قراءة في (مكانٌ في الظلِّ) للشاعر سامي مهدي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

فضاء اوروكازعم ان القصيدة عند الشاعر سامي مهدي لاتلد إلا بعد طول مخاض ، وطول تأمل . وما تدوين القصيدة عنده سوى مرحلة لاحقة لتأليفها . هذا انطباع اول ظنناه لتفرد كل قصيدة من قصائده بموضوع متفرد هو على الدوام يحايث ابعاد فلسفية إن لم نقل يتناول تساؤلات من جنس الفلسفة .. يختار موضوعات قصائده بعناية ، موضوعات يسكب فيها رؤيته بوضوح ، معتمدا لغة المتيقن ، دون تَكلف . وعلى هذا تتدافع فكرة الموضوع عنده باسلوب ينطوي على تكاثف شديد الابهار ، انه يقول اكثر مما كتب . وللصور الفنية في قصيدة سامي مهدي وظيفة غير معتادة ، انها غير مبهمة ، يجلوها معنى ، مفعم بالحيوية ، وتسمح بالانسياح الى معاني أخر ، متلازمة احيانا ، ومتضادة اخرى ،ويمكن للقارئ المتعلم ـ ناهيك عن المتخصص ـ ان يعثر سريعا على مفاتيحها ومغاليقها عبر تدافع بناء فكرة موضوعه في القصيدة ، تدافعا منتظما يعادل دفق الحقيقة عند الشاعر .
وربما اجانب الحقيقة اذا قلت ان قصيدة سامي مهدي عصية على التأويل ،التأويل الذي يعني امكان تصور بناء نسق مغاير جراء قراءات عدة للقصيدة من قبل قارئ واحد اومن قبل قراء كثيرين .
لست ناقدا ادبيا ولااريد مزاحمة النقاد في جنسهم الادبي ، ولكني وجدت نفسي بازاء قصيدة ( مكان في الظل) امام انتباهة متفردة حول أمر وجودي ،حقيقي ، رغم ان معاينتا المعتادة له تفصح عن هامشيته ، وكونه ملحقا للاشياء والامور الماثلة ، فنعايشه بتصورنا هذا ، ملازما لنا ، لاينفك عنا ،إلا ان سامي مهدي منحه طاقة الوجود الفاعل ، الحي ، بل كشف عن وجوده الاصيل ونفى عنه الانطباع الهامشي والالحاقي . وقد قال لنا الشاعر عنه انه سر من اسرارنا ، لكننا لم نألف حيثياته من قبل كما سطرها في القصيدة ، ان القصيدة فكر مقفى .
ليكن مفتتح ما نريد عرضه من قراءة للقصيدة ( مكان في الظل) ما قاله الشاعر نفسه عن الظل في حياته ، يقول : ( كثيراً ما كنت أتأمل ظلالي ، وظلال الآخرين ، وظلال الأشياء ، وأرى فيها ظاهرة عجيبة ولغزاً من الإلغاز ، بغض النظر عن تفسيرها الفيزياوي .) ولنطالع :

اولا القصيدة :

(( مكان في الظل )) الشاعر سامي مهدي

في الظلِّ تزدحمُ الدقائقُ والثواني
في الظلِّ تتَّضح الأماني
في الظلِّ تبدأُ أوّلُ الأشياءِ دورتَها ، وآخرَها ،
وتكتملُ المعاني .

في الظلّ كان السر ُّ،
كان الخلقُ ، كان لنا مكانْ
في الظلّ تبتكرُ الحياةُ طريقةً ،
للعيشِ في حمّى الرهانْ
والموتُ يبتكرُ المدافنَ
ثم يملأها ،
ويخليها ويملأها ،
ويمضي في الزمانْ .

في الظلّ يغدو اللونُ ألواناً ،
ويغدو الشكلُ أشكالاً ،
ويشتبك البعيدُ مع القريبْ
في الظلّ تُطلقُ خيلَها الرغباتُ ،
تنفث ما تخمَّرَ في القلوبْ .

في الظلّ نبني ما نشاءْ
مدناً ، قصوراً من محارِ
وقرىً مجنَّحةً تطوّفُ في البراري
وهناك نطلقُ من سجونِ النفسِ ،
نطلقُ ما نشاءُ من الكواسرِ والضواري .
وكلاعبِ الشطرنجِ نجعلها يصارعُ بعضها بعضاً ،
ويقتلُ بعضُها بعضاً ،
ونمعنُ ، نحن نمعنُ في التلذّذ ،
في التطهّرِ ، في الفرارِ .

للظلِّ ذاكرة عميقه
للظلّ ذاكرة دقيقه
تنحلُّ خيطاً بعد خيطٍ ،
وهي تنسجُ رغبةً أخرى
وتبحثُ للمصائرِ عن حقيقه .
ـــــــــــــــــــــــ
سامي مهدي ـ مجموعة ( بريد القارات ) عام 1989

ثانيا : حواء القصيدة ـ بنية القصيدة
مطلع القصيدة في مقطعها الاول ـ اذا صح التعبيرـ يرسم الشاعر شيئيةالظل ، ويحدده ، ونرى في هذا ان الظل عنده (( حواء))(1) مكتمل للحياة (( في الظلِّ تزدحمُ الدقائقُ والثواني)) ، فالظل حياة ، ولكنها ايضا حياة الانسان ((في الظلِّ تتَّضح الأماني )) ، الاماني قرينة للانسان ، وللوجود الانساني ذاته ، والظل ليس هامشيا حيث (( في الظلِّ تبدأُ أوّلُ الأشياءِ دورتَها ، وآخرَها )) … وتكتمل ذروة بناء حواء الظل بوصفه الحياة (( وتكتملُ المعاني )) …
ان اقوى الادلة على الحياة هو الزمن ، فالظل يستولي على الحياة كلها ، ويلتقط الشاعر كيفية ملازمة الظل للانسان ، ملازمة تكوينية ، حيث فيه تبدأ اول الاشياء دورتها وتتضح الاماني وتكتمل الاماني . فالظل ليس ظاهرة فيزيائية عند الشاعر فحسب وانما حقيقة الوجود .. والوجود الانساني جزء منه .
والخلاصة ان الظل حواء لاوليات الحياة : الزمن ، بداية الاشياء . وهذا الحواء بدوره يتضمن حويات (دورة الاشياء) و(اكتمال المعاني) ..
ليس هذا نهاية المطاف فالمقطع الاول يسمح بقراءة اخرى نجتهد في بنينتها . فنحن بازاء بنية تظل قائمة في القصيدة حتى نهايتها فيها :
ـ حركات موجبة، بناءة (( في الظلِّ تزدحمُ الدقائقُ والثواني))
ـ واخرى متضادة ، التضاد ملازم لها ( دورة الاشياء)) ، ودورتها بنهايتين دون شك .
ـ وثالثة محايدة (( وتكتملُ المعاني )) ..
في المقطع الثاني يفصّل الشاعر الحواء الاول ، يؤكد اطروحته الاولى بإجلاء صور ووقائع حويات الحواء الاول :
((في الظلّ كان السر ُّ،
كان الخلقُ ، كان لنا مكانْ
في الظلّ تبتكرُ الحياةُ طريقةً ،
للعيشِ في حمّى الرهانْ
والموتُ يبتكرُ المدافنَ
ثم يملأها ،
ويخليها ويملأها ،
ويمضي في الزمانْ .))
لنلاحظ الاستطرادات الاتية الموصولة ببعض بين المقطعين الاول والثاني ( ثمة انتظام متين )

ـ ((في الظلّ كان السر ُّ،كان الخلقُ ، كان لنا مكانْ))
محتوى في ((في الظلِّ تزدحمُ الدقائقُ والثواني)) من المقطع الاول .

ـ ((في الظلّ تبتكرُ الحياةُ طريقةً ،
للعيشِ في حمّى الرهانْ ))
محتوى في ((في الظلِّ تتَّضح الأماني)) من المقطع الاول .
ـ ((والموتُ يبتكرُ المدافنَ
ثم يملأها ،
ويخليها ويملأها ،
ويمضي في الزمانْ .))
محتوى في (( في الظلِّ تبدأُ أوّلُ الأشياءِ دورتَها ، وآخرَها)) من المقطع الاول .
واذا واصلنا القراءة على هذا النحو فنخلص الى ان القصيدة حواء لثلاثة جذور كل منها حواء يحتويه الحواء الاول ، وكل حواء من الحويات تتضمن حواءات بدورها .. وهكذا تعود الحقائق كلها الى حواء مركزي في الرؤية وتنشد اليها بانتظام ، وهذا يفصح عن رؤية فكرية واضحة ، قدمها السرد الشعري بفن يكثف المعنى ويسمح بقراءة اكثر غنى ولكن دون تأويل .
ان القصيدة مكتملة البناء من حيث انها بنية دائرية ، وانها حواء يتسع لحواءات متضمنة بدورها في حويات اخرى .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحواء مثول للاشياء على النحو الذي يتضمن بدوره حواءات لانهاية لها ، وان كل حواء يتضمن بدوره في الاقل حوائين يتواجدان في الشئ ، وليس بالضرورة ان يظهرا معا ، فقد يختفي احدهما ويظهر الاخر ، وقد يظهر احدهمات بقدر ويظهر الاخر بقدر آخر ، فعلاقتهما علاقةتناف بارجاء ، كالجسد مثلا حواء للصحة والمرض ، والعين حواء للبصر والعمى ، وهلمجرا .
ان فكرة الحواء ، ومنطق الحواء فكرة نحتفظ بامتياز الكشف عنها وقد نشرنا في الموقع شيئا عنها ، وسننشرها بنسختها الرياضياتية قريبا . والفكرة لاتزاحم ولاتنفي فكرة البنى او ما عرف في البنيوية إلا انها تستوعب البنية اجمالا بكل تجلياتها .

Advertisements