زهرة لوز (الجمرة والشآم والغيمة ) ـ سامي الكيلاني

سامي الكيلاني حين تكون قابضاً على جمرتك بكل الحب والألم، تضْيَقُّ الدنيا من حولك بالفعال الشائنة للبعض، حتى ليخيل لك أن الجمرة قد أكلت كفك ووصلت منها إلى تلك الكتلة الصامدة في قفصك الصدري لتحاصرها وتعتصرها. فجأة يشرق من الجمرة ذاتها نور يبدد الألم تلحقه مواكب غيوم تمطر العالم من حولك بغيث يجعل النيران التي تتقد فيك وحولك برداً وسلاماً. بين النيران اللاهبة وخيوط المطر لحظات، ساعات، دهور طويلة من الألم، لا تقاس بزمن الساعة التي على معصمك أو بالعقارب الفسفورية لتلك الساعة التي تضعها قرب سريرك لتدلك على الوقت في الظلام بين صحوة وأخرى في الليل حين يجافيك النوم، والليل يجافيك هذه الأيام لأسباب كثيرة…
شآم يا شآم من ينجيك من كل الشرور والأشرار من كل لون ولون دفعة واحدة، من يلقي على حرائقك ماء البرد والسلام، حرائقك التي تكوي أبداننا عن بعد كما تكوي جلود الأطفال وتحرق الياسمين وتلبس سوق الحميدية وساحة المرجة سواد الموت والحداد، من يجعل الغيث يسقط عليك مدراراً، غيث الخلاص من المحنة ويطفئ النيران ويجعلها برداً وسلاماً على كل إبراهيم من الأطفال والشباب والنساء والأطفال. دمشق الحرائق يا زكريا تامر، لم تعد مجرد حرائق الألم من الفساد والمتنكرين للأم الشآم والضيعة، صارت حرائق حقيقية في جسدها وفي ثوبها وشالها، صارت تنادي “من يلقي عليّ بردة تستر العورة، أنا شآم أمكم”. شآم يا محمد الماغوط لم تعد تحتمل غضبك عليها، غضب المحبة والقهر، صارت تلك العجوز التي طلبت بقتلها مصلوبة على كل جدار وجدار، ولكن الذين صلبوها اليوم لم يفعلوا مثلك حين طلبت أن يسملوا عينيك قبل أن يقتلوها، وبردى صار طفلاً يشحذ قطرة الماء النظيفة يا ماغوط ، ومزحتك الثقيلة “سأخون وطني” أخذوها حرفياً فخانوه من أجل الكرسي ومن أجل دين لم ينزل به وحي ولحى لا وقار فيها ولا تستحق غير تلك الأمنية، أن تكون حشيشاًً للخيول وللخراف.
شآم بعض أسباب مجافاة النوم، ولمجافاة النوم في هذا العمر وهذا الزمان أسباب كثيرة،
حين تكون قابضاً على جمرتك يسألونك أحياناً وهم يرون حالك عبر الحال الذي عمّ وطمّ، أو يرون الحال الذي عمّ وطمّ من شباك حزنك في العين أو في الجبين المقطب، يسألونك بحسن نية، أو بطيبة قلب تقترب من السذاجة، أو بانتهازية، أو بتشفٍّ مغطىً بطبقة رقيقة من المراءاة التي لا تستر ما تحتها “ألست نادماً على ما سلخ من عمرك في سبيلها تلك التي تدعى قضية؟”، تماماً كما سألك ذلك الضابط ذو العيون الزرقاء في مكتبه المدفأ بعد أن ناداك من صالة الانتظار القطبية البرد، استرخى في كرسيه وتأملك وسألك بلؤم مغطى بموضوعية مصطنعة “لا أريد أن أقول لك لو كنت إلى جانبنا كم تكسب، ولكن لو لم تقف ضدنا فكم كنت ستوفر على نفسك؟”، هل كان يعلم حالك والمنفضين من حولك، هل كان يعلم أن مؤسستك قد أوقفت راتبك لأن فيها قانوناً متخلفاً يعاقبك بلقمة الخبز زيادة على عقوبة الإقامة الجبرية التي يفرضها عليك الاحتلال؟ اشتعلت الجمرة في كفك، كاد أوارها يصل دماغك، لكن غيمتك الحبيبة لم تتأخر، أمطرت برداً وسلاماً، تنفست بعمق ورددت له المكيدة بسهم من غيمتك الكريمة “أنا سعيد في حياتي وربما أسعد منك”، أعادك إلى غرفة الانتظار القطبية البرد بعد أن رطن لزميله شيئاً، هل قال له مثلاً “هذا العنيد يستحق ما يحصل له”، ربما، ولم يطل الأمر فرمى لك بهويتك وقال انصرف.
لست نادماً، الجمرة من هذا النوع لا تجرّ إلى متاهات الندم، إنها الجمرة العزيزة الأصيلة في وجهها الآخر، لكن الحزن يأتيك موجات موجات وأنت ترى الحال وترجمة السؤال “ألست نادماً؟” في تلاوين العلاقات والسلوكات. تلتمس لطيّبي النية أعذاراً، لأنك إن أوغلت في اللوم والتقريع ستغذي جمرة الألم، وتشيح بوجهك ما أمكنك عن سيئي النية. جمرة السؤال لا تقل عن جمرة الانفضاض، كلاهما مؤلم، ينفضون من حولك خوفاً، تتفهم أن الخوف قيد على الرجلين واليدين وقيد على اللسان، لكنه أيضاً يفضي إلى اشتعال الجمرة الكاوية. تفرض الانفضاضات التي كانت في الأزمنة الصعبة نفسها أحياناً على ذاكرتك حين ترى انفضاضات الحاضر عن الحق، انفضاضات تلك الأيام وجدتَ للكثير منها أعذاراً حين التمست لها الأعذار، ولكن انفضاضات هذه الأيام أصعب. تتذكر بعض قصص الانفضاض، تتذكرها أشباحاً بعيدة لم يعد في جمرها بقايا تكوي كفك، لكنها ندبة تزعجك أحياناً فترسم منها لوحات صغيرة ليس لتخليدها بل إنصافاً لغيمتك الحنونة التي كانت تطفئ احتراقها في الكف القابضة. فتحي الذي جاء ليدرّس الموضوع الذي كنت تدرّسه، توظف مكانك بعد اعتقالك، خاف أن يقول لأحد أنه كان يعرفك، كنتما صديقين في الجامعة وفي القسم نفسه، وكان عضو الهيئة الإدارية للجمعية التي كنت رئيسها، عمل سنة كاملة وطار إلى أموال الخليج دون أن يذكر لأحد من الزملاء أنه يعرفك. وابن العم الذي ذهبت لتدعوه احتفالاً بزيارته القرية من الغربة، دعوة على الغداء كما هي العادة، حاول والده التملص بأدب وشكر، ولكنك ألححت بالدعوة فقبلها مستبدلاً إياها بعشاء، حتى يأتي بيتك في الظلام، فهل كان يردد في نفسه كلمات أغنية نجوى كرم قبل أن تغنيها بعقود طويلة “الليل بيستر العيوب”. وذلك الزميل الذي كان في رسائله من خلف المحيط يذكّرك بأيام الجامعة الجميلة والصداقة ويتمنى العودة لتلتقيا في الوطن، عاد وعمل سنين في الوطن ولم يصلك أو يتصل بك في إقامتك الجبرية.
ترسم الصور القديمة بحزن قليل على تفاصيلها، وبفرح وردي كثير ومحبة شفافة نقية لكل الذين كانوا يطلقون الغيوم الماطرة التي تطفئ تلك الجمرات الكاوية. ثم تستدير لتحزن كثيراً على الجمرات الحالية في كفك وتستنجد بكل حلاوة الماضي لإسناد غيمات الحاضر لتمطر ما يكفي لإطفاء هذه الجمرات.
11/9/2013

Advertisements