الزمر المولِّدة والزمر الدائرية (وتقويم دراسة كمال ابو ديب) ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة (5ـ3) الزمر المولِّدة والزمر الدائرية
يتردد مصطلحا البنية الدائرية والبنية المولدة في الدراسات البنيوية كثيرا ،واشهر توظيف لهما ما يسمى التوليدية التي (استحدثها )غريماص وجيّرت باسم جومسكي ، ومرجعيتهما المفهومان الرياضياتان : الزمرة المولدة والزمرة الدائرية . ولايمكن اقرار هاتين الصفتين في بنية ما ، ما لم تكن البنية محققة لشروط الزمرة بوصفها شروط بنائية لايمكن تجاوزها . ان ذلك يعني ضرورة قطع مراحل في التحليل لايمكن اغفال ايا منها كي نصل تاليا الى البنى المولدة فالدائرية . ولكل كتلة من الاشياء او شميلة او مجموعة قابلة للتحليل لابد من وجود عملية او علاقة ثنائية ما تتيح امكانية تصور هذه الكتلة على انها تشكل نظام معرّف هو في الحقيقة بنية الكتلة . وعكس ذلك فان الكتلة ليست الا مجموعة محض لاترقى الى النظام وبسبب ذلك لايمكن الاستمرار في التحليل وصولا الى المرحلة اللاحقة منه واعني اختبار العلاقة الثنائية فيما اذا كانت مغلقة و تجميعية ، وفيما اذا كان ثمة نظير لكل عنصر من المجموعة ، وحصر عنصرا محايدا للمجموعة على تلك العملية واهم ما يوصف به انه وحيد في المجموعة . وما دمنا نتفحص اولا المجموعة بوصفها دعامة للبنية فانه يمكن تصور اقتطاع جزءا من تلك المجموعة بهيئة يطلق عليها المجموعة الجزئية . ستكون المجموعة الاخيرة موضوعا للتحليل له نفس مسار التحليل البنيوي باتجاه استيفاء شروط تعريف الزمرة ، بمعنى ان المجموعة الجزئية المذكورة محققة لخواص العلاقة الثنائية ايضا ستكون زمرة جزئية Sub Group محتواة في الزمرة الاصلية . بمعنى السابقة والتي تم تعيين جزءا من دعامتها . وواضح ان الزمرة الجزئية هي زمرة بحد ذاتها .ولكل زمرة في الاقل زمرتان جزئيتان تافهتان Trivial Sub Group هما الزمرة نفسها ــ والقول هذا متأتي من حقيقة ان كل مجموعة هي مجموعة جزئية من نفسهاـ والثانية هي الزمرة التي تكون دعامتها عبارة عن العنصر المحايد في الزمرة الاصلية . والمثال المباشر على النوع الثاني هو العنصر المحايد للنموذج التحليلي الذي قدمناه لقصة جحا والحمار :
حيث ( جحا يركب جحا ) ، ( ابنه يركب ابنه ) ، ( الحمار يركب الحمار ) وهذه العبارات التي تفصح عن علاقة الزمرة تعني ان كل واحد منهم يمشي على رجليه . ان هذا العنصر هو نظير نفسه كما انه يرتبط بعلاقة تجميعية مع نفسه وهو ايضا يمثل العنصر المحايد في زمرته الجزئية ، كما ان هذه الزمرة ابدالية طالما ان العلاقة إنعكاسية .
ان مفهوم الزمرة الجزئية يشكل مدخلا لمفهومي الزمرة المولدة والزمرة الدائرية (12 ) حيث افتراض وجود مجموعة جزئية من مجموعة اخرى تشكل دعامة لزمرة مزودة بعملية ثنائية ولكنه ليس ضروريا طالما ان الزمرة الجزئية هي زمرة بحد ذاتها وينبغي التعامل معها بصفتها هذه .لنستعين هنا بالانظمة العددية المعروفة للاحاطة بمفهوم الزمرة المولدة Generated Group . ان مجموعة الاعداد الصحيحة تشمل جميع الاعداد الموجبة والسالبة والصفر ، ونعبر عنها كما يلي :
ص = { … ، 5، 4 ، 3 ، 2 ، 1 ، الصفر ، ــ 1 ، ــ2 ، ــ 3 ، … }
وبافتراض ان العملية الثنائية في هذه المجموعة هي عملية الجمع الاعتيادية ومن السهولة اثبات ان :
الزوج المرتب ( ص ، + ) يمثل زمرة ذلك ان :
ــ العلاقة الثنائية مغلقة بسبب ان حاصل جمع أي عددين ينتج عدد صحيح ايضا
ــ العلاقة الثنائية تجميعية فاي ثلاثة اعداد صحيحة من هذه المجموعة تحقق خاصية التجميع ، مثلا
8 + ( ــ 10 + 6 ) = ( 8 + ( ــ 10 ) ) + 6
8 + ( ــ 4 ) = ــ 2 + 6
4 = 4
حيث جميع الاعداد المذكورة تنتمي الى مجموعة الاعداد الصحيحة .
ــ العنصر المحايد في المجموعة هو العدد صفر فعند جمعه مع اي عدد صحيح ينتج العدد نفسه والعدد صفر هو العنصر المحايد الوحيد على عملية الجمع .
ــ وواضح ان لكل عنصر في المجموعة يوجد عنصرا نظيرا له بحيث حاصل جمعهما ينتج عنه الصفر وهو العنصر المحايد مثلا 3 ، ــ 3 عناصر في المجموعة حاصل جمعهما صفر .
ـــ والزمرة فوق ذلك ابدالية : 7+1 = 1+7 = 8 على سبيل المثال .
بعد ان اثبتنا ان الزوج المرتب المذكور يمثل زمرة نتفحص عناصر المجموعة ونبحث عن عناصرفيها من المحتمل ان تولّد عناصر المجموعة باكملها عبر عملية الجمع سنجد ان العددين 1 و ــ 1 يولدان عناصر مجموعة الاعداد الصحيحة عبر عملية الجمع . كيف ؟ لنبدأ بتوليد العدد صفر : ــ 1 + 1 = صفر
( الواحد مطروح من نفسه من وجهة نظر عملية ،على ان مفهوم الجمع الجبري يتسع لعملية الطرح عندما يكون العددان مختلفي الاشارة ) . ان العدد الموجب 1 يولد جميع الاعداد الموجبة من خلال عملية الجمع :
1 ، 1+1 =2 ، 1 +2 = 3 ، … وهكذا والعدد السالب ــ 1 يولد جميع الاعداد السالبة من خلال ذات العملية : ــ 1 ، ــ 1 + ( ــ 1 ) = ــ2 ، ــ 1 + (ــ 2 ) = ــ3 ، … وهكذا نحصل على المجموعة غير المنتهية للاعداد الصحيحة . ان العددين 1 ، ــ 1 هما مجموعة جزئية من المجموعة الاصلية ( الاعداد الصحيحة ) . في هذه الحالة وطبقا للمناقشة التي انجزناها فان الزوج المرتب يشكل زمرة مولدة . ويمكن كتابتها بالصيغة الرمزية ( { 1 ، ــ1 } ، + ) . وحصرا للمفهوم من المناسب القول ان البنية المولدة هي زمرة تتولد من مجموعة جزئية من المجموعة الاصل عبر العلاقة الثنائية المغلقة التي للزمرة الاصل ايضا .
اما مفهوم الزمرة الدائرية Cyclic Group فهي زمرة مولدة بواسطة عنصر واحد فقط هو عنصر ايضا من المجموعة الاصلية. على ان صيغتها محددة بالتعبير” س ن “حيث س عنصرا من دعامة الزمرة وان ” ن ” هو القوة المحتملة بحيث يُرفع س اليها ويُمثل هذا التعبير بالانتقال مثلا من طبقة اجتماعية اواقتصادية الى اخرى عبر علاقات الزواج بين طبقتين اجتماعيتين او اقتصاديتين . ان مفهوم القوة هنا المعبر عنه كما يبدو من الصيغة الرمزية تعبيرا عدديا محضا ، ينصرف عمليا عند قطاعات علمية اخرى كصعيد الدراسات البنيوية ، الى ما يشبه الرافعة لشئ لتُضاعفُه فينشأ جديدا بمثابة عنصرا مولدا بهذا السياق بمولد او اكثر . ولفظة القوة في وضعها الحالي تعني أُس لأساس مُعرّف . وينشأ عن ذلك متتاليات اساسها ثابت ، قيمة معلومة كما هو الحال مع البنية الدلالية ، تطالها تحولات بفعل قيمة اخرى هي القوة الرافعة لها . عدديا مثلا : 12، 22 ، 2 3 ، … ، 2ن = 2 ، 4 ، 8 ، …. وهكذا في تصاعد مستمر وفي امثلة اخرى في تناقص مستمر .
لقد تضمن العرض السابق لمفهوم الزمرة احتمال وجود العلاقة الابدالية بين عناصرها والزمرة التي تتصف بهذه الخاصية تسمى الزمرة الابدالية . وليس كل زمرة ابدالية . ولكن توجد في كل زمرة مجموعة جزئية ( وليس المقصود زمرة جزئية ) بحيث تكّون عناصرها مع عناصر المجموعة كلها علاقة ابدالية عبر العلاقة الثنائية المغلقة للزمرة ، تسمى هذه المجموعة الجزئية مركز الزمرة Center Of Group. فاذا كان ج عنصرا من هذه المجموعة الجزئية و س أي عنصر من المجموعة الشاملة ( دعامة الزمرة ) فان الشرط ج  س = س  ج .
ولايكتمل عرض مفهومي الزمرة المولدة والزمرة الدائرية الا بعرض مواز يتضمن تجربة تحليلية . ولقد وقع اختيارنا على مساهمة ( د . كمال ابو ديب ) (13) والتي تناول فيها البنى المولدة في الشعر الجاهلي وهي أكثر الدراسات قربا من المفاهيم التي عرضناها توا ..

اذ اخضع اكثر من اثني عشر نصا شعريا ـ سنشير الى واحدا منها ـ تضم مفهوم البنية المولدة والدائرية ومفاهيم اخرى وبما يجعل من العينة المختارة ممثلة على نحو جيد للاسهامة من جهة ومحتوية للمفاهيم ذات الصلة الواردة في مساهمته. علما قد خالط الاسهامة شيئا من التحليل الدلالي كضرورة لتعيين البنى الامر الذي لانناقشه الا من وجهة نظر بنيوية .
يحدد كمال ابوديب نقطة البدأ في عمله ( باحتمال وجود بنى توليدية اولية في الشعر الجاهلي تمتلك خصائص محددة يمكن ان تنتج من استخدامها ، عن طريق حدوث عمليات تحويل او توسيع او تطوير جذرية ، مجموعة من البنى المتميزة المتحققة في نصوص فردية وتسمح الدراسة المتقصية للنماذج العديدة التي شكلت أساس البحث الحالي ــ بحثه ــ بالقيام بخطوة مبدئية ، هي اختيار نص محدد واعتباره بنية توليدية اولية ، هو نص المرقش الاكبر … )( ص 8 ). وهنا لزاما علينا ان نحدد مفهوم البنية التوليدية الاولية كما وهو الامر الذي لم نتناوله سابقا . الزمرة الاولية زمرة منتهية finite بمعنى ان عناصر دعامتها محدودة ، أي قابلة للحصر وان عدد عناصرها يدعى رتبة الزمرة Order مضافا اليها شرطا اخر هو ان رتبة الزمرة تكون مساوية لقوة شئ اولي . اما كونها زمرة توليدية اولية فهذا يعني اضافة الى ذلك وجود عناصر توليدية.
وبعد ان حصرنا المفهوم الذي يعتمده بدأ في التحليل ،لاتستقيم متابعة التحليل وتقريضه مالم نورد النص ــ موضوع التحليل ــ وهو نص المرقش الاكبر:

(1) هل تعرف الدار عفا رسمُها إلا الأثافيَ ومبنى الخيمْ
(2) أعــرفــهـا دارا لاســمــاء فالدمع على الخدين سح سجم
(3) أمسـت خـلاء بعد سكانها مـقـفرة ما إن بها من إرم
(4) إلا مـن العيـن ترعى بها كالفارسيين مشوا في الكـمـم
(5) بعد جميع قـد أراهـم بها لـهم قبـاب وعليـهم نـعـم
(6) فهل تسـلي حبـها بازل ما إن تُسلى حبها من اَمم
(7) عـرفاء كالفـحـل جمالية ذات هبـاب لاتشـكـّى السـأم
(8) لم تقرأ القيظ جنيناً ولا أصـرهـا تحمل بـهـم الغـنـم
(9) بل عزبت في الشول حتى نوت وســــوغـت ذا حبـك كـالارم
(10) تعــدو إذا حــرك مجدافــها عــــدو ربــاع مفـــردٍ كــالزلـــم
(11) كأنـه نصع من يمان وبال أكـــرع تخـنـيـف كـلـون الحـمـم
(12) بـات يغيب معشـب نبتـه مـخـتـلـط حربـتـه باليـنــم

قبل ذلك اعطى الباحث للبنية التوليدية التي يشكلها النص رمزا هو3)ــ ( G s دون ان يفصح عن مدلولاته للقارئ ، وبالمقارنة مع ايضاحاته يمكن القول ان G ترمز الى مجموعة عناصر البنية ، s تفصح عن المحور التزامني ، وهو احد محوري حركة دراسته ( حيث تتم دراسة علاقته بغيره من النصوص دراسة بنيوية … )( ص 6) ، والمحور الثاني التوالدي او التعاقبي ( حيث تتم دراسة مكونات النص الاساسية في شروط تبلورها التاريخية بين الابداع الفردي والتقليد الجماعي وبالتطور التاريخي )(ص7) ،مبشرا بصلاحية البنية التوليدية الاولية التي سيكشف عنها لاحقا ،من أنها ستشكل نموذجا قابل لاستيعاب تغيرات بنى اخرى في نصوص اخرى كلها تنتمي الى الشعر الجاهلي وهذا ما جعل رمزه المقترح لايتضمن اشارة الى هذا المحور الاخير .. اما العدد 3 فوضعه كما يبدو للحركات الثلاثة التي ينطوي عليها النص قيد البحث وهو ما يعني لدينا رتبة الزمرة.

والسؤال هنا : ما هي المبررات لاتخاذ نص المرقص نموذجا قياسيا لنماذج اخرى؟ هل لوضوح البنية المشار اليها ؟ ام انها نموذج قابل للاستبدال بغيرها واطلاق الوصف ذاته على بنيته ؟ هذه الاسئلة هامة لنفي تهمة تكرار النموذج الالسني في مجالات علمية اخرى في حين ان حظ أي نص لاينبغي ان ينقص او يزيد عن حظوظ النصوص الاخرى وما يجعلها متساوية هي وحدة المنهج الموظف في التحليل .

لعل من الملائم كتابة الرمزـ هذا اذا كانت قرائتنا للرمز المقترح هو بالضبط ما قصد اليه الباحث ـ بشكل زوج مرتب ( G ,s) ليدل الرمز s على العلاقة الداخلية بدلالتها التي ظننت .ولكن يا ترى هل يصح محور للبحث ان ينظر له كعلاقة ثنائية في نظام ما ؟ لا اعتقد ذلك . ان البحث في بنى توليدية يفترض بدأً وجود زمرة توليدية متأتية من حصر جزئي لمجموعة عناصر الدعامة ما يجعلها تشكل مع العملية الثنائية زمرة ،لها خاصة التوليد . اما لفظة اولية فقد اوردها بمعناها البدئي ــ كتوطئة مرصنة ــ ستشكل لاحقا الكاشف عن تحولات بنى هي الاخرى توليدية الا انها بصفات وسمات اخرى اساسها البنية التوليدية ( الاولية ) . ان ما يجعلنا تقبل ورود الاصطلاح بهذه الالفاظ هو فرزه الحركات الثلاثة للنص بوصفها عناصر منتهية قابلة للحصر او العد ، باسطا اياها في حركات ثلاثة ( ص9 ) هي :
(1) الديار الدارسة الخالية في اللحظة الحاضرة (A)
(2) عمران الديار وامتلاؤها بالجماعة في زمن ماض(A ــ)
(3) الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء ( A7 ).
من منظور بنيوي صرف سنتعاطي مع الحركات على انها عناصر الدعامة ،وان كان يبدو ان كلا من (A) و(A ــ) هما فئتان من دعامة البنية وقد أُفرزتا على اساس لكل عنصر من (A) له نظير من(A ــ) ، وهذا واضح في الشرح الذي وضعه الكاتب للفئتين ، وهو شرح كما لوكان عنوانا او مسمى لمجوعة من الاشياء . وفي تقديرنا ثمة امكانات في النص تسمح بما هو اكثر من هذه العناصر الثلاثة . الا ان ذلك منوط بامور عديدة ليست من اهتمامات المنهج البنيوي وانما من اهتمامات الذائقة النقدية ورغم ذلك فان هذه الملاحظة السريعة لاتقلل من رصانة التحليل الذي بين ايدينا . ولانعلم لم الاشارة الموجبة في رمز الحركة الاولى والاشارة السالبة في الحركة الثانية . فاذا كان المقصود من تعاكس الاشارتين لتدلان على عنصر ونظيره فهذا امر متقبل . وسنعتمد هذا الافتراض في تقريضنا للتحليل . اما وجود العدد 7 في الحركة الثالثة فهو مبهم ولايشي بدلالة ما ، ضمن سياق الحركتين السابقتين ودلالتهما الرمزية كما تصورنا ( فهل هو خطأ مطبعي ؟ ربما). وسنلتقط هنا العبارات على نحو مختصر دون المساس بالمعنى كي نحصل على ما يتصل بالبنية مباشرة منظورا لها من نموذج الزمرة …
يقررأبو ديب بان القصيدة : تتشكل من توسيع الحركات في هيئات من التطورات، على صعيد الحركة الاولى .
فتطور الحركة الاولى ،ضمن تصور ضدي للوجود ــ الديار دارسة الا انها زاخرة بالحياة الحيوانية ــ وتطور من خلال علاقة انفعالية بين الذات والديار ــ هل تعرف الدار . نعم اعرفها دارا لاسماء ـــ وكذلك تطور الديارمن خلال استثناءات العفاء ــ الاثافي ومبنى الخيم ــ ، ثم ينتقل الى مستوى اخر من الرؤية للحركة الاولى ليجد ان مفارقة تنشأ بهذه التفاصيل ، مفارقة من درجة غير حادة : بين صورة العفاء وصورة البقاء ــ ما هو باق هو مبنى والبناء نقيض مطلق للاندثار والعفاء . الا ان هذه المفارقة تبلغ درجة عالية ، حين يتحول خلو الدار الى نسبي ـــ من الحياة الانسانية فقط ــ ، وتنمى صورة الحياة الحيوانية . اخيرا : تؤدي هذه الاستثناءات والمفارقات دورا هاما هو تدمير صورة الخلاء والاندثار ،والسماح لصور الحياة الغنية بالتفجر في سياق يفترض انه سياق الموت والعفاء .

اما الحركة الثانية فانها لاتتوسع ..الا بخلق رموز اساسية قليلة العمران والرفاه :

الرمز الاول: صورة الاجتماع الانساني ( بعد جميع .. البيت 5) التحام الحياة وامتلاؤها وتوحدها .
الرمز الثاني : صورة القباب ، تجسيد للرسوخ والانتصاب المكاني البارز وللثبات .
(( وهكذا فان العفاء والاندثار النسبيين في اللحظة الحاضرة يوضعان نقيضا للثبات والرسوخ والامتلاء المكاني في الزمن الماضي )) .
( مقابل الطبيعة اللمحية للحركة الثانية ، حركة انبعاث الماضي تأتي الحركة الثالثة المجسدة للاستجابة الفردية كلها ،مديدة موسعة ،تزخر بتفاصيل وصور وتفريعات للمكون الاساسي ، الناقة والاندفاع بها ، لتجعل منها مركز الثقل في النص … صفتها الاولى الشباب فهي بازل ، مقابل القدم والاندثار والعفاء التي تطغى على الحركة الاولى … ــ والناقة ــ لم تحمل جنينا ، برية ، محبوكة السنام ، نقيض الجبل في تفجرها حركية واندفاعا ، وتزداد التباسية الناقة وجمعها للاضداد حدة ــ اذا حرك مجدافها ــ ثم عن طريق توحيدها بحيوان اخر بري وحشي تعميقا لبريتها .. ــ الناقة رمزا للتوحد في مقابل التشتت ، واللازمنية مقابل الزمنية ، وللثبات والرسوخ مقابل زوالية التجمع الانساني ، وللتنآلف بين الذكر والانثى في مقابل الانفصال بين الشاعر وأسماء ، .. الناقة حركة مضادة للهشاشة والزوالية والزمنية والتشتت والانفصال ..حركة تستسلم لها القصيدة تماما دون ان تعود الى سياق الاطلال ، وتشكل نهاية الخط الذي يبدأ باللحظة A داخلة في وهم البقاء والديمومة ( ص 9ــ 14 ) .
الان وبعد هذا العرض المختصر لما جاء في التحليل اين هي عناصر القصيدة بحسب رؤية الباحث ؟
انها الحركات ولكن هذه الحركات انطوت على عناصر عدة ،الا انها محدودة بمعنى منتهية قابلة للتعيين والحصر لا بسبب تمدد وتوسع الحركتين الاولى والثالثة حسب بل يمكن الاكتفاء بالحركات الثلاثة دعامة للبنية : ان الحركة الاولى نظيرة الى الثانية عبر تزامنهما والتزامن هو العلاقة الثنائية ، وهي مغلقة فقط اذا ما عزلنا استثناءات ومفارقات الحركة الاولى وان بقاؤهما على صعيد التحليل فيها سيجعل من الحركة الاولى موضوع للتحليل على مستوى الزمرة وبذلك سيضطرنا الامر الى النظر الى الحركتين الاخريتين كزمرتين مستقلتين على مستوى التحليل . بمعنى ان عملية التعيين للحركات كان يفترض ان تكون مصفاة علاقة الاحتواء فيما بينها ، ولايسعف الباحث هنا التمدد والتوسع التي للحركة الاولى كي يجعل من الحركة الاولى حشد من العناصر ونظائرها في لحظة واحدة الامر الذي يمحو من التصور التحليلي عنصر التحايد ، الذي جسد اجتماع الاضداد وهي مستلة من الحركتين الاولى والثانية ، بالتساوق .
ان مفهوم التمدد والتوسع هنا شكـّل غنىً في التحليل لم نصادفه في دراسات بنيوية اخرى ، على قدر اطلاعنا في الاقل . فالباحث قد وعى العلاقة التابعية في وحدات التحليل ، وهي هنا الحركات ، وعيا تاما . اذ من السهل مع هذا الوعي ملاحظة الصورة الحيوانية المفعمة بالحركة الحرة البرية الوحشية ــ تابع اول ــ كجزء من صورة الديار الدارسة فالصورة الثانية تمدد او توسع للصورة الاولى ــ تابع ثاني ، فالصورة الثانية تمدد الصورة الاولى وهكذا في بقية الاستثناءات الاخرى التي جاء ذكرها في الحركة الاولى . ولكي يستقيم التحليل على نحو ادق كان بالامكان نقلها الى الحركة الثانية .
ان عناصر الحركة الثانية هي محض رمزية . اذ كيف يمكن ان تكون هذه الرموز نظائر لعناصر الحركة الاولى . او بشكل اعم كيف لرموز الحركة الثانية ان تكون نظيرا للحركة الاولى ؟ ان ذلك ممكن لان الصور الفنية ومن خلال الاساليب الشعرية ترد الى معاني من جنس المعاني المصورة هي الاخرى في الحركة الاولى.
والاستنتاج الذي نقرره هنا ان الحركة الاولى نظيرة للثانية . اما الثالثة فهي العنصر المحايد ، ( الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء) فالاسى حقيقة وجودية تحال الى ضدية وجودية بالتوحد بالناقة و … الى اخره .
ولكن كيف نختبر الخاصية التجميعية لعلاقة التزامن في هذا التحليل ، ان الباحث لم يشر الى ذلك كما لم يوسع اطاره التحليلي لاستيعابها .. لو بددنا كل حركة من الحركات الثلاثة الى عناصرها المتوافرة في التحليل الدلالي المرافق للتحليل برمته ، ووضعناها في مجموعة واحدة هي دعامة البنية سنتجاوز خللا ونمهد لاختبار .. اما الخلل فيتعلق بالاشتثناءات والمفارقات وعلاجها بالترحيل الى الحركة الثانية واعادة صياغة الرموز فيها تاليا . اما الاختبار فيتعلق بالخاصية التجميعية . والتي نوردها كما يلي :

العفاء والاندثارتتزامن مع ( الاثافي والقباب تتزامن مع حركة واندفاع الناقة )
= ( العفاء والاندثار تتزامن مع الاثافي والقباب) تتزامن مع حركة واندفاع الناقة
= ( حياة مفعمة في الماضي ) تتزامن مع حركة واندفاع الناقة
= ( الاسى ومغالبة الاسى )
واذا ما عكسنا الصورة فسنحصل على النتيجة ذاتها التي تضبط دلاليا . وهكذا مع أي ثلاثة عناصر .
فالعلاقة التزامنية هنا تجميعية . ونصل مع الباحث وباستخدام تحليله المنتظم الى ان البنية هنا هي زمرة ومن السهولة اثبات وعلى المستوى الدلالي ايضا وطبقا لمنطق الحركات الثلاثة بصورتها التي قدمها الباحث او بضم عناصرها مجتمعة في دعامة واحدة بان هذه الزمرة إبدالية .
ذكرنا بان الباحث بَشّرَّ ببنية توليدية اولية ، وقد ارجأ الصفة التوليدية الى مستوى ثان من البحث ، ويهمنا الان الصفة الاولية لهذه البنية . وقد علقنا على ذلك في بداية مناقشتنا للتحليل .ولكن بشئ من التعديل على المستوى المفاهيمي سنجد ان الصفة الاولية التي تتوافر عليها الزمر الاولية متوفرة بالتحليل . حيث ان الباحث افرد عناصر التحليل وهي ذات صفة نهائية finite يمكن الالمام برتبتها واظن هذا ما يفصح عنه مقترحه الرمزي للبنية بذكر العدد 3 بمعنى ان للبنية رتبة ورتبتها هي الثالثة بدلالة عدد عناصرها ( = عدد الحركات في تحليله ) ، كما نجد ان هذه الرتبة وهي توازي الحركة الثالثة في تسلسلها وفي كونها ناتج عن تزامن الحركتين المتناظرتين الاولى والثانية ما يسفر عنه شئ اولي . أي ان الناقة ليس بذاتها بل بحركتها التي انقضّت على الاسى بمغالبته في وجدان الشاعر . فالزمرة اذن اولية لا بالمعنى التراتبي ، او عند مستوى معين قابل للاستمرار بل بالمعنى المفاهيمي الدقيق . زمرة اولية ليس بمعنى زمرة غير معقدة ،بل هذه صفتها ولها ذات الاهمية التي لصفة الزمرة الابدالية على مستوى حزمة المفاهيم .
ينتقل بنا الباحث الى مستوى آخر من التحليل اسماه ( بُعد آخر لنص المرقش وهو البنية التوليدية (Gs3 ) مرة الاخرى الرمز غير موفق وان اختلف مع السابق له برفع الشارحة وليس من دلالة في ذلك . وصف الباحث المكان والزمان كظاهرتين مطلقتين ( هي علاقة بين القبل والبعد ، أي اكتناه لعملية التغيير في صيغة مطلقة لها ) اذ ( تتنامى جزئيات صورة الناقة لتشكل رمزا طاغيا للخروج على الزمنية ) اما المكان ــ الديار الدارسة ــ ( مطلقة ، أي غير محدودة بزمان ومكان او مكان معين ) . ويبرهن في اثناء ذلك ان الزمان لازمني والمكان ليس بمكان جغرافي بعينه . ولكن عند المستوى الاخر من التحليل يقرر لعنصري الزمان والمكان فاعليتهما وحضورهما القوي ، اذ ( بدأ النص تجسيدا حادا لفاعلية الزمن : فاعلية عبور المواسم وانقلابها بحيث تنتج اللحظة الحاضرة التي يفصح عنها الفعل عفا الذي تتزاوج فيه عملية التغير باللحظة الراهنة ، لكن النص استمر يتحرك في الزمن ليكثف عملية التغير في الفعل أمست والظرف بعد … يد ان فاعلية الزمن تكتسب تجسدها الاساسي لا في صورة زمنية فقط ، بل في لغة المكان ، ومن الشائق ان المقدم في النص هو المكان لا الزمان .. وتتنامى التفاصيل المكانية لتطغى على النص : الدار.. رسمها ، الاثافي ومبنى الخيم ، دارا خلاءا ، مقفرة ، بها ، بها ، لهم قباب ، لكنها تظل وجودا غارقا في سياق الزمان ،ولاتنفصل عنه اطلاقا ، بيد ان الدال في النص هو المكان ، كما كنت اشرت ، عائم نسبيا ، لاجغرافي على مستوى الواقع .. وهكذا يمكن القول هو ايضا حركة في الزمان فقط ، قابل للانتماء الى أي لحظة زمنية ) ص(17ــ19).
هنا الباحث يعيد ترتيب بحثه باظهار عنصري المكان والزمان اللذين كان حظهما الاقصاء في تحليله الاول ، ليس بداعي الاهمال أو الغفلة عنهما ، بل أن قراءة جديدة تسمح بالكشف عن بنية أخرى داخل القصيدة . القراءة الجديدة الممهدة لتحليل بنيوي آخر لاينطوي على وجود تناقض. ويكون الامر مقبولا لو وضع العنصرين المذكورين في الحركات الثلاثة المتقدمة حيث ان بنيوية بنية القصيدة اعني شروطها متلازمة مع عناصرها ، وبالتالي يكون من الثابت في الاعتبار العناصر ذاتها ، في كل مراحل التحليل وان لم يحظ جزء منها بخصوصية تتمتع بها ففي مرحلة لاحقة يكون من الضروري الكشف عنها كما هو الحال مع عنصري الزمان والمكان . هذان العنصران ومن سياق التحليل يمكن عدهما مجموعة جزئية من عناصر القصيدة الا انهما عنصران يكثفان عناصر اخرى في داخلهما ما يعني ان التحليل يسمح بتعيين عناصر هي بدورها مجاميع جزئية لو نظر اليها منفردة . فالزمان والمكان يشكلان مجموعة جزئية مزودة بالعملية التزامنية ، وهكذا يستقيم وعي البنية . وحقا انهما يولدان العناصر الاخرى ولكن بمعنى دون معنى اوضحه الباحث فيما اخترت لك من نصه التحليلي . اذن اعادة التصور التحليلي هنا يتطلب فرز زمرة جزئية تكون مولدة وحسب لغة الباحث بنية توليدية . وان الامر فيما يتعلق بهذه الجزئية لايكتفى بتعيين بضعة عناصر لتشكل زمرة انما ينبغي الاستمرار في التدقيق فيما اذا كانت ان العلاقة التزامنية بين المكان والزمان مغلقة؟ واذا كانت كذلك : ما هو نظير المكان ؟ وما هو نظير الزمان ؟ وأي عنصر منهما يمثل محايد الزمرة ، وهل العلاقة التزامنية في هذا النظام الثنائي ، الخاص ، علاقة تجميعية ؟
واضح ان الاجابة على هذه الاسئلة يتوجب ان يكون ايجابيا ومبرهنا عليه، هذا من جهة . ومن الجهة الثانية كيف يمكن استيفاء الشروط التي حملتها التساؤلات المتقدمة بوجود عنصري الزمان والمكان فقط . يستقيم هذا الامر فقط اذا اعتبرنا احدهما عنصرا محايدا( = مراوحا ) الا ان ذلك يوقعنا في اشكال لايمكن الخروج منه بنتيجة صحيحة ، لان في هذه الحالة ستكون النظائر محايدة هي الاخرى وبالتالي سنعود خالي الوفاض من رحلة التحليل لما اسماه الباحث بالبعد الاخر للنص . ونعود مجددا الى ما أقر في التحليل الاول الذي اثبت ومن وجهة نظر دلالية أطلاقية الزمان والمكان معا . والخروج من هذا التناقض يكمن في مركز الزمرة ( الناقة في حركتها الفتية الحرة …) حيث يتكاثف الزمان والمكان معا في جدلية ( الاسى ومغالبة الاسى ) . والبنية التوليدية قد تكون مولدة بوساطة عنصر واحد فليكن الناقة ذاتها . وبهذا الخيار نحصل على بغيتنا .
المكان : دارس ، متهدم . والزمان : ماض افل على ما فيه من حياة نابضة . اما الناقة فانها تعيد جذوة الزمان وتستبدل صورة المكان الواقعي بحركة فتية نابضة بالحياة لتستقطب ما كان من حياة الى وجدان الشاعر . ومن جانب اخر لاتتضمن (الناقة ) كرمز هنا الغاء لحقيقتي الزمان الراهن ــ وقت القصيد ــ والمكان حيث لابد من مرور عربة الزمن على مكان كان سكنا وجغرافية حياة . ففي التحليل النهائي تكون البنية دائرية وهذا يتضمن معنى توليديتها .
ان الكشف عن بنية توليدية للشعر الجاهلي له مكانته المرموقة نظرا للمشتركات في قصائد ذلك العصر. ما يسمح بوضع اطار منهجي عام لايتقيد بآنية قصيدة ما . فالمكان يتصدر شعر ذلك الزمان ، والزمان فيه ذكرى تستجلب اللوعة والحسرة المشوبتين بلذة عيش او عشق قد مضى . على أي حال الباحث في تناوله لقصائد اخرى من الشعر الجاهلي يوظف فيها البنية التي استقرت رؤيته عليها في تحليله المتقدم لقصيدة المرقش الاكبرعادّا تلك الاخرى تمثل المحور السنكروني ( اللاتزامني ) لبحث بنى القصائدالاخرى .
جملة من المفاهيم التي ظهرت في بحث الدكتور كمال ابو ديب لابد من التعقيب عليها .. من بينها ما اسماها بـ “البنية الحلزونية ” كأسم ثان للبنية الدائرية لقصيدة عبدة بن الطيب (ص 31 ) معززا اقتراحه بمخطط حلزوني على هيئة منحينات دائرية متداخلة تبدأ بالراوي فالحكاية الاولى فالثانية فالثالثة . والمقترح ليس له رصيد كما الرسم ايضا فيما يتعلق بالمفاهيم التي اشتغل عليها اللّهم الا اذا كانت الصفة الدائرية للبنية قد اوحت له رسم منحنيات دائرية لتشكل حلزونا هو الاقرب لحلزون هيلكس المعروف في الرياضيات . ان دائرية البنية ليس لها صلة بالدائرة لا شكلا ولا مفهوما . وسنناقش المفاهيم الاخرى في اثناء ما يلي من البنود .
ــــــــــــــــــــــــــــ
الدراسة مبحث من مباحث كتاب (علم البنى ) للكاتب ..

Advertisements