صُوريّة المنطق الارسطي فَضيلة له ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

   يقر ارسطو بأن منطقه صوريا وماديا في آن واحد . ولقد اختلف النقاد في معنى صورية المنطق وماديته .. معظمهم وقع في خطأ بيان الفرق بينهما فعدّوا المنطق الصوري تصورات منفصلة عن   الواقع والتجربة ، اما المنطق المادي فهو يحايث الواقع ويفصح عنه .. ولانريد ان نخوض في اسباب هذا الخطأ ، ويهمنا في هذه العجالة ان نحدد معنى المنطق التصوري ، وماذا تعني ماديته ، وعلى فرض ان مادة المنطق ترجمة امينة لما كتب ارسطو في التحليلات الاولى والثانية .

وفي تقديرنا ان صورية المنطق ومادية المنطق تعنيان على الترتيب صور القضايا ومصاديقها ، وهما طريقان في بيان القضايا :

الاول : صور القضايا : وصورة القضية تُكتب بالرموز ، مبينة المكونات المنطقية للقضية الحملية او لقضية الشرطية حسب التقسيم الارسطي للقضايا . وهذه المكونات حسب ترتيبها في القضية : السور ، الموضوع ، الكيف ، المحمول .
ويمكن ان نميز نوعين من صور القضايا ؛ صور صماء ، فيها كل مكونات القضية كما ذكرناها آنفا ، وصور مفصلة ، تتضمن المكونات المذكورة اضافة الى العلاقة بين المفهومين الكليين المكونين للقضية ، وهما في محل موضوع ومحمول القضية على الترتيب .
نحو ( كل ب ليس حـ ) صورة القضية الكلية السالبة ، صورة صماء ، اما صورتها المفصلة فهي ( كل ب ليس حـ ) ، حيث ب مباين / منفصل عن حـ .
و( بعض ب حـ ) صورة القضية الجزئية الموجبة ، صورة صماء ، اما صورها المفصلة فهي :
(بعض ب حـ ) ، حيث ب يساوي حـ
( بعض ب حـ ) ، حيث ب جزء من حـ
( بعض ب حـ ) ، حيث ب محتوى في حـ ... الخ .
ان صورة القضية ، صورة رمزية تنحي جانبا المفاهيم ، حيث المفاهيم مصاديق في الخارج .. يبلغ عدد الصور الصماء لقضايا البسيطة اربعة صور ، اما الصور المفصلة فهي عشرة صور . ان زيادة عدد الصورة المفصلة عن الصور الصماء يأتي من اختلاف النسب الاربعة بين المفهومين الكليين المؤلفين للقضية الحملية ـ البسيطة ـ

الثاني : المصاديق او القضايا الامثلة : وهذا الطريق اشار اليه ارسطو بلفظ المادي .. ولفظ المصاديق افضل منه لوضوح حدّه . حيث لكل صورة من صور القضية ثمة عدد ، ربما لانهائي ، للامثلة القضايا المصاغة باللغة القومية ، أية لغة قومية .
نحو ؛ اذا كانت الصورة ( بعض ب حـ ) ، حيث ب جزء من حـ فإن من مصاديقها :
بعض الانسان حي ، بعض الكاتب انسان ، بعض الجوهر ثابت ، بعض الالكترون سالب الشحنة ، بعض المثلث قائم الزاويا ..الخ
حيث ان الموضوع ـ المفهوم الاول من القضية ـ في كل من هذه القضايا الامثلة هو جزء من المحمول ـ المفهوم الثاني من القضية ـ

وعلى هذا لايوجد منطق صوري وآخر مادي ، بل المنطق واجب ان يكون صوريا ، ليوفر قواعد عامة تغطي امثلة من القضايا ... المنطق بطبيعته صوريا . ولقد اصطلحوا على المنطق الرياضياتي بالمنطق الرمزي لأنه ينحو منحى رمزيا في تحليل قضاياها ، وهذه التسمية هي الاخرى فائضة عن الحاجة لنفس السبب .

معظم الكتابات التي تناولت شرح المنطق الارسطي او وجهت اليه النقد وقعت في خطأ الخلط بين الشأنين الفلسفي واللغوي من جهة والشأن المنطقي من جهة اخرى .
ان الفلسفة مجموعة منظمة من المقولات ، يمكن ترتيبها في هيئة قضايا ، وهي قابلة للصدق او الكذب .. لذا ينبغي التفريق بين اعمال ارسطو الفلسفية ، والمنطق الارسطي .. ان المنطق ارسطي يمكن تسليطه على فلسفة ارسطو ليكشف عن صدق المقولات او كذبها .
اما اللغة ، فهي وسيلة كتابة القضايا الامثلة دون صورها المجردة عن المفاهيم الكلية .. ان القضية مركب لغوي تام ، وهو خبر مُطْرَد ، فبعد ان تُؤلف القضية بلغة الكلام يتجه المنطقي الى تحليلها منطقيا باستعمال ادوات التحليل المنطقي المعروفة ، ومحورها الاساس بيان النسبة او العلاقة بين الموضوع والمحمول .. ان النسبة بين مكوني القضية الرئيسين المذكورين هي نسبة حكمية ، وتعد دليل على صدق القضية او دليل على كذبها .

ان القضايا الشرطية ـ حسب الاصطلاح الارسطي ـ قابلة هي الاخرى للتجريد ، إذ يمكن كتابتها صوريا باستخدام الرموز الدالة على مكوناتها . ان القضايا التي يصطلح عليها المنطق الارسطي بالقضايا الشرطية ندعوها القضايا المركبة ، وما القضايا الشرطية سوى قسمين منها .
ان عدد القضايا المركبة يساوي عدد ادوات الربط التي تربط بين القضايا البسيطة ـ الحملية . وادوات الربط هي : و ـ المتصلة ، او ـ المفصلة ، اما ..او ـ المنفصلة ، اذا كان .. فأن .. ـ الشرطية ، اذا وفقط اذا كان فأن .. ـ الشرطية المزدوجة .
ان شراح المنطق الارسطي بقدر ما عنوا بالنسبة بين طرفي القضية البسيطة عناية كبيرة فإنهم اهملوا البحث في ادوات الربط ، وقالوا ليس للشرطية ـ وهي المركبة عندنا ـ نسبة . فاذا كانت هذه ليست لها نسبة او ما يكافئها فبأي معيار يمكن الحكم فيها صدقا او كذبا ؟
ان ادوات الربط ، وصدق او كذب القضايا البسيطة المؤلفة للقضايا المركبة تقرران صدق او كذب القضية المركبة .

Advertisements