مقدمة ( المفصل في المنطق ) ـ تأليف / عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروك انهيت مؤخرا تأليف كتاب المفصثل في المنطق وما بقي سو دفعه الى احدى دور النشر ، واحببت ان اعرف بالكتاب بنشر جزءا من مقدمته ..
من مقدمة الكتاب
ان تأليف كتاب في المنطق لابد ان يحمل جديدا سواء في طريقة العرض او في المفاهيم او في التحليل او في القواعد . ان اغلب المؤلفات المنطقية التقليدية تعيد انتاج المنطق الارسطي بطرق عرض مختلفة ، وبشئ من الاضافات اللغوية والفلسفية ، وهي لهذا السبب نسخ متعددة لكتاب واحد ، مؤلفه ارسطو ، الواضع الاول للمنطق .
كان الهدف الاول لهذا الكتاب تقديم المنطق بطريقة عرض مبسطة للمهتمين والراغبين بالاطلاع على هذا العلم . لقد درست في دراستي الجامعية الاولية فصلا صغيرا في مبادئ المنطق ضمن موضوع اسس الرياضيات ، واطلعت فيما بعد على عدد من كتب شراح المنطق الارسطي ويدعى ايضا المنطق التقليدي . وما سمي بالمنطق الحديث في الحقيقة ما هو إلا طريقة عرض جديدة للمنطق الارسطي تضمن شيئا من المنطق الرياضياتي .

لقد لاحظت الهوة الكبيرة بين المنطق الرياضياتي والمنطق التقليدي ، ولم تتمثل هذه الهوة في طريقة التعبير عن الحقائق المنطقية ، بل شملت ايضا اختلافات كثيرة في المباحث التي ينشغل بهما مؤلفو المنطقين التقليدي والرياضياتي . ففي الوقت الذي يبدأ فيه المنطق الرياضياتي بالقضايا المركبة ، ويعدها بداية للمنطق ، ويتخذ من العبارات المنطقية المجردة ـ الرمزية ـ وسيلة لعرض مبادئ وقواعد المنطق ، انحسر اهتمام المنطق التقليدي على القضايا الحملية بالدرجة الاساس وانشغل بامثلتها الحسية وحيثياتها اللغوية والفلسفية . وازاء ذلك كان لزاما عليّ ان اطوَر هدف تأليف الكتاب ليجمع بين خبرة المنطق الرياضياتي وخبرة المنطق التقليدي في نظام بديهي موحد للمنطق .

وحيث ان المنطق التقليدي هو منطق القضايا الحملية كما يسمونها اصحاب هذا المنطق ، فاخترتها بداية للكتاب ، وقد فرض عليّ هذا الخيار ثلاثة تحديات علمية :
الاول ، تنقية المباحث المنطقية مما خالطها من الشأنين اللغوي والفلسفي ، وتمييز موضوع او مادة المنطق عن هذين الشأنين .
الثاني : وجدت ان بعض القواعد التي يعتقدها المنطق الارسطي او شرّاحه في طرق الاستدلال غير المباشر غير صائبة ، واغلب هذه القواعد تختص بالقضايا الجزئية .
الثالث : لابد من تحديد منهجية واحدة للتحليل المنطقي تضع كل من مباحث المنطق التقليدي والمنطق الرياضياتي في نسق بديهي واحد .

وبازاء هذه التحديات انعطفت صوب تأليف مباحث اسميتها ( في نقد المنطق التقليدي) ضمنتها معظم انتقاداتي لهذا المنطق ، مبوبة بحسب مباحثه ، فقدمت الحلول والتصويبات باستخدام البرهان المباشر او الملاحظة العلمية . ويمكن اعتبار مباحث ( في نقد المنطق التقليدي ) الذي وجدت طريقها للنشر في موقعي الشخصي ( فضاء اوروك) عامل حاسم في تحديد منهج التحليل المنطقي الذي وجد طريقه للنشر لأول مرة في هذا الكتاب ، كما مثل عامل اغناء لخطة تأليف هذا الكتاب ومباحثه . وبعد ان فرغت منه استأنفت تأليف هذا الكتاب لعرض المنطق بصورة ( المنطق الموحد) معتمدا طريقا تحليليا غير مسبوق ، وتضمن مستحدثات كثيرة في المفاهيم المنطقية وفي القواعد وطرق البرهان .

كما ان مواجهة التحديات المذكورة ، والسير بمباحث هذا الكتاب وفق خطته قد اسفرت عن مفاهيم وقواعد ومباحث جديدة في المنطق ، ويمكن تصنيف المستحدثات في هذا الى صنفين :
الاول : المنهج الجديد في التحليل المنطقي وطرق برهان القواعد في مجال الاستدلال المباشر وغير المباشر ، وذلك باستخدام خبرة نظرية المجموعات الى جانب خبرة المنطق الرياضياتي .
الثاني : مستحدثات غير مسبوقة من المفاهيم والطرق والقواعد والمبرهنات المنطقية وطرق الاستدلال .

وسيلاحظ القارئ اشارات في متن المباحث الى تلك المستحدثات ، كما يجد في نهاية الكتاب فهرسا مفصلا عنها .

ان واحدة من المبررات التي دعتنا الى الجمع بين خبرتي المنطق التقليدي والمنطق الرياضياتي هو ان المنطق بذاته علم الفكر ، فكيف يكون علم الفكر متفاوتا احيانا ومختلف احيانا اخرى في المنطقين المذكورين ، فلا بد من توحيدهما عبر معالجة تحليلية تستند الى الحقائق المنطقية المفروغ من صحتها سواء كانت بديهيات او قواعد او مبرهنات . والمنطق بما هو علم الفكر لايخضع الى العقائد والمعتقدات بقدر ما هو خاضع الى القوانين والقواعد المبرهنة . لذلك لايوجد منطق تقليدي وآخر رياضياتي ، بل ان المنطق منطق واحد لايتجزأ ولاينقسم الى منطقيات مختلفة اومتنافرة كلا او جزءا .
ان الاساس الذي يبنى عليه أي منطق هو المفاهيم ، وتختلف المفاهيم فيما اذا كانت قطعية او ثابتة ، او كانت متغيرة ، او كانت متعينة مسبقا .

ان المنطق الارسطي مثلا على النوع الاول من المفاهيم ، وكذلك المنطق الرياضياتي ، والمنطق الضبابي مثالا على النوع الثاني من المفاهيم ، والمنطق البولي مثالا على النوع الثالث . وهكذا نلاحظ ان تحديد المجموعة بوصفها المعادل الرياضياتي لأي مفهوم يؤدي دور حاسم في مادة أي منطق . ففي المنطق الرياضياتي تتألف القضايا من مفاهيم يمكن التعبير عنها بمجموعات ، او هي اصلا مجموعات قابلة للتعريف ، كالانسان والالكترون والكوكب والشجر . وفي المنطق الضبابي تتألف القضايا من مفاهيم متغيرة ومتداخلة نحو صف من الجميلات او درجات الحرارة المتداخلة بين الحرارة والبرودة . اما في المنطق البولي فأن مجموعاته لها معالجات جبرية معينة .

واجهتنا في تأليف هذا الكتاب مسألة أخرى ، وهي تكييف قسم غير قليل من صيغ وقواعد المنطق الرياضياتي عند تعريف القضايا المسورة البسيطة الاربعة ؛ الجزئيتان والكليتان . ففي المنطق الرياضياتي تعاريف منطقية للمجموعات المختلفة تتضمن السور الكلي كما في تعريف المجموعة الجزئية مثلا ، وعبارات منطقية يمكن تأويلها الى عبارات كلية او جزئية ، هذا من جهة ، ومن الجهة الاخرى كان لزاما علينا الاخذ بنظر الاعتبار سور القضية عند وضع تعريف منطقي لها بدلالة علاقتها الداخلية ، فهاهنا سوران ، سور التعريف المنطقي للعلاقة الداخلية للقضية البسيطة وسور القضية البسيطة ذاتها ، لذلك كان عملنا يتجه نحو ايجاد تعاريف منطقية بصور اخرى ، مستمدة من حقائق العلاقات الداخلية للقضايا البسيطة ومن حقائق التعاريف المنطقية للمجموعات لايتكرر فيها السور ، وهي صيغ رياضياتية غير مسبوقة هي الاخرى وضعناها بصورة تعاريف منطقية للقضايا البسيطة .

ويعد تقسيمنا للقضايا المركبة ، بحسب معناها في المنطق الرياضياتي ، الى مركبة اساسية ومركبة ممتدة تقسيم غير مسبوق ، ومفهومين غير مسبوقين في المنطق الرياضياتي . كما اوجدنا مجموعة جديدة غير مسبوقة في نظرية المجموعات وهي مجموعة التداخل مستمدة من علاقة جديدة هي الاخرى وهي علاقة التداخل ( او التعاشق بالمعنى ذاته) بين مفهومين كليين . ان مجموعة التداخل ليست هي المجموعة الضبابية ، ذلك ان المجموعة الضبابية تتصف بخاصة متعينة وفق احتمالية نسبية ، ومن ذلك تكون قيمة الصدق او قيمة الكذب للقضايا الممثلة لها قيمة نسبية ايضا ، اما مجموعة التداخل فإنها مجموعة مشتركة بين مجموعتين ليس احدهما مجموعة جزئية من الاخرى ، وان قيم الصدق او الكذب للقضايا الممثلة لها قيم مطلقة ، أي اما صادقة او كاذبة ، صادقة تماما او كاذبة تماما .

ان الاضافات والتعديلات والمستحدثات التي يقدمها هذا الكتاب في علم المنطق كانت في مباحث المنطقين التقليدي بدرجة اكبر ، وفي الرياضياتي بدرجة اقل ، واقل منهما في نظرية المجموعات . وهي نتائج للمنهجية الجديدة التي اعتمدناها في التحليل المنطقي . ومن هذه المستحدثات : النظام البديهي للمنطق ، وحال القضية ، والقضايا البسيطة الاسمية والقضايا البسيطة الفعلية ، ومجموعة التداخل ، وعلاقة التداخل ، وعلاقة الاحتواء ، والعلاقات بين المفهومين المطلقين الكليين ، وتقسيم تلك العلاقات الى موجبة وسالبة ومتعادلة ، والقضايا العشرة ، والقضية المنسجمة ، والقضايا المتجانسة ، والقضايا التوأم ، والقضايا المتتامة ، والعلاقات الداخلية للقضايا البسيطة ، وادلة الصدق والكذب في القضاياالبسيطة ، والمعنى اللغوي للقضية والمعنى المنطقي للقضية ،والنفي اللفظي والنفي المكافئ للقضايا البسيطة ، وقواعد الارتداد ، والدليل القياسي في القياس البسيط ، وادلة المغالطة في القياس البسيط، وخوارزمية القياس ، والقضايا المركبة الاساسية ، والقضايا المركبة الممتدة ، ومفهوم الحواء . اضافة الى قواعد جديدة في المنطق منها : قاعدتا نقض المفهومين المتداخلين ، وقاعدتا نقض المفهومين المنفصلين . وقواعد مستحدثة في العكس المستوي وعكس النقيض والنقض ، وغير ذلك .

كما تضمن الكتاب الكشف عن خطأ بعض القواعد المعتمدة في المنطق التقليدي مثل الدعوى القائلة بعدم وجود عكس مستوي للجزئية السالبة والدعوى القائلة ان الجزئيتين ليس لهما نقض موضوع ونقض تام . وقد اثبتنا عن طريق الاستقراء وجود عكس مستوي للجزئية السالبة ووجود نقض موضوع ونقض تام للجزئيتين تحت شروط معينة .

لم يبلغ مبحث من مباحث المنطق التقليدي من الارباك والاعتلال المنطقيين كما بلغه مبحث القضايا الشرطية ، فهو لايميز بين القضايا المركبة بحسب معناها في المنطق الرياضياتي طبقا الى المعاني البديهية لادوات الربط ، فيعالج تلك القضايا طبقا الى مضمون القضايا الامثلة المصاغة بلغة الكلام الاعتيادي . ولعل اسقاط خبرة القضايا البسيطة التي يسمونها حملية على مثل هذه القضايا واحد من اسباب الارباك والاعتلال المنطقيين في المباحث التي تناولت القضايا المركبة ومنها تلك التي يطلقون عليها خطأ الشرطية .

ولتقديم علم المنطق ميسرا ومفصلا للقارئ والدارس اعتمدنا في تأليفه طريقة القاء المحاضرات الافتراضية من قبل المحاضر (ج) على المتعلم (س) ، تتخلله اسئلة من قبل المتعلم (س) اغنت الاجابة عنها متون المباحث ، واتاحت من جهة اخرى مجالا مناسبا لعرض ملاحظات مفيدة ذات صلة مباشرة بالمنطق .

ان اسلوب الحوار في عرض الكتاب مكننا في الحقيقية من اثارة عدد كبير من المسائل المتعلقة بالمنطق ، كما مكننا من عرض مسائل اخرى ذات صلة به ، الامر الذي جعلنا نستغني عن كتابة الهوامش . ويلاحظ القارئ ان الكتاب في بعض المباحث ينتقل الى اسلوب السرد متجنبا اسلوب المحاضرة وما تنطوي من حوار بين المحاضر والمتعلم بسبب ان موضوع تلك المباحث لايحتمل اسلوب الحوار .
ونظرا للطبيعة الاستقرائية لاسلوب عرض المباحث اضطررنا في اكثر من محل لتكرار الحقائق المنطقية ، سواء كان ذلك مبررا لبرهان صحة دعوى ، او استحداث مفهوم جديد .
اعتمدت اسلوب التدرج في تناول مفردات المنطق ليفيد منه المبتدأ دون التفريط بالمتانة العلمية لمباحثه . وقد بسطنا ما امكننا لغة واسلوب عرض مباحث الكتاب .
لقد وجدنا ووفقا للمنهجية التي اعتمدناها في عرض مادة الكتاب ان المنطق باسمائه : الارسطي ، التقليدي ، الحديث ، الرياضياتي ، يمكن تقديمه كوحدة واحدة باعتماد ما اسميناه بالنظام البديهي للمنطق . ووفقا لهذه المنهجية فإن مباحث الكتاب تتسع الى المنطق المسمى بالمنطق الضبابي ، ولكننا لم نتناوله لأن هدف الكتاب لايناله .

عبد الرحمن كاظم زيارة  مديرالموقع

عبد الرحمن كاظم زيارة
مديرالموقع


المؤلف
بغداد ـ العراق ،11 نيسان 2013

Advertisements