقابسات . فاذا نظرنا الى اجناس ما كتب وحرر فنجد فيها كل العون في هذا التمييز البدئي ، فالشعر والحكاية والمقالة والمثل وغيرها مما يحسب على الاجناس الادبية ، هي مميزة عن الفلسفة قطعا . وتثير المقالة تداخلا تارة ، وتفردا تارة أخرى : فمنها ما كانت فلسفية ، بدلالة ما عليها من تنظيم للفكرة او القضية ، وتعليلات لمسائلها ، واحاطة لحواشيها. ومنها ما كانت أدبية محض ليست من سَرارة الفلسفة ، ومنها ما كانت بين هذا وذاك .

6ـ فبأي معنى يكون الادب ، في اجناسه المعروفة ، فلسفيا ؟ بكلمات أخرى هل يمكن للاشكال الادبية كالشعر والحكاية والرواية والمقالة أن تستوعب القضايا الفلسفية ؟ هذا التساؤل ينطوي على شرطين : احدهما فني يختص بالجنس الادبي ، والآخر موضوعي يتعلق بالمضمون وهو هنا القضية الفلسفية . ان ملحمة كلكامش وشعرالمتنبي والمعري وغوتة وجبران خليل جبران وسارتر وميخائيل نعيمة وغيرها من الاعمال، تناولت قضايا فلسفية مشهود لها بخطرها ، ذلك ان ((الادب الفلسفي هو ذلك الادب المشبع بهموم الفلسفة وتساؤلاتها والذي يبقى مع ذلك ، او ربما لذلك ، ادبا جميلا مؤثرا ومتميزا . حين يحاول الادب ان يكون فلسفيا فهو يتمثل الفلسفة آفاقا ومناخا وشمولا وعمقا ، لاحلولا جاهزة أو مواقف ناجزة في هذه اللحظة ، هو يتحول الى فلسفة ، فيما لو استطاع ذلك ، ويبطل أدبا وفنا جميلا ، بينما هو يسعى في الواقع لا لتشكيل فلسفة او لصياغة نظرية ، بل لاعطاء ابداعه من خلال البعد الفلسفي خلفية اكثر عمقا واكثر خلودا )) (5 ).

7ـ على ان الادب الذي نتدبره في المقابسات ليس كله يندرج تحت الادب الفلسفي ، وليس كافيا القول بفلسفية النص الادبي لمجرد وقوعه في كتاب انعقدت فصوله في البحث الفلسفي كالمقابسات التي تصنف بوصفها مُؤلفاً فلسفياً . ففيها حكايات او ابيات شعر او قصائد او مقالات وظفت كأمثلة توضح وتبين علائق وقضايا هي في الجوهر فلسفية ، الا انها مع هذا الوصف لاتنحدر الى الادب التعليمي الا لماما .
وبرغم ان المتقابسين يأخذون فيما ذهبوا اليه من تعليل او ايضاح او إقرار علم ، بالفلسفة الافلاطونية الحديثة ، تلك الفلسفة التي تضع الفن عموما وبخاصة الشعر ، في المرتبة الثالثة من الانشطة الانسانية من منطلق محاكاة المحاكاة(6) ، فأنهم لم يترددوا قط في الاتيان بما هو مناسب من الاجناس الادبية وبما يدعم ما ذهبوا اليه من القول. من الصحيح القول ان افلاطون نفسه اتى بمثل بات شائعا حول اختلاف وجهات النظر عندما افترض مجموعة من العميان وقد طلب منهم معرفة شئ جئ به اليهم وهم لايرونه رؤية العين ، وذلك الشئ كان فيلاً ، فكل منهم عرّفه بما وقعت يداه على جزء منه ، الا ان تصنيف هذا المثل بوصفه جنسا ادبيا يتوقف على اسلوب من يكتبه ، ومع ذلك انما هو مثل افتراضي اراد به الاقتناع حول وجهة نظره ، وهي تعددية وجهات النظر بعدد الجهات التي ينظر بها الناس للشئ .

8ـ واذا كانت قضايا الفلسفة مازالت مثارا للاختلاف بين المشتغلين فيها . فان للمقابسات وجهة نظر تُحَدِد فيها الفلسفة على انها منهج دون الخوض بما يتناوله ذلك المنهج ، والسبب في اعتقادنا هو ان المتقابسين ما فتئوا يعتقدون ان الفلسفة علم العلوم . اضافة الى اتخاذهم هذا الموقف المنهجي بسبب المنافسة بين طريقتهم الفلسفية وطريقة المتكلمين التي يرفضونها .. فعندما تحدثوا عن الكلام تحدثوا عن طريقة المتكلمين فوصوفها بأنها (( طريقة مؤسسة على مكايلة اللفظ باللفظ ، وموازنة الشئ بالشئ ، اما بشهادة من العقل مدخولة ، واما بغير شهادة منه البتة . والاعتماد على الجدل ، وعلى ما يسبق الحس ، او يحكم به العيان ، او على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخيل ، مع الالَف والعادة والمنشا وسائر الاغراض . وكل ذلك يتعلق بالمغالطة ، والتدافع ، واسكات الخصم بما اتفق ، والايهام الذي لا محصول فيه ولا مرجوع له ، مع نوادر لاتليق بالعلم ، ومع قلة تأله ، وسوء ديانة ، وفساد دخلة ، ورفع الورع جملة )) (7) .
اما وصفهم المنحاز الى الفلسفة فحَمَله قولُهم :((طريقة الفلاسفة بحث عن جميع ما في العالم مما هو ظاهر للعين ، وباطن في العقل ، ومركب بينهما ، ومائل الى احد طرفيها ، على ما هو عليه ، واستفادة اعتقاد. لحق من جملته وتفصيله ، ومسموعه ومرئيه ، وموجوده ومعدومه ، من غير هوى يمال به على العقل ، ولا الف تغتفر معه جناية التقليد ، مع احكام الفعل الاختياري ، وترتيب الفعل الطبيعي ، وتحصيل ما ندر وانقلب ، من غير ان تكون اوائل ذلك موجودة حسا وعيانا ، وان كانت محققة عقلا وبيانا ، ومع اخلاق الاهية ، واخبارات علوية ، وسياسات عقلية ))(8).
فنلاحظ عبر المقارنة بين الطريقتين ان الوصفين يتناولان المنهج دون القضايا .

ولم يمنع التوحيدي من تحرير طُرَف في مقابساته في الغالب بطلها استاذه ومعلمه ابو سليمان السجستاني احيانا وغيره احيانا اخرى، فلقد ضمت المقابسة التاسعة والثمانين لاشياء سمعها من السجستاني في مجالس الأنس يقول فيها ( ان لم تكن من صدر الفلسفة ، فإنها لا تخرج من جملتها ولها فائدتها التي يحتاج إليها ، ولا يستغنى في الأغلب عن الوقوف عليها ) الا انه يستشعر عدم مجانسة ما اتى به في المقابسة المذكورة ، فيقول فيها : ( كأنها ناكبة عن اخواتها المواضي ولكنها على حال قد أخذت بنصيبها من الحسن، ولعلها تفيد بعض الفائدة.) ثم يعطف في نهاية المقابسة لعرض مسألة (لماذا إذا جد السؤال جد المنع به ) ، ليعيد نصاب المقابسة الى اخواتها ..

وبعد ؛ هل ثمة جدوى ترتجى من عملنا هذا ؟ .. لقد وجدنا بعد انهينا دراستنا الموسعة حول مقابسات ابي حيان التوحيدي ( مقابسة المقابسات ) ، ان الدراسة المنجزة حددت هدفها في تنظيم فلسفة المقابسات ، بدأً بمعجمها الفلسفي ومرورا بمباحثها الفلسفية ، فمسائلها وغير ذلك مما ضمه الكتاب ، وجدنا ان ثمة كلام ورد في المقابسات لا موضع له في الكتاب المذكور .. كما ان اهمالها يعد هدرا في معطى البحث العلمي ، لذلك ارتأينا ان نخصص هذه الدراسة ـ الادب الفلسفي في المقابسات ـ لتضم ما افلتته قبضة كتابنا المذكور .. وغاية جهدنا في الدراسة الحالية يرتكز على مبدأ للتصنيف قد مر ذكره في هذه المقدمة . ومع ذلك نقول الا يكفي ان نشير مجرد اشارة الى الحكايات والامثلة والمقالة والشعر والمقولة القصيرة ، على طريقة الفهارس ؟ خاصة وان ايراد هذه الاجناس بنصوصها ومتونها ، مع شئ من التحرير غير الضار بحقيقتها ولفظها ، لا يعد عملا ابداعيا ، تسوسه عملية التحليل او التقريض بوجه عام .. كل هذه التساؤلات احطنا بها ونحن نهم بكتابة هذه الدراسة فوجدنا من المناسب والنافع ان نذكر تلك الاجناس الادبية المصنفة ، كما وردت في المقابسات لاسباب : اولها ان لهذا الخيار اهميته التوثيقية ، وثانيها لا يعيب الدراسة ان تكون مقتبسة طالما ان الجهد فيها ينصب على مبدأ للتصنيف وفيها شئ من التنظيم والتحرير ، وثالثها اظهار الوظائف المتعددة للمقابسات ، تبعا لاجناسها ، وطبائع مقابساتها؛ فلسفية محض كانت ،ام ادبية محض ،ام فلسفية بابعاد ادبية ، او ادبية بابعاد فلسفية ، وهذا الامر منوط بالمقارنة بين دراسات في فلسفة المقابسات، ودراسات في شؤون أخرى ، كهذه الدراسة مثلا . ورابعها ان هذه الدراسة تمهد لدراسات متخصصة في ادب المقابسات .

اولا : الحكاية

ترد الحكاية في المقابسات على سبيل التمثيل لتقريب مفهوم ما ، او كدليل يساق لعلة او لواقعة يراد الاشارة اليهما على الحقيقة او على المجاز ، او لاضاءة معنى او جواب او علة . وامتازت الحكاية هاهنا ببساطة حبكتها ، ونأيِّها عن استخدام الرمز والصور الفنية الا ما ندر . الا انها مُزّينة ببلاغة الوصف وترادف عباراتها بقصد تركيز انتباه المتلقي الى الهدف الدقيق ، والى قصد بعينه دون سواه، ومنعا للتأويل ، متوسلا الاحاطة الكلية بالحال المتكلم عنه . ويغلب صوت الراوي العليم على القسم الاكبر من حكايات المقابسات . فيما تستقطب الحكاية القضية المُمَثَلَة لها ، وهي على اية حال السبب الداعي للإتيان بها في المقابسة ، عِوضا عن الشرح الذي قد يستعصي على التعبير الدقيق عن قضية او عن جزئية فيها . ان مفهوم الحكاية يتداخل احيانا مع المثال ، لأن كلا منهما وضعا على سبيل التمثيل ،وان جنوحها الى التمثيل والتشبيه في اطار ما يمكن القياس عليه ازاء ما يقال من تصورات ، قد افقرها شكلها الفني ، سوى البيان و البلاغة على مستوى اللفظ لا الدلالة فهاتين ـ اعني البيان والبلاغة ـ بقيتا مهيمنتين في اكثر الحكايات . لذلك فان تقريض حكايات المقابسات ينبغي ان يأخذ باعتباره كل ذلك ، فهي لم تكتب لذاتها ، بل على سبيل التمثيل لا غير ، هذا في قسمها الاول اما في قسمها الثاني فأنها حكايات مروية وقد تم ذكرها للتدليل على صحة دعوى ما ، او أُخذت منطلقا لتعليل مجرياتها ، والقسمان المشار اليهما هاهنا يرِدان على سبيل التصنيف الذي رأيناه . وبعض الحكايات لايرقى الى الادب ، فهي شبيهة بمثل افلاطون عن (( العميان والفيل)) ، وبعضها الآخر يتأرجح بين الحكاية والمقالة برغم مابين الجنسين من بون شاسع في الاصل والتركيب .

وجدير بالملاحظة ان ابا حيان التوحيدي لم يقف من بعض الحكايات موقف الفيلسوف المتأمل والمفكر في علل ما تعرض له من حوادث يرويها هو او تروى على مسامعه ، بل نجده احيانا ، يتخذ موقفا اخلاقيا غالبا ما يكون حادا ، وكأن الامر يمسه في شخصه . هذا في الحكايات التي يرى فيها انحطاط لمكانة الانسان الى ما هو ادنى منها كما في الحكايات التي تفصح عن غلبة الحس على العقل، او حكايات الانتحار .واذا كان هذا موقف ابي حيان من موضوع بعض الحكايات فان التعليل والتفسير والايضاح يتولاها غيره وهو في الغالب استاذه ابو سليمان .
وفيما يأتي الحكايات حسب ترتيبها في المقابسات ، مع بيان المناسبة التي قيلت فيها وغرضها الفلسفي …

الحكاية (1) (سر الملك مصدرقوته)

جاءت هذه الحكاية مثلا حكاه احد المتقابسين ـ لم يذكره ابو حيان بالاسم ـ في المقابسة الثانية وقد هيمن عليها الكلام في علم التنجيم تمثيلا والتي قيل فيه ( ان الله تعالى زجر عن النظر فيه لئلا يكون هذا الإنسان عن ربه بحاثاً، متكبراً على عباده، ظاناً بأنه مأتي في شأنه، قائم بجده وقدرته، فإن هذا النمط يحجز الإنسان عن الخشوع لخالقه، والإذعان لربه، ويبعده عن التسليم لمدبره، ويحول بينه وبين طرح الكل بين يدي من هو أملك له، وأولى به. .. فطوى الله عن الخلق حقائقه ، ونشر لهم نبذاً منه، وشيئاً يسيراً يتعللون به ..ولولا هذه البقية التي فضحت الكاملين، وأعجزت القادرين، لكان تعجب الخلق من غرائب الأحاديث، وعجائب الضروب، وظرائف الأحوال، عبثاً وسفهاً، وتوكلهم على الله لهواً ولعباً..)
وقيل : وليكن ذلك المثال
((ملكا في زمانك وبلادك ، واسع الملك ، عظيم الشأن ، بعيد الصيت ، شائع الهيبة ، معروفا بالحكمة ، مشهورا بالحزامة ، متصل اليقظة ، قد صح عنه انه يضع الخير في موضعه ، ويوقع الشر في موقعه ، عنده جزاء كل سيئة وثواب كل حسنة ، قد رتب لبريده اصلح الاولياء له ، وكذلك نصب لجباية امواله اقوم الناس به ، وكذلك عمارة الارض انهض الناس بها وانصحهم فيها ، وشرف آخر بكتابته بحضرته ، وآخر بخلافته ووزارته في حضره وسفره .اذا نظرت الى ملكه وجدته موزونا بسداد الرأي ومحمود التدبير ، واوليائه حواليه ، وحاشيته بين يديه ، وكل يخف الى ما هو منوط به ، ويستقصي طاقته فيه ويبذل وسعه دونه . والملك يأمر وينهى ، ويصدر ويورد ، ، ويحل ويعقد ، وينظم ويبدد ، ويعد ويوعد ، ويبرق ويرعد ، ويعدم ويوجد ، ويخلع ويهب ، ويعاقب ويثيب ، ويفقر ويغني ، ويحسن ويسئ . فقد علم صغير اوليائه وكبيرهم ، ووضيع رعاياه وشريفهم ، ونبيه الناس وخاملهم ، ان الرأي الذي تعلق بامر كذا صدر من الملك الى كاتبه لانه من جنس الكتابة وعلائقها وما يدخل في شرائطها ووثائقها ، والرأي الآخر صدر الى صاحب بريده لانه من جنس احكام البريد وفنونه وما يجري في حلبته ، والامر الآخر القي الى صاحب المعونة لانه من جنس ما هو مرتب ومنصوب من اجله ، والحديث الآخر صدر الى القاضي لانه من باب الدين والحكم والفصل ، وكل هذا مسلم اليه ومعصوب به لايفتات عليه شئ ، ولايستبد بشئ دونه. فالاحوال على هذا كلها جارية على اذلالها وقواعدها في مجاريها لايزل منها شئ الى غير شكله ، ولايرتقي الى ما ليس من طبقته . وهكذا ما عدا جميع ما حددناه باسمه وحليّناه برسمه . فلو وقف رجل له من الحزم نصيب ، ومن اليقظة قسط ، على هذا الملك العظيم ، وعلى هذا الملك الجسيم ، وسدد فكره ، وحدد وهمه ، وصرف ذهنه ، وتصفح حالا حالا وحسب شيئا ، وقد مر امرا امرا ، وتأمل بابا بابا ، وتخلل بيتا بيتا ، ورفع سجفا سجفا ، ونقض وجها وجها ، لامكنه ان يعلم ، بما يثمر له هذا النظر ، ويثيره هذا القياس ، ويصيده هذا الحدس ، ويقع عليه هذا الامكان ، ما يستعمله هذا الملك غدا ، ويبتديه بعد غد ، وما يتقدم به الى شهر، وما يكاد منه الى سنة وسنين ، لانه يفلي الاحوال فليا ، ويجلوها جلوا ، فيقايس بينها قياسا ، ويلتقط من الناس لفظا لفظا ، ولحظا لحظا ، ويقول في بعضها رأيت الملك يقول كذا وكذا ، وهذا يدل بعد كذا وكذا . وانما جرَّأه هذه الجرأة على هذا الحكم والبت لانه قد ملك لحظ الملك ولفظه ، وحركته وسكونه ، وتعريضه وتصريحه ، وجده وهزله ، وشكله وسحنته ، وتجعده واسترساله ، ووجومه ونشاطه ، وانقباضه وانبساطه ، وغضبه ومرضاته ، ونادره ومعتاده ، وسفره وحضره ، ، وبشره وقطوبه . ثم يهجس في نفس هذا الملك يوما هاجس ، ويخطر بباله خاطر ، فيقول : اريد ان اعمل عملا ، وأوثر أثرا ، واحدث حالا ، لايقف عليها اوليائي ولا المطيفون بي ولا المختصون بقربي ولا المتعلقون بحبالي ولا احد من اعدائي والمتتبعين لامري والمحصين لانفاسي والمترقبين لعطاسي ، ولا ادري كيف افتتحه واقترحه ، لاني متى تقدمت في ذلك بشئ الى كل من يلوذ بي ويطيف بناحيتي ، كان الامر في ذلك نظير جميع اموري ، وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه ويجب عليّ التيقظ فيه . فيقدح له الفكر الثاقب ، والذكاء اللاهب ، انه ينبغي ان يتأهب للصيد ذات يوم . فيتقدم بذلك ويذيعه ويطالب به . فيأخذ اصحابه في اهبة ذلك واعداد الآلة . فاذا تكامل ذلك له اصحر للصيد ، وتشوف له ، وتقلب له في البيداء ، وصمم على بعض ما يلوح له ، وامعن وراءه وركض خلفه جواده ، وبدد في طلبه بدده ، ونهى من معه ان يتبعه . حتى اذا اوغل في تلك الفجاج الخاوية والمدارج المتباينة ، وتباعد عن متن الجادة وواضح المحجة ، صادف انسانا فوقف عليه وحاوره وفاوضه فوجده حصيفا محصلا يتقد فهما وينقد افهاما . فقال له أفيك خير ؟ فقال نعم ! وهل الخير إلا فيّ ، وعندي ، وإلا معي ؟ الق اليّ مابدا لك وخلني وذلك. فقال : ان الواقف عليك ، المكلم لك ، ملك هذا الاقليم ، فلا ترع واهدأ ولا تقلق . فيكفر(*) له عند سماع هذا ، ويقول : لسعادة قيضتني لك ، والجد اطلعك عليّ. فيقول الملك : اني اريد ان اصطنعك لأرب في نفسي ، وابلغ بك ان بلغت ذاك لي ، واريد منك ان تكون عينا على نفسك ذكية ، وصاحبا لي نصوحا ، فقم لي بذلك جهدك ووسعك ، واطو سري هذا عن سانح فؤادك فضلا عما سوى ذلك . فاذا بلغ منه غاية الوثيقة والتوكد القى اليه عجرته وبجرته (**)، وبعثه على السعي والنصح وتحري الرضى ، ووصاه بما احب واحكمه ، وازاح علته في جميع ما تعلق المراد به ولا يتم الا بحضوره . ثم ثنى عنان دابته الى وجه عسكره واوليائه ، ولحق بهم ، وتعلل بقية نهاره في قضاء وطره من صيده . ثم عاد الى سريره في داره ومقره في ملكه ، وليس عند احد من رهطه وبطانته وغاشيته وحاشيته وخاصته وعامته علم بما قد اسره الى ذلك الكهل الصحراوي وبما حادثه فيه . والناس على سكناتهم وغفلاتهم حتى اصبحوا ذات يوم عن حادث عظيم ، وامر جسيم ، وشأن هائل ، وعارض محير . فكل عند ذلك يقول : ما اعجب هذا ! من انتصب لهذا ؟ وكيف تم هذا ؟ هذا صاحب البريد وليس عنده منه اثر ، وهذا صاحب المعونة وهو عن الخبرة به بمعزل ، وهذا الوزير الاكبر وهو متحير ، وهذا القاضي وهو متفكر، وهذا حاجبه وهو ذاهل . وكل عن الامر الذي دهم مشدوه ، ومنه متعجب . وقد قضى الملك مأربته ، وادرك حاجته ، واصاب طلبته ، وبلغ غايته ، ونال اربه )).(المقابسة 2 )( انتهت الحكاية )
ففي هذه الحكاية مثل قد ضرب لخطورة الاسرار في تعظيم الربوبية ، وقد انطوت على تشبيهات مجازية تقرب صورة القدرة الالهية بمثل حسي .وهي الى جانب ذلك تبين رؤية الراوي للصفات المثالية لمن يملك امر الناس في السياسة والحكم والتدبير ، وصفاته التي ارادها الراوي شروطا لمن يتصدى لقيادة الناس بحدود مملكته او جمهوريته . وان من الشروط الاضافية اصطناع الهيبة المستجلبة لوضع فاصلة بين الملك وخاصته ، وبمثلها ولكن اوسع من الاولى بينه وبين عامة الناس ، فهذا مدعاة للاستحواذ على قلوب الناس عقولهم بالبراهين التي يقدمها الفعل المدهش من لدن الملك .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كفر لسيده : انحنى ووضع يده على صدره وطأطأ رأسه كالركوع تعظيما له . ( محمد حسين توفيق ـ المحقق ـ )
**وقولهم: أَفْضَيْتُ إِليك بِعُجَرِي وبُجَري أَي بعيوبي يعني أَمري كله. أوَخبرته بِعُجَرِي وبُجَرِي أَي أَظهرته من ثقتي به على مَعايبي.( لسان العرب لابن منظور)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكاية (2)(الطبيعة والصناعة )

يروي هذه الحكاية ابو حيان التوحيدي في المقابسة التاسعة عشرة ، وكان ما فيها مثارا لمسألة تنبه اليها ابو سليمان السجستاني ومفادها: لم احتاجت الطبيعة الى الصناعة ؟ ولما اعتذر اصحابه عن الجواب تولى هو بنفسه جوابها . والحكاية تقول ، كما يرويها ابو حيان التوحيدي:
(( خرج أبو سليمان يوماًً ببغداد إلى الصحراء، بعض أيام الربيع، قصداً للتفرج والمؤانسة، وصحبته. وكان معنا أيضاً صبي دون البلوغ جهم الوجه ، بغيض المحيا ، شتيم المنظر. ولكنه كان مع هذه العورة يترنم ترنماً يفرج عن جرم ٍ ترف، وصوت شج، ونغمة رخيمة، وإطراق حلو. وكان معنا جماعة من اطراف المحلة، وفتيان السكة ، ليس فيهم إلا من تأدب تأدبا يليق به ويغلب عليه . فلما تنفس الوقت أخذ الصبي في فنه، وبلغ أقصى ما عنده. فترنح أصحابنا وتهادوا ، وطربوا. فقلت لصاحب لي ذكي: أما ترى ما يعمل بنا شجا هذا الصوت، وندى هذا الحلق، وطيب هذا اللحن، ونفث هذا النغم ؟! فقال لي: لو كان لهذا من يخرجه ويعنى به، ويأخذه بالطرائق المؤلفة ، والألحان المختلفة، لكان يظهر أنه آية، ويصير فتنة، فإنه عجيب الطبع، بديع الفن، غالب الدنف والترف. فقال أبو سليمان، فلتة: حدثوني بما كنتم فيه عن الطبيعة، لم احتاجت إلى الصناعة؟)) ( المقابسة 19)

ولما افضى ابو سليمان بالمسألة المذكورة طالبا من اصحاب الرحلة والتفرج الاجابة عليها يقول ابو حيان ( فقلنا له: ما ندري! وانها المسألة؟ فقال: فكروا؟ قعدنا له وقلنا: إنا قد ثلجنا، ولو مننت بالبيان ونشطت لنشر الفائدة كان ذلك محسوباً في بيض أياديك وغرر فضائلك؟) وقد اجاب بافاضة عنها وخلاصة جوابه ( .. ان الصناعة تحكي الطبيعة وتروم اللحاق بها لانحطاط رتبتها . وقد زعمت ان هذا الحدث ـ يعني الصبي ـ لم تكفه الطبيعة ، ولم تغنه ، وقد احتاجت الى الصناعة ، حتى يكون الكمال مستفادا بها ، ومأخوذا من جهتها ) وفي كامل حديثه اطناب وتعليل مضاعف ، لانذكره لكي عن لانخرج عن اهداف هذه الدراسة . ونكتفي بما ذكرناه .
الحكاية (3)(ثمرة الفلسفة )

وهذه الحكاية لها اخوات في غرابتها .. فهي تمثل طريقة متفردة في التقابس من خلال الرؤيا في المنام وقد تكررت في اكثر من موضع في المقابسات وكأن الامر شرطا من شروط التفقه او التفلسف او تشبيها بقدرات كان يدعيها افلاطون من حكاية “اتحاده مع الاله” التي حصلت له اربعة مرات كما هو منقول عنه …
قال ابو حيان التوحيدي :
((سمعت أبا إسحق الصابي الكاتب يقول: رأيت ثابت بن قرة الحراني في المنام، قاعداً على سرير في وسط دحلتنا ، وحوله ناس كثير، كان كل واحد منهم من قطر، وهم على خلق مختلفة، وهو يعظهم ويبتسم في خلال وعظه وكلامه. وحصلت عنه نكتة شريفة ذهبت مني في اليقظة وساءني ذلك. هذا وكنت أسرح بفكري كثيراً في الظفر به والوقوع عليه، فلا يعود بطائل. فلما كان بعد دهر، وبعد اختلاف أحوال، ذكرت أنه قال لي : خذ يا إبراهيم ثمرة الفلسفة من هذه الكلمات الشافيات، التي هي خير لك من أهلك وولدك ومالك ورتبتك: اعلم أن اليقظة التي هي لنا بالحس هي النوم، والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة، ولغلبة الحس علينا قد اتفقنا أن الأمر بخلاف هذا وإلا فغلّب العقل مكان الحس ينصدع لك الحق في هذا الحكم. فإذا وضح هذا فبالواجب ان ينبغي أن ينتقص من الحس، وان ظننا أن اليقظة من ناحيته، ويلتبس بالعقل وإن ظننا أن الحلم من ناحيته.))( المقابسة26)

وحتى يقطع شك مستمعيه وما بدا غريبا من قضيتي اليقظة والنوم على ما ذهب فان الصابي اشار الى ان هذه النكتة ( كل من لطف وصل اليها ، فان النفس تزكو عند ذلك والصدر ينشرح ..) الى اخر كلامه الذي يخرج عن المحاججة المنطقية والرؤية الفلسفية الى تهويل الاسرار بالاحالات غير العقلية .. ويبقى سؤال : هل هذه الاطروحة ننسبها الى ثابت بن قرة ام الى ابي اسحاق الصابي ، ام الى كليهما .. ؟ ام الى قوى خفية ؟ ان تقرير نسبة الاطروحة يتوقف على رؤية الصابي للرؤيا في الاحلام اهي حقيقة ام اضغاث احلام .

الحكاية (4 )( اهل الجنة أما يملّون .. أما يضجرون)
يقول ابو حيان التحيدي
((سمعت ابا اسحاق الصابي ، وكان من غلمان جعل ، يقول : ما اعجب اهل الجنة ! قيل : وكيف ؟ قال : لانهم يبقون هناك لاعمل لهم الا الاكل والشرب والنكاح . اما تضيق صدورهم ؟ اما يملّون ؟ اما يكلّون ؟ اما يربؤون بانفسهم عن هذه الحال الخسيسة ، التي هي مشاكلة لاحوال البهيمة ؟ اما يأنفون ؟ اما يضجرون ؟ واخذ في هذا وشبهه يبوج* متعجبا ، مستعظماً ..))
ويذكر ابو حيان ان ابا اسحاق هذا من (أصحاب الجدل وأهل البلاء، حل به هذا البلاء، وأحاط به هذا الشقاء.)
فأعاد ابو حيان ما سمع على أبي سليمان قوله بنصه، وحكى له شمائله فيه، فقال في الجواب: إنما غلب عليه هذا التعجب من جهة الحس لا من جهة شيء آخر، وهكذا كل ما فرض بالحس أو لحظ بالحس، لأنه قد صح أن شأن الحس ان يورث الملال والكلال، ويحمل على الضجر والانقطاع، وعلى السآمة والارتداع. وهذا منه في ذوي الاحساس ظاهر معروف، وقائم موجود وليس كذلك الأمر في المعاد إذا فرض من جهة العقل، لان العقل، لا يعتريه الملل، ولا تصيبه الكلفة، ولا يمسه اللغوب، ولا يناله الصمت، ولا يتحيفه الضجر. وهكذا حكمه في الشاهد الحاضر، والعيان القاهر، لولا عقل النصيبي ونظرائه . (المقابسة 35)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يبوج : البوج : الصياح ( القاموس المحيط )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكاية ( 5) (( يتفلسف في اثناء نومه ))

هذه الحكاية يرويها ابو حيان التوحيدي ،ولها نظائر واشباه ، وهي من الغرابة تمثل احد مصادر ابي حيان في المقابسات ، إذ تتم المناظرات والمباحث الفلسفية في الرؤيا اثناء النوم ! وهذه الحكاية هي الاغرب في حبكتها من اخواتها ، إذ يقول :
((ذاكرت طبيباً شاهدته بجنديسابور بشيء من العلم، فما أذكر تلك المذاكرة، وتلك المسئلة، وتلك الفائدة إلا سنح شخص ذلك الشخص وكان يكني أبا الطيب لعيني، وتمثل في وهمي وحتى كأني أراه قريباً معي، وحاضراً عندي! وطال عجبي من ذلك؟
فرأيت أبا سليمان في المنام فسألته عن الحالة التي قد شغلتني بالتعجب منها، والأمر الذي توالى علي من أجلها؟ فقال لي في الجواب قولا متقطعا ، التأم من جملته في اليقظة ما انا راسمه وحاكيه في هذا الموضع.
قال: أما تعلم أن المبدأ الأول والأصل والعلة مفتقر اليه بالطبع والضرورة، ومعترف به بالوجوب الذي ليس فيه مرية ولا شبهة؟!
قلت: بلى.
قال: فالثاني مشعر أبداً بالأول، والأول مشعر بنفسه، والثاني مشعور به أيضاً، ولكن الأول، والأول مع هذا هو الثاني، والثاني هو الأول. ولكن اختلفت الرسوم ولم تختلف الحقائق.
الى ههنا يخلص لي ما تبينته، وهو ظاهر كما به قال: لما كان من صدور المذاكرة من جهته وتمت بمطاولته، وحصلت الفائدة بوساطته، اشتاقت النفس وتلبست بصورته، وجداناً منها للمبدأ، ونزاعاً نحو الأول، واستشعاراً للسكون معه، لأنها تعشق بالذات أبداً الأول، ويعشق كل أول للشبه القائمة فيه والشبه الموجودة به من الأول بالاطلاق، فكل مريد من كل ضرب طبيعي وارادي وفكري وخلقي صناعي وآلهي يحييها ويؤنسها وينفي وحشتها ويعللها، ويستعمل بذلك فوقها، إلى الأول الحق الذي هو أول بالاطلاق، واستكمالها ذلك الشوق هو استدامتها لحالها. وثباتها في صورتها، وطربها على ما حصل لها.)) (المقابسة 45)
فالحكاية غرائبية كما ترى ، اذ تتداعي الوقائع من الحقيقة الى الوهم فالرؤيا في المنام ، وعلى نحو متواز تتفتح الحقائق كلما ابتعد الراوي عن الواقع والحقيقة المعاشة .. هذا من حيث الشكل والبناء الدرامي للحكاية .. ناهيك عن ما فيها من اطروحة في احد القضايا الفلسفية والتي افصح عنها الحوار القصير والقول التالي له .
يبدو لنا ، ان المتقابسين حريصون على نسبة التبؤ والالهام الى قدراتهم الذاتية ، اقتداءا بافلاطون الذي قيل عنه انه اتحد مع ( الاله ) اربعة مرات !

الحكاية (6)( ليته كان بقرة.. )

يقول ابو حيان لسيتدل على صحة قول بعض “الالهيين ” : ( الاحسان من الانسان زلة ، والجميل منه فلتة .. و نقص الانسان ..) :
((انا وجدنا في هذه الأيام من نظر إلى واد اغن الكلأ ، قد استحلست الارض به خضرة وندى وحسنا، فجن حين جالت عينه في اطرافه وبلغ به العجب الى أن قال: ـ ليتني كنت بقرة فكنت اكل هذا كله اكلا ذريعا، وهكذا من اعلاه الى اسفله، ومن اسفله الى اعلاه.
وكان يقول هذا وهو على شكل ظريف، لا سبيل للقلم الى تصويره والى ادائه على وجهه وحقيقته، واللسان ايضا لا يأتي على خواصه ومعانيه، وهو متحسر في قوله، على هيئة مجنون، لغلبة الارادة الطبيعية، وقوة الحركة الحيوانية، وموت العقل الإنساني، وبطلان الشرف الجوهري .
فلما فشا عنه هذا الحديث، وكثر قال له بعض الفقهاء معنفا ولائما ومنبها له على خساسته:
ـ يا هذا، هل رأيت قط من تمنى وهو انسان ان يكون بقرة بسبب مكان معشب ،وكلاء كثير؟
فقال له مجيباً، وهو وادع النفس رخّي البال، حاضر الفكر ، ساكن الطباع:
ـ أيها الشيخ لو رأيت بعينك ما رأيته لتمنيت ان تكون كما تمنيت.))( المقابسة46)
ويعقب ابو حيان بالقول :
(وهذا يدل على ان الذي اثار شهوته في ذلك المكان لم يكن جوعاً قد توالى، ولا نهمة قد غلبت، بل كان نذالة النفس ولؤم الطباع، وسقوط الجوهر، وغَثَارة* الروح، وقلة العقل.
بل قد سمعت بمن قال: الحمار خير من هذا بكثير، لأن الحمار لازم لحدّه ،غير منحرف إلى ما ليس هو في قوته، وهذا قد ابطل حده بارادته، وجمع النقص كله لنفسه بقبح شهوته وفساد امنيته. )
واقول : الذي تمنى ان يكون بقرة ، إذ جاءه هذا من دقة تقديره لمنفعة الكلآء الوفير ، فهو في تقديري لايتضمن أي انحطاط ، فهو قد ( تمنى.. )، بمعنى انه كان مدركا تماما بكونه انسانا ، ولو لا هذا الادراك لما تمنى ( لو رأيت بعينك ما رأيت لتمنيت ان تكون ما تمنيت ) ، فهذه الفطنة ، والاحساس المرهف بتقدير الاشياء التي ليس لها منزلة عند الانسان كمنزلتها عند الحيوان . ومع قد صح تفسير ابي سليمان ان هذا جاءه من جهة الحس ، قال هذا رأيه وهو متمسك بثوبه الانساني ما برحه كما برحه المتمني . اما احتجاج التوحيدي فكان من جهة المعيار الاخلاقي .. وهكذا هو ديدنه فيما يُروى ويحكى .. والكل ، اعني ما ذكرت من اراء بما في ذلك ما رأيت ، هو صائب .. فكل اتخذ جهة ورأى منها ما رأى كحكاية العميان والفيل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* اصلها الغَيْثرة وهم سفلة الناس .
** السُنخ : الاصل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكاية ( 7) (.. ليته كان حمارا)

ثم يسرد ابو حيان “الحكاية الثانية” ذات الصلة بموضوع الاولى .. الا انها لعلة اخرى .. فيقول :
((اني شاهدت قبل هذا إنساناً متناسكاً ،وكان له حظ من التجربة ،بالسن العالية ، والسفر البعيد، وكان متميزاً بمذاهب الصوفية، يقول يوماً، وقد ابصر حماراً يمشي: ــ ليتني كنت هذا الحمار!
فعجبت منه فضل عجب، وانكشف لي انه انما يتمنى ذلك ليكون ناجياً من قلائده ومؤنه، وما هو بغرضه وصدده عاجلاً، وما هو مأخوذ به، ومخوف منه ومعد له آجلاً. فكان عذر هذا عندي اخرج من كل الجهل، وادخل في بعض الوهم. وانما هجس هذا في ضميره وجاش على لسانه وانتضح بذكره والتشدد فيه، لأنه كان جاهلاً بالجوهر الذي هو أشرف من الإنسان بحده الخالص من كل شوب، فنزل عن تلك الربوة العالية والذروة الشماء، اعني الجواهر العلوية الابدية، وتمنى ان يكون حيوانا هو اخس من الانسان عند كل انسان)) ( المقابسة46)

الحكاية (8) ( انتحار شيخ )

روى ابو حيان هذه الراوية فيقول ..
((شاهدنا في هذه الأيام شيخاً من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه ، واشتد نفور الناس منه، ومقت معارفه له، فلما توالى هذا عليه دخل يوما منزله ومد حبلا الى سقف البيت واختنق به، ففاتت نفسه في ذلك. فلما عرفنا حاله جزعنا ، وتوجعنا وتناقلنا حديثه ، وتصرفنا .
فقال بعض الحاضرين :
ــ لله دره ! لقد عمل عمل الرجال، نعم ما اتاه واختاره، هذا يدل على مرارة النفس ، وكبر الهمة، لقد خلص نفسه من شقاء كان طال به، وحال كان ممقوتا فيه ، مهجورا من اجله، مع فاقة شديدة، واضاقة متصلة، ووجه كلما أمّه اعرض عنه، وباب كلما قصده اغلق دونه، وصديق إذا سأله اعتلّ عليه.
فقيل لهذا العاذر:
ــ إن كان قد تخلص من هذا الذي وصفت على انه لم يوقع نفسه في شقاء اخر، اعظم مما كان فيه واهول، وادوم وابقى، فلعمري نعم ما عمل، ولله ابوه ما احسن ما اهتدى له وقوي عليه، وينبغي لكل عاقل ، يدفع الى ما دفع اليه، ويقتدي به ويصير إلى رأيه واختياره.
وان كان قد سمع بلسان الشريعة اي شريعة شئت، القديمة والحديثة – النهى عن هذا واشباهه، فقد اتى بما عجل الله به والعار، وآخر له عليه عذاب النار. سبحان الله، اما كان يسمع من كل ذي عقل، ولبيب، وعالم واديب ، ومن كل من رجع الى مسكه ويعرف بادنى فضيلة ، دع من يرجع الى قوله ، وينتهي إلى صواب امره ونهيه، وتتهادى فنون سيرته وحاله ، النهي عن مثله ، والزجر عن ركوب ما هو دونه بكثير. فكيف لم يتهم نفسه، ولم يتعقب رأيه، ولم يشاور نصيحاً له؟ اهذا بسبب حال لعلها كانت تنكشف عنه بما يتمنى ، وينتهي بعد انحسارها الى الكثير مما ينسى معه ما قاسى ، وقد علم ان ادنى ما في هذا الفعل المكروه بالعقل، والفاحش بالسماع، المقشعر منه بالطبع، ما يجب عليه من التوفي بسبب ما قد انتشر بالشرائع واجمع عليه الاول والاخر من كل جيل وطرف، في النهي عنه ،واستسقاط من اقدم عليه، لانه امر متى ركب بالظن والتوهم ، الذين لم يؤيدا ببصيرة من عقل ولا عرضا على عاقل، ثم استبان له في الثاني عوار ما آثره ،وخطأ ما عمل به، فاته التلافي ، ولم يمكنه الاستدراك والرجوع. فلو لم يكن في هذه إلا ما يوجب عليه التشكك والتثبت والاستبصار من اجل ما قاله العقلاء وورد به الانبياء بالعقل والوحي، لوجب الا يلقي بيده الى التهلكة، ولا يختار ما يهجنه عليه اهل الروية والبديهة ، واصحاب الديانة والمروءة، ولا ينقض العادة القائمة، ولا يخالف الآراء الحصيفة، ولا يستبد برأي الطبيعة. فكيف وقد قضى العقل قضاء جزما، واوجب النظر ايجابا حتما، انه لا يجب ان يفرق الانسان بين هذه الاجزاء الملتحمة والاعضاء الملتئمة، فليس هو رابطها ، ولا هو على الحقيقة مالكها، بل هو ساكن في هذا الهيكل لمن اسكنه ، وجعل عليه اجرة السكنى بعمارة المسكن، وتنقيته، واصلاحه ، وتصريفه فيما يعينه على السعادة في العاجل والآجل، ويكون سعيه مقصورا على التزود لى مبوأ صدق لا بد له من المصير اليه ، والمقام فيه، على امن شامل، وخير غامر، وراحة متصلة، وغبطة دائمة، وحبور مستصحب، حيث لا آفة ، ولا حاجة، ولا اذى ، ولا حسرة ، ولا اسف، ولا كمد، ولا فوت ، ولا تعذر. هذا مع السيرة المرضية وايثار الاخلاق السنية، ومع الاعتقاد للحق، وبث الصدق والاحسان في جميع الخلق. فاما اذا كانت الحال على خلاف هذا، فالشقاء الذي يتردد فيه ، وينعقد به، ويدفع اليه، يكون في وزن ذلك ومقابلته.)) (المقابسة 46)
هذه الحكاية والتالية لها قضيتها الانتحار ، فلقد وقف ابو حيان التوحيدي منها منكرا ، شاجبا ، بدواعي دينية واخلاقية ، وَرَدّ على عاذر الشيخ الذي انهى حياة البؤس والفاقة وذل طلب الحاجة بما قرأت وسمعت عنه .. ومعروف ان الانتحار شكّل قضية تناولها الفلاسفة وخاصة المحدثين والمعاصرين منهم وانقسموا في القول فيها كانقسام الرأي بين العذر والشاجب في هذه الحكاية ، ولاتخرج الحجج والمبررات المؤيدة للانتحار او غير المؤيدة له عن مجمل الرأيين المتقابلين في هذه الحكاية ، وان الامر يجري في تجاذب الرأيين مجرى حوار الطرشان .. حتى في الفلسفة المعاصرة ..
ونحن نرى في الاقدام على الانتحار ضعفا ، وخيانة للامانة ، ونكوصا عن خوض تجربة الحياة ، في كل تحولاتها .اما الشهادة من اجل قضية سامية فهو أمر مختلف كما هو معروف ، فهي من فعل حب الحياة ، الحياة الكريمة بالذات وليس غيرها ، وإعادة صياغة للحياة ، بارجاعها الى اصلها الانساني التحرري . الا ان الفاقة وضنك العيش لاسباب ليست موضوعية ، لايصحان سببا لتمني الموت ناهيك عن الاقدام عليه باصطناعه. كما ان طلب الشهادة هوادعاء، وتبجح ، ونفاق . والصواب في كل هذا الاقدام على تحقيق الهدف السامي ، مهما كانت التضحية غالية . وبكلمات اخرى ، ان تمني الموت في سبيل قضية يفرغ القضية من محتواها الانساني التحرري . ان الشهيد هو من جاهد من اجل حريته ومن اجل قضية سامية، وهو في هذا لم يكن يتمنى الموت ، طلبا للموت.

الحكاية (9)( المكاري)

هذه الحكاية منسوبة الى ابي سليمان في اثناء مقابسة منعقدة عن التنجيم والكهانة والنبوة والتي قال فيها ( ان قوة النبوة قد يُحلّى بها شخص من غير ان يستفسر بها ، ويعرّض الى الخلق من اجلها ..) ، (وان هذه القوة تشيع على حدودها ومراتبها ، في اشخاص العلماء والبررة ..) ثم حكى في هذا االفصل :
(( أن رجلا بزنكان كان يقال له خدا داد ، وكان مكارياً صاحب حمير ويخدمه عليها غلمان ، ويثق به في عمله تجار كبار. وانه في بعض طرقه واسفاره ، سيّب الحمير وطرح الاثقال ..
وقال:
ـ ليأخذ مَنْ شَاءَ ما شَاء!
وعاد الى بيته على وَلَه شديد ، لا ينطق بحرف، ولا يتعلّق بأمر، ولا يستوضح من حاله شيء. فساء اهله ذلك ومعارفه ، واطالوا عليه.
فلما كان في بعض الايام وقد احتوشوه * بكل قول، ورموه عن كل قوس، توجّه نحو الحائط وقال:
ـ يا قوم مالكم ومالي معكم ؟ وما هذا التعجب والاكثار؟ اما رأيتم من كان قاعداً على مزبلة ، فنبعت من بين يديه عين صافية بماء كالزلال عذب ، فشرب منها وتبجح بها ، وعاشت روحه بمجاورتها ، وكانت سبب ريه الذي لا ظمأ بعده ،وطهره الذي لا دنس معه. )) هذا تمام الحكاية. (المقابسة 50)
ولكن مالذي ران على فكر المكاري ، وسنح في تفكيره عندما وجد ما وجد من نبع لايتوقع انه يأتيه من مزبلة ، ويفسر ما صارت اليه حاله من وله . ومن ثم ، لا نجد في هذا صلة بالنبوة التي اجاز ابو سليمان سريان قوتها في غير الانبياء بمعنى غير معنى التكليف الالهي. والامر بالطبع ليس هكذا ، فلربما قصد المكاري بالنبع الهاما روحيا ، اوفكرة انبجست عنده ، جعلته يستخف ببهرج الحياة وزخرفها ، وانتبه الى حقيقة مآله الذي لا مفر منه ، وهو مآل كل انسان وهذا ما قصده بتعبيره : كانت سبب ريه الذي لاظمأ بعده ، و طهره الذي لا دنس معه .. فالحكاية قد وضح مضمونها مع هذا التقريض .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*احتوشوه : احاطوه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكاية (10)(المنية و الدنية)

الحكاية وردت في المقابسة التاسعة والخمسين والتي قال فيها عيسى بن علي بن عيسى ( لما كان الحس يجيد بالنفس الغضبية ، حتى يُرى صاحبُه يَفدي محسوسَه بالحياة ، كرجل يتعرض بالسيف والحرب والمقام الصعب ، ليفشوْ ذكره ، ويطير صِيته ، ويعلو شأنه ..) ومن ثم يثبت ابو حيان هذه الحكاية للتدليل بها على القول السالف ، وقد نسبه الى بعض الحاضرين :
((زعم انه رأى رجلا ً قد ضربه السلطان بالسياط لجناية. وانه كان يطاف به وهو عريان على جمل بين الاشهاد،. فبلغ مكاناً وقف فيه الجمل لعارض، فدنا منه صبي وسارّه بشيء، فقام المضروب هذا على ظهر الجمل قائما وبسط كفّه على حائط كان الى جانبه ، ثم سمّرها بيده الأخرى بخنجره وبقي معلقا، وعبر الجمل. فعجب الناس من نفسه ومرارته ، ومن الامر الذي هجم به على ذلك ، وزيَّنه عنده)) الى هنا تنتهي الحكاية ..
ويقول التوحيدي فافادناـ راوي الحكاية ـ بعقب هذا الحديث هذه الفائدة ومدارها ( ان صاحب العقل الذي قد لحظ به الرتبة الكبرى، واشرف به على الغاية القصوى، واستهان من اجله بالحياة الدنيا، اجدر ان يفرج من خلائقه ووثائقه التي قد ارتبطته واورطته، وانه املأ بذلك ، وهو به اليق ، وعليه اقدر ، وفيه اعذر، وان الصواب موكل به ، وناصر له، بقدر ما كان الخطأ موكلا بالاول وواضعا منه.) (المقابسة 59)
برغم ان الحكاية لاتخبرنا بموت الرجل ، وهذا لاينفي احتمال موته ، فأننا نجد ان التوحيدي يتخذ موقفا مغايرا من قضية الانتحار او محاولة الانتحار في الاقل .. فهو هنا في هذه الحكاية يعد ما قام به الرجل امرا صائبا بقدر ما كان خاطئا في الاول ، ذلك الخطأ الذي كان وراء العقوبة التي انزلت به . لو حال الهرب او الافلات من اسره ووثاقه لوكان هذا التصرف اجدى بمن له عقل .

الحكاية ( 10 ) ( مناظرة في المنام )

وها هنا نلتقي ثانية بمناظرات المنام والتفلسف فيها ، يقول ابو حيان ..
((سمعت أبا سليمان يقول: رأيت فيما يرى النائم كأني أناظر ابن العميد أبا الفضل في مسائل من السماع الطبيعي، وبقينا نقسم الموجودات فقلت: الموجود أيضاً ينقسم بنوع آخر أن يكون إما خفي الذات خفي الفعل، أو ظاهر الذات ظاهر الفعل، أو خفي الذات ظاهر الفعل، أو ظاهر الذات خفي الفعل. ثم قلت: الأول هو الباري جل وعز، والثاني الحرارة والبرودة وما أشبههما، والثالث الطبيعة، والرابع الكواكب.
أعدنا هذه المقابسة على الشيخ المجتبى فقال: هذا والله لحكمة وفصل الخطاب، قسمة مستوفاة، وحقيقة ذات برهان، وكلمة ما عليها مزيد.)) ( المقابسة 87 )
فالرؤيا والحقيقة يستويان عند ابي سليمان : فالسماع في الرؤيا كالسماع الطبيعي ، مرتبا ومنظما في الفاظه وافكاره ..

الحكاية (10)( حقوق الاخوان)
يقول ابو حيان التوحيدي:
((وحدثنا ـ ابو سليمان ـ يوماً قال: اجتزت بالري متوجهاً الى بلدي سجستان سنة من السنين، وكان بها ابو جعفر الخازن فزرته قاضيا لحقه وسنه ، فلما انصرفت اتبعني برقعة يصحبها برّ . وفي الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم
من استحقر في قضاء حقوق الاخوان ما يبلغه عاجل الاستطاعة، فقد عرضها للتقصير والاضاعة، لان الايام لا تكاد تسعف بكل المراد، ولا تزول عن عادتها في الفساد.))( المقابسة 89)
والحكاية اياها على قصرها ، فانها غنية عن التعليق فيما رمت اليه .
وجدير بالتذكير ان المقابسة التاسعة والثمانين تضمنت ذكر اشياء سمعها ابو حيان في مجاس الانس كما قال وهي ليست من صدر الفلسفة وان كانت تلامسها ملامسة.
الحكاية (11) ( ابن نباتة )
((وجرى يوما بحضرة ابي سليمان حديث احكام النجوم فقال :
من طريف ما ظهر لنا منها انه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع، فأخذته وعرضته على علي بن يحيى ، فنظر وعمل وقوم ، فقال لنا فيما قال:
ـ هذا المولود يكون اكذب الناس، فعجبنا منه.
فما طالت الايام حتى ترعرع ، وخرج شاعراً كما ترى، معدوداً في اهل عصره. ثم انشدنا له مستحسنا:
وتأخذ من جوانبنـا الـلـيالـي كما أخذ المساءُ من الصـبـاح ِ
اما في اهلهـا رجـل لـبـيب يحس فيشتكي الـمَ الـجـراح ِ؟
ارى التشمير فيها كالـتـَّوانـي وحرمانَ العطيةِ كالـنـجـاح ِ
ومن لبس التراب كمـن عـلاه وقد تخدعك أنـفـاس الـرياح ِ
وكيف يَكِد مهجـتـَه حـريص يرى الارزاق في ضرب القِداح ِ
ثم انشدتها ابن نباته فأقر لي بها.)) ( المقابسة 89)
وترمي الحكاية الى صحة اخذ الطالع للمولود ، فهذا ما يعتقده ابو سليمان الذي يلقب بـ ( المنطقي) ، كما يعتقد بما يعتقده افلاطون بشأن المرتبة الدونية للشعر والشعراء في المدينة الفاضلة . ولكن الاهم من كل ذلك ان قصيدة بن نباتة ، فيها من الفلسفة تدور حول وحدة الاضداد وصيرورتها نحو التحايد من حيث الاثر النهائي لكل سعي ومنى . اضف الى ذلك ، ان ما يراه ارتقاء في الحياة هو ارتكاس عنها وحث صوب النهاية المحتومة ( ومن لبس التراب كمن علاه .. ) فأين الكذب هنا ، واين ما ذهب اليه ابو سليمان من هذه الحكمة .. وقد قيل في المقابسات ذاتها ( ان عدد ما يحيى فيه الانسان يساوي ما يموت به ) بمعنى ان اسباب الحياة بوزن اسباب الموت فانظر الى البيتين الثالث والرابع …

الحكاية (12)(دخانها وصلائها)

((وسمعت أبا سليمان يقول للجرجرائي الكاتب، وكان يحدث نفسه بالوزارة:
ـ ايها الرجل، ان الدنيا نار ذات دخان، فلو سلوت عن صلائها لدخانها، لكان اجدى وأسلم.
فقال:
ـ افلا اصبر على دخانها، لا ستمتع بضيائها، وانتفع بصلائها؟
فقال:
ـ ما احسن هذه المعارضة ، لو كنتَ من الاستمتاع بضيائها على ثقة ، ومن الانتفاع بصلائها على يقين، وكنت اذا ادركت ذلك دام عليك وصفا لك، فاما والعادة جارية بخلاف قولك وتمنيك واقتراحك وتوهمك، فلا.
فقال الجرجرائي: الله الموفق وهو حسبي.
فقال ابو سليمان: حِكَمُ الكُتّاب واصحاب الخطابة مخايل، تصدق قليلا ، وتكذب كثيرا، ليس لها رسوخ في القلب، ولا ثبات في العقد.
فلما قتل الجرجرائي قال أبو سليمان:
ـ مسكين ذلك الرجل، صبر على دخانها الى ان اختنق، وتعرضّ لصلائها حتى احترق.
ثم قال:
ـ اللهم لا تكلنا الا اليك، ولا ترغبنا الا فيما لديك، ولا تعرضنا الا لطلب ما عندك، انا لَعجَزةٌ عن قدرة نظنها بنا، وضَعفَة على قوة ندعيها فينا، ارنا الحق حقا ثم هيئنا لاتباعه، وارنا الباطل باطلا ثم وفقنا للاعراض عنه، يا من يملك العيان والخبر ويرينا بهما العجائب والعبر.))(المقابسة 89).
ان الرأي الناشب حول هذه الحكاية يذهب الى انعدام الجدوى في التصدي للامارة والحكم والسلطة ، وهو رأي ابي سليمان كما ترى . والرأي الحصيف في شأن دنيوي في تقديرنا ينبغي ان يستند الى الحقيقة لا الى تجافيها ، والخلوص عن عرصتها والتهوين من شأنها ، والموت لاينتصب دليلا على سوء التقدير، فلقد لحق الموت باشرف الناس وهم يسعون الى الحكم ، بدافع الواجب والضرورة الملجأة وليس لهدف دنيوي عارض .. فهل كان الموت بمنأى عمن كان لايصبر على دخانها، ولا ستمتع بضيائها، ولاينتفع بصلائها؟.. انما اذا كان الغرور والشره والعجب هي اوائل ممارسة الامارة والسلطة فذاك الى المعيار الاخلاقي تصنيفه وتعييره .
الحكاية (13)(صديق الاسكندر)
جاءت هذه الحكاية في المقابسة الاخيرة ، السادسة بعد المئة ، وقد رواها النوشجاني في اطار التدوال بشأن الصداقة والصديق . فقال :واني احدثكم عن الصداقة شيئا حسنا:
((قرأت في اخبار الملك الحكيم الاسكندر انه كتب الى معلمه أرسطو طاليس ،يصف له ما رأى في مسيره الى الهند من الامور العجيبة، والاحوال الهائلة.
فكان فيما كتب له:
ايها الحكيم اننا انتهينا إلى خليج من البحر ، من ورائه مدينة عظيمة من مدائن الهند، ورأينا في اللجة من ذلك الخيلج شيئا ناشزاً بارزاً كهيئة الجزيرة ، فمنعني منه صديقي فيلون وقال : اعبر انا اولا، فان كان هناك مكروه وقع فيَّ دونك، فانه ان هلك فيلون وجد الاسكندر منه خلفاً، وان فقد الاسكندر، لا فقد، لم يكن على وجه الارض خلف. فعبر فيلون وعدة من خلاني وخُلصاني، فاذا ذلك الذي رأينا في البحر دابة عظيمة من دوابه، فلما دنا اصحابي منها غاصت في البحر ، فاضطرب الماء ، وغشى الموج سفائن اصحابي فاغرقها.فلما شاهدت ذلك اشتد جزعي على صديقي فيلون ومن غرق معه من خلاني، وانصرفت عن ذلك بقلب مصدوع، وطرف مولع بالدموع.)) ( المقابسة 106 ) .
ان اتيان هذه الحكاية كان عقب سؤال اثير في المقابسة السادسة بعد المئة حول معنى قول الحكيم ( افلاطن ) (ان الصديق انت ، إلا انه بالشخص غيرك ). وكان جواب النوشجاني ان في هذا القول تناقض في حد الصديق.فلا يصح من وجهة نظره .. والحكاية لاتلامس هذه القضية وحدها الذي هو الصديق ، انما هي امثولة لصدق الصديق واستعداده للتضحية من اجل صديقه حتى لو كلفه الامر حياته . ولكن هل للاسكندر اصدقاء كما الناس العاديين الذين ليس لهم سلطان .. ان فيلون رجل من رجال الاسكندر وهو احد قادته العسكريين ، وان العلاقة بينهما تتحكم بها هذه الصلة : الحاكم والمحكوم ، حتى وان تزينت بعلاقة صداقة ذات بعد شخصي ..

ثانيا: الامثلة

يعتقد المتقابسون ان الحس رائد للعقل ، وان المحسوسات معابر للعقليات ، والامثلة حسية ، تضرب للفهم فاذا وصلت الى العقل تمت مفارقتها. الا ان الامثلة في المقابسات ليست من الكثرة بمكان تضرب كدليل لكل قول، فهي ضربت في مواضع كانت الحاجة اليها ملحة للايضاح او التعليل او الاحالة . ولاتخلو الامثلة من بعض شروط انبناء الحكاية ، فهي احيانا تزاحم الحكاية في سردها ، او تنزوي لتتقيد بحدها ، بوصفها امثال ، لاتخرج عنه .
والقول التالي يبين على نحو مكثف وظيفة المثل في المقابسات ، حيث ان :
((الامثلة توضح ايضاحا يثق به الانسان مرة بعد مرة لكي لايرتج باب المعرفة ولايسد لها طريق)) ( المقابسة 35 ).
وفيما يأتي الامثلة حسب ترتيبها في المقابسات ..
المثل (1) (شرف ميت وشرف حي )
جاءت هذه الحكاية على لسان ابي سليمان لتعزيز تعليله في ان فضيحة حسيب لا ادب له ، اشنع وافظع من فضيحة اديب لا حسب له .
((قال سمعت بباب الطاق في هذه الايام، انسانا من انكاد السوق يقول لآخر من ضربائه :
ـ شرفك ميت وشرفي حي، وشرفك اخرس وشرفي ناطق، وشرفك اعمى وشرفي بصير .
قيل له: ماذا أراد بهذا؟
قال، أراد: اني بنفسي على هذه الفضائل الشريفة ، وانت بنفسك على اضدادها، لا تحيا ، ولا تنطق ، ولا تبصر، لم تنفعك ارومتك البيضاء، ولا تضرني جرثومتي السوداء، ومتى نابك امر فتحدثت بشرف غيرك، كنت بمنزلة الخصيّ المدل بِهَن ِ غيره، وهذا ما لا يجدي عليه عند البضاع.)) (المقابسة21)
المثال (2) (الحس امرأة حسناء ، والعقل شيخ هِمٌّ )
وجرى حديث حول ضرورة الحس التي فيها ( جذب واجبار ) وضرورة العقل التي هي ( لطيفة جدا ، لان العقل يعظ ، ويلاطف ، وينصح ، ويخوف ) فادلى ابو حيان معقبا على قول ابي الخير بهذا المثل ، نقلا عن اصحاب له :
((وكان بعض اصحابنا في الوراقين ببغداد يضرب في هذا مثلا: زعم ان مثال الحس في هذا كامرأة حسناء متبرجة، ذات وقاحة وخلاعة، قد جلست الى شاب طرير* له شطر جمالها وعليه مسحة من حسنها، تخدعه بحديثها ، وتراوده عن نفسه لنفسها، وتبدي له محاسنها، وتطمعه في الاستمكان منها، وتستعجله في حاجتها، وتحثه على قضاء اللذة والوطر منها.
فاما مثال العقل : فكأنه شيخ هِمٌّ قاعد على بعد، ليس به نهضة للزحوف اليه، والحيلولة بينه وبين ما قد نزل به من صاحبته الوقحة الفاضحة، الا انه مع ذلك يليح بثوب ، وينادي بصوت ، ويحرك رأسه ، ويبسط يده، ويعد ويلطف، ويعظ ويخوف، ويضمن ويرفق، ويشفق ويحنو، فاين تأثير هذا الشيخ الهِم المحطم من تأثير هذه الخالبة ، الغالبة ، المحتالة ؟ وهذا مع قلة اصغاء الشاب الى الشيخ وسيلانه مع هذه.)) هذا تمام المثل
ويردف ابو حيان :
(واراد بهذا المثل، الفرق بين العقل فيما يدعوك اليه لتسعد، والحس فيما يحملك عليه لتشقى، هذا في جميع ما تزاوله وتهم به ، وتتوجه نحوه ) (المقابسة 42).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شاب طرير : في لسان العرب لابن منظور (ورجلٌ طَرِيرٌ: ذو طُرّةٍ وهيئةٍ حسنَةٍ
وجَمال. وقيل: هو المُستقبل الشباب؛ ابن شميل: رجل جَمَِيلٌ طَرِيرٌ. وماأَطَرَّه أَي ما أَجْمَلَه وما كان طَرِيراً ولقد طَرَّ ..)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المثال(3) (الفيل والعميان)

((سمعت ابا سليمان يقول: قال افلاطن: ان الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه، ولا أخطأوه من كل وجوهه، بل أصاب منه كل انسان جهة.
قال: ومثال ذلك ، عميان انطلقوا الى فيل واخذ كل واحد منهم جارحة منه، فجسها بيده ، ومثلّها في نفسه، ثم انكفؤا .
فاخبر الذي مَسّ الرجِل : ان خلقة الفيل طويلة مدورة شبيهة باصل الشجرة وجذع النخلة.
واخبر الذي مس الظهر : ان خلقته شبيهة بالهضبة والرابية المرتفعة.
واخبر الذي مس اذنيه : انه منبسط ، رقيق ، يطويه وينشره.
فكل واحد منهم قد ادى بعض ما ادرك، وكل يكذب صاحبه ،ويدعي عليه الخطأ والغلط والجحد فيما يصفه من خلق الفيل. فانظر الى الصدق كيف جمعهم، وانظر الى الخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم))
((وكان يقول، اعني أبا سليمان: هذا مثل يشتمل على نكت حسنة مفهومة ، لا خفاء بها عند من سمعها بتحصيل، وتدبرها ببيان. قال: ولهذا لا تجد عاقلاً في مذهب يقول شيئاً الا وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره ، والسابق الى قلبه، والملائم لطبعه، والموافق لهواه، ولكن البارع ،المتسع ، المحصل ، له المزية في السبق والفلج بالتبريز.)) (64المقابسة 64).
المثال (4)( التكامل لا الكمال)
قال أبو العباس البخاري لابي سليمان وقد جرى كلام في الحظوظ والارزاق: لعل الذي عنى لي في ان العلم والادب و الحكمة والتبيين والاستنباط هو الذي اليه هذا الامر دون غيره من الامور، فلما تولاني بما هو اليه ابلغ بي وبلّغني، فاما ماعدا هذا من الحظ والرزق والكفاية فلعله إلى غيره .
فقال له ابو سليمان: ليس كذلك، بل المعنى بهما واحد، وإنما يختلف هذاالحكم ، ويشكل القضاء عليه في عالم الحس وعرصة الزخرف وأرجاء الماء والطين.
((والدليل على ذلك أن الحائك لا يزرع القطن، والخياط لا ينسج الثوب، والخباز لا يذبح الشاة، والعطار لا يدبغ الجلد، والزمار لا يضرب بالعود. ولو أمكن لفعل كل واحد جميع ذلك، فكان الإنسان يكمل بوفائه بكل شيء واتمامه بكل شيء.)) وبالواجب خالف حكم الحس حكم العقل في المعقول. كل مختلف متفقاً، وكل كثير واحداً، وكل بعيد قريباً؛ وكل متعذر سهلاً، وكل عصي سمحاً؛ وكل مظنون متيقناً. وذلك لأن الوحدة العقلية في الكثرة الحسية مدمجة ولو استوى الطرفان لسقط البحث وزال المراء، ولكان لا يشتاق الغريب إلى وطنه، ولا يحن إلى معدنه؟ ثم أنشد في هذا الموضع بيتاً ولم أدر من قائله وهو:
حن الغريب إلى أوطانه طرباً إن الغريب إلى الأوطان حنان
قال: فعلى هذا متوليك في العلم حتى منحك ما تراه هو متوليك في الرزق حتى زوي عنك ما تتمناه، لابائك قبول الكمال في الحاشيتين، لا لانقطاع الجود عنك في الوجهين. وهذا الإباء ليس لك فيه ذنب، وذلك الفيض ليس فيه عجز، ولكن هذا هو. وأنا استحسن بيتاً ، يأتي على أصل هذا الباب وفرعه ، لقائله ولله دره وهو:
فإن تصبرا فالصبر خير مغبة وإن تجزعا فالأمر ما تريان
ثم قال: على أنه وإن كان قد شرفك بما منحك من الحكمة، فقد نظر لك فيما قلل حظك منه، وكفاك مؤنة سياستة ومؤنة الأسف عليه اذا اضمحل، فصرت أربح الساعين وأغبط المجدودين بما تعلم به أنك مفضل فيه على كثير من بني جنسك ولداتك الناشئين معك، والضاربين بسهمك.فلا تكثر الأسى على شيء هو الظل الزائل، والحلم الباطل، وعليك في حياتك بما يكملك في الجملة، ويجملك من الأدب، ويفضلك من البيان ،وينبلك من الخلق، ودع ما سوى ذلك فإنه خلل(المقابسة 57).
المثال ( ) ( كثرة وجوه الالفاظ في الناموس الالهي )
يقول ابو حيان التوحيدي ، سمعت ابن مقداد يقول : ( ..لابد في وضع الناموس الالاهي الذي يتوخى به افاضة الخير ، وبث المصلحة .. من الاخبار التي تنقسم بين ما هو صدق محض وبين ما هو صدق ممزوج ، وتكون الالفاظ التي تدور بها ، واللغات التي ترجع اليها ، كثيرة الوجوه ، سمحة عند التأويل …انما وجب ذلك لان الناس في اصل جبلتهم ، وبدء خلقهم ، واول سنخهم ، قد افترقوا مجتمعين ، واجتمعوا مفترقين ، واختلفوا مؤتلفين ، وائتلفوا مختلفين ، وأحساسهم متوقدة ، وظنونهم جوالة ، وعقولهم متفاوتة ، واذهانهم عاملة ، واراؤهم سانحة . وكل متفرد بمزاج وشكل ، وطباع وخلق ، ونظر وفكر ، واصل وعرق ، واختيار والف ، وعادة وضراوة ونفرة ، واستحسان واستقباح ، وتوق ووقفة ، واقدام وجسارة ، واعتراف وشهادة ، وبهت ومكابرة ، هذا سوى اغراض كثيرة مختلفة لا اسماء لها عندنا خالصة ، ولا بصفات متميزة .
* المثال :: ((ومَثُل هذا مثل رجل اصلح طعاما كثيرا واسعا مختلفا من كل لون وجنس ومذاق ورائحة ووضع ونضد وحرارة وبرودة وحلاوة وحموضة ، ونصبه على مائدة واسعة عظيمة ، تجمع ذي عدد جم . فمتى لم تكن المائدة ذات الوان مختلفة واطعمة مركبة متباينة في القلة والكثرة والملوحة والحرافة والتقدمة ، لم يقبل كل انسان على ما يفتق به شهوته الخاصة له ، ولم تمتد يده اليه باللون الذي تدعو اليه العين ، لان للعين نوعا من الطلب ليس للفم ، وللنفس ايضا مثل ذلك ، اعني النفس المتغذية ، هذا غير ما هو مطلوب للنفس الناطقة من الترتيب والتكرمة والايناس والمحادثة . ثم قال : فلما كان الناموس الالاهي نصيحة عامة للكافة ، وجب ان يستعان عليها بكل ما يكون ردءا لها ، ورفدا معها ، وفارشا لما انطوى منها ، وموضحا لما خفي عنها ، وداعيا باللطف اليها ، وضامنا لحسن الجزاء عليها )) (المقابسة 4 )
ثالثا : المقالة
تتداخل حدود النص الفلسفي مع حدود المقالة التي تتناول شأنا آخر ، في قسم غير قليل من المقابسات . فترى نصا فلسفيا تم تحريره باسلوب بلاغي ، حتى يخال لك انه ابعد ما يكون عن القضية الفلسفية . ومقالا يتناول شأنا قريبا من الفلسفة فيه من الابعاد الفلسفية ما يدعوك الى تصنيفه نصا فلسفيا ، الا ان صفته هذه ليست محضة. والعنصر المشترك في كلا الطرفين هو الاطناب والاستطراد والايضاح والتحفيز. وبفضل هذه المزية يمكن فرز المقالة التوحيدية بوصفها ادبا فلسفيا . وهذا يكون اوضح ما يكون في المقالات التي تتناول اللغة والمعنى والنحو والمنطق وصلة كل ذلك بالعلم ، وتلك المقالات التي تتناول الحض على تحري الحكمة وطلبها ،والاخلاق والسيرة المحمودة . ولاتخلو المقالات من عبارات ومضامين فلسفية رصينة ، الا ان الطابع الذي طبعها هو الطابع المعرفي اكثر من طابعها الفلسفي . فللمقالات قيمة معرفية اكثر منها فلسفية من جانب ، ولها قيمة اسلوبية من جانب آخر . وهنا لابد من الاشارة الى ان: مقالة المناسبة والفرق بين النحو والمنطق ومقالة التوازن ، يمثلان نموذجا واضحا للادب الفلسفي ففيهما الفلسفة الى جانب الادب ، والمعرفة الى جانب البلاغة ( راجع دراستنا ـ توازن المقالة في المقابسات ، الحوار المتمدن ).
كما ان المقالة تثير ،احيانا وليس دائما ، مشكلة تعكر صفو التمييز مُعانَا بالاجناس الادبية المعروفة ..فان المعيار الذي نقترحه لتمييز طبيعة المقالة فيما اذا كانت فلسفية ام ادبية ، يتلخص في ان النص الفلسفي من جنس المقالة ، افكاره منظمة ومعللة وتتناول قضايا عرفية في تاريخ الفلسفة ، فيما تتحرر المقالة الادبية من أسار القضايا الفلسفية هذه . ومع ذلك فان المقالة ربما تجمع الخصيصتين معا ، اعني الفلسفية والادبية لتصنف تاليا ضمن الادب الفلسفي.
المقالة (1) المناسبة والفرق بين المنطق والنحو
ابو سليمان السجستاني :
((النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي. وجل نظر المنطقي في المعاني، وإن كان لا يجوز له الاخلال بالالفاظ التي هي لها كالحلل والمعارض. وجل نظر النحوي في الالفاظ، وان كان لا يسوغ له الاخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر. الا ترى ان المنطقي يقول : ينحرق وهو ينفعل، والنحوي يقول : يحترق وهو يفتعل ؟ لان نظر المنطقي ما حلاه العقل ، ونظر النحوي فيما حلاه اللفظ.
ونظائر هذا المثال شوائع وذوائع في غرض الفنين والنمطين، اعني المنطق والنحو. وكما ان التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط، كذلك التقصير في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط.
وحد الافهام والتفهم معروف، وحد البلاغة والخطابة موصوف. فالحاجة الى الافهام والتفهم على عادة اهل اللغة، اشد من الخطابة والبلاغة، لانها مقدمة بالطبع، والطبع اقرب الينا، والعقل ابعد عنا. والبديهة منوطة بالحس، وان كانت معانة من جهة العقل .والروية منوطة بالعقل ، وان كانت معانة جهة الحس. وليس ينبغي ان يكتفى بالافهام كيف كان، وعلى اي وجه وقع. فان الدينار قد يكون رديء الذهب، وقد يكون رديء الطبع، وقد يكون فاسد السكة. فالناقد الذي عليه المدار، واليه العيار، يبهرجه مرة برداءة هذا، ومرة برداءة هذا، ويقبله مرة بحسن هذا، ومرة بحسن هذا.
والافهام افهامان: رديء وجيد. فالاول لسفلة الناس، لان ذلك غايتهم ، وشبيه برتبتهم في نقصهم. والثاني لسائر الناس، لان ذلك جامع للمصالح والمنافع. فاما البلاغة فانها زائدة على الافهام الجيد ، بالوزن ، والبناء، والسجع ، والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، واحضار الزينة، بالرقة والجزالة والحلاوة والمتانة. وهذا الفن لخاصة الناس، لان القصد فيه الاطراب بعد الافهام ، والتوصل الى غاية مما في قلوب ذوي الفضل بتقويم البيان.
اما النحو : فانه نظر في كلام العرب ، يعود بتحصيل ما تألفه ، وتعتاده، او تعرفّه وتقلل منه، او تعرفه وتحيله، و تأباه وتذهب عنه، وتستغني بغيره.
والمنطق: آلة يقع بها الفصل والتمييز بين ما يقال هو حق او باطل فيما يعتقد، وبين ما يقال هو خير او شر، فيما يفعل، وبين ما يقال هو صدق او كذب، فيما يطلق باللسان، وبين ما يقال هو حسن او قبيح بالفعل.
ويعين احدهما الآخر ،واي معونة ! اذا اجتمع المنطق العقلي والمنطق الحسي فهو الغاية والكمال! ويجب أن تعلم ان فوائد النحو مقصورة على عادة العرب بالقصد الاول، قاصرة عن عادة غيرهم بالقصد الثاني. والمنطق مقصور على عادة جميع اهل العقل من أي جيل كانوا وبأي لغة ابانوا، الا ان تتعذر وجود اسماء عند قوم وتوجد عند قوم، فحينئذ الحال في التقصير يَتورَّك* على تعذر الاسماء وعلى وصفها على الخلاف، اما بالتواطؤ والاصطلاح، او بالطبع والاسماح.
وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيباً يؤدي لى المعنى المعروف ، او الى العادة الجارية. والمنطق يرتب المعنى ترتيباً يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة. والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو مأخوذة من العرب. ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق عقلي. والنحو مقصور، والمنطق مبسوط. والنحو يتبع ما في طبائع العرب، وقد يعتريه الاختلاف، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس، وهو مستمر على الائتلاف. والحاجة الى النحو اكثر من الحاجة الى المنطق، كما ان الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر من الحاجة الى البلاغة، لأن ذلك أول، وهذا ثان. والنحو أول مباحث الانسان، والمنطق آخر مطالبه.
وكل انسان منطقي بالطبع الاول، ولكن يذهب عن استنباط ما عنده بالاهمال، وليس كل انسان نحوياً في الأصل. والخطأ في النحو يسمى لحنا، والخطأ في المنطق يسمى احالة.
والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل. وقد يزول اللفظ الى اللفظ، والمعنى بحاله لا يزول ولا يحول، فاما المعنى فانه متى زال الى معنى آخر تغير المعقول ورجع الى غير ما عهدنا في الاول. والنحو يدخل المنطق، ولكن مزينا له، والمنطق يدخل النحو، ولكن محققاً له. وقد يفهم بعض الاعراض وان عرّى لفظه من النحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو، ولا يفهم شيء منها اذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو أشد التحاماً بالطبع. والنحو شكل سمعي، والمنطق شكل عقلي. وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية. وما يستعار للنحو من المنطق حتى يتقوم، أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ويستحكم. ولمنطق وزن بعيار العقل، والنحو كيل بصاع اللفظ، ولهذا قبل في النحو الشاذ والنادر، وردّ في المنطق ما جرى مجراهما..)) ( المقابسة 22)
المقالة (4) ( النحو والشعر واللغة ليس بعلم )
يحيى بن عدي
((اني لاعجب كثيرا من قول اصحابنا اذا ضمنا وإياهم مجلس: نحن المتكلمون، ونحن ارباب الكلام، والكلام لنا، بنا كثر وانتشر وصح وظهر! كأن سائر الناس لا يتكلمون او ليسوا اهل الكلام لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت؟ اما يتكلم ،يا قوم ، الفقيه، والنحوي، والطبيب، والمهندس، والمنطقي، والمنجم، والطبيعي، والآلهي، والحديثي، والصوفي؟ قال: وكان يلهج بهذا، وكان يعلم ان القوم قد احدثوا لأنفسهم أصولاً وجعلوا ما يدعونه محمولاً عليها ومتناولا من عرضها ، وان كانت المغالطات تجري عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى.
قال: وكان يصل هذا كثيراً بقوله: والدليل على أن النحو والشعر واللغة ليس بعلم، أنك لو لقيت في البادية شيخاً بدوياً قحا محرما، لم ير حضرياً قط ،ولا جاور أعجمياً، ولم يفارق رعية الإبل وانتياب المناهل وهو على عنجهيته التي لا يشق غباره فيها أحد منا وإن تكلف، فقلت له: هل عندك علم؟ فقال: لا. هذا، وهو يسيّر المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرين وعاه، واتخذه أدباً ورواه، وجعله حجة.
ان هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتشر منها على فائت الزمان، لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه لأبواب معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الآلهي والإقناع الفلسفي! قد بين هذا الباب أرسطو طاليس في الكتاب الخامس، وهو الجدل، كل ما في الإمكان من التعليق به والاحتجاج منه، مع التمويه والمغالطة، بل كثير من المتكلمين لا يصلون إلى غايات ما كشفه ، ورسمه ،وحذر منه وأبان عنه، وإن أنضوا مطيهم، وأبلوا جهدهم، سوى ما أتى عليه قبل هذا الكتاب وبعده مما هو شفاء الصدور وقرة الأعين وبصيرة الألباب والكلام في هذا طويل. ( المقابسة 48)
فهذا الذي يقول به أهل الكلام في طرائقهم، ليس بعقل، وإنما هو شبيه به أو شيء معه ظله أو حكمته وخياله، ولهذا ما ما خالطهم الهوى واستحوذ عليهم التعصب، وحسن عندهم التقليد ودب في نظرهم، وخذلهم اللجاج والصياح، وانفتح باب الحيرة عليهم، وسد باب اليقين عنهم. قال: ولهذا قل تألههم وتنزههم، وصاروا بتكافؤ الأدلة متجاهرين ومتساترين على هذا وجدنا أعلامهم وكبراءهم، ولولا إبثار التقي لذكرت لك أعيانهم وأسماءهم.))(المقابسة 54 )

المقالة ( 11 )(في اللغة العربية والنظم والنثر ) لابي سليمان
الحرف الذي يدعي في العربية وينسب إلى الأدب موروث من العرب، وذلك أن أرضها ذات جدب، والخصب فيها عارض، وهم من أجل ذلك أصحاب فقر وضر، وربما دفعوا إلى وصال وطي وكل من تشبه بهم في كلامهم وطريقتهم وعبارتهم إرتضخ ما هو غالب عليهم من الحرف والإخفاق اللذين عليهما إلفهم، ألا ترى أن الشبع غريب عندهم، والرعب مذموم منهم؟ وهذه هي الحال التي فرقت بين الحاضرة والبادية، وقد زادتهم جزيرتهم شراً لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة، والبيان الرائع، والتصرف المفيد، والاقتدار الظاهر، لأن أجسامهم نقيت من الفضول، ووصلوا بحدة الذهن إلى كل معنى معقول، وصار المنطق الذي بان به غيرهم بالاستخراج مركوزاً في أنفسهم من غير دلالة عليه بأسماء موضوعة وصفات متميزة، بل فشا فيهم كالإلقاء والوحي، لسرعة الذهن وجودة القريحة.
وقلت له: قد صنف أبو اسحق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم؟ فقال: قد كان منذ أيام سألني عنهما فقلت له: النثر أشرف جوهراً، والنظم أشرف عرضاً. قال: وكيف؟ قلت: لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة أقرب. فمرتبة النظم دون مرتبة النثر، لأن الواحد أول والتابع له ثان.
لا يطرب النثر كما يطرب النظم، لأنا منتظمون، فما لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة، فلذلك إذا أنشدنا ترنحنا، هذا في أغلب الأمر وفي أعم الأحوال، أو في أكثر الناس. وقد نجد مع ذلك أيضاً في أنفسنا مثل هذا الطرب والأريحية والنشوة والترنح عند فصل منثور، وما يهدي لهذا الذي نصرناه والمعنى الذي اجتبيناه، أن الكتب السماوية وردت بألفاظ منثورة، ومذاهب مشهورة، حتى إن من اصطفى بالرسالة في آخر الأمر غلبت عليه تلك الوحدة، فلم ينظم من تلقاء نفسه، ولم يستطعه، ولا ألقى إلى الناس عن القوة الآلهية شيئاً على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن ذلك، وخص في عرض ما كانوا يعتادونه ويألفونه، بإسلوب حير كل سامع، وبرد غلة كل مصيخ، وأرشد كل غاو، وقوم كل معاند، وأفاد كل لبيب وأوجد كل طالب، وخسأ كل معرض، وهدى كل ضال، ورفع كل لبس، وأوضح كل مشكل، ونشر كل علم، وأقاد كل شارد، وقمع كل رديء وهذا لا يكون، ولا يجب أن يكون إلا في الشخص المخصوص الذي يؤهل لنظم الكلمة المنتثرة، بإظهار الدعوة الغريزية في أيام السعادة المنتظرة بين خير أعوان. ثم يكون لهذا كله زمان محدود ينتهي إليه على السياح الأول مع العوارض التي تختلف من عجائب الزمان وأفانين الدهر، فإذا كان كذلك كر على سالفه بتجديد شأن شبيه بالدارس إلى أن تعود نضرته المعهودة فتزول خلوقته العارضة.)) ( 65)

المقالة(4) (الطبيعة في اللغة )

سألني أبو سليمان يوماً عن الطبيعة وقال: كيف هي عند أهل النحو واللغة؟ أهي فعلية بمعنى فاعلة، أو بمعنى مفعولة؟ قلت له: أكره أن أرتجل الجواب عنها، لعلي أدفع فيه إلى الاعتذار منه، وأنا أسأل شيخنا أبا سعيد السيرافي غداً إن شاء الله، وهو اليوم عالم العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض.
فقال: إنه كذلك، اجعله منك على بال، وتلطف في تحصيل ما عنده أجمع في هذه المسئلة
فسألت ابا سعيد عنها فقال: هذا من قبيل الأسماء المحضة، لا من قبيل الأسماء المشوبة، فلا يقال لذلك إنه فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، ولا يقال إنه فعيل بمعنى مفعول، كذبيح بمعنى مذبوح ولكن يقال هو فعل في أصله كجبير وأثير، ومع هذا فمعنى الفعل به أقرب من معنى الفعل منه، ولفعيل أسرار ووجوه، وقد كان بعض الناس زل فيه عند بعض الأمراء، وإذا لم يكن بد من اعتباره على طريقة هذا السائل، فلأن يكون بمعنى مفعول أولى، وذلك أنا نقول: طباعه كذا وكذا، وطبيعته، أي ما طبع عليه، وبمعنى فعل، والمفعول فيه أبين، وأخواته يدللن على ذلك، أعني الضريبة، والسليقة، والسجية، والغريزة، والنحيزة.
قال: وهذا كلام كاف في الحرف.
فاستزدته فاندفع فأتى بأشياء لك نشرها ههنا كالحواجب، وإن لم تكن محتاجاً إليها من كل وجه، ولكن الكلام له صورة لا تملك، وغاية لا تدرك، وإذا أعادها زدته بفائدة لعلها تشاكل نفس ما نحن فيه، وتسهل له، وتحدث عنه، فقد برئنا من العنف واللوم والإفراط في التوبيخ، إن شاء الله تعالى.
إلى ها هنا حصل ما اتصل بما كنا فيه، وكرهت اختزاله عنه، وأعود فأتمم صدراً بدات به في هذه المقابسة بعجزه، نعم فبادرت بالجواب إلى أبي سليمان وقصصته قراءة عليه.
فقال: هذا حسن مقبول، ويدل على أن ما سمعته من هذا الشيخ، غيض من فيض، وشرارة من حريق.
ثم قال: وإنما يصح قوله هذا إذا لخص المعنى الذي خصت الطبيعة به من قبولها من النفس، وانقيادها لتصريفها وانفعالها بتفعيلها، فإن الطبيعة كالهدف لما عنى النفس، وكالشيء الشاحي فاه المنتظر لما يلقى إليه ويرسم له، لا يتعدى حكمه، ولا يعصي أمره، ولا يخالف نهجه، وهذا شأن النفس مع العقل، ولكن أعلى من هذا، لأن الفيض الأول والجود الأول لا واسطة له ولا شوب ولا عارض عليه، ولا كره فيه ولا اختلاف، ولا تزاحم ولا اختلاط، ولا تدافع ولا اعتراض، بل على نوع الخلوص وما يزيد على ما يقع في النفوس، ثم التنزيل والتدريج والتوشيح يفيض ذلك كله في الطبيعة بصباباتها وسفافاتها، وبقوافيها ومعاينها وتظهر عند ذلك الأشكال المختلفة في الأشخاص، وتبدو قواه بوسائط المسانح والإحساس، فأما إذا وفى حقها فيما يقبل منها ما دونها، وينقاد لها ويأتمر لأمرها، ويجري على رسمها، ويظهر تشكلها في الأجزاء المتشابهة المختلفة العناصر، المختلطة والمتميزة، والمواد المستعدة والأبية، والأشتات المتلائمة والمتباينة، فإنها في حد الفاعلة التي تطبع وتنقش، وتصلح وتجمع، وتؤلف وتنقض، وتحظر وتبيح، وتندر وتستخرج. وهذه الرتبة حصلت لها من تقبلها للنفس لأنها أعطتها صورتها وكانت فاعلة بها، ولأنها قبلت منها فكانت منفعلة لها، فلها المرتبتان والحدان، بنظر ونظر، ووجه ووجه.
قال: وإذا وقف على هاتين الحالتين، الأولى بموجب اللسان العربي، والثانية بقضية الاعتبار النظري، لم يبق في الطبيعة من هذا النسق ما يفتقر إلى إيضاحه والإبانة عنه، لأن التصفح قد أتى على كل ما كان في القوة من هذين الوجهين. فأما حدها الذي هو لها بالتحقيق وهو ما قال أرسطو طاليس إنه مبدأ الحركة والسكون. وإيضاح هذا بين في الكتب الموضوعة فيه وفي أشكاله، وإنما قويت العناية في شرح هذا القول على قدر ما بدا من المسئلة والجواب.
تابعت حاطك الله من هذه المقابسات الثلاث لأنها متواخية في بابها، أعني أنها في حديث النحو واللغة والمنطق والنظر، وبهذا تبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمى بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحوياً، والنحوي منطقياً، خاصة والنحو واللغة عربية، والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها. والخلل على قدر ذلك قد دخل فيها بنقل بعد نقل، وشرح بعد شرح.)) (المقابسة 24)

المقالة ( 6) لطائف الحكمة

((ان لطائف الحكمة لا يصل اليها الحس الجافي، والغليظ الفدم، والجلف العبام، والهلباجة العلفوف ، وإنما هي تعرض لمن صح ذهنه، واتسع فكره، ودق بحثه، ورق تصفحه، واستقامت عادته، واستنار عقله، وعلت همته، وخمد شره، وغلب خيره، وأصل رأيه، وجاد تميزه، وعذب بيانه، وقرب إتقانه. قيل له: هذا عزيز جداً الآن؟! واتباع في هذا الفن وتمطي، وحاز كل غاية وتخطى. ومحصولي من ذلك ما سمعته الآن، فسر نفعنا الله به، وحلانا بأزينه، وأسعدنا بقبوله.))(34)

المقالة (7 ) (المنزلة ) للعامري

((المرض والعافية في الأبدان بمنزلة الغنى والفقر في الأحوال، والغنى والفقر في الأحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب، والعلم والجهل في القلوب بمنزلة العمى والبصر في العيون، والعمى والبصر في العيون بمنزلة الشك واليقين في الصدور، والشك واليقين في الصدور بمنزلة الغش والنصح في المعاملات، والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الأعمال، والطاعة والمعصية في الأعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب، والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الأفعال، والخير والشر في الأفعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع، والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الهجر والوصل في العشرة، والهجر والوصل في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الأشياء، والرداءة والجودة في الأشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الأمور، والصلاح والفساد في الأمور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب، والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصورة، والقبح الحسن في الصورة بمنزلة العي والفصاحة في الألسنة، والعي والفصاحة في الالسنة بمنزلة الأعوجاج والاستقامة في الأعضاء، والاعوجاج والاستقامة في الأعضاء بمنزلة الحياة والموت في الأجساد، والحياة والموت في الأجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب. فما أحوج هذا الإنسان بعد قيام هذه الأمور إذاعته ومحله وصرفه إلى يقظة بها يكيس في معاشه، ومنها يقتبس لمعاده، ويقتنى ما يحمد ريعه وجدواه، ويجتنب ما يصير سبباً لشقائه في عقباه؟ فباب الخير مفتوح، وداعي الرشاد ملح، وخاطر الحزم معترض، ووصايا الأولين والآخرين قائمة، ومزاحمتهم موجودة، والخوف عارض، والأمن مظنون، والسلامة متمناة. فماذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه بعد هذه الآيات المتلوة، والأعلام المنصوبة، والحالات المنقلبة، والنعم المتقلبة، والأعمار القصيرة، والآمال الكاذبة؟ أما يتعظ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول على تدبيره، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به، من انحلال تركيبه، واستحالة عنصره، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؟ بلى يعلم، ولكن علماً مدخولاً، ويعقل، ولكن عقلاً كليلاً، ويحس ولكن حساً عليلاً، كما قال الأول:
أشكو إلى الله جهلاً قد منيت به بل ليس جهلاً ولكن علم مفتون
واعلم أن الغرض كله من هذا الكتاب، وجميع ما اثبت عن هؤلاء الشيوخ، إنما هو في إيقاظ النفس، وتأييد ألعقل، وإصلاح السيرة، واعتياد الحسنة، ومجانبة السيئة. فاستصحب الغرض بالنية الجميلة فلعلك تؤهل للفلاحة والسعادة عند توزيع هذه الجملة المشتبكة، وانحلال هذه الحبائل المنعقدة.(43 المقابسة)

المقالة ( 9)( اهل الكلام )

((هذا الذي يقول به أهل الكلام في طرائقهم، ليس بعقل، وإنما هو شبيه به أو شيء معه ظله أو حكمته وخياله، ولهذا ما ما خالطهم الهوى واستحوذ عليهم التعصب، وحسن عندهم التقليد ودب في نظرهم، وخذلهم اللجاج والصياح، وانفتح باب الحيرة عليهم، وسد باب اليقين عنهم. قال: ولهذا قل تألههم وتنزههم، وصاروا بتكافؤ الأدلة متجاهرين ومتساترين على هذا وجدنا أعلامهم وكبراءهم، ولولا إبثار التقي لذكرت لك أعيانهم وأسماءهم.
سمعت ابن عباد بالري سنة خمسين يقول: طبع العقل على أن يشهد للباطل كما يشهد للحق، ولهذا اختلف العقلاء في جميع أمر الدين والدنيا وهذا أبقاك الله كلام خبيث، وقد تكلمت عليه في كتاب النوادر مع جميع علائقه وغواشيه، ولولا ذلك لكان يجب أن لا يثبت هذا القول ها هنا على وجهه، ولعمري إن عقله وعقل ضربائه كذلك، ولا أزيد على تهجينه بما يخرج عن حد الأدب المرضي، ويزايل أحكام الخلق الزكي، وقد جرى هذا الكتاب في ترتيب العقل وتحقيق المعقول وبلوغهما إلى ما يكون به العاقل عقلاً ومعقولاً ما يشفي الغلة، فانتبه واسعد به.))( المقابسة 54)

المقالة ( 10)(اختيار السيرة )

((وقد شفي الكلام في هذا الباب أبو زيد البلخي في كتابه الذي سماه باختيار السيرة ومن استوعب ذلك بفهمه وتذوقه بعلمه لحظ من هذا الباب أبعد مرام، وفاز منه بأوفر السهام، وعلى كل حال فاقصد مؤثر، والاجتهاد مثمر، والراية منصوبة، والطريق جدد، والشوق باعث، والنزاع متصل، والنداء عال، والاستجابة ممكنة، والتقرير أخذ الأهبة وتقديم العدة. فلعلك ترتقي بطهارة أخلاقك، وتهذيب سيرتك، وإصلاح حركاتك، وتمييز نومك من يقظتك، إلى معادن عزك، ومعدن فوزك، حيث لا حاجة ولا مذلة، ولا كثرة ولا قلة، حيث يكتنفك الغبطة والسرور، ويعمرك الروح والحبور، حيث لا تحتاج إلى ذكر، لأنه لا يعتريك نسيان، ولا تفزع إلى طبيب، لأنه لا يصيبك داء، ولا تتمنى شيئاً، لأنه لا يفوتك محبوب. ذاك محل لولاه ما اندفع الخطيب المصقع والعاقل المبين دهراً ودهراً لتنظيف بهجته وزينته، وشرفه وكرامته، ورفعته وسناه. ولم يلم بأدنى حقائقه، ولا بأخف ما يتشتت الوهم به، وإن أعانه بنو جنسه وفتحوا عليه أبواباً فوق أبوابه. وكيف لا تكون تلك الغاية نفيسة، وتلك النهاية عزيزة، وتلك العرصة مأنوسة، وتلك العقوة مقدسة، ولا شرع إلا وهو مشوق إليها، ولا عقل إلا وهو يحث عليها، ولا بال إلا وهو منوط بها، ولا لسان إلا وهو آثر عنه، ولا روح إلا وهو متعلق به طمعاً فيها، فكل ما دونها سراب وكل سعي دون تحصيلها تباب، وكل تجارة في غيرها خاسرة، وكل أمنية دونها خائبة. والله لو أن أحدنا حاول وصلة بينه وبين أحد يشرف بجده عنده، وعز يناله به، وراحة يتعجلها منه، بكل عزم وجد، وكل كذح وجهد، مع يقينه بزواله واضمحلاله، إذا نال وأدرك، كان غير ملوم في سعيه، ولا معذول عن غدوه ورواحه، ولا يهجن الرأي في ملتمسه؟ فكيف إذا قصر همه على طلب الزلفة في دار الخلود، ونزع إلى مواصلة من به وجد كل موجود؟ والسلام.))(61)

المقالة ( 12)( في الحكمة )

((وليس في التحلي بالحكمة تعب كثير، قد والله شاهدنا قوماً تحملوا آلاماً كثيرة وركبوا أهوالاً عظيمة لسبب إغراض باطلة، وأعراض زائلة، لسبب هوى سول لهم، وقرين أغواهم، واعتقاد رديء غلب عليهم، وشيء حقير تعجلوه بشهواتهم! وطلب السعادة بإصلاح السريرة وانتحال الصواب أهون من ذلك أجمع. فلا يصدنك عن سلوك هذه المحجة البيضاء أمر مبهم، ولا حال مستعجمة، فإن فيما تدركه وتشرف عليه وتنال الروح به خلفاً كثيراً وفائدة عظيمة. فلا تكل نفسك إلى اختيار السوء، وإلى قرناء السوء، فإنك إن فعلت ذلك خسرت خسراناً مبيناً وضللت ضلالاً بعيداً، وتحرقت أسفاً، وتقطعت ندماً، وإن نعشت نفسك، وأخذت يدك بيدك، واستمررت في أمرك، واستترت بدائك، ورفضت كل كل عنك، وعرفت المراد منك؛ فزت فوزاً عظيماً، ونلت ملكاً ونعيماً، وبقيت بقاء لا انقطاع، وسعدت سعادة بلا شقاء، وصفوت وعلوت، وعرفت وأنفت، وقدرت وظهرت، ومجدت وشرفت، ولظتك عين الجود غامرة، واكتنفتك الخيرات ظاهرة وباطنة. واحداً لا ينقسم، وناظراً لا يغمض، وموجوداً لا يعدم، وبيناً لا يخفى، وشاهداً لا يغيب، وحاضراً لا يفقد، وعلانية لا تنكتم، ومتصلاً لا ينقطع، وحبيباً لا يقلى، ومعشوقاً لا يخفى، وموصولاً لا يبعد، وصاحباً لا يمل، ومجموعاً لا يفترق، وآمنا لا يخاف، وساكناً لا يقلق، وناطقاً لا يعيى، وصحيحاً لا يسقم. أمر يجل عن نعت الناعتين، وحال تعلو قول الواصفين، وشأن تدق على خبر المخبرين. فاجمع أكرمك الله بالقبول أطرافك، وشمر إلى الغاية ذيلك، وكن رقيباً على نفسك، فلا مشفق عليك سواك، ولا ناظر في أمرك غيرك، وعلى الدعاء والتلطف، وعليك الاجتهاد والسعي. فما بعد نصح الداعي وقبول السامع إلا نيل الأماني وبلوغ الآمال.)) (67)

المقالة ( 13 ) ( كيف اصبحت )

((أصبحت مالك الظاهر مملوك الباطن لا أفقد عدواً، ولا التذ إلا عفواً، إن حزنت حزنت طباعا، وإن فرحت فرحت خذاعاً، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلبت الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وأشوقا إلى وطء ذاك البساط ، واكربا من عقد هذا الرباط، يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير. وهذا كما ترى.)) (المقابسة89 ).

المقالة ( 13)( البلاغة العربية )

((البلاغة هي الصدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف، وإصابة اللغة وتحري الملاحة المشاكلة برفض الاستكراه ومجانبة التعسف.
واذا كذب البليغ ولا يكون بكذبه خارجاً عن بلاغته ، ذلك هو الكذب قد ألبس لباس الصدق، وأعير عليه حلة الحق، فالصدق حاكم، وإنما رجع معناه إلى الكذب الذي هو مخلف لصورة العقل الناظم للحقائق، المهذب للأعراض، المقرب للبعيد، المخضر للقريب.
ولا يبين لنا ان بلاغة احسن من بلاغة العرب إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكما بريئاًً من الهوى والتقليد والعصبية والمين، و هذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة؟ ولكن قد سمعنا لغات كثيرة من أهلها، أعني من أفاضلهم وبلغائهم، فعلى ما ظهر لنا وخيل إلينا لم نجد لغة كالعربية، وذلك لأنها أوسع مناهج، وألطف مخارج، وأعلى مدارج، وحروفها أتم، وأسماؤها أعظم، ومعانيها أوغل، ومعاريضها أشمل، ولها هذا النحو الذي حصته منها حصة المنطق من العقل، وهذه خصة ما حازتها لغة على ما قرع آذاننا وصحب أذهاننا من كلام أجناس الناس، وعلى ما ترجم لنا أيضاً من ذلك؛ ولولا أن النقص من سوس هذا العالم وتوسه لكان علم المنطق بهيئة الطبيعة بالعربية، وكانت بسوق العربية إلى طبائع اليونانية، فكانت المعاني طباقاً للألفاظ والألفاظ طباقاً للمعاني، وحينئذ كان الكمال ينحط إليه عن كثب، والجمال بصادفه بلا رغب ولا رهب.
أصل الدور بعد الدور، والكور بعد الكور، ينسيان هذا الذي شمناه لقوم يكونون بعد ما فات العالم، مشتاق إلى الكمال، ومشتاق إلى الجمال، عندهما يكون الغاية، وإليهما تقف النهاية.)) (88)

المقالة ( 14 ) (طباع اهل بغداد ) ((المقابسة 91))

مقدمة المقابسة لابي حيان التوحيدي
(هذه مقابسة تشتمل على كلمات شريفة من كلام أبي الحسن محمد بن يوسف العامري ، علقت وسمعت أكثرها منه، وهي التي مرت في شرحه لكتابه الموسوم “بالنسك العقلي” ويصلح أن يأتي عليها هذا الكتاب فأتيت بها على وجهها قصداً لتكثير الفائدة وأخذاً بجماع الحزم.)
((هذا آخر التعليق عنه نضر الله وجهه، وقد كان قادراً على هذا الجنس من الكلام لطول ارتياضه به وكثرة فكره فيه؛ مع سيرة جميلة. ولقد ورد بغداد سنة أربع وستين وثلثمائة في صحبة ذي الكفايتين فلقى من أصحابنا البغداديين عنتاً شديداً ومناكدة، وذلك أن طباع أصحابنا معروفة بالحدة والتوقد على فاضل يرى من غير بلدهم، وذلك كله جالب للتنافس، مانع من التناصف، وهو خلق تابع لهواهم، وتراهم قد احتاجوا من أجل ذلك إلى علاج شديد ومقاومة طويلة، وقل من يتخلص إلى غاية هذا الباب لغلبة الطباع، وسوء العادة، وشرارة النفس. والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من بذلهم الواجب عليهم، وهذا باب وإن كان فاشياً في جميع الناس فكأنه في أصحابنا أفشا وهو من جهتهم أعدى، وهو على ذلك لا يعشر واحداً منهم إذا برز في فن عشرة من غيرهم، وإذا كان الكمال عزيزاً في النوع كيف لا يكون عزيزاً في الواحد؟ نسأل الله خلقاً طاهراً، وعملاً صالحاً، وعلماً نافعاً.)) (90)

المقالة ( 14) ( في اللفظ والمعنى )( مقالة المقابسة 91) للتوحيدي
وهي مقابسة اثبت فيها حدود الاشياء .

(( قد مر في هذه المقابسة التي تقدمت فنون من الحكمة وأنواع من القول ليس لي في جميعها إلا حظ النفس الراوية عن هؤلاء الشيوخ، وإن كنت قد استنفدت الطاقة في تنقيتها وتوخي الحق فيها، بزيادات يسيرة لا تصح إلا بها، أو نقص خفي لا يبالي به، وأنا أسألك أن تأخذ منها ما وافقك وتدع على ما بار عليك، ولأجل ما سلف من القول في المسائل ما أحببت أن أحكي لك حدوداً حصناها على مر الزمان، بعضها أخذ من أقوال العلماء وبعضها لقط من بطون الكتب، بعد أن عرض الجميع من يوثق بصناعته، ويرجع إلى نقد واختياره، فاشركني في فوائدها وهب لي من بعضي استحسانك لها، وتغمدني بكرمك وفضلك اللذين لا يستغني مثلي عنهما، واستقر أني نقلت هذا الكتاب والدنيا في عيني مسودة، وأبواب الخير دوني منسدة، بثقل المؤنة وقلة المعونة، وفقد المؤنس بعد المؤنس، واشتعال الشيب، وخمود النار، وأفول شمس الحياة، وسقوط نجم العمر، وقلة حصول الزاد، وقرب الرحيل، وإلى الله التوجه، وعليه التوكل، وبه المستعان، ولا موفق غيره، ولا معين سواه. وفي الجملة أسألك بالملح الذي يتقاسم به الفتيان ظرفاً أن تعذرني في تقصير تعثر عليه، فوالله ما شرعت في تحبير هذا الكلام، وإيراد هذه الوجوه، إلا شغفاً بالعلم لا ثقة ببلوغ الغاية، وأنت أولى من عذر، كما أني أحق من اعتذر. وهذا كله يجري في مجالس مختلفة بين مشايخ الوقت بمدينة السلام.
ورأيت أن إخلالي بتحصيل على أي وجه كان، أشد من إخلالي بتقصير يمر في جملة ذلك، فتعرضت له على علم مني بقلة السلامة، على أن من أنحا علي بحده، وكشر لي عن نابه، وجعل صوابي خطأ، وخطأي فيه عارا، احتملت وصبرت وتغافلت وعذرت، وإذا كنت في جميع ذلك راوية عن أعلام عصري وسادة زماني، فأنا أفدى أعراضهم بعرضي، وأقي أنفسهم بنفسي، وأناضل دونهم بلساني وقلمي، ونظمي ونثري، وأرجو أن لا أخرج عند التصميم وضيق العطن عند الخصام إلى مفارقة الأدب، وإلى ما يقبح الأحدوثة، فأقول قولاً يورث الندامة، وأبرز بروزاً يجلب الملامة، ولست أنافس أحداً على هذا الحديث إلا بعد أن يرسم بقلمه في هذا الفن عشر أوراق يسلم فيها كل السلامة، ويتبرأ فيها من كل قالة، وهذا ما لا يتطاول له كل أحد، ولا يعثر به كل إنسان، والطعن بالقول سهل من بعيد، والعنف خفيف على لسان كل غائب، والتعقب مركز في كل وقت، ولكن الستر أجمل، والإبقاء أحمد، ولأن يطلب التأويل في سهو يعرض أحسن من أن يستبان الخلل فيما لعله يتسبب، على أن الحسناء لا تعدم ذاماً، كما أن المحسنة لا تعدم ملاما، والسلام.
والمقابسة التي من قول العامري قد جعلناها مقصورة على حدود حصلناها، وفي نثرها فوائد جمة، ولو كان الوقت يتسع لوصلنا جميع ذلك بما يكون شرحاً له وشاهداً معه، وإذا عاق ما لا خفاء به من المكروه والعلم في النفس، والحال في الإخوان، فلا بد من الرضى بالممكن والنزول عند التسهيل والقناعة.)) (91 ـ مقدمة المقابسة )).

المقالة ( 15)(( في اللفظ والمعنى ))

ـ ما قاله ابو سليمان لابي حيان ،، المقابسة 91 في ختامها )
(( هذا آخر المقابسة التي أتت على حدود هذه الأشياء، وهي وإن كانت تحتمل التخفيف فبعض المطالبة والاعتراض ببعض الإستقصات قد حوت معاني غريبة وطرقاً واضحة، وقد كنت عرضت أكثر هذا على أبي سليمان وعلى غيره فما أصبت عند أحد منهم ما يحكى إلا ما قاله جماعة من النحويين فإنهم بهرجوا كلمة بعد كلمة منها من ناحية الإعراب والصوغ، فأعدت على أبي سليمان ذلك فقال: إذا استقام لك عمود المعنى في النفس بصورته الخاصية فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ؟ قال: وليس هذا مني في تصحيح اللفظ واختلاف التزويق وتخير البيان، ولكن أقول: متى جمح اللفظ ولم يوات، واعتاص ولم يسمح، فلا تفت نفسك خصائص المطلوبات وغايات المقصودات، فلأن تخسر صحة اللفظ الذي يرجع إلى الإصلاح أولى من أن تعدم حقيقة الغرض الذي يرتقي إلى الإيضاح. ولولا هذا الذي قاله هذا الشيخ لما اخترت نثر هذه الحدود على ما عرفتك من أعلامها واطراد القول عليها، ومن بحر الحكمة تدفقة فقد أوتى فضلاً كثيراً وفاز فوزاً عظيماً وأحرز ملكاً كبيراً.)) ( 91)
المقالة ( 16)( الكلام في النفس ..)
((وقد أتت المقابسات الأول على فقر بليغة في تحقيق شأن النفس وإثبات أمرها وما خصت به دون البدن والمزاج وتوابعها ولواحقها، ولا وجه للولوع بالإكثار، فإن ذلك ربما جر إلى التقصير وحمل على الاعتذار. وهذا علم كلما قلت الحروف فيه كان المعنى بها أتم وأخلص، وكلما كثر اللفظ كان ما يراد به ويعني فيه أنقص، وليس كذلك باقي العلم. والسبب في ضيق هذا العلم أنه بحث عن حقائق الموجودات، وقصد أعيان المعقولات والخصائص، عرية من العلل والشبهات، بعيدة من الشكوك والمعارضات غنية عن التأويلات والاحتمالات، لأنها تصون أغراضها عن زخارف القول، وترتفع عن مواقع الاستعارة والغلط وألتجوز والأتساع، ولهذا ما انساق نظرهم إلى حصر الموجودات في دائرة العشرة حتى لحظوا الجوهر والكم والكيف والمضاف والأين، وكذلك متى، والواحد له، ويفعل وينفعل، وفصلوا خواصها، وحققوا حدودها، وأوضحوا علاماتها، واستوفوا جميع أحكامها المفصلة بين المعاني اللفظية، والحقائق الآلهية، والخواص الطبيعية، والمناسبات الكلية والجزئية. وفي ضمن هذه الكلمات الشريفة الحاوية لكل ما علا وسفل معنى هو الجنس الأعلى، ومعنى هو النوع الأقصى، ومعان بينهما إذا أضيفت إلى ما علا منها كانت أنواعاً، وإذا أضيفت إلى ما سفل عنها كانت أجناساً. ولما فات سائر العلماء هذا البحث تاهوا واضطربوا وحاروا واحتربوا، وصار ذلك ثقوباً للعداوة وسبباً للاختلاف. وبهذا النظر أيضاً عرفوا القوى الأول من النفس، ألا تراهم إذا سموا شيئاً بالباقي كيف يعنون به الجسم المتنفس، أي الذي له جملة القوى النفسانية: القوة المولدة وبها تكون المثل، والقوة المربية وبها يكون البقاء، ولا قوة الغادية وبها تكون الزيادة؟ وبهذا النظر استملوا من العقل ما لاشيء الذاتي، وما ذلك الذي ليس بذاتي، وما الأعيان والذوات والمواد، وما المعاني المنطقية التي إنما تضيف الإضافة؛ وكيف حصل معنى به عم الحيوان الذي هو جنس للثور والفرس والإنسان، وكيف حصل الناطق الذي هو فصل بين الإنسان والفرس حتى تميزت الأشياء بالجنس والنوع والخاصة والعرض ما هو بالموضوع، وما هو بالطبع، وما له مبدأ وما له من المبدأ، وما علته فيه، وما علته في سواه، وما علة له علة لما هو أو ل في العقل، وما هو علة في النفس، وما هو أول بالطبيعة، وما هو أول بالزمان، وما هو أول بالدهر، وما هو أول بلا سبب، أعني بالإطلاق، وما هو بسيط، وما هو ممزوج، وما هو حق، وما هو باطل. وهذه تلاع لا يرقاها إلا الأقوياء الأصفياء، وبحور لا يركبها إلا السعداء الفضلاء. وأنا أعتذر من انشقاق الكلام في هذا الموضع وتصرف الحديث به، مع تباعدي عن كثير مما هو أولى بي وأنفع لي، ولكن الكلام صوب لا يملك إذا هطل، وجمان لا يحصر إذا انتثر، ووسمي يتبعه الولي، وخيره ما كان عفواً، وشره ما كان تكلفاً، ولست أعني بهذا بلاغة البلغاء ولا خطابة الخطباء، ذلك شأن عن غير هذا المحكم، لأنه ملحوظ بالهذر، وربما يستغني عنه في الأكثر، وإنما أعني ما يطبق الفصل ويحقها، ويحثها بالمعنى ويأتي على المراد، ويشفي غليل النفس، ويهدي لليقين. فذاك كالعرض لا ثبات له ولا سكون معه، وقد يعرض أيضاً في تحقيق المعاني وتحصيل الأغراض بعض التجوز والسعة، ولا يكون ذلك معتمداً بالقصد الأول، ولكنه يكون كالشيء الذي لا يعري عن مجاورة الأمر الذي لا يخلو من ضده. وكيف يصدر عن الإنسان المركب الممزوج شأن لا عيب فيه؟ أو كيف يصح له فعل لا عتب عليه به؟ وإنما يصدر من المركب مركب مثله، ومن الممزوج ممزوج شبيهه، ولكن بين المركب والمركب بسيط، وبين الممزوج والممزوج صاف، وبين المعقول والمعقول صلات، وبين المظنون والمظنون فنون تشير إلى اليقين. فما أحرى من فتح الله بصره وأيقظ نفسه، أن يعترف بنعمته عليه، وينشر ما قد وهب له )) (المقابسة 94)

المقالة ( 18) ( العهد ) ( المقابسة 94)

((وقد رويت في هذا المكان عهداً وجدته لبعض أصحابنا كتبه بيده، وكان تذكرة نفسه، ومتخير لسانه، ومشهد طرفه، وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه الله فلان ابن فلان وهو يومئذ آمن في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، فلا يوالي مخلوقاً ولا يستجلب منفعة من الناس، ولا يستدفع مضرتهم عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره ما استطاع، فيعف، ويشجع، ويحكم وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته. وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة، ولا غضب في غير موضعه. وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة ليصلح أولاً نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة. وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها. وهي خمسة عشر باباً هي: إيثار الخير على الشر في الأفعال، والحق على الباطل في الاعتقادات والصدق على الكذب في الأقوال وذكر السعادة وأن تحصيلها يكون باختيار دائماً وكثرة الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائمة بين المرء ونفسه والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها وحفظ المواعيد حتى أنجزها وأول ذلك ما بيني وبين الله عز وجل وقلة الثقة بالناس بترك الاسترسال ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل وحفظ الحال التي تحصل بشيء شيء حتى تصير ملكة ولا تفسد بالاسترسال والإقدام على كل ما كان صواباً والإشفاق على الزمان الذي هو العمر ليستعمل في المهم دون غيره وترك الخوف من الموت والفقر بعمل ما ينبغي، وترك الدنية وارك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد لئلا يشتغل بمقابلتهم، والانفعال لهم وحسن احتمال الغنى والفقر والكرامة والهوان بجهة وجهة وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور والرضى عند الغضب ليقل الطغي والبغي وقوة الأمل، وحسن الرجاء، والثقة بالله تعالى وصرف جميع البال إليه فإذا يسر الله تعالى أصلح نفسه بما جاهد عليه تفرغ بعد ذلك إلى إصلاح غيره. وعلامة ذلك أنه لا يبخل على أحد بنصيحة، ولا يمنع أحداً رتبة يستحقها، ولا يستبد دون الإخيار بما يتسع له، فإذا أكمل الله له ذلك ورفع عنه العوائق والموانع، وبلغه ما في نفسه من هذه الفضائل ليصير بها من أوليائه الفائزين، وأنصاره الغالبين، وعباده الآمنين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقد استجاب له بحمده إلى كل ما دعاه به ووثق بعد ذلك من جانبه إلى كل ما وكله إلى جوده من إعطائه ما لا يحسن أن يرغب فيه، وإعاذته مما لا يحسن أن يستعيذ منه. وهو حسبه وعليه توكله ولا قوة إلا به.
وهذا آخر العهد، وهو غني عن تقريظي ودلالتي على حسنه لظهور الحق عليه، فمن جعل هذه نبيلة صدره، وعقيدة سره، ووسيلة بينه وبين ربه، فهو الفيلسوف الحق المبرز المحقق.)) ( المقابسة94)

المقالة ( 19) ( النص الكامل للمقابسة 95 )
((رويت لأبي سليمان كلاماً لبعض الصوفية فلم يفكه ولم يهش عنده، وقال: لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئاً لقلت: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ممالك، فمن خاص نفسه من المهالك قوى على المسالك، ومن قوى على المسالك أشرف على الممالك شرفا يوصله إلى المالك.
قال أبو الخطاب الكاتب: أيها الشيخ، هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم، فلو زدتنا منه؟ فقال: الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مدلة، فمن اهتدى في الأول وثبت في الثاني أدرك في الثالث، ومن أدرك في الثالث فقد أفلح. ومن ضل في الأول وزل في الثاني خاف ومن خاف في الثالث فهو من الهمج.
واستزاده مظهر الكاتب البغدادي فاستعفى وقال: هذا حديث قوم أباعد منا على بعض المشاكهة وما قلناه كاف فيما قصدنا، فإن استتب خفت العار واستحليت الغار، ولكل أفق يدورون عليه، ومركز يطمئنون إليه، وجو يتنفسون فيه، وفنن يقطفون منه.
ولولا هذه اللطائف التي هي مشغلة النفوس الوافرة والناقصة، لكانت الصدور تتقرح بأسا، والعقول تتحير يأساً، والأرواح تزهق كمداً، والأكباد تتفتت صمداً، فسبحان من له هذه القدرة وهذه الخليقة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة.))(95)
المقالة ( 20)
((وقال آخر: ما ترى هذا الرباط المعقود، والسرج المشدود، والأفق الممدود، والمركز الممهود، والحد المحدود؟ وقال آخر: التعليم الهندسي صناعة من الصناعات العقلية والأنسية ويقع بحثا على المقادير والأبعاد والأشكال والزوايا، وما يقع تحت كل مقدار وبعد من الزوايا الخطية والسطحية الجسمية. وقال: الهندسة صناعة معروفة المقادير وطبائعها وحدودها وخواصها وما يقع تحتها من أجزائها وأشخاصها، والمقادير هي الأشياء ذوات الأبعاد، وهي ثلاثة: طول، وعرض، وعمق. والمقدار الخطي بعد واحد، وهو الطول، والمقدار السطحي بعدان، وهما الطول والعرض. والمقدار الجسمي ثلاثة أبعاد، وهي: الطول والعرض والعمق، فالجسم المقدار التام.
وقال قائل: إذا غاص الإنسان في البحر واستخرج درة فيها غناه فقد حاز سعادته وملك إرادته، لأنه ليس من شرط الغنى أن يستخرج جميع ما في قعر البحر من الدر والجوهر، فإن طالب هذا مغرور، وعقله مختل، ولكن إذا حصل له الغنى بدرة واحدة، وخاصة إذا كانت ثمينة، فقد كفى وغني. وهذا معناه على ما سبق إلى الفهم، أي لا يلهج بالاستكثار بالعلم وبالتوغل في فنونه، وكذلك في السير المختلفة الأحوال المتباينة، فإن الرشد إذا أصيب، والغبطة إذا أنلت، والخير إذا وجد، فقد سعد المرء ونجا من العطب، وإن فاته وراء ذلك جميع ما هو داخل في باب الخير وموجود في ناحية الزيادة. ولعمري إن الاجتهاد حسن، وطلب الأقصى شجاعة. ولكن الغاية المتوخاة موهومة ولا سبيل إلى بلوغها، والذي يجب بذل الاستطاعة وقلة الرضى بالفتور ومصارفة الزمان بكل حال. وما أحسن ما يعمر بهذا المعنى بعض الموفقين حين قال: إنا نحرص على بلوغ الغاية لبعد السفر لأنه لا راحة دونها، ونشح على ساعات العمر لقصر المدة لأنه لا عمل بعدها. وهذا كلام عال، وينبغي أن يكون الحرص نقياً من الكد والاجتهاد، برياً من التعب المؤدي إلى العطب.))(96)
المقالة ( 21)( ايها الانسان )
لم تنسب الى احد قدمها بعبارة ( وقال آخر )
((إنما أنت لب في قشرة، فاحفظ لبك بصيانة قشرك، ولا تصن قشرك بإضاعة لبك، واعلم أنك ذو لب واحد وذو قشور كثيرة، وتنقيتك من قشورك صعب، وقيامك بلبك أصعب. والأمر الأمم الذي يجب أن يتمم هو أن تنقيتك قشراً بعد قشر حتى إذا وصلت إلى القشر الحافظ للب أشفقت عليه وسسته ليبقى لبك مصونا في قشرك، فإن من إيلتك لهذا القشر باب إلى التواء وجالب للفساد، وستنقشر عن ذلك في الثاني على حسب ما يهيئه من هو أولى بك وأقدر عليك وأنفذ حكماً فيك، وهو الذي نظمك وأنت بدد، وجمعك وأنت مفرق، ونظر لك وأنت مغيب، وأوجدك وأنت عدم، وأقدرك وأنت عاجز، وأهمك وأنت ساه، وأنبهك وأنت راقد، ولاطفك وأنت جاف، وألفك وأنت متناف، وقادك إلى حظك وأنت كاره، وأتاح لك الخير وأنت يائس. وأعلى يا هذا حظك وأنت كاره وعلى هذا نظائر لا تحصى، ولطائف لا تستقصى، فهل يبقى لك بعد هذا حجة أو متعلق؟! ))(96)
المقالة (22) ( في الكلام الواضح الجلي ) جاءت في الثلث الاخير من المقابسة ::
لابي حيان التوحيدي ..
(( خير الكلام في الواضح الجلي أن يكون لطيفاً يستجمع إلى السامع ما يربط مراده، وفي الغامض الخفي أن يكون مكشوفاً ليلحق السامع منه ما نحاه ببحثه وطلابه. فأما إذا تهافتت المعاني تارة بسوء التأليف، وتارة بالإكثار، وتارة بالتعريض، دخلها الخلل ولم يبلغ المحصل لها على ما قد ثبت رأيه وساق نظره وسعيه إليه، على أني أعذر كل خطيب مصقع، وكل بليغ وكل باحث متوغل، وكل طالب مترفق، إذا تكلم في النفس وبحث عن شأنها أن يعيا ويحصر ويقصر، فإن المطلوب في هذا الأمر صعب، والغاية بعيدة، والشوط بطيء، والعجز شامل، والناصر مفقود، والتعاضد مرتفع، والقوة محدودة، والقدم زلالة، والمنتهى حيرة. وإذا كان النظر في النفس على ماأصف مع روادف لا أفي بتسطيرها في هذا المكان، فكيف الكلام في العقل وهو البحر العميق، والمعنى الذي هو في ذلك أنيق! فكيف الكلام في العلة الأولى وهو الذي كان إليه القصد، وعليه وقف العمد، ومن أجله يحمل عبء هذا الأمر! واشتعل بارق هذه الحال وصبر على آثار الكون والفساد، وترقى في سلاليم الغرر والخطر، وتجرع كل كأس هي أمر من الصاب والصبر، وفقد شرف الإتصال بالباري، ودق البحث، ولطف النظر؟ وبقدر رتبة العقل التذ الكلام عليه وطرب على الخبر عنه، وبقدر محاسن النفس عرض العشق وبذل الصوت وجرد السعي، ويتلي عن كل إلف، وكيف لا يكون الكلام في هذه المعاني صعباً والبحث شديداً والقوة عاجزة، وأنت لو أردت آثار الطبيعة في عرصة الكون والفساد من هذه الرتبة المكلة للأبصار بعد استنفاد قواها، والمسددة للآذان بقدر استيفاء ما فيها، لم تستطع ذلك ولم تقدر عليه، نعم ولو كان كل من هو في مسكك ظهيراً لك ونظيراً معك؟ وكان أبو سليمان إذا رأى بعض أصحابه يتشدد في هذه الوجوه قال له: يا هذا أرفق فالإستقصاء فرقة إكتف من هذا المطلوب بما يجاد به عليك ويساق بزمامه إليك، ولا تعنف فالعنف محرمة. وعليك بالرفق فإنه سحر النفس، والشاعر يقول: والدر يقطعه جفاء المحالب
وقد والله صدق وقال الحق، إن طلب ما لا ينقاد لك لتبر به مثل ما لا تنقاد له بحسرك عنه شقاء ومذلة وتضييع زمان وإمارة بسعي واحتمال خسف واختراع أسف.))(97)
المقالة ( 23) ( المقابسة 97) تابعة لما سبق ونفرزها عنها لاختلاف الموضوعين
غير كاملة نكملها من الكتاب
((وقد والله صدق وقال الحق، إن طلب ما لا ينقاد لك لتبر به مثل ما لا تنقاد له بحسرك عنه شقاء ومذلة وتضييع زمان وإمارة بسعي واحتمال خسف واختراع أسف.

النفس حاطك الله قوة شريفة آلهية بهية، واصلت أبناء الطبيعة على قدر قوابلهم بجود العقل الذي له الرتبة الأولى بقدر ما له من الفيض من العلة الأولى. ومراتب أبناء الطبيعة مختلفة اختلافاً لا نهاية له، وكل قد نال شيئاً فلا ما ناله به عرفه وطلبه ولا ما حرمه حرمه لإبائه إياه وكرهه، ولكن هكذا كان وعلى هذا بان، فليكن الرضى واقعاً بحسب الموجود ذلك المجود به عليك.
واعلم أن الصورة التي هي محيطة من الأول إلى الآخر شائعة بين الطرفين لا بينونة هناك ولا فضل، ولا حيلولة ولا نقص، فكيف يكون على هذا النهج شيء عن شيء، أو شيء سوى شيء، أو شيء في شيء؟ وإنما ثبتت هذه الأسماء بالنظر الثاني لما لحظت مواصلة لآثارها ومواصلة لقوابل آثارها، وعلى الحالين كان الإختلاف والإئتلاف، والتباين والتواصل، والتفرق والتجمع، والجيئة والذهاب، والورد والصدر، والعظم واللطف، والكبير والصغير، وجميع ما يتجوز إلى هذا الجانب ويبرز بهذا المثال في بلاد القوابل، لا في بلاد الفواعل، فسدد نحو هذين النجدين طرفك وسرب إليها رفقك ولطفك، فإنك تجد المواد التي من شأنها أن تفعل على مراتب الإنفعال، وتجد الصور التي من شأنها أن تفعل على مراتب الفعل، وتعلم أن الاعتبار تارة ينفرد بالصورة، وتارة بالمواد، وأن ما تركب منهما وبينهما واستبد بهما واستند إليهما هو في عرض ذلك الاعتبار وفي حومة ذلك النظر، وأن الشك إن قدح، والغلط إن سنح، فإنما هو من إضافة شيء إلى غير شكله، أو تحليته بغير ما هو لائق به وقد طال الغناء والحداء في هذه المواضع، فإن كان لك سمع فاطرب وترنح وخذ وجد واعدل واعقل واسلم وأقدم وانعم وارق وابق، وإن كان بك صمم فاعطف على دائك وسل عن دوائك فليس يحسن بالأخشم أن يفتري على من يشم، والسلام.)) (97)

المقابسة الثامنة والتسعون
في المعاد وهل هو حق أو تواطؤ من الأقدمين؟!
حضرت القومسي أبا بكر المتفلسف، وكتب لنصر الدولة عامين، وكان كثير الفضل فقيل له: هل يجوز أن يكون إثبات الناس للمعاد والمنقلب اصطلاحاً منهم ومن أكابرهم وعقلائهم في بدء الناس وسالف الزمان، ثم ألف الناس ذلك وهتفوا بنشرة ولهجوا بذكره، مع تأكيد الشرائع وتأييد الكتب الناطقة به؟

المقالة ( 21)
المقالة غير كاملة نكملها من نسخة محمد توفيق حسين مع التدقيق …
((ثم قال: ولأن تمت فيك ما أحياه الله لك، ولا تزعج على نفسك ما كفه الله عنك، وخذ بآداب أهل الحكمة نفسك وغذ بها روحك، واستر عليها عادتك، واجعل الخير كله إرادتك، ولا تكترث بسيلان طينتك، وذوي عودك، وتعادي أخلاطك، وتزايل أوصالك، وارتداد نفسك، ومفارقة إلفك، واستحالة عنصرك، وفساد مزاجك، ودوام اختلاجك، وتعذر تدبيرك في عاجلك، فإنك باق بحقيقتك، دائم بجوهرك، موجود بذاتك، واحد بأنيتك، كامل في جملتك، سعيد في تفصيلك، عجيب في شرك، ظريف في خيرك، بديع في شأنك، صلة الدهر، وعنوان الغيب، ومحجوب الشاهد، وتمام العين، ونظام السلك، وضالة كل طالب، ورضى كل واجد، ونافي كل وحشة، ومحضور كل أنسة، ورقيب كل حاضر، ونجي كل غائب. هذا بعض حديثك وجزء من شأنك، وبعض ما يترآى بعينك، ويتناجى في أذنك، وينسرب في فؤادك، ويدغدغ في روحك ويجيب عنك ورقك، ويسيغ فيك طرفك، ويريك فيك، ويحول عليك، ويعرضك فيك لك، ويعرفك إباك، ويحدثك بك، ويدنيك منك، ويقربك إليك، ويحضرك بين يديك، ويعيشك ويعشقك، ويجودك ويرودك، ويريحك ويحيطك، ويحبط بك ويحتاط لك. فيا لها عطية يا لها سعادة! لو كان للسامع فطنة بل عزمة بل قصد بل توفيق، إنها لبشرى. أما سرك في الثاني حسن حصلت في الأول من البشر، أما يسرك أن تصفو من هذا الكدر، وتنقى من هذا القشر والقذر، وتصير في زمرة الملأ الأكبر؟ حيث لا بلاء ولاذوب ولا شؤب ولا غير. حيث لا يصل إليك البطلان، ولا تتسلط عليك الأحزان. حيث تبدو عينك في بهاء شعاع في معدن الأمن والقرار، بعد استيفاء مدة هذا الليل والنهار حيث لا تنطق بلسان يناله عي ولا حصر، ولا تهينم بنفس يعتريها طيش وضجر، ولا تسمع بأذان يلجها أذى، ولا تنظر بعين يغشاها قذى. حيث تستهلك الآلهية البشرية، وتستغرق الربوبية العبودية. حيث لا تنعقد بطين، ولا تنحل بماء، ولا تقلب بهواء، ولا تحرق بنار، ولا تكمل بمزاج ولا تعتدل باخلاط. وبالجملة حيث لا سلطان للطبيعة عليك، ولا سريان لهواها فيك، ولا تخطيط من رسومها وأشكالها عندك. حيث لا تظن فتخظئ ولا تتمنى فتخسر، ولا تأمل فتخاف، ولا تجرك فتسكن، ولا تسكن فتتحرك. حال ثابتة بائنة عما يعتاد من هذا البلد الذي أنت فيه غريب، وإلى وطنك مشتاق. وإن سميتها سكوناً فذلك سكون بهدوء وطمأنينة وأمن وسكينة، وإن سميتها حركة فهي حركة تشويق وتشبه واستمداد واستلذاذ، لا كارادتك التي ألفتها، وعادتك التي عرفتها، وخلالك التي أسلفتها، فلا تسحرنك الأسماء والكنى لهذه الأشكال، ولا يستهوينك هذا الزبرج الذي تلحظ وترى، فوراء حسك نفس، ووراء نفسك عقل، وفي أثناء العقل أنت بما أنت أنت لا بما به أنت وغيرك، ولا بما أنت به غيرك وأنت، ولكن بما أنت به كنت مرة أنت، وإذا حللت هذا العالم لم تكن هناك، لأن الكون يعقبه فساد ولا فساد هناك. فإذا لا كون ولافساد. ومن الكون والفساد رقوك، ومن الشيء وضده علوك وبالشيء الذي لاإسم له عندنا حلوك. يا هذا أنت خلاصة ذلك العالم في هذا العالم، ولكن علاك من الغربة هنا شحوب، ونالك عناء وكد ودروب ومسلك كلال وتعب ولغوب، فأنكرت نفسك، وأنكرك الناظر إليك، لأنك ثبت فيك ما غيرك، ولهج بك من كذبك وغشك، وصحبك من استعزك وغرك، وملكك ما عافك وصدك، فلما ضللت الطريق لزمت. مكانك، وعكفت على ما يعلك، فألفت ذلك المألف الوضيع، فلما أراد فطامك ظلت تجزع وتفزع، وتستغيث وتستصرخ، وأنت الجاني على نفسك. فمن يصرخك، وأنت الموبق لنفسك فمن ينقذك؟ هيهات! لا رجعة للطبيعة إليك، ولا عطفة للنفس عليك، ولا أثر عند العقل منك، ولا نسبة لما حل عن هذه كلها فيك. شقيت فبدت، ولو سعدت لبقيت. ومن تمام مصابك أنه لا مفجوع به غيرك. ولا باك لك سواك، فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح))(106)
المقالة ( 22)( في الاخلاق)( المقابسة 61)
قال أبو سليمان، وأنا أقرأ عليه كتاب النفس للفيلسوف سنة إحدى وسبعين وثلثمائة بمدينة السلام،ان النفس قابلة للفضائل والرذائل، والخيرات والشرور.والأخلاق التي يعسر من وجه تهذيبها ويتأتى ذلك من وجه آخر، لعلة عجيبة، وذلك ان بالحيوانية للانسان اخلاقاً فهي لا تستحيل ولا تتغير، وللناطقة ايضاً اخلاق يترقى بها ويكمل، فما اخذ من الاخلاق في طريق الطهارة والصفاء، فهو من قبيل القوى الناطقة، وما صعب منها، فهو من قبيل القوى الحيوانية. وليس يجب على الناظر المتحرز، المجتهد المتعزر، ان ييأس من صلاح ما يمكن اصلاحه لتعذر ما لا يمكن ذاك فيه. وقد شفي الكلام في هذا الباب أبو زيد البلخي في كتابه الذي سماه باختيار السيرة. ومن استوعب ذلك بفهمه ،وتزوّده لعلمه ، لحظ من هذا الباب ابعد مرام، وفاز منه بافوز السهام. وعلى كل حال فالقصد مؤثر، والاجتهاد مثمر، والراية منصوبة، والطريق جدد، والشوق باعث، والنزاع متصل، والدعاء عالالى هنا التصحيح، والاستجابة ممكنة، والتقرير أخذ الأهبة وتقديم العدة. فلعلك ترتقي بطهارة أخلاقك، وتهذيب سيرتك، وإصلاح حركاتك، وتمييز نومك من يقظتك، إلى معادن عزك، ومعدن فوزك، حيث لا حاجة ولا مذلة، ولا كثرة ولا قلة، حيث يكتنفك الغبطة والسرور، ويعمرك الروح والحبور، حيث لا تحتاج إلى ذكر، لأنه لا يعتريك نسيان، ولا تفزع إلى طبيب، لأنه لا يصيبك داء، ولا تتمنى شيئاً، لأنه لا يفوتك محبوب. ذاك محل لولاه ما اندفع الخطيب المصقع والعاقل المبين دهراً ودهراً لتنظيف بهجته وزينته، وشرفه وكرامته، ورفعته وسناه. ولم يلم بأدنى حقائقه، ولا بأخف ما يتشتت الوهم به، وإن أعانه بنو جنسه وفتحوا عليه أبواباً فوق أبوابه. وكيف لا تكون تلك الغاية نفيسة، وتلك النهاية عزيزة، وتلك العرصة مأنوسة، وتلك العقوة مقدسة، ولا شرع إلا وهو مشوق إليها، ولا عقل إلا وهو يحث عليها، ولا بال إلا وهو منوط بها، ولا لسان إلا وهو آثر عنه، ولا روح إلا وهو متعلق به طمعاً فيها، فكل ما دونها سراب وكل سعي دون تحصيلها تباب، وكل تجارة في غيرها خاسرة، وكل أمنية دونها خائبة. والله لو أن أحدنا حاول وصلة بينه وبين أحد يشرف بجده عنده، وعز يناله به، وراحة يتعجلها منه، بكل عزم وجد، وكل كذح وجهد، مع يقينه بزواله واضمحلاله، إذا نال وأدرك، كان غير ملوم في سعيه، ولا معذول عن غدوه ورواحه، ولا يهجن الرأي في ملتمسه؟ فكيف إذا قصر همه على طلب الزلفة في دار الخلود، ونزع إلى مواصلة من به وجد كل موجود؟ والسلام.

هناك مقالات كثيرة في المقابسة 106 غير مطبوعة في نسخة النت ننقلها من نسخة محمد توفيق حسين …

المقالة ( 23 ) ( في النثر والنظم ) ( المقابسة 65)

((وقلت له: قد صنف أبو اسحق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم؟ فقال: قد كان منذ أيام سألني عنهما فقلت له: النثر أشرف جوهراً، والنظم أشرف عرضاً. قال: وكيف؟ قلت: لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة أقرب. فمرتبة النظم دون مرتبة النثر، لأن الواحد أول والتابع له ثان.
فقلت له: فلم لا يطرب النثر كما يطرب النظم؟ فقال: لأنا منتظمون، فما لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة، فلذلك إذا أنشدنا ترنحنا، هذا في أغلب الأمر وفي أعم الأحوال، أو في أكثر الناس. وقد نجد مع ذلك أيضاً في أنفسنا مثل هذا الطرب والأريحية والنشوة والترنح عند فصل منثور، وما يهدي لهذا الذي نصرناه والمعنى الذي اجتبيناه، أن الكتب السماوية وردت بألفاظ منثورة، ومذاهب مشهورة، حتى إن من اصطفى بالرسالة في آخر الأمر غلبت عليه تلك الوحدة، فلم ينظم من تلقاء نفسه، ولم يستطعه، ولا ألقى إلى الناس عن القوة الآلهية شيئاً على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن ذلك، وخص في عرض ما كانوا يعتادونه ويألفونه، بإسلوب حير كل سامع، وبرد غلة كل مصيخ، وأرشد كل غاو، وقوم كل معاند، وأفاد كل لبيب وأوجد كل طالب، وخسأ كل معرض، وهدى كل ضال، ورفع كل لبس، وأوضح كل مشكل، ونشر كل علم، وأقاد كل شارد، وقمع كل رديء وهذا لا يكون، ولا يجب أن يكون إلا في الشخص المخصوص الذي يؤهل لنظم الكلمة المنتثرة، بإظهار الدعوة الغريزية في أيام السعادة المنتظرة بين خير أعوان. ثم يكون لهذا كله زمان محدود ينتهي إليه على السياح الأول مع العوارض التي تختلف من عجائب الزمان وأفانين الدهر، فإذا كان كذلك كر على سالفه بتجديد شأن شبيه بالدارس إلى أن تعود نضرته المعهودة فتزول خلوقته العارضة.)) ((65).

المقالة (24) ( التحدي ) ( المقابسة 91)

((قد مر في هذه المقابسة التي تقدمت فنون من الحكمة وأنواع من القول ليس لي في جميعها إلا حظ النفس الراوية عن هؤلاء الشيوخ، وإن كنت قد استنفدت الطاقة في تنقيتها وتوخي الحق فيها، بزيادات يسيرة لا تصح إلا بها، أو نقص خفي لا يبالي به، وأنا أسألك أن تأخذ منها ما وافقك وتدع على ما بار عليك، ولأجل ما سلف من القول في المسائل ما أحببت أن أحكي لك حدوداً حصناها على مر الزمان، بعضها أخذ من أقوال العلماء وبعضها لقط من بطون الكتب، بعد أن عرض الجميع من يوثق بصناعته، ويرجع إلى نقد واختياره، فاشركني في فوائدها وهب لي من بعضي استحسانك لها، وتغمدني بكرمك وفضلك اللذين لا يستغني مثلي عنهما، واستقر أني نقلت هذا الكتاب والدنيا في عيني مسودة، وأبواب الخير دوني منسدة، بثقل المؤنة وقلة المعونة، وفقد المؤنس بعد المؤنس، واشتعال الشيب، وخمود النار، وأفول شمس الحياة، وسقوط نجم العمر، وقلة حصول الزاد، وقرب الرحيل، وإلى الله التوجه، وعليه التوكل، وبه المستعان، ولا موفق غيره، ولا معين سواه. وفي الجملة أسألك بالملح الذي يتقاسم به الفتيان ظرفاً أن تعذرني في تقصير تعثر عليه، فوالله ما شرعت في تحبير هذا الكلام، وإيراد هذه الوجوه، إلا شغفاً بالعلم لا ثقة ببلوغ الغاية، وأنت أولى من عذر، كما أني أحق من اعتذر. وهذا كله يجري في مجالس مختلفة بين مشايخ الوقت بمدينة السلام.
ورأيت أن إخلالي بتحصيل على أي وجه كان، أشد من إخلالي بتقصير يمر في جملة ذلك، فتعرضت له على علم مني بقلة السلامة، على أن من أنحا علي بحده، وكشر لي عن نابه، وجعل صوابي خطأ، وخطأي فيه عارا، احتملت وصبرت وتغافلت وعذرت، وإذا كنت في جميع ذلك راوية عن أعلام عصري وسادة زماني، فأنا أفدى أعراضهم بعرضي، وأقي أنفسهم بنفسي، وأناضل دونهم بلساني وقلمي، ونظمي ونثري، وأرجو أن لا أخرج عند التصميم وضيق العطن عند الخصام إلى مفارقة الأدب، وإلى ما يقبح الأحدوثة، فأقول قولاً يورث الندامة، وأبرز بروزاً يجلب الملامة، ولست أنافس أحداً على هذا الحديث إلا بعد أن يرسم بقلمه في هذا الفن عشر أوراق يسلم فيها كل السلامة، ويتبرأ فيها من كل قالة، وهذا ما لا يتطاول له كل أحد، ولا يعثر به كل إنسان، والطعن بالقول سهل من بعيد، والعنف خفيف على لسان كل غائب، والتعقب مركز في كل وقت، ولكن الستر أجمل، والإبقاء أحمد، ولأن يطلب التأويل في سهو يعرض أحسن من أن يستبان الخلل فيما لعله يتسبب، على أن الحسناء لا تعدم ذاماً، كما أن المحسنة لا تعدم ملاما، والسلام.)) (91)

المقالة (24) ( في كتاب المقابسات والحكمة ) المقابسة (101) المقابسة كاملة

((قال أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى : ليس في الدنيا خصلة يحسن الإنسان فيها إلى نفسه ويحمد عليها إلا العلم وما يدخل معه كالصبر والكظم والتغافل والاغضاء، فأما الخصال البواقي فإن الإنسان يحمد بها إذا أحسن إلى غيره، أو شكره في ذلك الإحسان غيره.))
((أكرمك الله وأبقاك إنما يبعثني على رواية كل ما سمعته من هؤلاء الجلة الأفاضل عشقي لهم وحمدي لله تعالى على ما أتاح منهم، فلا تقرأن هذا الفصل ثم تقول وما في هذا من الفائدة؟ فإن درجات الحكمة مختلفة، ولك كلمة قائل، ولك قول داع، ولك عمل عامل، ولكل عامل راع. وهذا الشيخ ممن قد أعلى الله كعبه في علم الأوائل، ووفر حظه من الحكمة المبثوثة في هذا العالم، وفيما قال حث على حسن معرفة فضل الحكمة، وفي معرفة فضل الإنبعاث على اكتسابه والاستكثار منه، فإن الحكمة سكينة آلهية، وحلية ملكية، وقنية عقلية، وقد أطلقه الناموس الحق على الله عز وجل، فما ظنك بما يبعث رب العالمين به وخالق الخلائق أجمعين ثم يبحث به بشر خلق من الماء والطين، وأبرز لعيون الناظرين، تبارك الله رب العالمين.))

المقالة ( 25) ( في اثار النفس في المنام ) المقابسة (102)

(( قال بعض أصحابنا: كل شيء أجوزه من آثار النفس فإني أجوزه في اليقظة، وكل شيء أجوزه في اليقظة أجوزه في المنام، إلا التركيبات، لأن النفس تخترع بها أموراً لا تستجيب المواد لها. قال: وإنما أعني بما أجوزه الإنذارات والإطلاعات وقوة الكهانة وما أشبه ذلك.
وهذا الذي قاله هذا الشيخ يحتاج إلى شرح،ولعمري للنفس هذه القوة، وهي لها بالحق والواجب، ولكن البيان عن كون ذلك على التحقيق بالفعل عزيز، ولعل الزمان يتسهل فيمكن التخلف عليه بما يزيده شرحاً ووضوحاً إن شاء الله عز وجل، وعلى ذلك فإني أقول في هذه الحال ما تعين من الحق الذي إياه نقصد، وفي طلبه نسعى ونحفد، وأرجو أن لا يكون هذا الاعتزام والتجرؤ يعتاقني بعد ذلك الأستعفاء والتلافي، وليس ينبغي لنا أن نجترء على العلم منخدعين في طلبه فندعي ما لا نفي به، ولا يحسن بنا أن نتحل بما وهبه الله تعالى لنا وفتحه علينا فتوهمت أنا مقصرون فيه، وكما أن إظهار التشحح مع إخفاء الجود قبيح، فكذلك إظهار التفاخر مع كتمان القدرة قبيح، الخير أبداً بين الطرفين والوسط مطلوب كل ذي عقل وعين، فإذاً لا بأس أن يكون ذلك العطف على ما سبق من قول هذا الفيلسوف في هذه المقابسة في موضعنا هذا فيكون هذا قد أفدنا بمبلغ علمنا ووكلنا المستفيد منا في الزيادة منها إلى غيرنا، ممن قد رفع الله درجته علينا وجعله المحسن إلينا.))(102)

المقالة ( 26) ( في المنام ) ( المقابسة 105 )

((سمعت أبا سليمان يقول:لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه شاهد على المعاد لكفى، دع مافيه من راحة الأعضاء، وسكون الجرم، واستجلاب القوة إليها بعد العياء والكد، ولو كان النوم حالاً مصمتة لا شعور لصاحبها بها من أولها إلى آخرها لكانت الوحشة داخلة،والشك قائماً، والتهمة واقعة ولكنها حلا يتزود الإنسان منها أموراً غريبة وأحوالاً عجيبة، ويتلقف منها غيباً كثيراً، ويستقبل منها عياناً ظاهراً، فهل هذا الرمز من اليقين إلا على ما سلف القول فيه من ثبات النفس على حال واحد لا تنام والنوم شبيه بالموت؟ فإذاً لا تموت، لأن الموت شبيه بالنوم؟ فالحالان جميعاً قد زالتا عنها وحطتا دونها.
وفاتحة هذه المقابسة مدخولة، ولكن الشيخ كذا قال: والإعتراض عليه مع علو رتبته في الحكمة وجميل ظننا به في الإجابة والإصابة، ليس من حقه علينا ولا مما يجمل في الحال التي تجمعنا، أعني أنه كان الأولى أن يقول:لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه راحة لأبداننا، وجمام لأرواحنا وتخفيف عنا أثقال ما عملنا في اليقظة بضروةب التصرف واصاف الحركات لكفى. دع مافيه من الشاهد على المعاد الذي تعنه نبحث مجتهدين، وعليه نكون مضطرين، ومن أجله ننفث ما في صدورنا متروحين،وما أحق أكرمك الله هذه الغاية بالسعي إليها والتشمير لها، وبذل كل موجود ومذخور دونها، والإستعانة بكل صاحب وقريب فيها، واستخلاص الروية في تحصيل حقيقتها، ورفض الراحة والدعة عند فرصة تلوح من ناحيتها، وبالحق وجب هذا الإجتهاد والإحتشاد، وهذا الفرق وهذا التحفظ والتيقظ، وهذا التباري والتحارس، وهذا التنادي والتنافس، وهذا الغدو والرواح، وهذا التثبت والسياح، لأن الإنسان في هذا العالم وإن بلغ المنتهى في أماني نفسه من كل علم كالهندسة والحساب والنجوم والطب وسائر أجزاء الفلسفة، وكذلك إن اشرف على غاية كل علم ويعرف منقلبه،وكذلك أيضاً إذا بلغ في الدنيا كل حال علية، وكل دولة سنية، من المال والثروة واليسار والعزة والأمر والنهي والتأييد على أصناف البرية، ونيل كل شهوة ولذة، وبلغ كل إرادة وأمنية، فإن آخر ما يقترحه أن يقف على ما يتحول إليه ويصير مرتهنا به ومفكوكاً منه، فقد صار النظر ف يهذه الخاصة والخالصة من أشرف ما في قوة الإنسان وأعلى ما في همته وأعظم فوائده، ولغبة هذا المطلوب على جميع الخلائق حاموا حوله، ورادوا مراداه، ووردوا شرائعه، وسلكوا شوارعه، وعلوا روابيه، وخاضوا سوابيه ودوابيه، حتى اتفقوا على إثبات هذه الغاية لشدة حاجتهم إليها وتوقد حسرتهم عليها. هذا مع اختلافهم في تحقيقها على ما ينبغي لها حتى هتف قوم بما ألقى على السنة الأنبياء، وهينم قوم بما رأوه من التناسخ في الأدوار، وتخافت قوم آخرون بأمور تبهرجها معوز، والإطناب في إحصائها متعب. فاستخلص أكرمك الله نيتك وعزيمتك في البحث عن هذه الغاية مع الرفق الذي كل من لابسه وصل به إلى ما طلب منه، فإن المكث تحت هذا السقف على هذا الظهر يسير، والتنقل وشيك، ولاحاجة إلى الزاد ماسة، والعائق مع هذا كله عظيم، والتناصر مرفوض ولولا لطف الله الذي به تماسكت السموات والأرض وانتظم كل ما بعد بالحس والعقل، لكان اليأس يغلب ويستولي، والقنوط يستحكم ويستعلي.)) (105)
((من شوائبه، وصفا البحث من عواقبه. وارتفع الحاجز الذي قصد وانتفى العارض الذي تعرض، وجدت حقيقة هذه الحال من غير تجوز ولتا اختلاف. فالهوى من عوارض الطبيعة، والحب من علائق النفس، والعشق من محاسن العقل. وكل واجد من هؤلائ الذين سمينا هو صاحبه تفي موضعه، وحكمه بحكمه في مكانه. ومتى اقتص الفاضل الحكيم هذه الأوائل وساق إليها هذه الثواني رقي من الأدنى إلى الأشرف، وانتسب إلى الأقوى دون الأضعف، وهي كالطرق المذللة، والسلاليم الموصلة بخلانيتي وينسب بغيره؟ حتى إذا أنيل الفوز بمعانية الغاية التي هي الغرض الأول والمراد الأفضل، أدرج ما عدا ذلك كله إدراجاً، وطوى ما سواه طياً. وهذه كالرؤيا لا تأويل لها إلا رياضة الإنسان طبيعته؛ حتى لا يتم إلا ما ينبغي ولا يأتي إلا ما يحب، ولا يقول إلا ما يحق حنينه، لا يتطاول إلى ما ينحط عنه، ولا يتشرف بما يزدهيه، ولن يتم له ذلك أولاً وآخراً إلا بمواصلة العقل وصحبته والعمل برسمه والتسرع إلى قبول نصحه. والعقل وإن لم يكن بأسره عنده فمعه جزء ينزع بشرفه إلى أصله يضيء له بأنوار السيرة الفاضلة والأخلاق الحميدة، ويكف هوائج الطبيعة، ويحسم مواد العادة الرديئة، ويحث على استعدادها لا يستغني عنه في العاقبة، ويوزع العدل الذي هو صورته على الأحوال الراسخة والطارئة، ولن يتم هذا كله إلا بهذا الإنسان دون ، يكون مهيئاً له بالأصل معرضاً له في الفرع.

ثم قال: ولأن تمت فيك ما أحياه الله لك، ولا تزعج على نفسك ما كفه الله عنك، وخذ بآداب أهل الحكمة نفسك وغذ بها روحك، واستر عليها عادتك، واجعل الخير كله إرادتك، ولا تكترث بسيلان طينتك، وذوي عودك، وتعادي أخلاطك، وتزايل أوصالك، وارتداد نفسك، ومفارقة إلفك، واستحالة عنصرك، وفساد مزاجك، ودوام اختلاجك، وتعذر تدبيرك في عاجلك، فإنك باق بحقيقتك، دائم بجوهرك، موجود بذاتك، واحد بأنيتك، كامل في جملتك، سعيد في تفصيلك، عجيب في شرك، ظريف في خيرك، بديع في شأنك، صلة الدهر، وعنوان الغيب، ومحجوب الشاهد، وتمام العين، ونظام السلك، وضالة كل طالب، ورضى كل واجد، ونافي كل وحشة، ومحضور كل أنسة، ورقيب كل حاضر، ونجي كل غائب. هذا بعض حديثك وجزء من شأنك، وبعض ما يترآى بعينك، ويتناجى في أذنك، وينسرب في فؤادك، ويدغدغ في روحك ويجيب عنك ورقك، ويسيغ فيك طرفك، ويريك فيك، ويحول عليك، ويعرضك فيك لك، ويعرفك إباك، ويحدثك بك، ويدنيك منك، ويقربك إليك، ويحضرك بين يديك، ويعيشك ويعشقك، ويجودك ويرودك، ويريحك ويحيطك، ويحبط بك ويحتاط لك. فيا لها عطية يا لها سعادة! لو كان للسامع فطنة بل عزمة بل قصد بل توفيق، إنها لبشرى. أما سرك في الثاني حسن حصلت في الأول من البشر، أما يسرك أن تصفو من هذا الكدر، وتنقى من هذا القشر والقذر، وتصير في زمرة الملأ الأكبر؟ حيث لا بلاء ولاذوب ولا شؤب ولا غير. حيث لا يصل إليك البطلان، ولا تتسلط عليك الأحزان. حيث تبدو عينك في بهاء شعاع في معدن الأمن والقرار، بعد استيفاء مدة هذا الليل والنهار حيث لا تنطق بلسان يناله عي ولا حصر، ولا تهينم بنفس يعتريها طيش وضجر، ولا تسمع بأذان يلجها أذى، ولا تنظر بعين يغشاها قذى. حيث تستهلك الآلهية البشرية، وتستغرق الربوبية العبودية. حيث لا تنعقد بطين، ولا تنحل بماء، ولا تقلب بهواء، ولا تحرق بنار، ولا تكمل بمزاج ولا تعتدل باخلاط. وبالجملة حيث لا سلطان للطبيعة عليك، ولا سريان لهواها فيك، ولا تخطيط من رسومها وأشكالها عندك. حيث لا تظن فتخظئ ولا تتمنى فتخسر، ولا تأمل فتخاف، ولا تجرك فتسكن، ولا تسكن فتتحرك. حال ثابتة بائنة عما يعتاد من هذا البلد الذي أنت فيه غريب، وإلى وطنك مشتاق. وإن سميتها سكوناً فذلك سكون بهدوء وطمأنينة وأمن وسكينة، وإن سميتها حركة فهي حركة تشويق وتشبه واستمداد واستلذاذ، لا كارادتك التي ألفتها، وعادتك التي عرفتها، وخلالك التي أسلفتها، فلا تسحرنك الأسماء والكنى لهذه الأشكال، ولا يستهوينك هذا الزبرج الذي تلحظ وترى، فوراء حسك نفس، ووراء نفسك عقل، وفي أثناء العقل أنت بما أنت أنت لا بما به أنت وغيرك، ولا بما أنت به غيرك وأنت، ولكن بما أنت به كنت مرة أنت، وإذا حللت هذا العالم لم تكن هناك، لأن الكون يعقبه فساد ولا فساد هناك. فإذا لا كون ولافساد. ومن الكون والفساد رقوك، ومن الشيء وضده علوك وبالشيء الذي لاإسم له عندنا حلوك. يا هذا أنت خلاصة ذلك العالم في هذا العالم، ولكن علاك من الغربة هنا شحوب، ونالك عناء وكد ودروب ومسلك كلال وتعب ولغوب، فأنكرت نفسك، وأنكرك الناظر إليك، لأنك ثبت فيك ما غيرك، ولهج بك من كذبك وغشك، وصحبك من استعزك وغرك، وملكك ما عافك وصدك، فلما ضللت الطريق لزمت. مكانك، وعكفت على ما يعلك، فألفت ذلك المألف الوضيع، فلما أراد فطامك ظلت تجزع وتفزع، وتستغيث وتستصرخ، وأنت الجاني على نفسك. فمن يصرخك، وأنت الموبق لنفسك فمن ينقذك؟ هيهات! لا رجعة للطبيعة إليك، ولا عطفة للنفس عليك، ولا أثر عند العقل منك، ولا نسبة لما حل عن هذه كلها فيك. شقيت فبدت، ولو سعدت لبقيت. ومن تمام مصابك أنه لا مفجوع به غيرك. ولا باك لك سواك، فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح.
مقالة اخرى (( المديح )) اذا شئنا
((فلما غمرنا هذا الشيخ بهذا الفن وطرحنا في هذا الوادي سكت سكتة أوجب علينا حسن الأدب التفرق عنه. فما مرت أيام حتى نظمنا ذلك المجلس وضمنا مثل ذلك الأنس، فقال له بعض أصحابنا، وأظنه أبا الخير اليهودي: إن أذنت لنا في تمام الذي من تلك الجهة العذبة؟ فأنا صدرنا عنها وبنا برح، ومن وهب الله له ما وهب لك خليق بالجود على المستحق، ومن عرفه الله ما عرفك حرى بالتلطف في المسألة، وأنت بحر الله في الخلق تقذف بالجواهر، وشجرة العقل في العالم تخرج ضروب الثمر في كل حين وإبان، فلا زلت مكنوفاً بالمعرفة، مؤيداً بالنصرة، جواداً بالعطية، بداء بالرفد، محبباً إلى القلوب حالياً بالعيون، ممدحاً بالألسنة، وصحوباً بالتوفيق، مذكوراً بالثناء الفائق متنافساً عليه بالطارف والتالد.))
فقال: لولا أني أعلم أن عشق الحكمة حرككم بهذه الكلمات الغر وهذه الفقر التي توفي حسناً على الدر، لأثنيت عليكم، ورددت أنفاسكم إليكم، شفقة على مروءتكم من عادة المتملقين، وصيانة لأعراضكم عن دنس المماذقين، فجولوا الآن فيما أحببتم فما يبخل بالحق على أهل إلاشقي، ولا ينفس بالصواب على طالبه إلا دني ردي.
فقيل له: فما العقل؟ فقال: العقل خليفة العلة الأولى عندك، يناجيك عنه ويناغيك به، ويبلغ إليك منه ويدلك على قصده والسكون في حرمه، ويدعوك إلى مواصلته والتوحيد به، والإهتزاز إليه، والإعتزاز به. وهذا كله نصح لا غش فيه، ورفق لا عنف معه، وبيان لم يخلط به تلجج، ويقين لا يطيف به تخلج.
قيل له: فقد قيل إن العقل مأخوذ من العقال.
فقال: هذا كلام خلف، ومعناه دنس، ودعوى متهافتة، إنما يدل الإشتقاق من الكلمة على جهة واحدة ، والمطلوب المتنازع، لأنه مأخوذ من تركيب الحروف وتأليف اللفظ وصورة المسموع. أترانا إذا نطقنا بلغة أخرى، بالرومية أو الهندية، بمعنى العقل لكنا نريد به معنى العقال؟ لا والله! بل هذا المعنى موجود أيضاً في صفاته، ومذكور أيضاً عرض ما ينعت به، لأن العقل يعقل أي يمنع ويحبس، وهو أيضاً ينتج ويطلق ويسرح ويفرح، ولكن في حال دون حال، أمر دون أمر، ومكان دون مكان، وزمان دون زمان، بل العقل إذا دنوت إليه وهو في يفاع القدس ومعنى الآله ينعت إنه صورة أحدية أبدية سرمدية مشاكهة للمبدأ الأول مشاكهة يكاد بها كأنه هو، فكل من نال من هذه الصورة وهذا الجوهر وهذه العين نصيباً وحصة بمزاجه المعتدل والمنحرف، وطبيعة المواتية والأنية، وطينته الندية واليابسة، وقوته الفاعلة والمنفعلة، ونفسه السمحة والجامحة،وآدابه الحسنة والسيئة، وعاداته الكريمة واللئيمة، كان ذلك مطية سعادته وشقاوته، ومبلفاً إلى صحة بقائه وفنائه، وباباً إلى تمامه ونقصه، وطريقاً إلى استقلاله وشذوذه، وكلا ائتلف له بعض مضموم إلى بعض، ومجموعاً انتظم من مفرقه، وخصوصاً صفا له من عمومه أو مركباً عاد إلى بسيطه، وبدداً صار إلى نظامه، ومنقوصاً قدر على تمامه، وباغياً تخلص من نشدانه بوجدانه، ومهجراً وصل إلى حبيبه، ومقيداً أطلق من قيده، ومنفياً اعترف بنسبه، وذليلاً ألبس ثوب عزه، وضالاً هدى إلى روحه ونعيمه.
ثم قال:والكلام في العقل والعاقل والمعقول واسع، ولسنا نقدر على أكثر من هذا الإيضاح في هذا الوقت مع تقسم البال وانبتات الوقت.)) (106 ، ص 460 ـ )

مقالة ( 27) ( العقل والعقال ) ( المقابسة 106)

((قيل له: فقد قيل إن العقل مأخوذ من العقال.
فقال: هذا كلام خلف، ومعناه دنس، ودعوى متهافتة، إنما يدل الإشتقاق من الكلمة على جهة واحدة ، والمطلوب المتنازع، لأنه مأخوذ من تركيب الحروف وتأليف اللفظ وصورة المسموع. أترانا إذا نطقنا بلغة أخرى، بالرومية أو الهندية، بمعنى العقل لكنا نريد به معنى العقال؟ لا والله! بل هذا المعنى موجود أيضاً في صفاته، ومذكور أيضاً عرض ما ينعت به، لأن العقل يعقل أي يمنع ويحبس، وهو أيضاً ينتج ويطلق ويسرح ويفرح، ولكن في حال دون حال، أمر دون أمر، ومكان دون مكان، وزمان دون زمان، بل العقل إذا دنوت إليه وهو في يفاع القدس ومعنى الآله ينعت إنه صورة أحدية أبدية سرمدية مشاكهة للمبدأ الأول مشاكهة يكاد بها كأنه هو، فكل من نال من هذه الصورة وهذا الجوهر وهذه العين نصيباً وحصة بمزاجه المعتدل والمنحرف، وطبيعة المواتية والأنية، وطينته الندية واليابسة، وقوته الفاعلة والمنفعلة، ونفسه السمحة والجامحة،وآدابه الحسنة والسيئة، وعاداته الكريمة واللئيمة، كان ذلك مطية سعادته وشقاوته، ومبلفاً إلى صحة بقائه وفنائه، وباباً إلى تمامه ونقصه، وطريقاً إلى استقلاله وشذوذه، وكلا ائتلف له بعض مضموم إلى بعض، ومجموعاً انتظم من مفرقه، وخصوصاً صفا له من عمومه أو مركباً عاد إلى بسيطه، وبدداً صار إلى نظامه، ومنقوصاً قدر على تمامه، وباغياً تخلص من نشدانه بوجدانه، ومهجراً وصل إلى حبيبه، ومقيداً أطلق من قيده، ومنفياً اعترف بنسبه، وذليلاً ألبس ثوب عزه، وضالاً هدى إلى روحه ونعيمه.
ثم قال:والكلام في العقل والعاقل والمعقول واسع، ولسنا نقدر على أكثر من هذا الإيضاح في هذا الوقت مع تقسم البال وانبتات الوقت.)) ( 106)

المقالة (28 ) ( صورة العقل ) ( مقابسة 106 )

((قال: صورة العقل بالحس المتناهى، مطلوب بكل غاية، محفوظ بكل رعاية، مؤثر بكل إيثار، مختار بكل اختيار، غاية كل طالب، ويقين كل شاك، وسكون كل قلق، وراحة كل متحيز، بسيط العقل، مركب بالحس، مظنون بالظن، موهوم بالوهم، نظام كل موجود، وقوام كل محدود، وتمام كل مشهود. ثم قالف: ومن عجائبه أن من حاول إظهار باطل لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه بوجه ولا بسبب حتى يشوبه به أو بشيء منه، لا يقبل وهو صرف، ولا ينقاد وهو بحت. هذا يدل على أن هذا العالم الذي هو في هيئته باطل لكونه وفساده، ومفتقر إلى ذلك العالم الذي هو في حقيقته حق لصحته وتمامه، واستقامته والتئامه، ولأنه لا طريق للكون والفساد إليه. هذا إذا كان المبطل قاصداً الباطل باختياره وحوله وقد يكون الإنسان على غيرهذا الرأي تبأن يقصد الحق المحض والصواب المجرد فلا يبلغ أيضاً غاية مراده إلا بشيء يخلص إليه من غير أن يستصحبه أو يريده أو يرومه. وهذا لأن الناظر في الحق الطالب للحق، ممزوج مركب ومشوب مخلط، لا يكمل له شيء من حظيرة العقل الإنسي يلتبس به من ناحية الحس، وهو في الأصل متهيء لقبول ذلك. لأن معجون طينته ومركب نصابه وأول سوسه هكذا وقع وعليه استمر، ولهذا يعينه بالتكثر عليه أسهل من التوحد، والتوحد عليه أعسر من التكثر. ومن له بالبراءة من هذه الحال، وتقديس نفسه من هذا الدنس، وهو ذو أنفس ثلاث: ناطقة هو بها أقل، وبهيمة هو بهتا أكثر، وسبعية هو بها أظهر؟ وهذا الإعتبار يقتضي أن يكون بالأكثر أكثر، وبالأقل أقل. ولما اتفق بالعرض أن يكون هذا الإنسان واحداً في الغاية طلبت له صورة الوحدة من الثلاثة. وهذه الصورة تلتئم من الثلاثة، واستحال أن يكون مركباً بالنفس الواحدة، أعني الناطقة، لأنها لا تقبل التركيب. ولهذا تجد الأجرام العلوية بواطن لأنها عادمة للمزاج والتركيب والشوق. فلما كان الإنسان متقوماً من جزء ناطق، وجزء حي، وجزء مائت، وكان بالناطق يفهم ويرتب ويهذب، وبالحي يحس ويتحرك ويسكن، وبالمائت ينتهي ويفسد ويبطل، كان جميع ما يحيط به عقلاً، أو يدركه حساً، أو يفرضه مدخولاً، ناقصاً متخفياً متلوماً. حتى إذا قوى الجزء الناطق الآلهي واقتنى خصائصه وملك ما هو اللائق به من العلم الحق والعمل الحق، حينئذ أهل الجزءين، أعني ما هو متحرك حساس وما هو ميت باطل، وإن شئت ما هو بهيمي وبه يسعى؟ خلص إلى أفقه العلي ومكانه البهي، خلوصاً يريحه من كل ما عاق التركيب والتقليب والإستحالة والإستبادة والعفاء والدثور، والصواب المتحلي، والجود المعتاد، والزهد المقدم، ورفض سائر ما عاند الفضائل وحجب عنها وحال دونها، فلا زال هناك باقيا بقاء لا آخر له. وكيف يكون له آخر وانقطاع وحيلولة وارتجاع، وقد استفاد ذلك البقاء من الحق الأول والموجود الذي ليس قبله موجود بالتشبيه والإقتداء والمماثلة والإهتداء والتعمم والإرتداء؟ هذا مالا يجوز أن يظن بحس أو بعقل. وأنت ترى في الشاهد ملكاً حكيماً صارماً شهماً سائساً جلداً يرغب كل أحد من خدمه وخاصته، ورعيته وأوليائه في خدمتهن وحضور مجلسه في التشبه به وبأخلاقه وهممه، طلباً للكرامة منه، والحظوة عنده، وعلماً بأن القرب منه والدنو إليه مصرفة للآفات عنه، مجلبة للعزلة، مدعاة للأماني عنده، وأن الأطماع تنقطع عنده، والجاه والقدرة يعظمان به، والعزة والمجد يسعان به عليه، وترى كل واحد من الخاصة والعامةيبذل وسعه، وينفد جهده، ويسأل عما يمكنه يمينه لينال تلك الحال، وتلك المنزلة، وتلك السعادة، وتلك الغبطة،
فإذا كان هذا في المثال الحسي على ما تجده من غير شك ولا مرية، فما قولك في الحقيقة العالية والغاية الآلهية والنهاية الأصلية؟! يا هذا إن الأمر لعظيم، وإن الشأن لخطير، وإن المطلوب لعزيز، وما هو إلا أن تصمد نحو السعادة بتطهير الأخلاق، وتجريد العادة، وإصلاح السيرة، وتقديم الجد في الرأي، وقصد العزم بالجزم، وتوخي العمل بما له مرجوع، في العاجل بالثقة، وفي الآجل بالحقيقة، مع الإشفاق على تضييع الزمان وتصرم العمر وتقطع أنفاس الحياة حتى تلقط المشتري والزهرة بيدك، وتخرق كل حجاب دونهما بجوهرك وتصير فوقهما بحقيقتك، وتنال حينئذ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا سنح على بال أحد من الإنس. فليكن ميل مثلكم إلى الحكمة ميل من يتخذها مطية لدرك الأمل، فإنه سيجدها كنزاً نافعاً في آخر العمل لا ميل من عادل بها، وليسع بذكرها ويعرضها في أسواق الجهال، وينادي عليها بين السفهاء والأنذال، ويرضى بعرض الدنيا خلفاً وبدلاً عنها، فكل ما كان هذا دأبه فقد انغمس في بحر الشقاء وسقط في مثوى البلاء والفناء لا يرتجي لدائه برء، ولا لعلته شفاء، ولا لصرعتهه انتعاش، ولا لأسره فكاك. أخذ الله بنواصينا ونواصيكم إلى ما أعده للأخيار الأبرار. تحولوا عن هذه الدار بحسن الاختيار لا بقبح الاضطرار. والسلام.
تمت المقابسات ولواهب العقل المجد سرمداً، وصلاته وسلامه وتحياته وإكرامه على سيدنا محمد النبي المبعوث إلى الخلق كافة وآله، لا إله إلا الله، ولا معبود سواه )) ( 106)

ثالثا : الشعر

1ـ ((وكان نضر الله وجهه إذا سلك هذا الوادي سال عرقاه، ولم يدرك طرفاه، وكان يخرج من باب إلى باب، ومن صنف إلى صنف، استراحة من طول جمامه، وإنسا بمن يفهم عنه بعض مرامه، وذلك أنه كان مهجوراً مطرحاً، فيطول سكوته ويتضاعف أربه، فإذا حرك أدنى تحريك انفتح وانفرج وترك التقية الموحشة، والمداراة الثقيلة، وكان ربما أنشد بعد هذا الشوط الطويل، والنفس المديد، قول الشاعر:
لو كنت أقدر ان اقولا لشفيت من قلبي غليلا
لكن لسانـي صـارم ملئت مضاربه فلولا )) (23)

2ـ فباب الخير مفتوح، وداعي الرشاد ملح، وخاطر الحزم معترض، ووصايا الأولين والآخرين قائمة، ومزاحمتهم موجودة، والخوف عارض، والأمن مظنون، والسلامة متمناة. فماذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه بعد هذه الآيات المتلوة، والأعلام المنصوبة، والحالات المنقلبة، والنعم المتقلبة، والأعمار القصيرة، والآمال الكاذبة؟ أما يتعظ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول على تدبيره، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به، من انحلال تركيبه، واستحالة عنصره، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؟ بلى يعلم، ولكن علماً مدخولاً، ويعقل، ولكن عقلاً كليلاً، ويحس ولكن حساً عليلاً، كما قال الأول:
أشكو إلى الله جهلاً قد منيت به بل ليس جهلاً ولكن علم مفتون

فإن تصبرا فالصبر خير مغبة وإن تجزعا فالأمر ما تريان
(57)
4ـ (( وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته على علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعراً كما ترى، معدوداً في عصره ثم أنشدنا له مستحسناً:
وتأخذ من جوانبنـا الـلـيالـي كما أخذ المساء من الصـبـاح
أما في أهلهـا رجـل لـبـيب يحس فيشتكي ألـم الـجـراح؟
أرى التشمير فيها كالـتـوانـي وحرمان العطية كالـنـجـاح
ومن لبس التراب كمـن عـلاه وقد تخدعك أنـفـاس الـرياح
وكيف يكد مهجـتـه حـريص يرى الأرزاق في ضرب القداح
ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها.)) (89)
**((وقلت لأبي سليمان يوماً: أنشدنا أبو زكريا الصميري عن ابن سمكة القمي عن ابن محارب الفيلسوف لنفسه:
صدفت عن الدنيا على حبي الدنيا ولا بد من دنيا لمن كان في الدنيا
وأدفعها عني بـكـفـي مـلالة وأجذبها جذب المخادع بالأخرى

فقال: هذا كلام رقيق الحاشية، حسن الطالع، مقبول الصورة، يدل على ذهن صاف، وقريحة شريفة، واختيار محمود، وذهن ناصع، ورأي بارع. ثم انظر إلى قول شيخنا أبي زكريا يحيى بن عدي فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب :
لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالت ليلي ولرعى النجوم كنت مخلاً

فقال له يحيى بعد أيام: قد عارضت خالد الكاتب في قوله! ثم أنشد:
إن يكن لا دري إلا الـمـخـلا لست تدري إن كنت تدري أم لا
أو تكـن دارياً بـذاك فـهـلا كنت تدري أطال ليلـك أم لا؟
قال: وانقلب أصحابنا عنه بالضحك والتعجب؟ انظر كيف يسلب الفاضل توفيقه في وقت مع البصيرة الثاقبة بالعلم! ولم ينشدنا أبو سليمان هذه ليحيى بن عدي حتى ألححنا عليه. وكذلك إنه قال: قد دل شعره على ركاكته في هذا الفن، والستر عليه أحسن بنا.
وكان أبو سليمان يستحسن للبديهي قوله:

لا تحسدن على تظاهر نـعـمة شخصاً تبيت له المنون بمرصد
أوليس بعد بـلـوغـه آمـالـه يفضي إلى عدم كان لم يوجد؟
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري حسد النجوم على بقاء سرمدي
فقال: ما أفلح البديهي قط إلا في هذه الأبيات؟ وصدق كان غسيل الشعر، سريع القول.
فأما أبو سليمان فإنه كان يقرض البيت والبيتين، وينشدنا ذلك وينهى عن بثه عنه، ويقول: من انتحل لضعفه قوة غيره قحة وجسارة، فقد استجر إلى نفسه فضيحة وخسارة، فمن قوله:
وإن عزوف النفوس عمن يخونني ومعطى قيادي للحبيب المؤالف
أشاطره روحي ومال وأتـقـي حذاراً عليه من رياح عواصف
فإن خان عهدي لم أخنه وإن أكن على ما أرى من غدره بمواقف
وأترك عقباه لعقبـي فـعـالـه ففي عقب الأيام كل التناصـف
ومن قوله أيضاً:
بكيت على مفارقة الشباب وأيام البطانة التصـابـي
وأيام التـغـازل والـدلال وأيام التجني والـعـتـاب
مضت فكأنها لما تـولـت معقبة نفيساً بالـعـقـاب
لتبلي كل ملـبـوس جـديد وتمزج كل معسول بصاب
بياض الشيب أعلام المنـايا نشرن نذيرة لك بالذهـاب
هو الكفن الذي يبلى وشيكاً ويأتي بعده كفن التـراب
ثم قال: ألا قلال من هذا الباب أولى بنا، فلسنا من أهل هذا الفن، وسمة التقصير لائحة علينا، ودالة على نقصنا، وإن خفي ذلك بنظرنا، لأن الإنسان عاشق نفسه وليس بمؤاخذها على تقصيره. ثم قال لي: أنشدنا ما سمعنا منك لبعض الآلهيين فأنشدته:
لما تجـاوز حـسـي وفات مسي ولمسـي
ولـم أزل أتـقــرا دليل أبناء جـنـسـي
فلم يكـن ذاك يجـدي ولا يعود بـالـسـي
رجعت نحوى بشـرط يغيب عني حـسـي
فلاح تحت ضلوعـي ما قد من قرن شمسي
فقلت هذا طـريقـي من غير شك ولبـس
وغصت حتى تجلـى وأشرقت منه نفسـي
فقال أبو سليمان: ما أحسن الأدب والحكمة إذا كان هذا من ثمرها؟))(89).
*** (( وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته على علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعراً كما ترى، معدوداً في عصره ثم أنشدنا له مستحسناً:
وتأخذ من جوانبنـا الـلـيالـي كما أخذ المساء من الصـبـاح
أما في أهلهـا رجـل لـبـيب يحس فيشتكي ألـم الـجـراح؟
أرى التشمير فيها كالـتـوانـي وحرمان العطية كالـنـجـاح
ومن لبس التراب كمـن عـلاه وقد تخدعك أنـفـاس الـرياح
وكيف يكد مهجـتـه حـريص يرى الأرزاق في ضرب القداح
ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها.)) (89)

خامسا : المقولات والحِكَم

المقدمة : نضمنها قوله مثل كلمات ابي سليمان على غرار كلمات بطليموس في الثمرة وهذا النص ((هذه مقابسة تشتمل على كلمات شريفة من كلام أبي الحسن محمد بن يوسف العامري ، علقت وسمعت أكثرها منه، وهي التي مرت في شرحه لكتابه الموسوم “بالنسك العقلي” ويصلح أن يأتي عليها هذا الكتاب فأتيت بها على وجهها قصداً لتكثير الفائدة وأخذاً بجماع الحزم.))(90).
وغيره..
نص
((هذه المقابسة أثارها قولنا لأبي سليمان المنطقي: ما أحسن كلمات لبطليموس في الثمرة؟ فإنها كالشذور المنتخبة، والدرر الثمينة، والأعلاق النفيسة، ولقد شرحها أناس أفادوا فيها وأفادوا منها. وما أحوجنا إلى إخواتهن في الفلسفة الآلهية والطبيعية! فإنها توعي وتحفظ، وتروَّى وتلقظ، وتصير كالجوهرة التي تصلح للذخر، والأشجار التي تثمر في كل ابان، والمرائي التي يبصر فيها كل انسان. فقال: فخذوا اذن من ذلك ما يسمح به الوقت، ويجود به واهب العقل. فإن فسح الزمان كرعليه بالتنقيح والإصلاح، وبما يكون كالشرح والإيضاح))(62) .
لمقدمة الاقوال والحكم :::((هذه مقابسة رسمنا فيها كلمات نافعة كانت متفرقة في ديوان الحفظ ولم ننسبها إلى شيخ واحد لأنها كانت تجري في مجالس مختلفة، وهذا موضع يقتضى حصولها فيه لتكون مجاورة لأخواتها، وداخلة في جملة ما لاق بها))(96)..
قال:

•الطبيعة عش الكون والفساد؛ والكون والفساد ركبا من البقاء الكاذب، والبلي الصادق.
• النفس معدن الفكر والوهم، وهما بابا التمييز والذهن والفهم.
•العقل نهاية الشرف والكمال، وبه يكون نيل السعادة الكبرى من العلة الأولى.
•الطبيعة كذوب لا تصدقك إلا بإكراه النفس. والنفس صدوق لا تكذبك إلا بإكراه الطبيعة.
• العقل رقيب يحفظ، وشاهد يؤدي، وثقة يؤمن؛ فمن استشاره منتصحاً نصح، ومن أضرب عنه مغتراً طاح وبلح .
•بين إصابة الحق وبين الثبات، معه فرق يفيت ، أو يفيد، فنظر أمرؤ لنفسه .
•لك عدمان بهما تكون وتفسد ،ولك وجود واحد به تشقى وتسعد.
• (( إنما دخل الخلل الإنسان من ناحية اعتداده في عالمه هذا حتى نسي بطبيعته ما كان يزود نفسه من عالمه ذاك.))نحذفها لانها غير موجودة في نسخة محمد توفيق حسين
•أعرف حقائق الأمور بالتشابه ،فإن الحق واحد،
•ولا تستفزنك الأسماء وإن اختلفت فتقول: مات غير نام. وبلي غير فني. وبطل غير ذهب. وعدم غير تحول. وفقد غير غاب. فِإن السرور هو الفرح، والغم هو الهم، والمعرفة هي العلم، والقول هو الكلام، والبيان هو الإيضاح؛ لكن بدرجة ودرجة. وهيئة وهيئة، ومكان ومكان، وزمان وزمان، ومعرض ومعرض.
• سلوكك في هذا العالم في أغشية متكاثفة ، بين أهوال مختلفة ، على طرق محفوفة. فأشكل عليك بلدك الذي أنت ،منه فانتسبت في الغربة لبلد لست من أهله، وأخذت بعادة كنت غنياً عنها لو عرفت مرماك منها، فإذ نبهت فخذ في إصلاح ما يرحلك إلى مقرك حتى تستريح من هذا القلق الدائم، ومن هذا الهول القائم.
•وجد بذاتك ولا تبخل بما لا بال به ، فيفوتك ما لا بد لك منه.
•اعرف تركيبك ثم اطلب به بسيطك، فإن لكل مركب بسيطاً إليه ينتهي.
•لست طيناً ،وإنما أنت طيني فانتف مما أنت به منقوص، وانتسب إلى ما أنت به موفور.
•شقاؤك في انفعالك في الأول والثاني، وإن عجزت عن ارتجاع ما فاتك فلا تعجز عن حفظ ما معك، فلا تنفعل الآن جهدك، فبذلك تتصل بالأجرام التي لا تنفعل.
•الا مكان وجهان، وجه إليك ووجه وراءك . فتوجه أمامك ، وتغافل عما ورائك، فإن الذي وراءك في حكم ما ليس لك، فمتى التفت إليه فاتك، ومتى رجعت إلى الآخر فُتَّهُ. ((((((( الى هنا التدقيق مع نسخة محمد توفيق )))))
الناموس الحق يعترف بأكثر مما يعرف به،
•أنت مجموع معادن إن انسبكت حصلت، وإن تركت فسدت.

الصورة غنية عن الانفعال، والهيولى محتاجة إلى الصورة، فانفعالها على قدر حاجتها: الصورة نوبة والهيولى بحسب العلة الأولى، معادن النفس إذا كانت خالصة ولها إليه عزوة، فهي أوثق من جميع الوثائق والأواصر. الإنسان حي ناطق مائت، فمن أبرز هذا الحد بالفعل كما حواه بالقوة لم يرتق عن أن يكون إنساناً كيف تقلبت حاله، ومن تطاول إلى إحراز ما هو به ناطق على تهاون بما هو به حي مائت، علا عما هو به إنسان، وصار جرماً علوياً وجوهراً نقياً. ولا مثال له عندنا إلا المشتري وما هو في شكله. الهيولى في عالم الكون والفساد أقوى، لأنها في محل عزها، والصورة في عالم الحق أعلى لأنها في معدن كمالها. الفلسفة حب الحكمة ولا يصح حب الحكمة والطبيعة فيما يؤثره الإنسان. إذا غلبت الصورة على الهيولى بطلت حكمة الهيولى. العلم ثمرة العقل. العقل سلم إلى الله. بدء الخير كدورة.
الإنسان موزون بكفتي العقل والطبيعة، والرجحان بعد هذا بالسيرة المقتناة، وكذلك النقصان. الطبيعة بالرياضة خادم العقل، وبالوضع منشئ لذي العقل. النفس عقل بعد الاستنارة، والعقل نفس بعد الفكرة، والطبيعة مميزة بالنظر في الأول محرفة بالنظر في الثاني. لا تبلى الهيولى ولا تبيد، لكنها أبداً في الإحالة والاستحالة والتأثير والقبول، والمتقوم بهما هو المكفي بينهما. لا فتور في النفس. لا كدر في العقل. لا حقيقة في شيء من العلة الأولى، لأن كل شيء بما هو به مخلوط بحكمة الباري وبما هو مشبه به مرفوع إلى الباري، لأنه محل الاعتدال في عالم الكون والفساد، لأنه لا واسطة. شرف الإنسان في تراثه في الهواء والهواء أشرف الإنسان من تركيبه وهو انفعال خسيس. قبول الحق انفعال أيضا، ولكن في غاية الوجوب، وفي ذروة الشرف، وفي نظام ما ينبغي.

العلم شرح العقل بالتفصيل، والعمل شرح العلم بالتحصيل. العمل عملان: عمل القلب لا تملك إلا أحد طرفيه، وعمل المباشرة أنت مالك له، فمتى حسن إيثارك للحق صنع لك في الذي لا تملك لوفاتك بحق ما تملك. الهيولى عاشقة للصورة مع المنافاة بينهما، لأنها بها تكمل، والصورة قابلة للهيولى، لأنها بها تحسن، إلا أن يكون المقوم منها وافر النصيب من الأول. الخذلان كل الخذلان في الحرص على سماع الحكمة مع مخالفتها.
•الإصرار على الشر مع تمني الإقلاع عنه زيادة في الشر.
•العكوف على الخير مع الشك خسران العاجلة والآجلة.
•تمني الخير في الظاهر مع ملابسة الشر في الباطن معاندة.
•تقبل الاهتمام بالخير مبدأ، والاهتمام بالشر غاية، المعطي لا يتبع المعطى ولا العطاء.

قيل له في هذا الفصل زدنا شرحاً؟ فقال: محال أن تكون قوى الأجرام العلوية في الإنسان الجزئي تابعة في البيود والبطلان. لا يستجيب شكل المادة لطابع العقل، فلذلك يوجد الزيغ في كل معقول ومحسوس. المحل محل نقص بالبيوس، فلا جرم متى وجدت عالماً وجدته خفيف المال، ومتى وجدت موسراً وجدته خفيف البصيرة، فإن ندر شيء فذاك خارج عن القياس، كالعلم بين الناس. ليس لنا إلا الآليهة والبشرية، فإذاً لا بد من سنن آليهة لتصير إنساناً، وسلاليم وعلائق بين البشرية والآليهة يرقى منها العاجز ويكمل بها الناقص. إنما أحوجت إلى غيرك لنقصك، وشوقت إلى من هو أشرف منك بنفسك، فاكمل تغن، وافن تبق، واغضض تبصر، أنسى تذكر، واعرف تنج، وخاطر تحرس.

•واعلم في الجملة أنك داؤك، ولكن فيك دواؤك، فإذا تسلط داؤك على دوائك غار داؤك بدوائك.

•إنك واضح فلا تشكل، ونير فلا تظلم.
للصورة سرار لا يفهم إلا بتأييد العقل، والهيولى خلافة لا يتخلص منها إلا بتشمير النفس. العقل سرح النفس مرعاها فيه، والنفس قليب الطبيعة مستقاها منه، والطبيعة صراط الإنسان مد له غيه. حاكم الطبيعة إلى النفس يحكم لك،
•وبلغ إلى العقل ما يفهمه عن النفس يردك.
•وإعرف الشر لئلا تقع فيه جاهلاً به.
الشر شران: شرنا شيء منك فأنت قادر على قمعه بموارزة الخير المؤثر عليه، وشر وارد عليك أنت محتاج إلى دفعه بمعاونة أهل الخير الكارهين له.
•الشر عدم فمتى لبسته عدمت، والخير وجود فمتى لا بسته ظفرت وبقيت.
•ومن خلط الخير بالشر وقف بين العدم والوجود وساء عيشه، ومن رجح به الشر باد، ومن فاز بالخير نال السعادة.

لين الشر أكثر من عدم الخير، ولين الخير أكثر من معرفة الحق، والعمل به. قد يعرف الشيء منكوراً وينسى مذكوراً، فأما عرفانه فمن ناحية ظهوره وغلبته، وأما نكرته فمن ناحية حجبه ووسائطه. الموجود فيه ظل المعقول بدلالة الواجب له، وهذا يلم، لأن الموجود جلبه لغيره منه.
صححح توحيدك بالمعرفة، وصف معرفتك بنفي ما يخامر سرك. هو الأول والآخر، والظاهر والباطين، والشاهد والغائب. أول بلا مبدأ، وآخر بلا نهاية، وظاهر بلا تحصيل، وباطن بلا فكرة، وشاهد بلا ملابسة، وغائب بلا مشافهة، وإياك أودع سره، وعليك أقام بره، ومنك استعارك، ولك أعار ما أعارك، ليكون أزجا منك ذلك، أو لا يكون بد إذا جار عليك بذلك. من الحيف أن تجحده وهو يناغيك في ضميرك، ويستولي عليك في ظاهرك، ومن الجهل أن تسمه بنقصك، وتصفه بحد نفسك، وتخبر عنه كما تخبر عما تركب عنك وفصل منك فيك. لعمري فمن الضعف أن تكون ذا طبيعة صم تروم أن تكون ذا معرفة، ولكن ليس لك ذلك بحال لأنك متى محوت آثارها وجلوت أصداءها أبصرت ما بين طرفك عنها، وتسأل إلفك منها، أو ترقيك إلى المحل الأشرف الأسنى.

•كن بطبيعتك إنساناً فاضلاً، وبنفسك جرماً عالياً، وبعقلك (إلهاً )غنياً. والطريق إلى هذه الغاية أمم إن حركت همتك، وقوية شوقك، ونفيت الشك عن قلبك، وصحبت القين بعقلك، وهجرت الحس الذي يكذبك وواصلت الناصح لك، ولزمت فناءه، واستعنت وأعنت، وعرفت واعترفت. من غمس نفسه في غمار الطبيعة هلك وطاح، ومن احتلي نفسه بزينة العقل طرب وارتاح، ومن صمد للغاية بجده وجهده نشر وباح، ومن تهاون بتحصيل ما له وعله خسر وناح. لا يسخرنك ما يرجرج لعينك عما يبهج لعقلك. لا تتمن الموت طلباً للراحة مما أنت مخنوق به مسحوب عليه دون أن تثق بما تستريح إليه، فإنك متى أهملت هذا النظر حقت عليك أن تكون استراحتك مما أنت فيه بالموت طريقاً إلى شقوتك فيما بعد الموت، فمن أخس منك إذاً؟ لا عيب على من جهل النفس الفاضلة أن يخدم الطبيعة الجاهلة، إنما العيب على من لحظ العيب في معدنه، وشعر بالخير من متوجهه. ثم أعرض عنه سادراً، ورضى أن يرحل عن هذه الدنيا حائراً بائراً. أقرق بين متحرك من كذا وكذا، وبين متحرك من كذا إلى كذا، حتى يصفو عزمك في طلب ما لا بد لك منه، ثم لا تقف حتى يلحظ المتحرك على كذا وكذا فيه شرفك الأعلى، وإليه كان سعيك الأدنى والأقصى.
ألطبيعة شائعة في الأجسام ومحركة لها مبدية قواها فيها، فأما النفس فإنها تتحرك في الأرواح النقية، والجواهر الصافية، وهناك يبرز عينها بالحدس والظن، والعلم واليقين، والحق والصواب، ثم العقل بعد هذا كله حركة أخرى في البسائط العالية والغايات البعيدة، وبهذا تنال السعادة ويستحق الخلود ويصار إلى ما لا يحويه وصف، ولا يرسمه رصف، هناك يقف الشوق عن الإزعاج، ويحاز الشرف كله بلا ممارسة ولا علاج.
حركة الطبيعة في الأجسام نقش موموق، وحركة النفس في الأرواح الشريفة وشيء معشوق، وحركة العقل في الأنفس الفاضلة معنى أنيق.

•العفة خليفة النفس الناطقة عند الطبيعة المغضبة، والعدالة كمال للجميع صحة جسدك بإزاء عفة نفسك، وشجاعة نفسك بإزاء قوة جسدك، وتمام جسدك بازاء حكمة نفسك، وعدالة نفسك بإزاء حسن جسدك، فلا تقطع بين هذه القرائن فبها شرفك وإليها توجهك. أنت من نفس وبدن، تبيد بالبدن وتخلد النفس، فاقصر سعيك على ما يبقى ولا تلتفت إلى ما تبيد معه. أنت صورة لنفسك وبدنك إلا أنك مستقيم من حقيقة ورثتها من نفسك ومجاز داخل عليك من بدنك، فوفر عنايتك على مستخلص حقيقتك من مجازك وتفضي به إلى شرف غايتك. أخذ النفس أكثر من إعطائها للطبيعة، وتقبل الباري أكثر من فيضه على النفس، وبروز العقل بالطبيعة أشد من استجابتها للنفس، وذو النفس والطبيعة في جهاد دائم وكدح متصل. يقبل العقل والفعل ولكن في الأفق الأعلى، وشوق النفس انفعال ولكن في الرتبة الوسط، وبث الطبيعة انفعال ولكنه في السياح الأول من ذي الطبيعة. كذب روائك الخمس إلا إذا شهد لدعواها العقل الرضي. كنت بددا في حكم المعدوم. فنظمت بعيداً من العيب مشهوداً له بالعجب، فلست إلا لأمر هو أعجب منك، فإن شبهت معادك بمبدئك بشهادة الحس أخطأت، وإن رجحته على ذلك فيوشك أن تكون مصيباً. لك وجودك الثاني على هذا الشرح وجودك الأول، فكذا لا يشبه وجودك الثالث هذا الذي أنت عليه. الطبيعة تسوس مزاج البدن، والنفس تسوس دواعي الطبيعة، والعقل يسوس سكان النفس بالنظام المحم ولكن المنتظم مستهدم، أنت مسكن لغيرك فاجتهد أن لا يتحول عنك ساكنك كارهاً لك، واعلم أنه إن اصطفاك حولك معه. الإنسان الجاهل ميت، والعالم المتجاهل عليل، والمؤثر للخير حي صحيح. إذا كنت تجد حياً تحكم عليه بالموت بسبب اقتضى ذلك فلا تنكر أن تجد ميتاً تحكم له بالحياة بسبب يقتضي ذلك. لا تتخذ مراد الطبيعة مقيلاً فإنك تزعج عنه أهدأ ما تكون فيه، وأسر ما تكون منه، فبدنك طبيعي فتهاون به، ونفسك عقيلة فتوفر عليها. احرص على أن تعلم جيداً، لا على أن تقول جيداً، وعلى أن تهوى خيراًن لا على أن تحب خيراً، وعلى أن تعمل بما ينبغي، لا على أن تدعي ما ينبغي. فيك درة الحق فلا تخدع عنها، ومعك رائد الشرف فلا تعيبه، وإليه رشدك فلا تفت نفسك ما لها ألهمك.
•ملكت مالا تستحق فأحسن سياسته حتى يستحقك.
في التجارب مرآى النفس فاستكثر منها فإنها أنجع من كل دواء، وأبلغ من كل شفاء،

•إن احتميت دامت لك الصحة، وإن شرهت حالفك السقم، وأفضى بك إلى الندم. •ما حمد المتواني عاقبة حاله، ولا ذم الرصد فرصة غب أمره.
•ارحم نفسك قبل أن تسترحم غيرك، فإنها إذا رحمتها أكرمتك، وإذا استرحمت غيرك لم يرحمك، فإن رحمك أهانك وأمتن عليك، فلا تنفك عن غصة تهون عليك الموت وتسوقك إلى العدم.
•كن عاقلاً حتى لا تغتر، وخبيراً حتى لا تغر، وفي الجملة كاملاً حتى لا تنقص،
فإن قلت: أني لي بالكمال؟ فاعلم أن كمالك في نفي نقصك بما تعمره لا بما تزيله، لأن نقصك من جهة التركيب لا من جهة البساطة.
•لا تنم بين الإيقاظ، ولا تغفل عن الرقباء، ولا تدع عنها المكذبين، ولا ترجي ما لك اليوم إلى غد، فإن غداً ليس لكن فإن كان لك فإنه شاغلك عن يومك.
•ساء ما منتك نفسك أن تنال لذتك وتبلغ شهوتك ثم تدرك بعد هذا سعادتك؟ ليتك إذا دفنك التراب، وغسلك الماء، ولطفك الهواء، وأحرقك النار، وتقلبت بك الأستقصات، وعاد سفلك علوا، ودرنك نقاء، وظاهرك باطناً، وصرت مقبولاً بكل شكل، ومرقى إلى كل فضل، ومجلوا على كل عين، ومذكوراً بك لسان، ومتمني بكل قلب، ومعهوداً بكل إصبع، ومقدساً بكل مجد، ومدعي في كل زمان، وآوياً إلى كل مكان، وموجوداً في كل أوان، ومخبراً عنه بكل عيان، كنت أهلاً للبقاء والخلود والكرامة والغبطة، ومشاكهة ما لا يزول ولا يحول ولا يبور ولا يحور، ولا يصل إليك شيء إلا ممزوجاً، ولا تضل إلى شيء إلا مكدوداً، لأن الواصل إليك من العلو يخرق حجباً يتشبث به ما يمر به ويتعلق هو ما يجتاز عليه، وأما الكيف الذي يصحبك فلأنك في مركز يتطاول إلى المحيط. وهذه حال خطر وغرر إلا أن يكون الجد صاحبك، والتوفيق كافلك. أنت سماء فيك كواكب تزهر، وأرض فيك يجور تزخر، وهواء فيك رياح تهب، وجبل فيك عيون تنبع. أقصد بكثرتك قلة، وبقلتك توحداً، وبتوجهك بقاء سرمداً، لا راحة لمخوف دون الأمن، ولا دعة لراج دون المطلوب، ولا سكون لمحتاج دون الغني، ولا غري
دون درك المنى. ما أجهد الطبيعة في غمر البلاء بك. ما ألطف النفس في إهداء النصيحة إليك، وما أشرف العقل فيما يجود به عليك، افرج عن الطبيعة يفرج عنك. أي لا تسمح لها بالهواء فإنها لا تعتدل، الطبيعة تستهوي ذا اللب الوافر، وتخدم الحازم الموفور، وتفل غرب المدل الجسور، لها في البدن صلاح وفساد، فقط، إذا اعتبرت أفعال الله وجدت القدرة في وزن الحكمة، والحكمة في وزن القدرة، وفي بعضها تجد القدرة والحكمة خافيتين، وفي بعضها تجدهما ظاهرتين، فلهذا وأشباهه أشكلت المطالب، وثارت الشبه، واختلفت الطرق والمظان، وصار الباحث وإن كان حريراً نقاباً يزل من شق إلى شق، ويميل من جانب إلى جانب، ولو استتب بالبحث على جدده، واستتب القول في صدده، كان العرفان على قدر الوجدان، والبيان على قدر العرفان، إنما أشكل المطلوب لأنك أردت أن تجد بالحس ما لا يوجد إلا بالعقل، وتجد في العقل ما لا يوجد في الحس، ولو رتبت كل شيء موضعه ووفيته، لم يسم المطلوب أن يكون يقيناً، ولم يسم اليقين أن يكون مظنوناً، إلا بعكس حدك في ترتيبه. واحفظ نظامك منه فإن تمامك به. أحي بالطبيعة غير بطر، وتصفح بالنفس غير ملون، ونل بالعقل كل ما تريد، فبهذا تسعد وبه تدرك بقاء الأبد.
•مت بالطبيعة قامعاً لها، تحي بالنفس رفيعاً بها.
• لا تستشر العقل ملتطخا بأوساخ الطبيعة، فإنه يعافك ولا ينصحك، ولكن توجه إليه طاهراً من كل دنس، عارياً من كل فساد، ثم اسمع منه فإنك لا ترى إلا الرشد ولا تجني إلا الغبطة. الاختيار مركب من قوى النفس والطبيعة، ولذلك كان معنى الانفعال فيه بالواجب أظهر من معنى الفعل منه بالإمكان، لأنه في انتسابه إلى النفس ذو صورة، وقيامه بالطبيعة ذو هيولى، وعلى هذا فنونه الأفعال كلها إلا ما بان في أوليته عنها.
وفي هذا الكلام إشباع لعله يقع في موضع آخر.)) ( 62)
(•نزلت الحكمة على رؤوس الروم، والسن العرب، وقلوب الفرس، وايدي الصين.
وقال أيضاً:
••إنما يخرج الزبد من اللبن بالمخض،
•وإنما تظهر النار من الحجر بالقدح،
•وإنما تستبان النجابة من الإنسان بالتعليم،
•والمعدن لا يعطيك ما فيه إلا بالكدح،
•والغاية لا تبلغها إلا بالقصد.
•ومن نشأ بالراحة الحسية فاتته الراحة العقلية،
•والعاجلة تتصرم والآجلة تدوم.)) (65)
((قال الحراني: قال بعض السلف من الحكماء الصلحاء والفضلاء: العلم ما تمت فضيلته بالعمل به، على أن العالم وإن لم يعمل، حرى أن تتوق نفسه إلى حال من الأحوال، إلى محاسن من علم وحفظ. والجاهل منقطع النسب منه، والعالم ينفع وإن لم يعمل، وليس ذلك للجاهل، والعالم كاسب على الجاهل والجاهل كاسب للعالم.
قال ابن زرعة : قال بعض القدماء: العقل دال على الفضيلة، فمن أتاها استحقه لعلمه بدلالته، وذام للرذيلة، فمن آثرها استحق اسم الجهل، فما كان مميزاً لتركه العمل بدلالته.)) (66)
((قال القومسي:
•السلطان في تدبير الرعية كالشمس في تفصيل الأزمان، والجند كالريح في التلقيح، والعلماء من الجميع كالنبت والحيوان، والعوام في نقل الأمور كالأرض في حمل الأنام، وما يكون منه منافع الإنسان.
وقال علي بن عيسى : ليس يري مجد الحكمة إلا من كان بصر عينيه في قلبه لا بصر قلبه في عينيه، وما أحسن ما فتق لسان البدوي بهذا المعنى في نظمه السائر:
ما الفضل فيما تريك عين بل هو فيما ترى القلوب)) (66)
((وقال علي بن عيسى: قال افلاطن: من اتصلت الحكمة بطباعه فتحتها أخرجت منها أنواع البيان المخالف لها في السكل والقوة والصورة.
وقال غيره: قال سقراط: كل مصغر ليس بمحمود ما أمكن منه الاختيار.
قال أبو سليمان، وقد سمع هذه الحكاية: ما أحسن ما قال بطليموس في كلماته في الثمرة حين قال: إذا طلب المختار المختار الأفضل فليس بينه وبين المطبوع فرق.
وقد شرح هذه الكلمة في أخواتها من الثمراة كاتب آل طولون وأربى على كل فائدة.)) (66)
((وقال عيسى بم علي:
•الملك بحق من ملك رقاب الأحرار بالمحبة.)) (66)
((وقال:
•كل خير حسن، وليس كل حسن خير.
وقال:
• كلما فعلته النفس بالأدب، فعلته الطبيعة بالعادة، وفعله العقل بالتقبل، وفعله الباري بالجود.))(67)

((: قال أفلاطن:
•من ملك منطقه سمي حليماً، ومن ملك غضبه سمي شجاعاً، ومن ملك شهوته سمي عفيفاً))(68)
((وقال بعض الأوائل: الإنسان الذي لا يعمل بعلمه كالشجرة المورقة لا ثمر لها. وقال آخر: البخيل الغني كالجبان القوي)) (68)
((فقال أبو سليمان:
•كل من لا يعرف ما يجب عليه فلا يعرف. فقال: ليس هذا من كيسي. وقال آخر:
•الدين حجة لا يحتج عليها، وللشبهة سبيل لا يعرض لها.)) (68).

((قال بعض الأولين، في السياسة والأخلاق:
•من ملك حقيق أن يحصن عقله من العُجْب، ووقاره من الكبر، وعفوه من تعطيل الحدود.)) 69
((وقال ابقراط: الحمية أن تدع الشهوة تقية. وقال بعض الأوائل: استضاءة الجسد من النفس كاستضاءة القمر من الشمس، واستضاءة النفس من العقل كاستضاءة النفس للنفس، واستضاءة الروح من الطبيعة كاستضاءة المركز من المحيط، واستضاءة العقل من العقل الأول كاستضاءة العاشق من المعشوق وقد قال بعض الأوائل:
•لا يقال هذا حق ولكن يقال: هذا عدل بحق، لأن الحق أو العدل به
•وقد قيل لأفلاطون: فلان لا يعرف شيئاً من الشر؟ قال: فليس إذاً يعرف شيئاً من الخير))(69).
((وقد قال بعض الأوائل، لا يقال : هذا حق بعدل ولكن يقال: هذا عدل بحق، لأن الحق أول للعدل .)) 69
(( وقد قيل لأفلاطون: فلان لا يعرف شيئاً من الشر؟ قال: فليس إذاً يعرف شيئاً من الخير . قال: فهذا مكشوف، لأنه يريد أن تكون الأمور متميزة عند الإنسان الفاضل. فإنه بعد تمييزها يختار منها، وفيها ما يجب أن يجتنب، وفيها ما ينبغي أن يكتسب. وإذا استعزت عليه ولم يوضحها التمييز بطل اختياره منها، وإذا بطل اختياره منها خيف عليه الهلاك فيها.)) 69
((سمعت أبا سليمان يقول: من التمس الرخصة من الإخوان عند المشورة ومن الفقهاء عند الشبهة، ومن الأطباء عند المرض، أخطأ الرأي، وتحمل الوزر، وازداد سقماً.)) (70).
((وسمعته يقول:
•من أراد أن يجود على الناس كلهم فلينو لكهلم خيراً.))(70)
((وقال أيضاً: النفس تدبر أولى الألباب، والطبيعة أولى الغفلات، والفكر في مرآة النفس يريها خيرها وشرها.
•وظنه العاقل كهانة.
•وخدم الملوك خزان أرواحهم.
وإشفاق الإنسان يجب أن يكون على فناء الزمان ومن أحب ِأن يبقى في عالم الحس سليماً من آفات الدهر فليغن عن عقله فقد مات،
• ومن أحب أن لا تجري عليه أحكام الفلك فليجد سقفاً غير هذا السقف.)) (70).
* (( مقولات المقابسة 90 ))
*(( قال:
•أعرفه باليقين بل بعيان اليقين ، واشتقه للكمال بل لكمال الجمال، وأطلبه للاتحاد بل لاستخلاص الاتحاد.
وقال أيضاً:
لن يوثق بالصد ق بل بميزان الصدق، ولن تُخاف السبعية بل كَلَب السبعية، ولن يهجو الكذب ، بل آفات الكذب.
وقال: أنظر من جعلك مريداً فاجعله مرادك، وجرّد الانتساب إلى من هو اوّلك واخرك.
وقال: وزن النفس بالنفس هو العناية بالنفس، وردع النفس هو العلاج للنفس، واستثبات النفس بالنفس هو التعرف للنفس، وعشق النفس هو الممرض.
وقال: سل واهب العقل إضاءة العقل، ولاحظ الحقائق بنور الحق.
وقال: ابدأ بالأول في ايثار الاولى، واعرف الاولى بايثار الاول.
وقال: مبدأ وصال الاحسن هجران الاقبح، ومنشأ الرأي الأقوم هجران الارذل .
وقال: المختار الأول عاشق للاحسن، والمقدم الأول مدبر بالاتقن.
وقال: امن المؤنة اشرف القنيات، واخلاص العمل أشرف الأعمال، وعداوة الشيطان أشرف من المجاهدات، والتهيؤ لإجابة الداعي أشرف الأفعال، وتميز البقاء من الفناء أشرف من النظر.
وقال: دوام الصحة للفضلاء من السادة، يروض الطبع على الحميد من العادة، وإجالة الفكر في نظام الخليقة، يحلي النفس بجمال الفضيلة.
وقال:
•ليس اللطف في تزيين الشيء بل اللطف في تأنيق التزيين،
•وليست المهنة تأدية الصناعة بل المهنة سهولة التأدية،
• وليس الكمال المطلق اقتناء الفضيلة الإنسية بل بما يتبع اقتناءها من الجود المزين لها،
أجل النعم هي الاستقبال بشر المنعم،
وأشرف المواهب هو الفوز بالخلوص لرب المواهب،
ومن لم يؤيد من نفسه بإحكام الحكمة وبأمان العقل، فقد صيرهما حجة علية لا له، ألفائز بالإشراف إما أن يوجد مستولياً على المشروف، وإما أن يوجد مستغنيا عنه، والمقتصر على المشروف أن يستمد بالاستيلاء على الإشراف أو يستعين بالاستغناء عنه. الوضيع أشر حالاً من الخسيس، فإن الوضيع مذموم في حال دون حال، والخسيس مرذول على كل حال. أشرف العبيد أخلصهم للمولى، وأشرف أفعال العبيد أرضاها عند المولى، وأشرف أغراض العبيد هو أن يصفو له المولى، وأشرف همم العبيد أن يتحد بالمولى. من خصائص المذلة سلوك النفس إلى النقص بعد الفوز بالتمام، ومن خصائص المعزة التشبه بالضعاف مع وفور بالطاقة. الحكمة مقتضية لوجود العقل، والمعاني الثلثة في الأقل شيء واحد، وهو هو ذاته الحق، فأما فيمن دونه فمختلفة في حدودها وإن اتحدت في وجودها.
• النفس العزيزة هي التي لا تؤثر فيها النكبات، والنفس الكريمة هي التي لا تثقل عليها المؤونات.

مقابل العزيز هو الذليل في التلون في أحواله بسرعة عمله، ومقابل الكريم اللئيم، والرضى من أفعاله بالخلل عامة. مراتب العبودية بحسب القوة القوة العلمية أربع: أولها مرتبة المتقين، وهي من علائق الخوف، والثانية مرتبة المحسنين، وهي من علائق الرجاء، والثالثة مرتبة الأولياء، وهي من علائق المحبة، والرابعة مرتبة الصالحين، وهي من علائق الاستقامة. صورة الكل واحدة. هجر القذورات مدرجة إلى الخيرات، والتمسك بالخيرات محصنة عن الهفوات، والأمن من الهفوات مرفعة للمقامات، ومعالي المقامات مجمعة للسرور واللذات. متى لم يجلب الموانع فقد يسير الجوهر الجسماني نحو كماله الأخص. العلم الصحيح أبلغ من صلاح العمل السديد من الاعتبار بالعكس فإن الرئاسة والتدبير إليه.
•فاتحة السعي في طلب المولى ترك جميع من هو دون المولى، وتمام السعي في طلب المولى الاستغناء عن جميع من هو دون المولى. متى جاوز البعض البعض فقد استغنى الجميع عن الجميع، ومتى اتكل البعض على البعض فقد اضطر الجميع إلى الجميع. بدؤ التعاون افتقار وتمامه استغناء، وبدؤ التواصل استغناء وتمامه افتقار. متى استتبت الحرفة على هذا العرض الحقيقي فقد سلم المحترف بها عن وصمة التقليد فيها. فراق العبد للمولى يكون على صور أربع، وهي: القطع، والطرد، والحسر، والحجب. انبعاث الخاطر النفساني وإن عرض منه التأدي إلى الحرص فلن يجوز أن يعد مرذولاً، فإن لكل واحد منهما مقصوداً آخر عظيم الجدوى ذاتا له وبمثله الحال من كافة ما ينبعث في النفس كما أن المتدين يفتتح تدينه من درجة التقليد ثم يترقى منها رويداً رويداً إلى معلوم التحقيق، ومهما اقتصر من تدينه على الرتبة كان مذموماً، وإن لم يجد في البدأة مختصاً بالكنه. الحال في اللذة والكرامة والثروة والرئاسة، المعونة والحرمة قد تقع بحسب القرب، وقد تقع بحسب تقريب مراتب التقريب وبحسب العمل يفتقر إلى الآت، وهي الاتصال والتفويض والتوبة، ومراتب التقريب بحسب العمل تنقسم إلى ثلاث مراتب، وهي الخدمة، والطاعة والعبادة.
وقال: الحال لا يجب أن تكون حال الصبى، والوقت لا يجب أن يكون قريباً من أحوال الصبا، ولا طبيعة لا يجب أن تكون ذات أفعال أو ذات انحلال، والسبب الداعي لا يجب أن يكون إما الثروة، وإما اللذة، وإما الرئاسة، وإما المحمدة، بل يجب أن يكون إما شرف الفضيلة، أو تحصيل السعادة، والرفقاء لا يجب أن يكونوا سبعيين أو بهيميين.
وقال:
• النعمة الموضوعة في غير موضعها قد تحسن بالعرض لجهات ثلاث: وهي المحبة، والغيرة، والمدرجة. أفعال القلوب أربعة، أولها الزيغ، ثم الرين، ثم الغشاوة، ثم الختم، وعلاجها الإيمان، والنداء، واليقين بالأخرة، والتصديق للرسالة.
انحلال الأنفس يكون على أربعة أوجه، أولها: الكسل، ثم الغباوة، ثم القحة، ثم الانتهاك. وعلاجه استشعار التقوى، والمحافظة على العبادات والاتفاق في سبيل الأنفس.
•أعلى النفس همما هو أن لا يفرح بشيء من السنخ كفرحه بصحته.

مالك الملوك وهو الحال الفصلي للطبيعة الإنسانية اختصاص كل موجود بفعل له على حدة يحقق أن وجدانه ليس بعيب، وانخسار العقل عن أن يتوهم لذلك الفعل موجوداً آخر أصلح له منه تحقق له أنه ليس بناقص الذات إذ قد تفرع كل من الموجودات بفعل له على حدة، فمن أين تتعرف وبالذي يصدر من مجموعها من الفعل المختص به من وجد مجموعاً أن ينتفع بسياقه الشيء إلى الكمال إذا لم يحفظ علته، ولن ينتفع بحفظ علته إذا لن يصر ذاته بنفسه مستحفظاً لطباعه على أخص كماله وما لم يصر آمنا في سربه من طغيان آلاته المغيرة إلا عنده، ولن ينتفع بالأمن عنده إلا إذا لم يكن الأمن أبدياً على الإطلاق. إن شرف الإنسان هو الفوز بالسعادة العظمى ونيل المنزلة عند ربه ومن الواجب أ، يكون عرض الصناعة المعينة بشأن الإنسان ما هو إنسان أعني النسك والزهد، هو تحصيل السعادة العظمى والمنزلة عند الله تعالى وكان الشخص الواحد من أشخاص الناس غير صالح لإستبانة صور الموجودات كلها في ذاته فيصر بذلك عالما على حدته حسب ما في أشخاص الحيوانات للآخر، لما امتنع أن يفنى فناء أبدياً ويخلفه الآخر مكانه. ازدحام الصور المتقابلة في الجوهر النفساني ليس بممتنع، وازدحام الصور الكثيرة إلى ما يتناهى ليس بمموه، فبورود التلاشي عليه إذاً ليس بواجب، وحصرها إذا تحلت بالأبديات الكلية بطباعنا الخاصية. غير بعيد أن يكون الكمال المطلق هو أن يصير جوهره بحسب السعي الاختياري حكيماً قادراً جواداً. وهو يصير العبد ربانياً بالحقيقة. لما جعل الشخص الحيواني توليد المثل لبقاء نوعه فقد أهدى بالطبع المتمم لغايته. وبالعكس لما حرم الكمال الأشراف بنفس حياته قصر طباعه عن التصور له رأساً فلو ضاهاه الإنسان في هذا الكمال لشاكله في القصور عن التصور. إذا سعد العبد بوصال مولاه على الحقيقة فقد صارت دنياه آخرته، وموته حياته، وفقره غناه، ومرضه صحته، ونومه يقظته، وضعفه قوته، وهمه فرجه. وإذا شقى بالحجب عن مولاه فقد انقلب الأمر بالضد.
مراتب العبودية في العيشة الدنياوية على الحقيقة أربع: أولها الاهتمام للسعادة، ثم السلوك إليها، ثم الحصول عليها، ثم الاستمساك بها. وفي العيشة الأخروية رتبتان: وهما الاغتباط بنيلها، والاغتباط بالأمن من زوالها. كما امتنع عليه إبراز فعله المختص به فقد صار وجوده على ما هو عليه مضاهياً لعدمه. وتلك هي خساسة ذاته.
صلح الواحد ينزل منزلة الملك، وصلاح الجميع ينزل منزلة الملك، وحيث وجد الملك وجد الملك، ولا ينعكس؛ فإذاً الإنسان لن يشرف بأن يصير مالكاً بل يشرف إذا صار ملكاً. وفعل المالك حفظه القنية على صورتها، وحفظ الملك حفظ مراتب القنيات على درجاتها متى علم أن الشيء مما يجب أن يعلم وأنه ليس بعلم، فقد صار المعقول عنه محروصاً عليه، وذلك هو مفتتح السعي، وهو في الحقيقة أكثر من نصف جملته، كما أنه ليس يسكن العقل الصريح إلى معرفة المبدأ القريب من الشيء دون أن يعرف المبدأ الأول على الإطلاق، وما بين المبدئين من الوسائط، إن كان الأول المحض والآخر المحض بالذات شيئاً أحداً، وإن اختلف الوصفان عليه بالإضافة فبالأحرى أن يكون المبدأ والغرض المحض غير مختلفين بالذات، وإن اختلفا بالإضافة. التعرف للذات بحسب المنتهى أربعة، وهي: أن تعرف لماذا هو، وكيف السبيل إليه، وما الذي يحتاج إليه في التوجه نحوه وما الذي يعوقه عن بلوغه. مراتب التعرف للذات بحسب المبتدأ أربعة، وهي: أن تعرف ما هو، ومن جاء به، ومن داجى به، وكيف كان مجيئه. ومن أجل أن المستخدم قد يضطر الحال إلى استصلاحها واستحفاظها فيصير فعله فيهما عند ذلك شبيهاً بفعل الخادم لها في الظاهر، فليس بعجيب أن يعرض منه الغلط، أو يبدو من جهته الانخلاع. من سوس العقل الصريح التفرقة بين الحسن والقبيح، ومن سوسه أيضاً السكون إلى الحسن والالتفات عن القبيح، لأن الشيء متى كان مفرطاً في الحسن فإنه يبهر العقل الجريء فيحتاج معه إلى التدريج إليه، والتمرين عليه. خصوصية هذه الصناعة رياضة الأنفس الناطقة على تأدية الأفعال البشرية بصور مستصلحة لاكتساب الزلفى عند خالق البرية. لن يكفي أن تكون الغاية محدودة في نفسها موجودة بذاتها، بل يجب مع ذلك أن تكون متصورة عند القاصد لها على ما هي عليه، وأن تكون أيضاً متشوقة محبوبة عنده. يجب أن تتعرف من درك الغاية أهو من جملة النعم أم ليس هو من جملة النعم، وأنه إن كان من جملة النعم، أهو مما ينال بحسب الاتصال أم بحسب التعويض أم بحسب المثوبة.
هذا آخر التعليق عنه نضر الله وجهه، وقد كان قادراً على هذا الجنس من الكلام لطول ارتياضه به وكثرة فكره فيه؛ مع سيرة جميلة. ولقد ورد بغداد سنة أربع وستين وثلثمائة في صحبة ذي الكفايتين فلقى من أصحابنا البغداديين عنتاً شديداً ومناكدة، وذلك أن طباع أصحابنا معروفة بالحدة والتوقد على فاضل يرى من غير بلدهم، وذلك كله جالب للتنافس، مانع من التناصف، وهو خلق تابع لهواهم، وتراهم قد احتاجوا من أجل ذلك إلى علاج شديد ومقاومة طويلة، وقل من يتخلص إلى غاية هذا الباب لغلبة الطباع، وسوء العادة، وشرارة النفس. والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من بذلهم الواجب عليهم، وهذا باب وإن كان فاشياً في جميع الناس فكأنه في أصحابنا أفشا وهو من جهتهم أعدى، وهو على ذلك لا يعشر واحداً منهم إذا برز في فن عشرة من غيرهم، وإذا كان الكمال عزيزاً في النوع كيف لا يكون عزيزاً في الواحد؟ نسأل الله خلقاً طاهراً، وعملاً صالحاً، وعلماً نافعاً.))(90).
** مقولات وحكم من المقابسة 96 :::
((هذه مقابسة رسمنا فيها كلمات نافعة كانت متفرقة في ديوان الحفظ ولم ننسبها إلى شيخ واحد لأنها كانت تجري في مجالس مختلفة، وهذا موضع يقتضى حصولها فيه لتكون مجاورة لأخواتها، وداخلة في جملة ما لاق بها. وفي النفس بعد هذا جمع النوادر للفلاسفة مع التصفح والإيضاح، إن أخر الله ما لابد منه، وأعان على إظهار ما تتحدث النفس به يكون شرفاً لجامعه، وفائدة للظافر به، وغنيمة للطالب له. وبيده تسهيل ما عسر، وهو ولي الحمد في الأول والآخر. ولكل طائر صائد، وما كل تربية تصلح للعقبان، وما كل طبيعة محتاجة إلى برهان.
وقال:
• الحق بين منهاجه، ومنير سراجه، ومعقول بيانه، ومعلوم برهانه، منه استضاء به أفلح، ومن سلك سبيله نجح.
قال قائل: أنواع الاختلاف ستة: الإضافة، والتضاد، والقنية، والعدم والإيجاب، والسلب. والمضاف مثل الضعف، والمنصف والتضاد مثل الصالح والطالح، والقنية والعدم مثل البصر والعمى، والموجب والسالب مثل فلان جالس، فلان ليس بجالس.
قال قائل:
•لكل صانع صناعة، ولكل طابع طبيعة، ولكل مدبر تدبير، وما كل صانع حكيم، وما كل طابع كريم، وما كل مدبر مصيب.
•ولكل إنسان لسان، ولكل لسان سنان، وليس لكل لسان سنان، ولا لكل بيان برهان، وما كل ذي قلب بلبيب،
• وكل إنسان ذو نطق، وما كل ذي نطق بلبيب،
•وكل إنسان ذو نفس، وما كل ذي نفس بأريب،
•وكل إنسان ذو حس، وما كل ذي حس بلطيف،
•وكل إنسان ذو عقل، وما كل ذي عقل بعاقل.)) (96) نحولها الى باب المقالة وكثير مما تقدم تصح ان تصنف كمقالة ..
**((فإن درجات الحكمة مختلفة، ولك كلمة قائل، ولك قول داع، ولك عمل عامل، ولكل عامل راع))(101)
**((أن إظهار التشحح مع إخفاء الجود قبيح، فكذلك إظهار التفاخر مع كتمان القدرة قبيح، الخير أبداً بين الطرفين والوسط مطلوب كل ذي عقل وعين))(102) قال ذلك التوحيدي..
((ومن كان طاهر النفس صافي القريحة صائب النظرن قصد الجواب ولحظ الحق ، ولم يحوج نفسه إلى شك مود إلى وحشة، فالحق أنس كل عقل، والباطل وحشة كل نفس))(104)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية : 89 ،في مقدمة الحقق (( محمد توفيق حسين )) ص 17 .
* السجستاني هو ابو سليمان المعروف بالمنطقي وكان استاذا لابي حيان التوحيدي واغلب المقابسات هي املاءه على ابي حيان التوحيدي .
(2)
(3) دائرة المعارف الاسلامية ، في مقدمة المحقق ص 11 .
(4) قمنا مؤخرا بانجاز هذا العمل وألفنا فيه كتابا بعنوان ( مقابسة المقابسات ـ التعريفات والمباحث والمسائل الفلسفية لمقابسات ابي حيان التوحيدي ) من المؤمل طبعه واصداره خلال هذا العام 2008 .
(5) الدكتور محمد شفيق شيّا ( في الادب الفلسفي ) : 133
(6) انظر دراسة د.ناجي التكريتي ( فلسفة الجمال عند افلاطون ) مجلة الموقف الثقافي ـ بغداد ـ العدد 28 لسنة 2000 م ص 41 وما بعدها .
(7) المقابسة 48
(8) المقابسة 48

مادة البحث
القصص :
مقالة(1) روى الصالحون ان الثوري لقي ما شاء الله فقال له : انت تخاف زحل وانا اخاف رب زحل ، وانت ترجو المشتري وانا ارجو ربّ المشتري ، وانت تغدو بالاستشارة وانا اغدو بالاستخارة ، فكم بيننا ؟ ( 61 ،2 ) .
ان الطب يقصد استدامة الصحة وصرف العلة ، والنحو يقصد به الماهر فتق المعاني وصحة الالفاظ وتوخي التعبير ، واعتياد الصواب .. وكذلك الفقه الذي قصد صاحبه فيه اصابة الحكم ، واقتضاب الفتيا وايجاب الحق .. والشعر الذي منتهاه قائم في النفس .. والحساب الذي نفعه ظاهر … والبلاغة التي قد علم صاحبها وطالبها ما ينتهي اليه ويقف عليه من تنميق لفظ ، وتزويق غرض … وكالصناعات والهندسة . وحدود هذه العلوم بعيدة وفوائدها جمة . وانها كثيرة المنافع ، عامة المصالح ، حاضرة المرافق . وان الناس لو خلوا عنها وعروا عنها ، لتبدد نظامهم وانقطع قوامهم ، وكانو نهبى لكل يد ، وحيارى طول الابد .
وليس كذلك علم النجوم . فان صاحبه ان استقصى وبلغ الحد الاقصى في معرفة الكواكب ، وتحصيل سيرها ، واقترانها ورجوعها ومقابلتها وتربيعها وتثليثها وتسديسها وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها ومقاطعها ومطالعها ومغاربها ومشارقها ومذاهبها ، حتى اذا حكم اصاب ، واذا اصاب حقق ، واذا حقق جزم ، واذا جزم حتم ، فانه لايستطيع البتة قلب شئ عن شئ ، ولا صرف امر الى أمر ، ولا تبعيد حال قد دنت ، ولا نفي ملمة قد المت ، ولا دفع سعادة قد اجمّت واظلت . اعني انه لايقد ر على ان يجعل الاقامة سفرا ، ولا الهزيمة ظفرا ، ولا الابرام نقضا ، واليأس رجاء ، ولا الاخفاق دركا ، ولا العدو صديقا ، ولا الوالي عدوا ، ولا البعيد قريبا ، ولا القريب بعيدا . وهذا باب طويل ، والحديث فيه ذو شجون . فكأن العالم به ، الحاذق فيه ، المتناهي في خفياته ، بعد هذا التعب والنصب ، وبعد هذا الكد والدأب ، وبعد هذه المؤونة الغليظة ، مستسلم للمقدار ومستخذٍ لما يأتي به الليل والنهار ، وعادت حاله مع علمه الكبير وبصيرته النافذة ، الى حال الجاهل بهذا العلم الذي انقياده كانقياده واعتياده كاعتياده . ولعل توكل الجاهل به احسن من توكل العالم ، ورجاءه في الخير المتمنى والشر المتوقى اقوى وافسح من رجاء هذا المدلّ بزيجه وحسابه وتقويمه واصطرلابه . ثم قال : ولهذا روى الصالحون ان الثوري لقي ما شاء الله فقال له : انت تخاف زحل وانا اخاف رب زحل ، وانت ترجو المشتري وانا ارجو رب المشتري ، وانت تغدو بالاستشارة وانا اغدو بالاستخارة . فكم بيننا ؟ (25) .
ولما كان عالم النجوم ، وصاحب الشغف بالاحكام ، يريد ان يقف على احداث الزمان في مستقبل الوقت .. وهو انسان ناقص في الاصل زائد في الفرع ، وزيادته في الفرع لاترفع نقصانه في الاصل ، لان نقصانه بالطبع وكماله بالعرض . ومع هذه الحال المحطوطة بالسنخ المؤفة بالطين ، قد بارى باريه ، وجارى مجريه ، ونازع ربه ، وتتبع غيبه ، وتوغل علمه ، وتخلل حكمه ، وعارض مالكه ، حرمه الله فائدة هذا العلم ، وقصر قوته عن الانتفاع به ، والاستمتاع من شجرته ، واضافة الى من لايحيط بشئ منه ، ونظمه في باب القهر والقسر ، وجعل غاية سعيه الخيبة ، ونهاية علمه منه الحيرة ، وسلط عليه في صناعته الظن والحدس والحيلة والزَّرْق والكذب والحيل (85) .

مثال (2)  مسألة (9) : لم لابد في وضع الناموس الالاهي من اخبار منقسمة الى ما هو صدق محض وبين ماهو ممزوج ، والالفاظ التي تدور بها كثيرة الوجوه ، سمحة التأويل؟

يقول ابو حيان التوحيدي ، سمعت ابن مقداد يقول : لابد في وضع الناموس الالاهي الذي يتوخى به افاضة الخير ، وبث المصلحة ، وترتيب السياسة ، وما يورث سكون البال ، ويحسم مواد الشر ، ويوطد دعائم السنن ، ويبعث على تشريف النفوس ، وتزيين الاخلاق ، ويقرب الطريق الى السعادة المطلوبة ، ويواصل اسباب الحكمة ، ويشوق الارواح الى طلب الحق وايثار العفة ، ويقدم دواعي العدل والنصفة والرحمة والمكرمة ــ من الاخبار التي تنقسم بين ما هو صدق محض وبين ما هو صدق ممزوج ، وتكون الالفاظ التي تدور بها ، واللغات التي ترجع اليها ، كثيرة الوجوه ، سمحة عند التأويل .

واسترسل بالقول بما يفيد اظهار سبب ما ضمه قوله فقال :

*انما وجب ذلك لان الناس في اصل جبلتهم ، وبدء خلقهم ، واول سنخهم ، قد افترقوا مجتمعين ، واجتمعوا مفترقين ، واختلفوا مؤتلفين ، وائتلفوا مختلفين ، وأحساسهم متوقدة ، وظنونهم جوالة ، وعقولهم متفاوتة ، واذهانهم عاملة ، واراؤهم سانحة . وكل متفرد بمزاج وشكل ، وطباع وخلق ، ونظر وفكر ، واصل وعرق ، واختيار والف ، وعادة وضراوة ونفرة ، واستحسان واستقباح ، وتوق ووقفة ، واقدام وجسارة ، واعتراف وشهادة ، وبهت ومكابرة ، هذا سوى اغراض كثيرة مختلفة لا اسماء لها عندنا خالصة ، ولا بصفات متميزة .
* المثال :::: ومَثُل هذا مثل رجل اصلح طعاما كثيرا واسعا مختلفا من كل لون وجنس ومذاق ورائحة ووضع ونضد وحرارة وبرودة وحلاوة وحموضة ، ونصبه على مائدة واسعة عظيمة ، تجمع ذي عدد جم . فمتى لم تكن المائدة ذات الوان مختلفة واطعمة مركبة متباينة في القلة والكثرة والملوحة والحرافة والتقدمة ، لم يقبل كل انسان على ما يفتق به شهوته الخاصة له ، ولم تمتد يده اليه باللون الذي تدعو اليه العين ، لان للعين نوعا من الطلب ليس للفم ، وللنفس ايضا مثل ذلك ، اعني النفس المتغذية ، هذا غير ما هو مطلوب للنفس الناطقة من الترتيب والتكرمة والايناس والمحادثة . ثم قال : فلما كان الناموس الالاهي نصيحة عامة للكافة ، وجب ان يستعان عليها بكل ما يكون ردءا لها ، ورفدا معها ، وفارشا لما انطوى منها ، وموضحا لما خفي عنها ، وداعيا باللطف اليها ، وضامنا لحسن الجزاء عليها (9). (9)(89 ـ 90 ، 4 )

** مثال (3 )
ان علم ما يكون احب الى جميع الناس من كل فقه وكلام وادب وهندسة وشعر وحساب وطب ، لان هذه رتبة الاهية ، وهي الفاصلة الكبرى ، فطوى الله عن الخلق حقائق الغيب ، ونشر لهم نبذا منه ، وشيئا يسيرا ، يتعللون به ، ليكون هذا العلم محروصا عليه كسائر العلوم ، ولايكون مانعا من غيره ، . ولو لا هذه البقية التي فضحت الكاملين ، واعجزت القادرين ، لكان تعجب الخلق من غرائب الاحداث وعجائب الصروف ، وظرائف الاحوال عبثا ، وتوكلهم على الله تعالى لهوا ولعبا (84) ثم قيل وهذا يوضح بمثال .
قصة بمثال ::::: وليكن ذلك المثال ((ملكا في زمانك وبلادك ، واسع الملك ، عظيم الشأن ، بعيد الصيت ، شائع الهيبة ، معروفا بالحكمة ، مشهورا بالحزامة ، متصل اليقظة ، قد صح عنه انه يضع الخير في موضعه ، ويوقع الشر في موقعه ، عنده جزاء كل سيئة وثواب كل حسنة ، قد رتب لبريده اصلح الاولياء له ، وكذلك نصب لجباية امواله اقوم الناس به ، وكذلك عمارة الارض انهض الناس بها وانصحهم فيها ، وشرف آخر بكتابته بحضرته ، وآخر بخلافته ووزارته في حضره وسفره .اذا نظرت الى ملكه وجدته موزونا بسداد الرأي ومحمود التدبير ، واوليائه حواليه ، وحاشيته بين يديه ، وكل يخف الى ما هو منوط به ، ويستقصي طاقته فيه ويبذل وسعه دونه . والملك يأمر وينهى ، ويصدر ويورد ، ، ويحل ويعقد ، وينظم ويبدد ، ويعد ويوعد ، ويبرق ويرعد ، ويعدم ويوجد ، ويخلع ويهب ، ويعاقب ويثيب ، ويفقر ويغني ، ويحسن ويسئ . فقد علم صغير اوليائه وكبيرهم ، ووضيع رعاياه وشريفهم ، ونبيه الناس وخاملهم ، ان الرأي الذي تعلق بامر كهذا صدر من الملك الى كاتبه لانه من جنس الكتابة وعلائقها وما يدخل في شرائطها ووثائقها ، والرأي الآخر صدر الى صاحب بريده لانه من جنس احكام البريد وفنونه وما يجري في حلبته ، والامر الآخر القي الى صاحب المعونة لانه من جنس ما هو مرتب ومنصوب من اجله ، والحديث الآخر صدر الى القاضي لانه من باب الدين والحكم والفصل ، وكل هذا مسلم اليه ومعصوب به لايفتات عليه شئ ، ولايستبد بشئ دونه. فالاحوال على هذا كلها جارية على اذلالها وقواعدها في مجاريها لايزل منها شئ الى غير شكله ، ولايرتقي الى ما ليس من طبقته . وهكذا ما عدا جميع ما حددناه باسمه وحليّناه برسمه . فلو وقف رجل له من الحزم نصيب ، ومن اليقظة قسط ، على هذا الملك العظيم ، وعلى هذا الملك الجسيم ، وسدد فكره ، وحدد وهمه ، وصرف ذهنه ، وتصفح حالا حالا وحسب شيئا ، وقد مر امرا امرا ، وتأمل بابا بابا ، وتخلل بيتا بيتا ، ورفع سجفا سجفا ، ونقض وجها وجها ، لامكنه ان يعلم ، بما يثمر له هذا النظر ، ويثيره هذا القياس ، ويصيده هذا الحدس ، ويقع عليه هذا الامكان ، ما يستعمله هذا الملك غدا ، ويبتديه بعد غد ، وما يتقدم به الى شهر، وما يكاد منه الى سنة وسنين ، لانه يفلي الاحوال فليا ، ويجلوها جلوا ، فيقايس بينها قياسا ، ويلتقط من الناس لفظا لفظا ، ولحظا لحظا ، ويقول في بعضها رأيت الملك يقول كذا وكذا ، وهذا يدل بعد كذا وكذا . وانما جرَّأه هذه الجرأة على هذا الحكم والبت لانه قد ملك لحظ الملك ولفظه ، وحركته وسكونه ، وتعريضه وتصريحه ، وجده وهزله ، وشكله وسحنته ، وتجعده واسترساله ، ووجومه ونشاطه ، وانقباضه وانبساطه ، وغضبه ومرضاته ، ونادره ومعتاده ، وسفره وحضره ، ، وبشره وقطوبه . ثم يهجس في نفس هذا الملك يوما هاجس ، ويخطر بباله خاطر ، فيقول : اريد ان اعمل عملا ، وأوثر أثرا ، واحدث حالا ، لايقف عليها اوليائي ولا المطيفون بي ولا المختصون بقربي ولا المتعلقون بحبالي ولا احد من اعدائي والمتتبعين لامري والمحصين لانفاسي والمترقبين لعطاسي ، ولا ادري كيف افتتحه واقترحه ، لاني متى تقدمت في ذلك بشئ الى كل من يلوذ بي ويطيف بناحيتي ، كان الامر في ذلك نظير جميع اموري ، وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه ويجب عليّ التيقظ فيه . فيقدح له الفكر الثاقب ، والذكاء اللاهب ، انه ينبغي ان يتأهب للصيد ذات يوم . فيتقدم بذلك ويذيعه ويطالب به . فيأخذ اصحابه في اهبة ذلك واعداد الآلة . فاذا تكامل ذلك له اصحر للصيد ، وتشوف له ، وتقلب له في البيداء ، وصمم على بعض ما يلوح له ، وامعن وراءه وركض خلفه جواده ، وبدد في طلبه بدده ، ونهى من معه ان يتبعه . حتى اذا اوغل في تلك الفجاج الخاوية والمدارج المتباينة ، وتباعد عن متن الجادة وواضح المحجة ، صادف انسانا فوقف عليه وحاوره وفاوضه فوجده حصيفا محصلا يتقد فهما وينقد افهاما . فقال له أفيك خير ؟ فقال نعم ! وهل الخير إلا فيّ ، وعندي ، وإلا معي ؟ الق اليّ مابدا لك وخلني وذلك. فقال : ان الواقف عليك ، المكلم لك ، ملك هذا الاقليم ، فلا ترع واهدأ ولا تقلق . فيكفر* له عند سماع هذا ، ويقول : لسعادة قيضتني لك ، والجد اطلعك عليّ. فيقول الملك : اني اريد ان اصطنعك لأرب في نفسي ، وابلغ بك ان بلغت ذاك لي ، واريد منك ان تكون عينا على نفسك ذكية ، وصاحبا لي نصوحا ، فقم لي بذلك جهدك ووسعك ، واطو سري هذا عن سانح فؤادك فضلا عما سوى ذلك . فاذا بلغ منه غاية الوثيقة والتوكد القى اليه عجرته وبجرته ، وبعثه ، على السعي والنصح وتحري الرضى ، ووصاه بما احب واحكمه ، وازاح علته في جميع ما تعلق المراد به ولا يتم الا بحضوره . ثم ثنى عنان دابته الى وجه عسكره واوليائه ، ولحق بهم ، وتعلل بقية نهاره في قضاء وطره من صيده . ثم عاد الى سريره في داره ومقره في ملكه ، وليس عند احد من رهطه وبطانته وغاشيته وحاشيته وخاصته وعامته علم بما قد اسره الى ذلك الكهل الصحراوي وبما حادثه فيه . والناس على سكناتهم وغفلاتهم حتى اصبحوا ذات يوم عن حادث عظيم ، وامر جسيم ، وشأن هائل ، وعارض محير . فكل عند ذلك يقول : ما اعجب هذا ! من انتصب لهذا ؟ وكيف تم هذا ؟ هذا صاحب البريد وليس عنده منه اثر ، وهذا صاحب المعونة وهو عن الخبرة به بمعزل ، وهذا الوزير الاكبر وهو متحير ، وهذا القاضي وهو متفكر، وهذا حاجبه وهو ذاهل . وكل عن الامر الذي دهم مشدوه ، ومنه متعجب . وقد قضى الملك مأربته ، وادرك حاجته ، واصاب طلبته ، وبلغ غايته ، ونال اربه )).(69 ـ 73 ، 2 )
انتهت القصة …
ويعقب : كذلك ينظر هذا المنجم الى زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر ، والى البروج وطبائعها ، والرأس والذنب وتقاطعهما ، والهيلاج والكدخاه ، والى جميع ما دانى هذا وقارب وكان له فيه نتيجة وثمرة ، فيحسب ويمزج ويرسم ، وتنقلب عنه اشياء كثيرة من سائر الكواكب التي لها حركات بطية وآثار مطوية ، فينبعث مما اغفله واهمله واضرب عنه ولم يتسع له ما يملك عليه حسه وعقله وفكره ورويته ، حتى لايدري من اين أتي ، ومن اين دهي ، وكيف انفرج عليه الامر ، وانسد دونه المطلب ، وفاته المطلوب ، وعزب عنه الرأي …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كفر لسيده : انحنى ووضع يده على صدره وطأطأ رأسه كالركوع تعظيما له .

(4) قصة : شتيم المنظر وصوته شج
(( خرج ابو سليمان يوما الى الصحراء في بعض زمان الربيع قصدا للتفرج والمؤانسة ، وصحبته . فكان معنا صبي دون البلوغ ، جهم الوجه ، بغض المحيا ، شتيم المنظر . ولكنه كان ، مع هذه العورة ، يترنم ترنما يفرج عن جرم ترف ، وصوت شج ، ونغمة رخيمة ، واطراق حلو . وكان معنا جماعة من اطراف المحلة ، وفتيان السكة ، ليس فيهم إلا من يتأدب تأدبا يليق به ، ويغلب عليه . فلما تنفس االوقت ، اخذ الصبي في فنه ، وبلغ اقصى ما عنده . فترنح اصحابنا ، وتهادوا ، وطربوا . فقلت لصاحب لي ذكي : اما ترى ما يعمل بنا شجا هذا الصوت ، وندى هذا الحلق ، وطيب هذا اللحن ، ونفث هذا النغم ؟ فقال لي : لو كان لهذا من يخرجه ، ويعني به ، ويأخذه بالطرائق المؤلفة ، والالحان المختلفة ، لكان يظهر آية ، ويصير فتنة ، فانه عجيب الطبع ، بديع الفن ، غالب الدنف والترف )) ( 112 ، 10 )

المسألة (53 ) : لِمَ احتاجت الطبيعة الى الصناعة ؟

واصل المسألة ان ابا سليمان خرج الصحراء في بعض زمان الربيع قصدا للتفرج والمؤانسة ، بصحبة ابي حيان التوحيدي . وكان معهم صبي دون سن البلوغ ، جهم الوجه ، بغيض المحيا ، شتيم المنظر ، ولكنه كان مع هذه العورة يترنم ترنما يفرج عن جرم ترف ، وصوت شج .. فقال ابو سليمان : حدثوني على ما كنتم فيه ، عن الطبيعة لم احتاجت الى الصناعة ؟ وقد علمنا ان الصناعة تحكي الطبيعة و تروم اللحاق بها والقرب منها ، على سقوطها دونها . وانما حكتها ، وتبعت رسمها ، وقصدت اثرها ، لانحطاط رتبتها ، وقد زعمت ان هذا الحدث لم تكفه الطبيعة ، ولم تغنه ،وانها قد احتاجت الى الصناعة . قد يكون الكمال مستفادا بها ، ومأخوذا من جهتها ؟

وكان محصول جوابه هذا :

* ان الطبيعة انما احتاجت الى الصناعة في هذا المكان ، لان الصناعة هاهنا تستملي من النفس والعقل وتملي على الطبيعة . وقد صح ان الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس ، وانها تعشق النفس ، وتتقبل آثارها ، وتمتثل بامرها ، وتكمل باكمالها ، وتعمل على استعمالها ، وتكتب باملائها ، وترسم باقلامها .
والموسيقى حاصل للنفس وموجود فيها ، على نوع لطيف ، وصنف شريف . والموسيقار اذا صادف طبيعة قابلة ، ومادة مستجيبة ، وقريحة مؤاتية ، وآلة منقادة ، افرغ عليها تأييد
العقل والنفس لبوسا مونقا ، وتأليفا معجبا ، واعطاها صورة معشوقة ، وحلية مرموقة ، وقوته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة .
فمن هاهنا احتاجت الطبيعة الصناعة ، لانها وصلت الى كمالها من ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحاذقة التي من شأنها استملاء ما ليس لها ، واملاء ما يحصل فيها ،استكمالا لما تأخذ ، واكمالا بما تعطي(54).
ملاحظات اولية :
يغلب الوصف على القصص ، والاطناب فيه بثنائيات متوازنة ، تارة تجمع النقائض وتارة اخرى تجمع اليها المترادف من المعاني بسلسلة متوازيات لاتكاد تنتهي في افقها التي رمى اليها التوحيدي . ومن الثنائيات ما يشكل قرائن للافعال والنعوت والاوصاف كما في قصة الملك السابقة ((والملك يأمر وينهى ، ويصدر ويورد ، ويحل ويعقد ، وينظم ويبدد ، ويعد ويوعد ، ويبرق ويرعد ، ويعدم ويوجد ، ويخلع ويهب ، ويعاقب ويثيب ، ويفقر ويغني ، ويحسن ويسئ ))
كما تضمنت القصة ذاتها وصفا دقيقا للوظائف وكيفية تصرف الملك فيها وكأنه ينظّر لصفات الحاكم من جهة قدرته على التصرف والتدبر في شؤون رعيته.
* اكثر القصص هي امثلة يراد لها ان تكون مدركات حسية للاجابة على مسائل فلسفية قد تم اثارتها في المقابسات .
(6) مقولات : (( ليس مع الجفاء والعنف وصول الى الحق ، ولا مع اللطف والرفق يأس من الحق . والحق اسبق اليك منك ، واعطف عليك ، وارأف بك منك به ، واظهر فيك منك فيه )) ( 119 ، 20 ) والمقصود بالحق هنا هي حقائق الامور والعلم بها .
(7) المقالة .. وفي ختام ما اثبته بشأن النفس ( م 20 ) قال : (( وفي الجملة هذه المسألة عذراء صعبة ، وعجماء مشكلة . ولكن العقل الذي هو خليفة الله تعالى في هذا العالم ، يجول في هذه المضايق ، ويفتح هذه المغالق ، ويدفع هذه الموانع والعوائق . ولو لا هذه الغاية المرموقة ، والحال المعشوقة ، بهذه الاوائل المشروحة ، والابواب المفتوحة ، لكان اليأس يزهق الارواح ، ويتلف الانفس ، ولكان العالم بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد ، كشئ لاحقيقة له ، ولا حكمة فيه ، وانه شبيه بالعبث ، وليس له محصول ، ولا فيه شئ معقول . ولا حاجز بعيد هذا البيان ، الذي غرد حاديه ، وطرب سامعه في هذا المكان ، إلا قلة الصبر على النظر وسوء العناية في طلب الحق ، وايثار الراحة بالراحة ، وقطع ايام العمر بالتمني ، وتوجيه التهمة الى الحق ، وتسليط الجدل على الاستبصار ، والاعتماد على البهت والوقاحة . وإلا فان الحق معرض لك ، بل نازل عليك ، بل حاضر عندك ، بل محتكك بك ، بل موجود فيك . وانما تؤتى من جفائك في الطلب ، وسوء العناية في التحري ، لا من توارى الحق عنك ، ولا اشتباهه عليك .و ليس مع الجفاء والعنف وصول الى الحق ، ولا مع اللطف والرفق يأس من الحق . والحق اسبق اليك منك ، واعطف عليك ، وارأف بك منك به ، واظهر فيك منك فيه . ( 119 ، 20 )
ملاحظات
نضع لكل لفظة لها تعريف في معجم الثاء تعريفها ونذكر المقابسة . مثلا : الحق ، وغيرها من الاصطلاحات .
** لاحظ كيف يصف نسبة الحق الى الانسان من خارجه وداخله ، اي خارج الانسان وداخله مع تفصيل لكل جهة .
(8) قصة شرف انكاد القوم :
(( المسألة ( 22) : لِمَ تكون فضيحة حسيب لا ادب له ، اشنع وافظع من فضيحة اديب لا حسب له ؟

وأصل المسالة ان ابي سليمان قال الذي تقدم في المسألة ، فتسائل ابن الوراق : ولم ذاك ؟
فاجاب ابو سليمان :

* لأن هذا عدم ما يقوّم نفسه ، ويكمل ذاته .وذاك فقد ما يقوم اصله وينشر قديمه . والنفس ارفع من الاصل ، لان الاصل راجع الى الولادة ، والنفس دالة على النقص والزيادة ، والشقاء والسعادة . وقد يحس الانسان بنفسه الجيدة سقوط والديه فيتلافى ، بكسب الخير وايثار الجميل وشدو الادب وقصد العلم ، كل خلل سلف له . كما قد يحس الانسان شرف ابويه ، فيتكل على ما سبق لاوليته ، ولايشغل زمانه العزيز في تحلية نفسه بحلي آبائه واجداده واخواله واعمامه ليكون زينة له في حياته ، وذكرا لعقبه بعده ، فلا جرم يخرج احرى من صاحبه كثيرا .
ثم قال : سمعت بباب الطاق في هذه الايام ، انسانا من انكاد السوق ، يقول لآخر من ضربائه : شرفك ميت وشرفي حي ، وشرفك اخرس وشرفي ناطق ، وشرفك اعمى وشرفي بصير .
قيل له: ماذا اراد بهذا ؟
قال : اراد اني بنفسي على الفضائل الشريفة وانت بنفسك على اضدادها ، لاتحيا ولاتنطق ولاتبصر . لم تنفعك ارومتك البيضاء ، ولاضرتني جرثومتي السوداء . متى نابك امر فتحدثت بشرف غيرك كنت بمنزلة الخصي المدل بهن غيره ، هذا ما لايجدي عليه عند البضاع (22).( 120 ، 21 )
(9) مقالة حول منازل الاشياء
نقائض الابدان : ((المرض والعافية في الابدان بمنزلة الغنى والفقر في الاحوال ، والغنى والفقر في الاحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب . والعلم والجهل في القلوب ، بمنزلة العمى والبصر في العيون . والعمى والبصر في العيون ، بمنزلة الشك واليقين في الصدر ، والشك واليقين في الصدر بمنزلة الغش والنصح في المعاملات . والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الاعمال.والطاعة والمعصية في الاعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب . والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الافعال . والخير والشر في الافعال بمنزلة الكراهة الكراهة والمحبة في الطباع . والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الوصل والهجر في العشرة . والوصل والهجر في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الاشياء . والرداءة والجودة في الاشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الامور . والفساد والصلاح في الامور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب . والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة العي والفصاحة في الالسنة . والعي والبلاغة في الالسن بمنزلة الاعوجاج والاستقامة في الاعضاء . والاعوجاج والاستقامة في الاعضاء بمنزلة الحياة والموت في الاجساد . والحياة والموت في الاجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب .
فما احوج هذا الانسان ، بعد قيام هذه الامور ازاء عينه وتجاه طرفه ، الى يقظة بها يكسب في معاشه ، ومنها يقتبس لمعاده ، ويقتني ما يحمد ريعه وجدواه ، ويجتنب ما يصير سببا لشقائه في عقباه ! فباب الخير مفتوح ، وداعي الرشاد ملح ، وخاطر الحزم معترض ، ووصايا الاولين والاخرين قائمة ، ومزاجرهم موجودة ، والخوف عارض ، والامن مظنون ، والسلامة متمناة . فماذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه ، بعد هذه الآيات المتلوة ، والاعلام المنصوبة ، والحالات المتقبلة ، والاعمار القصيرة ، والامال الكاذبة ؟ اما يتعظ بغيره ؟ اما يعلم انه من جنسه ، ومحمول على تدبيره ، وانه لافكاك له مما لابد من حلوله به من انحلال تركيبه ، واستحالة عنصره ، وانتقاله الى حال بسيطة ، ان خيرا فخيرا وان شر فشرا ؟
بلى يعلم ، ولكن علما مدخولا ، ويعقل ولكن عقلا كليلا ، ويحسُّ ولكن حسا عليلا ، كما قال الاول :
اشكو الى الله جهلا قد منيتُ به
بل ليس جهلا ولكن عِلْمَ مفتون ِ ))
( 178 ـ 1180 ، 43 ) . والكلام منسوب الى الى العامري .
** الملاحظات :
ـ الامور المتناقضة منازل لامور متناقضة
ـ تناقض الاوصاف في محل هي بمنزلة متناقضين في محل آخر
ـ الاحالات عبر المنزلة : هل تؤدي الى علاقة متعدية ؟ هل يمكن عد الحالين الاولين بمنزلة الحالين الاخيرين ..؟ نجيب عن ذلك
ــ ما هو الرابط بين ، مثلا ، بين (القلوب والعيون) و( العيون والصدر ) و ( الصدر والمعاملات ) و ( المعاملات و الاعمال ) و ( الاعمال و المذاهب ) و( المذاهب و الافعال ) و( الافعال و الطباع ) و ( الطباع و العشرة ) و ( العشرة والاشياء ) و( الاشياء والامور ) و( الامور والمراتب ) و ( المراتب والصور ) و ( الصور والالسنة ) و( الالسنة والاعضاء ) و ( الاعضاء و والاجساد ) و( الاجساد والعواقب ) .
ـ انها كثرات في وحدة .

هنا : ـ نحتاج الى اظهار الفرق بين الفعل والعمل والمعاملات باستخدا معجم الثاء .
ـ
(10) مذاكرات عند المنام
* اذ قال في المقابسة الخامسة والاربعين : ( ذاكرت طبيبا ، شاهدته بجنديسابور ، بشئ من العلم . فما اذكر تلك المذاكرة ، وتلك الفائدة ، وتلك المسألة ، الا سنح شخص ذلك الشيخ ، وكان يكنى الطيب ، لعيني ، وتمثل في وهمي ، وحتى كأني اراه قريبا مني ، وحاضرا عندي . وطال تعجبي من ذلك ، فرأيت ابا سليمان في المنام ، فسأ لته عن الحال التي قد شغلتني بالتعجب منها ، والامر الذي توالى عليّ من اجلها ، فقال لي في الجواب قولامتقطعا ، التأم من جملته في اليقظة ما انا راسمه وحاكيه في هذا الموضع ) !(188 ، 45 )
والمقابسة اياها مؤلفة من عشرين سطرا ، سبعة منها المقدمة التي مرت ، وخمسة سطور حوت قضية المقابسة وكانت في المبدأ الاول والاصل والعلة ، وثمانية سطور كلمات ختامية ليس لها صلة او تعلق بموضوع المقابسة .
تعقيبنا : الاحداث في الحكاية اربعة احدها حقيقية كلها تقوم على الوهم والرؤيا ..
اما الحقيقية فالوهم .. فالرؤيا … فالحقيقة
**ويتكرر الحال مع ابي سليمان ، اذ يروي عنه التوحيدي في المقابسة 87 : ( سمعت ابا سليمان يقول : رأيت فيما يرى النائم ، كأني اناظر ابن العميد ، في مسائل من السماع الطبيعي ، وبقينا نقسّم الموجودات ..) والمقابسة من خمسة اسطر، خلا المفتتح والخاتمة.
***كما روى ابو حيان التوحيدي في المقابسة 27 ، بأنه سمع ابا اسحاق الصابي يقول : ( رأيت ثابت بن قرة الحراني في المنام ، قاعدا على سرير في وسط دحلتنا ، وحوله ناس كثيرون كان كل واحد منهم من قطر وهم على خلق مختلفة ، وهو يعظمهم ويبتسم في خلال وعظه وكلامه . وحصلت عنه نكتة شريفة ، ذهبت عني في اليقظة ، وساءني ذاك . وكنت اسرح بفكري كثيرا بالظفر به والوقوع عليه ، فلا يعود بطائل . فلما كان بعد دهر ، وبعد اختلاف احوال ذكرت انه قال : خذ يا ابراهيم ثمرة الفلسفة من هذه الكلمات الشافيات ، التي هي خير لك من اهلك ومالك وولدك ورتبتك .. ) ثم يذكر ما قاله له الحراني عن اليقظة والنوم والنسبة بينهما وكذا عن الحلم والنوم والنسبة بينهما .

Advertisements