مصاديق القضايا : المفهوم وسُوْرِه ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارةتعود معظم اختلافات البشر في الفكر والرؤى والعقائد الى اختلافهم في التصورات ، ولو احتكموا الى مصاديقها لقلت فسحة الاختلاف . ويكون هذا مع توفر النوايا السليمة والمنزهة عن الاغراض الذاتية والفئوية المسبقة . ان الاختلاف في التصورات كانت السبب وراء غير قليل من الصراعات والنزاعات تلك التي وصلت  في اكثر الاحيان الى شن الحروب . ولعل النزاعات الطائفية التي تسوسها عقائد التكفير مظهرا واحدا من مظاهر ذلك الاختلاف ، ومن امثلته ايضا استخدام الخلافات في التصورات كأغطية لشن الصراعات والحروب الدولية والاقليمية .

المفاهيم

المفاهيم هي اسماء تطلق على الاشياء ، والاشياء بذاتها مصاديق لتلك المفاهيم ،ولهذا تخرج منها الافعال والادوات . وبهذا المعنى ايضا ان نسبة المفهوم وهو لفظ الى المصداق وهو شئ ، كنسبة العملة الورقية الى ما يكافئها ثمنا من المقتنيات .
وتنقسم المفاهيم باعتبار سورها ـ كم الافراد الذي يحتويها ـ الى :

ـ مفاهيم جزئية : والمفهوم الجزئي يمتنع انطباقه على كثيرين ، وهي اسماء العلم المفردة والاشياء المفردة ، نحو زيد ،سعد ، الارض ، ..
ـ مفاهيم كلية : وهي المفاهيم التي لايمتنع انطباقها على كثيرين ، نحو انسان ، قلم او اقلام ، شجر ، كوكب ، …

وكل مفهوم سواء كان جزئيا او كليا انما يشير الى مصداقه في الواقع ، فعلى هذا يمكن القول ان الاسماء في اللغة دالة المصاديق ، وبدون المصاديق ليس هناك اسماء ، إلا ما كان في حيز النحو .

ـ المفاهيم الجزئية الاضافية : وهي مفاهيم تتوسط المفهومين الكلي والجزئي والكلي من حيث تسويرها لعدد الافراد ـ العناصر ـ فالمفهوم الجزئي فرد في المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي مفهوما كليا بالنسبة الى الفرد ـ العنصر ـ

نحو مفهوم الانسان ، فهو مفهوم كلي بالنسبة الى عناصره او افراده بنفس المعنى فيضم زيد وسعيد وعمرو … الخ . وهو مفهوم جزئي اذا كان منتميا الى مفهوم كلي اوسع منه من حيث احتوائه على الافراد كالكائن الحي فيكون الانسان في الكائن الحي عنصرا من عناصره .. وبهذا التغير في طبيعة المفهوم الانسان يكون الانسان مفهوما جزئيا اضافيا نتيجة هذه المقارنة .

المصاديق والتصورات

لاتختلف المصاديق عن المفاهيم المتقدمة الذكر ( الكلي والجزئي الاضافي والجزئي ) ، فالمفاهيم الفاظ تدل على المصاديق ، ولكل مفهوم وجودي له مصاديقه . ومفاهيم العدم ليس لها مصداق . نحو (كوكب) مفهوم وجودي لوجود مصاديقه في الواقع الموضوعي ، خارج ذهن او عقل الانسان المفكر ، اما ( العدم) فهو مفهوم ولكنه عدم مصاديقه ، وهو كالرمز لكل معدوم كشريك الباري وشجرة النفط ، وغيرهما …
ومن صلة اقتران كل مفهوم بمصداقه او مصاديقه ينبثق مفهوم آخر هو التصورات ، حيث ان التصورات مجموعة من المفاهيم تؤلف قضية ما ، او نصا خطابيا معينا . والتصورات عادة هي محل نزاع البشر وكل الجماعات الحزبية والسياسية والدينية والطائفية والمذهبية . رغم ان المشاع هو ان الاختلاف يكون في التصورات وليس في المصاديق ، إلا ان الحقيقة تدلل على ان الاختلاف يكون ايضا في المصاديق ـ الوقائع ـ لما بين الاثنين من علاقة مطابقة المفهوم للمصداق وهذه المطابقة تستند الى المطابقة بين اللفظ والمعنى ، والمعنى هنا المصداق في الاعتبار المنطقي .
ان مجموعة المفاهيم ، والتي بدورها تؤلف التصورات المنتظمة تصور المصاديق على انحاء مختلفة وجهات مختلفة تصل الى حد التناقض بين تصور وتصور آخر حول نفس المصداق . ومثال على ذلك المجموعات التي تأخذ بظاهر وباطن الوقائع ، او تأخذ بظاهر وباطن التصورات كالخطابات والرؤى والعقائد . ومثلها تلك المجموعات التي تأخذ بعين الاعتبار تغير المصاديق في وحدة الزمن ، وتلك المجاميع التي تسقط الحقائق العلمية في الحقول العلمية الطبيعية ـ الفيزيائية او الكيميائية ـ على حركة الانسان وقضاياه ومعتقداته وآرائه ومقدساته وآماله وحاجاته ..

مصاديق القضايا

ان الشغل الشاغل للمنطقي الحكم على القضية بالصدق او الكذب ، او ما يردف هذين الحكمين بالفاظ أخرى تتناسب وطبيعة القضية ، كاشتعال المصباح وانطفائه كما في علم الدارات الكهربائية ، او مصابيح اشارة المرور ، او جدوى المشروع وعدم جدواه .. وهكذا ..
ولكي يحكم المنطقي على القضية حكما صائبا عليه ان يأتي بدليل واضح وبائن ، ولأن القضايا تختلف في :
ـ اسوارها ( كل ، بعض ، او اسم علم)
ـ وكيفها ( موجبة ، سالبة )
ـ وان المفهوم الثاني قد يكون اسما او فعلا

علما ان موضوع اي قضية من الواجب ان يكون اسما ، اي مفهوم كلي او جزئي يشير الى اسم .

ففي المثال :
1 ـ كل كوكب يدور حول الشمس ، قضية كلية لأن لفظ (كل اقرن بموضوعها الكوكب ) ، وطرفها الثاني فعل ليس باسم ، وهي موجبة لعدم وجود لفظ (ليس ) .
2 ـ بعض الكوكب دائر حول الشمس ، قضية جزئية لأن موضوعها اقرن بلفظ (بعض ) وطرفها الثاني اسم (دائر) اسم فاعل وهو في حيز المفاهيم الكلية ، وهي موجبة لنفس السبب السابق .
3 ـ كل انسان ليس بجماد
4 ـ بعض النبات ليس بمثمر
كلاهما جزئيتان ، سالبتان ، وطرفهما الثاني مفهوم (اسم) ..

ان الحكم على صدق ايأ من هذه القضايا وامثالها يستند الى العلاقة بين طرفيها ( الموضوع وهو الطرف الاول ، والمحمول وهو الطرف الثاني )
فاذا كانت القضية كلية موجبة وثمة علاقة موجبة بين طرفيها فهي صادقة ، كما في المثال الثاني .
وبمثل ذلك يقال عن الجزئية الموجبة .
واذا كانت القضية كلية سالبة ولاتوجد علاقة بين طرفيها فهي صادقة ايضا كما في المثال الثالث .
وبمثل ذلك يقال عن الجزئية السالبة .

اما الحكم في القضية الاولى فهو يختلف من حيث الصلة بين طرفيها ، فهي ليست كلاحقاتها من القضايا الامثلة المتقدمة ، لأن طرفها الثاني فعل ليس باسم ، وهنا يكون الوجوب او الامتناع او الامكان هي العلاقات الممكنة بين الطرفين .
فاذا كانت العلاقة علاقة وجوب ، بمعنى حصول القضية في الواقع فعلا فهي صادقة ، ولاصدق عندما تكون العلاقة الامتناع او الامكان : امتناع حصول الدوران او امكانه كما في المثال .
لذا نقول :ان مصاديق القضايا التي طرفها الثاني فعل هو فقط تحقق الفعل في الخارج ولايعتبر الامكان قرينة لصدقها ، لأن الامكان يحتوي الطرفين ، الوجوب والامتناع ، وهذا ليس بقرينة حكم .
ان هذا النوع من القضايا يشكل محل جل الخلافات السياسية والعقائدية ، وخاصة في الفقه الاسلامي ، ولعل اتخاذ قضايا شخصية حجة لاعمام القضية هو اصل الفساد في هذه الخلافات ، فلايجوز اتخاذ قضية شخصية مثلا على امكان تحقق الفعل لموضوع ، فلو قلت مثلا ان بيليه لاعب كرة ماهر لايجوز اعمام الماهر على غيره بدعوى ان غيره يمكن له ان يكون ماهر ، والصواب هو ان نتخذ من القضايا الكلية قاعدة لاستنباط قضايا جزئية او شخصية .
ولكي يكون كلامنا مدرك لابد من تعريف القضية الشخصية ..
تقسم القضايا البسيطة من حيث كم الموضوع او سوره ، بنفس المعنى ، الى ثلاث :
القضية الكلية والقضية الجزئية ، والقضية الشخصية .
وقد مر الكلام في الكلية والجزئية ، فكم الاولى كلي ( كل ) ، وكم الثانية جزئي (بعض) ، اما الشخصية فأن موضوعها اسم علم او اسم لشئ متعين نحو ( الارض كوكب شمسي) قضية شخصية لأن موضوعها اسم لشئ مفرد ، ونحو ( محمد رسول الله ) قضية شخصية حيث ان محمد اسم علم ، لانسان نبي متعين ومعروف .
وعلى هذا :
يمكن استنباط قضايا جزئية من قضايا كلية ، نحو : اذا كانت القضية كل جوهر ثابت قضية صادقة فإن بعض الجوهر ثابت قضية صادقة لدخول الثانية في الاولى من حيث الكم .

ويمكن تمثيل القضية الجزئية الصادقة بقضية شخصية ، وفي الحقيقة ان هذه القضية الشخصية مصداق للجزئية ، نحو :
بعض الكاتب انسان ، قضية جزئية موجبة صادقة ، فاذن ، زيد إنسان لكونه كاتب ، فزيد الكاتب مصداق القضية الجزئية .

وعلى هذا ايضا : ان مصداق الكلية هو (كل افراد الموضوع ) ونطلق عليه المقول على الكل :
ـ كل انسان ليس بخالد ، مصداقها (كل انسان) وليس زيد وعمرو وسعد …الى ما لاينتهي من الانسان . بكلمات اخرى ، مصداقها المجموعة الشاملة كل انسان .
ـ كل كل نبات ليس لبون ، مصداقها (كل نبات ) وهو المقول على الكل …

ولنا ان نقول : ان الجزئية مصداق الكلية ، والشخصية مصداق الجزئية .

Advertisements