لوحة الغلاف بين التأويل الدّلالي والإغراء اللّوني ديوان ياسمين أكثر…خيبات أقل للشاعر التونسي عبد القادر عليمي أنموذجا ـ نزيهة الخليفي

نزيهة الخليفي ـ فضاء اوروك

نزيهة الخليفي ـ فضاء اوروك

لوحة الغلاف بين التأويل الدّلالي والإغراء اللّوني
ديوان ياسمين أكثر…خيبات أقل
للشاعر التونسي عبد القادر عليمي أنموذجا

تعتبر لوحة الغلاف أولى البدايات التي تواجه القارئ بصريا، فتغريه وتشدّه إليها وتحفّزه على فكّ رسوماتها وتفسير ألوانها والتدرّج لاستكناه محتوى النص، حتى لكأنّها تتناغم مع ذوقه، فتسحره وتدفعه إلى اقتناء الكتاب. ولعلّنا ونحن نسعى إلى فكّ تشفير لوحة ديوان ياسمين أكثر…خيبات أقل ، وقراءة رموزها وتفسير ألوانها، ندرك مدى أهميتها في الإحالة على متن النص، باعتبار أنّ اللّوحة تحمل رؤية لغوية مجازية ودلالة بصرية تشكيلية، تتقاطعان في رسمها وتشكيلها وتبئيرها وتشفيرها، ممّا يهيّئ للعين مضمونا مباشرا يساعد على الفهم القبلي لفحوى النص الآتي.

الشاعر التونسي عبد القادر عليمي ـ فضاء اوروك

الشاعر التونسي عبد القادر عليمي ـ فضاء اوروك


وتعدّ الرسومات المجسّدة على لوحة غلاف الديوان بداية نصية تسهم في بناء فضاء الخطاب الشعري، ولا شكّ أنّها تقحمنا عوالم الجماليات التي تعنى بالتشكيل البصري للنص من خلال ما قد يعقده من علائق بعوالم الفن التشكيلي، إنّها لوحات دالة لا تنشأ اعتباطا ولا تثبت للتزيين فقط، فهي تنسج علاقات رمزية مع متون الأعمال الإبداعية. ذلك أنّ صورة الغلاف بألوانها قد “تضيف شيئا إلى النص” ، إذ تظلّ على ظهر الغلاف “قصدية بالمعنى الذي أرساه رولان بارت بصدد تحليل الصّورة الإشهارية، ما دامت تطمح إلى أن تكون ترجمة ما للمحتوى الإيضاحي، وقد تكون لا قصدية –في نفس الآن- وفق التحليل النفسي كما أرساه فرويد بصدد اللّوحة” . وعلى غرار ذلك، ندرك أنّ الشاعر عبد القادر عليمي يوظّف الألوان لرسم لوحته توظيفا رمزيا يحيل على العديد من الدّلالات، وانطلاقا من هذا عُدّ اللّون موضوعا معقدا وهو جزء من الخبرة الإدراكية الطبيعية.
غلاف ديوان الشاعر عبد القادر العليمي

غلاف ديوان الشاعر عبد القادر العليمي


ولعلّ أهمّ ما يميّز غلاف (ياسمين أكثر…خيبات أقل) طغيان اللّون الرّمادي بتدرّجات مختلفة، إذ يساهم في تشكيل صورة الفضاء/الوطن وقد احتلّ حيّزا واسعا من الغلاف. وامتزج هذا اللّون باللّون الأسود، لتحيل الألوان مجتمعة على الدّكنة التي عتّمت المكان فظهر بألوان باهتة تميل نحو اللّون الرمادي، ويعزّز ذلك الرؤية الضبابية وغير الصّافية، وقد تحوّلت معها لوحة الغلاف إلى فضاء تشكيلي خارجي منمّق أشبه بلوحة فسيفساء. ويشير ذلك إلى دروب الشاعر الكثيرة والصّعبة المعقّدة، وهو يسعى إلى إزاحة تلك الترسّبات الضبابية إيمانا منه بأنّه إن ذهب ربيع سوف يأتي ربيع. فالشاعر يعيش على انتظار الانبعاث لأنّه يؤمن بحتمية اشتعال الثورة التي تحرق مظاهر الموت المختلفة وتعيد خلق الكون من جديد. وتوقه إلى ولادة جديدة تضيء في لاوعيه شعلة الأمل، فيزيح ظلام الموت وصقيعه ويحقّق الشاعر الانتصار ويزرع بذرة الحياة.
فهل يعدّ ذلك إشارة معلنة إلى حدث مركزي يقوم عليه الديوان؟

نلاحظ أنّ اللّون الرمادي الطاغي على الغلاف يعدّ إحالة رمزية لمنجز الذات ضمن الصّراع المتشابك مع خلفيات الواقع والرحلة في الزمن واختراق فضاءات متداخلة، وهذا اللّون يحمل دلالة ضدّية، المتنفّس الغارق في عالم ضبابي في حين يتلاشى صفاؤه وتتعكّر مستوياته ويحدث إزاحة لاستقرار التدرّج والامتداد، يبدو متفائلا غير أنّ عمقه لا ينتهي. إنّ هذه الثنائية الضدّية اللّونية تعتمد التحاور لرمزية الألوان وتقارب الأشياء والبحث عن منطق التوافق الممنوع بين المتحاورين وتعني تأزم الواقع والمعاناة النفسيّة الحادة في ظلّ غياب ألوان أخرى تسهم في التخفيف من حدّتها خاصة اللّون الأبيض الذي يكاد يختفي إلاّ من خطوط خفيفة تعالقت بشكل دقيق يشكّل الاستئناس بها قلقا وتوتّرا مستمرّين في واجهة الصّورة، وظهر هنا متفرّقا خافتا أمام امتداد اللون الرمادي. ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن فضاء مجهول، فالبياض يعكس التواصل الطبيعي بين امتدادات الأشياء والألوان، ولعلّ البياض أقرب في تشكيل هذا التواجد وأسهل لربط العلاقة الطبيعية بين اللّون وبين الفكرة الجزئية التي يحملها العنوان ومضمون النص الذي يدعو إليه الديوان. وبعد اللّون يأتي اختيار الكلمات كبدايات حقيقية، ولماذا اختيار الشاعر هذه الكلمات بالتحديد: ياسمين/أكثر/خيبات/أقل؟
لا شكّ أنّ في هذا الاختيار خطابا له إستراتيجية تُكتشف في نهاية الرّحلة الشعرية بعد المرور بجميع المحطات النصية. وهكذا يكاد يغيب الاستقرار اللّوني على مستوى تشكيل اللّوحة، وتسيطر عليه ضبابية قاتمة قلّصت من مدى الرؤية، فتداخلت الطّرق وتشابكت النهايات وتعدّدت المخاطر. ذلك أنّ الاستقرار بين الحرف واللّون يعدّ تواصلا رمزيا يتعالق مع فضاء النص في تشكيل مكوّناته، وتأتي باقي البدايات لتؤسّس وتواصل وتفسّر وتفتح ما كان مشفّرا على لوحة الغلاف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-عبد الفتاح كليطو، الغائب دراسة في مقامة الحريري، الدار البيضاء-المغرب، دار توبقال للنشر، ط1، 1987، ص91.
-حسن نجمي، شعرية الفضاء، ص19.

-المؤلّف في سطور:
عبد القادر عليمي باحث تونسي (القصرين) متخصص في مجال الأدب العربي الحديث.
تحصّل على الأستاذية في اللغة والآداب العربية وعلى شهادة التعمّق في البحث وعلى شهادة الدكتوراه.
-عضو وحدة بحث البنية والجمال بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس.
-يدرّس حاليا بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار.
من مؤلّفاته:
-في النقد:
تجربة الشعر العصري في تونس 1900-1930 (دراسة نقدية في الملابسات والمضامين)، مركز النشر الجامعي، تونس، 2013.
-اتجاهات الكتابة الشعرية عند الشعراء التونسيين، دار مرايا للنشر، تونس 2009.
-في الشعر: ياسمين أكثر…خيبات أقل، دار سحر للنشر، تونس، 2012.
له مؤلفات أخرى قيد النشر.
شارك في عدة ملتقيات دولية ووطنية مختلفة
وله العديد من المقالات منشورة في مجلات علمية محكمة.

Advertisements