بطاقة تعريف الحواء بوصفه شكلا للشيخ محي الدين العربي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

https://urukpace.files.wordpress.com/2013/07/97bc5142-93bc-4ae4-b360-cef3e975653f.jpgوبينما كنت منهمكا بمواصلة مشوار تأليف كتاب عن ” التعريفات ” لابي الحسن الجرجاني المعروف بالسيد الشريف ، لفت نظري تعريفاته الثلاثة : ذو العقل ، وذو العين ، و ” ذو العقل والعين “. ففي التعريفات الثلاثة يتضح الفرق بين عمل الحس وعمل العقل وكيف انهما يشكلان وحدة غير قابلة للانفصام في الرؤية البدهية للخلق ، كل الخلق .. واذا اردنا الايضاح فالجرجاني عنى بالحق العلم أو الحقيقة، وعنى بالخلق الاشياء من حيث انها مخلوقة ،وعنى بالعين ما يشير الى الحس اجمالا، وعنى بـ ” عين ” المضافة الحقيقة ، كما عنى بالعقل العقل كما هو في عصرنا.
وكان لاستشهاده ببيتين للشيخ محي الدين العربي ،يفصّل فيه على نحو جلـّي التعريفات الثلاثة ختاما لتعريف اصطلاح ” ذو العقل والعين ” واجمالا له .
يقول العربي :

وفي الخَلـْق ِ عينُ الحقِّ إنْ كـُنـتَ ذا عَـيـْن ٍ
وفي الحقِّ عينُ الخلـْق ِ إن كنت ذا عَقـْل ِ
وإنْ كـُنـْت َ ذا عَيــن ٍ وعَقـْـل ٍ فـمـا تـَـرى
سِــوى عَيـْن ِشَـيءٍ واحِـدٍ فيه بالشَّـكـل

ان الحقائق العلمية بين اهل العلم تسري كسريان الماء في الاواني المستطرقة وهذا يعني ان الحقيقة العلمية واحدة وان اختلفت صيغ التعبير عنها في قطائع علمية مختلفة التخصصات او الاهتمامات . كما تسري كسريان النسغ الصاعد والنسغ النازل على صعيد علاقة التراث والمعاصرة ، او قل بين القدماء والمعاصرين . على ان العلم لايقبل التجزئة بين علم قديم وآخر معاصر ..
لنعد الى البيتين الشعريين ..
في البيت الاول القسمة واضحة في : موضوع المعرفة ( الحق) ، ووسيلة التوصل اليه (الحس تارة والعقل تارة أخرى ) ولأن تينك الوسيلتين تشكلان معا وحدة واحدة في التوصل الى الحق فأن العلاقة بين اطرافهما ( الحق والخلق ) علاقة إبدالية : في الخلق عين الحق = في الحق عين الخلق.
فالاولى بتوسط العين والثانية بتوسط العقل ، موحيا ـ الشاعر ـ الى الاثر ذاته الذي تخلفه كل عبارة من العبارتين . أما العلاقة فهي الوجود بما هو “عين ” ، فهي عملية “إيجاد” وليس تخلق او افتعال .. بكلمات أخرى الحق فيما نراه وفيما نعقله سوية لاانفصام بين الحس والعقل وان كلا منهما ” يرى ” شيئا واحدا .ما هو ؟ .. وإن كنا ما زلنا لانملك التعبير الذي يعبر عن وحدة الحس والعقل . إلا ان الشيخ العربي يقول لنا ، بوضوح :

وإنْ كـُنـْت َ ذا عَيــن ٍ وعَقـْـل ٍ فـمـا تـَـرى
سِــوى عَيـْن ِشَـيءٍ واحِـدٍ فيه بالشَّـكـل

بمعنى ان : وحدة العقل والحس = الشَّكل .

والشكل التعبير ” الماثل ” لعين الشئ ، وعين الشئ نستدل عليه بالحس والعقل .. ومعروف ان مفهوم الشكل ، هوفضاء يتحيز فيه المضمون كما في الفن والادب ، وهو مستوى معرفي أولي “تحت مجرد ” كما في نظريات التعلم التي أرصّنـَها جان بياجيه .و لكن العربي يعد كلا من ” ظاهر الشئ وباطنه ” هو عينه .. لذا فأن إعتبار ظاهر الشئ وباطنه ، شكله ومضمونه هي ” تجزئة ” لوحدة عين الشئ بسبب تجزئة مسبقة لوسائط التعرّف عليها بين حس ٍ وعقل . ويترتب على هذه الرؤية ، تجاوز للثنائية العقيمة : الظاهر والباطن في الفقه الاسلامي . والشكل والمضمون في الادب والفن . الجوهر والعرض في الفلسفة . فهي ثنائيات ملفقة وتكرس التعسف في الفكر وشخصنته نأىا عن ” عين الشئ ” ذاته .
والحق ، هذان البيتان المسكونان بحواءات الشكل لـ ” الوعي ” :هما خلاصة وافية وكافية لـ ” منطق الوعي ” . ومن جهة أخرى هما : مؤونة تعضيد نعتقده بأن مفهوم الشكل هو مفهوم “كلي ” و”بدهي” يتحوى كل محسوس ومعقول ، معا وفي وقت واحد ،لاانفصال بينهما في زمان او مكان ، فالحقيقة تكمن في وحدة المحسوس والمعقول الذي هو الشكل . ولهذه الرؤية ما يعللها وفق مقولة ان الشكل اشارة الى قوانين التشكيل الداخلي لكل شئ متعين او متصور .

بتُّ اعتقد ان في التراث العربي ،بل في النتاج الفكري والفلسفي العربي ـ لنسمه هكذا لردم الهوة بين عصورنا ـ ما يشير صراحة الى اطروحات في الشكل كما ورد في قطائع علمية مختلفة وفي مقدمتها الرياضيات ، فهي تهتم بالعلاقات الدالية ، واجمالا بقوانين التشكيل الداخلي والخارجي للحواءات .. وما يغنيها . ان البدهية الكونية ومضات تـُكتشف تصريحا اوتلميحا هنا اوهناك من انقداح العقل في لحظة ما وفي قطيعة علمية ما ، وفي قول ما .. الا انها لحظات قمينة بأن تحصد وتصنف على نحو يعزز الاقتناع بما يراه المكتشفون المعاصرون لرؤى وفلسفات يطرحونها .فمفهوم الشكل في النتاج الفكري العربي هو غيره كما وصلنا من نتاجات النظريات النقدية الادبية الاجنبية ، وما تتضمنه احيانا ـ وليس دائما ـ من افكار لايفهمها ربما حتى كتابها ، ناهيك عن مترجميها او نقلتها .و هذه حقيقة جديرة بالنظر والتأمل والتقريض .
ولكننا من المؤكد اذا اردنا الاطلاع على بداهة الشكل ومفهوم الحواء بوصفه شكل له قوانين تشكله الداخلية ليس امامنا إلا وضع كل حواء في التصور من منطلق قوانينه الداخلية التي شيّئته .
ملاحظة ختامية أقولها : لو اطلع العلماء العرب وفقهاؤهم على ما تتحواه الجزيئات والذرات وتمكنوا من الاستدلال الحسي عليها لكان ذلك مدعاة لهم ان يلغوا القسمة الوهمية بين ظاهر النص وباطنه .
وأعماما للفائدة ارفق التعاريف الثلاثة كما وردت في تعريفات الجرجاني .فيقول :
ذو العقل : هو الذي يرى الخلق ظاهراً ويرى الحق باطناً، فيكون الحق عنده مرآة الخلق، لاحتجاب المرآة بالصور الظاهرة.
ذو العين :هو الذي يرى الحق ظاهراً والخلق باطناً، فيكون الخلق عنده مرآة الحق لظهور الحق عنده ،واختفاء الخلق فيه اختفاء المرآة بالصور.
ذو العقل والعين : هو الذي يرى الحق في الخلق وهذا قرب النوافل، ويرى الخلق في الحق وهذا قرب الفرائض، ولا يحتجب بأحدهما عن الآخر، بل يرى الوجود الواحد بعينه حقًّا من وجه وخلقاً من وجه، فلا يحتجب بالكثرة عن شهود الوجه الواحد الاحد ،كما لايحتجب بكثرة المرائي عن شهود الوجه الواحد الرائي . ولا تزاحم في شهود الكثرة الخلقية، وكذا لا تزاحم في شهود أحدية الذات المتجلية في المجالي كثرتها. وإلى المراتب الثلاثة أشار الشيخ محي الدين بن العربي بقوله:
وفي الخَلـْق ِ عينُ الحقِّ إنْ كـُنـتَ ذا عَـيـْن ٍ
وفي الحقِّ عينُ الخلـْق ِ إن كنت ذا عَقـْل ِ
وإنْ كـُنـْت َ ذا عَيــن ٍ وعَقـْـل ٍ فـمـا تـَـرى
سِــوى عَيـْن ِشَـيءٍ واحِـدٍ فيه بالشَّـكـل

Advertisements