فضاءات الكلمة ـ سعاد الاعظمي

سعاد الاعظميبعيدا عما يعرفه العاملون في مجال الأعلام والقانون والسياسة ، حول أمكان أنزياح الكلمة الى دلالات أخرى، وذلك أستنادا الى سياقها في الجملة ، حيث أن تنكير المفردة أو تعريفها من جهة ، أو وضع أحد حروف الجر بدلا عن غيره ، وقس على ذلك من التغييرات الطفيفة ، قادر أن يدفع بالكلمة لأداء معنى مختلف ، بل مناقض ، وهو ما يتم التركيز عليه -عادة- أثناء الأتفاقات التي تتم بين دول العالم حول مختلف الأمور، لذلك فأنه ينصح في مثل هذه الحالات الأستعانة ، بخبراء اللغة ، لئلا يتم التوقيع على معاهدة ما ، يتم خلالها تمرير ما لا يقصده أحد الأطراف الموقعة ..
ولعل مثل هذا الغنى الذي تتمتع به الكلمة ، جعلها قادرة على أن تكون معجم الحياة ، برمتها ، أذ أن ترجمة كل ما يفكر به الأنسان ، وما يقوم به ، ويتركه من أثر، سواء أكان متعلقا بدقائق الأمور أو عظائمها ، أنما لكل ذلك ترميزه اللفظي لدى الأنسان ، لتكون الكلمة صدى للواقع والمتخيل ، في آن واحد ..
وغير بعيد عن مثل هذا الغنى في عالم الكلمة ، فأن علم اللغة بات يتعرف على مصطلح “الأنزياح” الذي يعني أداء كلمة ما معنى مختلفا عن شرحها المعجمي ، وهو يشمل فضائي : الأدب والحياة اليومية في وقت واحد ، ما يثري الكلمة ، ويجعلها أداة قادرة على أداء دورها ليس على صعيد التواصل اليومي بين الناطقين باللغة الواحدة ، فحسب ، وأنما من خلال توظيفها في عالم الأدب، حيث أن هناك فنوناً أبداعية كثيرة ، لا يمكنها أن تكون من دون الكلمة، كما هو حال الشعر والقصة والرواية والمسرح والمقال ، بل أن الكلمة عماد عالم الأعلام حيث لابد منها ، في الصحافة المقروءة أو المسموعة أو المرئية ، لتكون بذلك حاضنة للحضارة البشرية منذ بداية الخليقة ، وحتى الآن ، و أن مثل هذه الحضارة ما كان لها أن تنجز لولا أن الكلمة تلعب دور العمود الفقري فيها ، وهي جزء نفيس من حضارة كل أمة من الأمم..!
والكلمة قد تستخدم من قبل آلة الخير، كما أنها قد تستخدم من قبل آلة الشر، فهي مبذولة أمام كليهما،على حد سواء، بل أن لكلا العالمين طريقته في أستخدامها ، ولعل في مكنة آلة الشر ، أن تزين الكلمة وتتفنن بها ، و تقلب الوقائع رأسا على عقب ، وهو ما يجعل آلة الخير ترقي على الدوام كلمتها لتكون في مستوى خطاب الحق والعدل على أعتبارها تحمل أعظم رسالة كونية تتجدد جيلا بعد جيل ، كما أن من المطلوب من هذه الآلة نفسها أن تظهر من خلال مواكبتها لدورة الزمن ،مدى زيف الكلمة، المتأنقة المتبرجة، المخادعة التي توظفها الآلة المناقضة لها، لتؤدي دورها الشرير، في تزييف الواقع والأجهاز على كل ما هو خير، أنطلاقا من التناقض الأزلي بين عالمي الخير والشر..!.
وبديهي أن نبرة خطاب الشر تكون عالية، وأن صداه يكون مدويا الى تلك الدرجة التي قد يستطيع فيها خلق اللبس، عبر عملية تجميل الذات، وتشويه الآخر وخطابه ، ما يمكن لأي كائن بشري قراءته بوضوح في ظل أمثلة هائلة، يتناولها الخطابان، أذ ما أسهل تمييز”الخيط الأبيض من الأسود”…! .. وذلك بقليل من التبصر والأناة والحكمة ، حيث ليس من المعقول أن يكون تسويغ المستبد لقتل الضحية ، هو الأصدق، في الوقت الذي يتم فيه تقديم الضحية وهو يؤدي رسالة الحق والعدل والأباء والكرامة والحرية ،على أنه المجرم، وما هذه المفارقة الصارخة الا المثال الأوضح على البون الهائل بين هذين العالمين……!

Advertisements