إنتشار اللــّغة العربية، وثقافتها قديمـاً وحديثاً ،السـّياسة اللــّغوية في الدّول العربية والإسلامية ،أزمة الهـوية والوجــود ـ أ. د. محمد عبـد المطلب البـَكــّاء

أ.د. محمد عبد المطلب البكاء

أ.د. محمد عبد المطلب البكاء

      إنتشار اللــّغة العربية، وثقافتها قديمـاً وحديثاً
السـّياسة اللــّغوية في الدّول العربية، والإسلامية
أزمة الهـوية والوجــود

   المؤتمر الدُّولي للـّغة العربية – جامعة إندونيسيا ، إندونيسيا
ديبوك – كليـة العلـوم الإنسانية 3- 5 /10/ 2013

أ. د. محمد عبـد المطلب البـَكــّاء
كلية الإعلام – جامعة بغداد/ العراق
عضو المجلس الـدُّولي للغة العربيــة – بيروت

                   تمهيــد:

إنَّ دراسةَ موضوع السّياسة اللغوية( أزمة الهوية والوجود) في مثل هذه الظروف الحرجة، والخطيرة التي تجتازها الأمة العربية، والإسلامية ليست من السهولة بمكان، في ظل تداعي الأمن القومي لكثير من بلدان عالمنا العربي، والإسلامي، واحتلال بعضها الأخر بشكل مباشر، أوغير مباشر، والذي لاينكر أثره في التأثير، والتأثر في رسم السياسة اللغوية، من هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر في محاورة الأربعة، إذ يرى علماء اللسانيات: أنَّ اللغة والهوية شئ واحد، فإذا كان حدُّ اللغة عند علمائنا العرب، والذي عبر عنه ابن جني، بالقول: ” أما حدّها (فإنها أصوات) يعبـّر بها كل قوم عن أغراضهم”(1).فإن المقصود بـ( الهـَوية)، هنا هوية الفرد، وهوية المجتمع، ولهذا يمكن تأسيس الكيانات الاجتماعية والسياسية على أساس لغوي، ومن هنا تأتي خطورة المكون اللغوي في تحقيق أو زعزعة الاستقرار السياسي للمجتمعات ،ولعل من أكبر المشاكل السياسية في العالم المعاصر تلك المتعلقة بالصراع العرقي، والذي لا يبعد كثيراً عن المسالة اللغوية حيث يحصل في المخيال الجمعي للأمم تماه خطير بين العرق والوحدة اللغوية.

إنَّ مصطلح ( اللغة والهوية) يتداخل مع عدد من المفاهيم التي تساعد في جلاء المعنى أحياناً، أو تعقيده في أحيان أخرى، وذلك بسبب كثرة مجالات الاستخدام، مثل: الثقافة، والسياسة، وعلم النفس، والمنطق،والإجتماع، وغيرها من المعارف، مما يقتضي البحث عن جذر يمكن تطويعه، للإيفاء بهذا المصطلح، لأن المعاجم اللغوية القديمة لا تقدم معنى شاملاً يعبر عن واقع الهوية، إلا أن معاجم لغوية حديثة، قد أشارت الى أن ( الهويـة) تعني: الـذات. أو أنها: حقيقة الشيء،أو الشخص التي تميزه عن غيره، وهذا لا يختلف كثيراً عن تعريف بعضهم ، لأنها كما يرى: عملية تمييز الفرد لنفسه عن غيره، أي: تحديد حالته الشخصية، ومن السمات التي تميز الأفراد عن بعضهم، كالإسم، والجنسية، والسمة، والحالة العائلية، والمهنة…الخ .
وهذا ما عقدنا العزم عليه- بعون الله- في هذا البحث الذي لابد من الإشارة إلى انه لايتجه إلى دراسة الأزمة بالعمق الذي تستحقه طبيعتها ،ولا بالتحليـل الذي تتطلبه جوانبها المتعددة ، وإنما بهدف وضع (السياسة اللغوية) في دائرة الاهتمام للأسباب التي سنشير إليها في هذا البحث،وتقديم إنموذج يمكن الاستدلال في ضوئه لتنمية السياسة اللغوية لدفع حركة المجتمع إلى أمام (التقدم الحضاري)،. ومن الواضح أن هذه الحركة ذات طابع جماعي، ناتج بالضرورة عن حشد هائل ومتنوع من ألوان التـَّقدم الفردية مما يؤكد حضور، وفاعليتها.

إنَّ مـا نشهده اليـوم من كمٍّ هائل من الدراسات، والكتب، والمقالات التي تتناول موضوع اللـّغة، والهـَوية دليل على أنهما أصبحـا:بؤرة السؤال،ومدار السجال في الأوساط الفكرية،واللغوية،والسياسية، والذي يعكس تباين وجهات النظر بين الإسلاميين، والقوميين، والتيار الماركسي الأرثوذكسي على سبيل المثال لا الحصر. وبرغم هذا التباين، والتساؤل لا يعـدم الجهـد الذي بُذل في تشخيص هويتنا القومية التحررية التي لاتلوذ بالماضي إلا بقدر ما يمكنها من استشراف المستقبل،ذلك أن الشعور بالهوية القومية التي أصبحت منذ القرن التاسع عشر قوة تغيير حافزة على النهوض، والتقدم، والإستقلال، وأن هذا الشعور بالقومية العربية، وبالأمة العربية الواحدة هو الذي أطلق الحركة التحررية العربية ضد سياسة التتريك التي كانت قائمة حينذاك، على الرغم من أن الشعورعند العرب عميق الجذور من الناحية التاريخية، إلا أن التعبير الحديث عن الإنتماء العربي قد تأثر بالتيارات الفكرية الغربية التي وجدت طريقها الى المنطقة العربية بعد الثورة الفرنسية( (Révolution française) التي اندلعت عام 1789 وامتدت حتى 1799، وغزوة نابليون لمصر، والساحل السوري(19 مايو 1798 )، ولكن ذلك لم يقلل من الإيمان من أن الشعور القومي، والإعتزاز بالهوية القومية، المنطلق من فرضية وحدة الأمة العربية، يشكل قوة أساسية للحفاظ على وجودهـا في عصر العولمة، لأنها القوة الكامنة التي نلجأ اليها، والحصن الحصين لإثبات الذات، ومقاومة التشرذم، وهذا ما عقدنا العزم عليه- بعون الله- في هذا البحث الذي لابد من الإشارة إلى انه لايتجه إلى دراسة الأزمة بالعمق الذي تستحقه طبيعتها ،ولا بالتحليل الذي تتطلبه جوانبها المتعددة ، وإنما بهدف وضع (هوية الأمة، ووجودها) في دائرة الاهتمام للأسباب التي أشرت في توطئة هذا البحث،وتقدم إنموذجا يمكن الاستدلال في ضوئه لتنمية الجانب الثقافي والمعرفي لدفع حركة المجتمع إلى أمام (التقدم الحضاري)، ومن الواضح أن هذه الحركة ذات طابع جماعي، ناتج بالضرورة عن حشد هائل ومتنوع من ألوان التقدم الفردية مما يؤكد حضورها، وفاعليتها، ولكــنَّ ذلك لم يقلل من الإيمـان من أن الشعور القومي، والإعتزاز باللغـة العربيـة،والهويـة القومية، كان المنطلق من فرضية الإيمان بوحـدة الأمة العربية التي يجمعها (لسان الضـاد)، بما يشكل قوة أساسية للحفاظ على وجود ها في عصر العولمة،ورياح التغيير التي تستهدفها، لأنها القوة الكامنة التي نلجأ اليها، والحصن الحصين لإثبات الذات، ومقاومة التشرذم، برغم أن السـّياسة اللغويـة، هـي : عبارة عن نـوع من التعامل الرسمي لأجهزة الدولة مع اللغـة القوميـة،أو اللغات المستعملة داخل كيان سياسي معين. فاعتبار العربية لغة رسمية (دستورياً)في جميع بلدان العالم العربي يجب أن لايحول – كما نرى- من منح اللغات الكردية، والتركمانية، والأمازيغية ،والأقليات الأخرى مثلاً بعض حقوقها اللغوية المشروعة بما يدخل في إطار السياسـة اللغويـة من منظار التنوع، لا التجزئـة،والفرقـة، كما أن اعتماد )الملاوية( مثلاً من قبل الحكومة الماليزية لغة رسمية للبلاد مع السماح للمكونات اللغوية الأخرى باستعمال لغاتهـا في مدارسها الخاصة يـُعـدُ من قبيل السياسة اللغويـة التي أشرنا إليها،ولعلنا لا نذهب بعيـداً بالقول: أنه ليس من الضروري أن تكون السياسة اللغوية منصوصا عليها في القانون حتى تعد سياسة لغوية بل يكفي العرف المتداول في دولة ما لتحديد نوع السياسة المتبعة. لذا سيتضمن البحث مبحثيـن، هما:

            المبحث الأول: اللغة،والهوية.. صراع تاريخي،وحراك سياسي- إجتماعي.

  اللّغة: اللُّسْنُ، وهي فُعْـلةٌ من لَغـَوْتُ: أي تكلمت. وأصلها لُغـْوة، وقيل: أصلها لُغـَيٌ، أو لُغَوٌ، والهاء عوض، والجمع في (المحكم): لغات، ولُـغـُون، والنسبة: لُـغَوِيٌّ.(2)، وإذا كان ابن جني قد قال في حَدِّها: أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم(كما مرَّ بنا)، فإن ابن الحاجب يرى أنَّ:”حَدَّ اللغة كُلُّ لفظ وضع لمعنى“.(3) ورأى معظم الباحثين التقليديين:أن اللغة وسيلة إنسانية لتوصيل الأفكار، والانفعالات، والرغبات، عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقة إرادية. وردد بعض الباحثين:أن اللغة قد تستعمل لإخفاء الفكر،وصارت عبارة (تاليران): “إن اللغة كائنة لتخفي أفكار الإنسان”عبارة مشهورة في الدراسات اللغوية. ثم رأى باحثون مجددون من أمثال ((مالينوفسكي)) : أن اللغة جزء من السلوك الإنساني، ونوع من العمل ، وليس مجرد أداة تعكس الفكر ، وأن وظيفتها ليست مجرد وسيلة للتفاهم أو التوصيل(4).وذهب فريق من العلماء إلى تفسير اللغة على أساس نفسي وعقلي، ورأى:أن اللغة استعمال رموز صوتية منظمة للتعبير عن الأفكار،ونقلها من شخص إلى آخر، ومن مؤيدي هذه المدرسة (سابير).( 5).وقيل هي: وسيلة الإتصال المباشر بين البشر عن طريق الألفاظ،أو الأصوات الوضعية العرفية التي تدل على المعاني،وتختلف باختلاف العصور،والشعوب.وتتأثر اللغة بحضارة الأمة، ونظمها،وتقاليدها،وعقائدها،واتجاهاتها.فكل
تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي يتردد صداه في أداة التعبير(6). ونظر علمـاء المجتمع إلى اللـّغة باعتبار وظيفتها
الاجتماعية، فعرفها العالم الأمريكي(دجار ستيرتفنت) أنهـا:(نـظامٌ من رمـوز ملفوظة، بواسطتها يتعـاون ويتعامـل أعضاء
المجمـوعة الإجتماعيـة المعينـة). (7).
وقيل هي :وسيلة للتواصل وتعريفها النفسي هو :”نظام تقليدي من الإشارات المعبرة تعمل سيكولوجيا في الفرد كوسيلة للتحليل والتركيب الإرادي،واجتماعياً كوسيلة للتواصل،وإِذَنْ تكون وحدة اللغة في الجملة..”(8).
وقال ابن خلدون من قبل:” اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارةُ المتكلم عن مقصوده،وتلك العبارة فعلٌ لسانيٌ ناشيءٌ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بدََّ أن تصير ملكةً متقرّرة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان”. وأضاف:”اعلم أنَّ اللغات كلها ملكاتٌ شبيهةٌ بالصناعة،إذ هي ملكات في اللسان، للعبارة عن المعاني وجودتها،وقصورها بحسب تمام الملكة،أو نقصانها.وليس ذلك بالنظر إلى المفردات،وإنما هو بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت الملَكةُ التامة في تركيب الألفاظ المفردة، للتعبير بها عن المعاني المقصودة، ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلم حينئذٍ الغاية من إفادة مقصوده للسامع”.(9).

أن تعريفات اللغة هذه بقدر ما تلتقي لتزيد كنه (اللغة) وضوحاً إلا أنها تفترق بحسب وجهة نظر كل علم إليها. فالفلاسفة وعلماء المنطق المعاصرون مازالوا يعتمدون مقولة أرسطو في (أن اللغة رمز للفكر)، في حين أن وظيفة اللغة تتعدى ذلك إلى كونها أداة لنقل الأفكار.ولكننا نرى: أن أفضل تعريف للغة بمعناها العملي، هو تعريف علماء الاجتماع الذي يلتقي، وما قدمه العلماء العرب من تعريفات للغة لأنها رموز صوتية تنبئ عن مدلولات خاصة للتعبير عما يحتاج إليه الإنسان في حياته. فاللـّغة إذن: نظام عرفي لرموز صوتية يستغلها الناس في إتصال بعضهم ببعض، وهذا التعريف مع إيجازه يتضمن أموراً أربعة نشير إليها بإيجاز، هي :

أ‌-النـِّظام:للغة نظام تخضع له،وقواعـد مقررة،فليست فوضى،وليست تتألف من أشياء لارابط بينها،فلها نظام معين في توزيع أصواتها،ونماذج محددة في بناء كلماتها وجملها،ولولا هذا النظام ما تحقق لها هدف،وما استحقت أن تكون مجالاً للدراسة،وقد اتضح هذا النظام في أكثر اللغات بدائية،وفي البيئات التي لم يتح لها نصيب من الحضارة.

ب‌- عرفية اللـّغة:اللّغـة يحكمها العرف الإجتماعي لا المنطق العقلي،ومع أن اللغة ككل سلوك اجتماعي يحكمها العرف، فهناك عرف متأصل الجذور مرَّعليه زمن طويل قد يحسب بالقرون،وآخر حديث نسبيا لايكاد يجاوز عشرات من السنين، فليس العرف في المناسبات الإجتماعية كالعرف في اللغة، من حيث تأصل الجذور وحرص الشعوب عليه ،فالعرف اللغوي قد يكتسب مع الزمن ما يشبه القداسة، ولاسيما بعد أن نزلت باللغة الإنسانية الكتب المقدسة، وكتبت بها روائع الأدب.

ت‌- الأصوات: أوضح مظاهر اللغة أو مقوماتها الأصوات ، تلك التي تنظم فتتألف منها الكلمات، ثم الجمل والعبارات ، وقد أصبحت الآن أصوات اللغة محل دراسات مستفيضة وتجارب معملية كثيرة ، وقد اتخذ الإنسان هذه الأصوات منذ آلاف السنين بمثابة وسط تنقل خلاله الأفكار، والأحاسيس وكل ما يجول في الذهن، وليست هذه الأصوات التي تؤلف منها الكلمات والجمل إلا رموزاً أحلها الإنسان بموهبته الخلاقة محل الأفكار، والخواطر.ذلك لأن الرمزية هي العمل الأساسي في الفكر الإنساني، فتستطيع عقولنا أن تحول كل تجاربنا في الحياة إلى رموز، وتلك هي إحدى الصفات التي يتميزبها الإنسان عن الحيوان.

ث- المجتمـع الإنساني:وهو بالنسبة للـّغـة كالتـُّربة بالنسبة للزهرة أوالحبـة. فالحبـة تكمن فيها بذرة الحيـاة، ولكنها لا تنبت إلا في التـربة،وكذلك اللـّغة في الإنسان ،إذ يولد المرءُ مستعداً للنطق والكلام، ولديه أجهزته وأعضاؤه،ولكنه وحده منعزلاً عن الناس لاينطـق، ولا يتكلم ولا تنشأ له لغـة. ونحن نلمس مظاهر هذا الإستعداد لدى الإنسان في صيـاح الوليد ومناغاته، فتلك هي بـذرة اللغة أو القدرة على الكلام، ولكنها لا تنمـو إلا حين تتوفر للمرء الحياة في مجتمع. فالإنسان مستعد بفطرته للكلام،ولكن هذا الاستعداد لايظهر له أي أثر إلا في المجتمع الإنساني.

لذا لا غرابة في أن نرى اللغويين المحدثين يجمعون على أنه لا وجود للغة إلا في مجتمع إنساني.أما ما نسمع عنه في بعض الأحيان من أن للحيوان لغة فليس في الحقيقة إلا من قبيل التجوز،فلا تؤلف تلك الأصوات الفطرية المحدودة العدد التي نسمعها من أذكى أنواع الحيوان وأرقاها لغة أو ما يشبه اللغة، لأن اللغة لا تعمق جذورها إلا في التربة العامة التي منها تستمد منها غذاءها. هذا إذا قدر للغة ألا تموت وتندثر كما اندثرت تلك اللغات القديمة التي انقطعت صلتها بكلام الناس وخطابهم.ومن المسلم به بين اللغويين الآن أن المرء يتعلم الكلام لا عن طريق الغريزة أو الإحساس الداخلي ، بل يتعلمه من المجتمع الذي ينشأ فيه (10).

وقال أبو الحسن الجرجاني في كتاب (التعريفات): “اللغة هي ما يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”(11). وهذا هو حدها عنـد ابن جني كما ذكرنا. ويرى (ج فندريس): أن اللـَّغة فعـلٌ اجتماعي من حيث أنها استجابة لحاجة الاتصال بين بني الإنسان(12). لا فرق أن تكون الحاجة عامة لتمشية أمور الناس في حياتهم المختلفة أو خاصة للتعبير عن الأفكار التي تجول في ذهن الفرد. إنّ كلتا هاتين الحاجتين يحتاجهما الإنسان، وعلم اللـّغة بشكل خاص الذي يسعى لتحقيق وظائفه الأساسية: في التواصل الإنساني، والتعليم، والتنشئة الاجتماعية.

أما هـوية الأمـة، فهي: الحقيقة المطلقة ( أو الحـق المطلق عند المتصوفـة)المشتملة على الحقائق التي لا يمكن تجاوزهـا، أو التقليل من ِشأنها، أو إنكارها، لأنها كإشتمال النـَّواة على الشجرة في الغيـب المطلق .(13) .
وبرغم هذا فإنَّ مصطلح ( الهـوية) يتداخل مع عدد من المفاهيم التي تساعد في جلاء المعنى أحياناً، أو تعقيده في أحيان أخرى، وذلك بسبب مجالات الاستخدام، مثل: الثقافة، والسياسة، وعلم النفس، والمنطق،والإجتماع، وغيرها من المعارف، مما يقتضي البحث عن جذر يمكن تطويعه، لأن المعاجم اللغوية القديمة لا تقدم معنى شاملاً يعبر عن واقعها، إلا أن معاجم لغوية حديثة، قد أشارت الى أن ( الهوية) تعني: الذات .أو أنها: حقيقة الشيء،أو الشخص التي تميزه عن غيره، وهذا لا يختلف كثيراً عن تعريف بعضهم، لأنها كما يرى: عملية تمييز الفرد لنفسه عن غيره، أي: تحديد حالته الشخصية، ومن السمات التي تميز الأفراد عن بعضهم، الإسم، والجنسية، والسمة، والحالة العائلية، والمهنة…الخ . (14). وهذه في تقديري تعريفات لن تضيف شيئاً، لما هو شائـع ، ومتداول في الجانب اللغوي، إلا أن الفلاسفة قد أسهموا بتعريف الهوية أكثر من اللغويين، فـ (الهويــة) التي هي منسوبة إلى (هـو)، هي: ما يعرف الشيء في ذاته ، دون اللجوء إلى عناصر خارجية لتعريفـه،ويستعمل للدلالة على الماهيـة،والجوهر أيضاً، أما عند علماء المنطق، فإنها تشير إلى معنيين، همـا:

1- التـَّساوي، أو التـَّشابه المطلق بين كمين، أو كيفين، وهنـا تعني التـَّوافق.
2- أن يكون الشيء ثابتـاً لا يتغـير بما يعتريه، أو يعتري ما يحيط بـه، وهنا تعني الثبوت .

جاء في ( الموسوعة الفلسفية العربية): أن الهوية كلمة (مولدة) اشتقها المترجمون القدامى من الـ( هو) لينقلوا بواسطتها إلى العربية، كما يقول الفارابي: المعنى الذي تؤديه كلمة (سست) بالفارسية، وكلمة( استين) باليونانية، أي: فعل الكينونة في اللغات الهندوأوربية،الذي يربط بين الموضوع،والمحمول، ثم عدلـوا عنها، ووضعوا كلمة ( الموجود) مكان الـ(هو)، بالذات حيـن يكون الشيءُ هـو نفسـه ، أومثيله من كل الوجوه، الإستمرار، والثبات، وعدم التغير.( 15).

ولعل من اللافت للنظر، أن مصطلح ( الهوية) يتداخل مع مصطلحات عديدة، مثل (الخصوصية) بالذات حين يكون الحديث عن قيم، ومبادئ عامة، وإنسانية، مثلما نلاحظ في نقاشات حقوق الإنسان على المستويات الدولية، والإقليمية، والمحلية، والاعتراض، بسبب أن مفهوم( الخصوصية) يستدعي مباشرة وجود هوية مختلفة، مما يتطلب سلوكاً، وردود فعل مختلفة، أو حتى مقاومة لما يمكن أن يعتبر تهديداً للهوية بسبب غزو ثقافي مثلاً. فمع نهاية الخمسينات انبثقت إشكالية نقدية للهوية الإثنية، إذ نتج عن سياق التحرر من الإستعمار، والصراعات من أجل الإستقلال، وكذلك التوزيع الجغرافي الجديد، ومطالبة الأقليات بالإستقلال، أن واجه الأنثروبولوجيون ظروفاً جديدة للعمل الميداني مرتبطة بالتحضر مثلاً، وسياقات إقتصادية، وسياسية جديدة، وشركاء أيضاً.( 16)

لذا فقد رأى البعض:( صعوبة تحديد، وتعيين الهوية، أو الخصوصية على صعيد الواقع)، وبالتالي اعتبر الكثيرون: أن مفهوم الهوية مصطلح إيديولوجي أكثر منه علمي، وذلك لأن الهوية يمكن التعبير عنها أو تجسيدها من خلال: الدين، أو اللغة، أو الدولة الوطنية، أو القومية. وكل هذه خصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها، وتوظيفها، لذلك يمكن لمجتمع واحد أن يبدل البعض (هويته) حسب المراحل المختلفة تاريخياً، ووفقاً للظروف الحاكمة. ومثال ذلك: التاريخ العربي المعاصر، حيث أثرت الايديولوجيا على تحديد الهوية. فالأمة التي كانت مقتنعة( وما زالت) بحتمية سيادة القومية العربية، ورآها البعض رسالة خالدة للأمة منذ أكثر من قرن، يتردد الآن بين بعضهم شعار: الإسلام هو الحل.أو أن القومية أصبحت الآن شيئا من الماضي، ومع ايماننا من أن الأمة هي: مجموعة بشرية تكوَّن تآلفها، وتجانسها القومي عبر مراحل تاريخية تحققت خلالها لغة مشتركة، وتاريخ، وتراث ثقافي ومعنوي، وتكوين نفسي مشترك، والعيش على أرض واحدة، ومصالح اقتصادية مشتركة مما يؤدي إلى إحساس بشخصية قومية، وتطلعات ومصالح قومية موحدة ومستقلة. ومع أن هذه الشروط ليست نهائية، ولا قاطعة، لأن هناك ممن لا تتوفر فيها كل هذه الشروط التي ذكرنا، كما أن هناك شعوباً توفرت فيها هذه الشروط، ولم تبرز إلى حيز الوجود كأمم بل كجماعات قومية داخل أمم متفرقة أخرى. فسويسرا، وبلجيكا لا تتمتعان بوحدة اللغة،ولا يتوفر الامتداد الأرضي،والرقعة المشتركة لأندونيسيا،وباكستان (قبل انفصال بنغلاديش).( 17)..

إنَّ الشعور بـ( الأمة ) هو ما يسمى بـ( القومية)، لأن القومية هي: الشعور الذي يستثير فخر الأمة بماضيها، وصفاتها، وأمانيها بحيث تعتبرها المثل أحياناً، وتتحول الى التعصب لنفسها على حساب جميع الأمم الأخرى، وتعبرعنها في شكل الأعمال الإستعمارية، والعدوانية،والعنصرية، وهذا النوع من القومية، قومية الدول الكبرى المتعصبة، يؤدي الى إفساد العلاقات الدولية، ويعرقل تطور الأمـة ذاتها. ولكن هناك نوعـاً متقدماً من القومية، وهو قومية الأمة المتحفزة للإستقلال الحقيقي الكامل، والتي لا تسيء تقدير الأمم الأخرى، ولا تسيء الظن بها مسبقاً على أساس عنصري.( 18).

وتذهب الماركسية إلى أن الأمة تظهر بظهور النظام الرأسمالي حيث تلعب البرجوازية دوراً قائداً في الأمة، انطلاقاً من ضرورة وحدة السوق القومية، أي الأساس الاقتصادي للأمة، وأنها تتصارع وتتحارب كنتيجة حتمية. كما تذهب هذه النظرية إلى القول:أن تحقيق الشيوعية سوف يؤدي إلى اختفاء الأمم، وتوحد البشرية في مجتمع شيوعي لا مكان فيه للرابط القومي.والواقع :
أنَّ النـَّـظرة الشـّيوعية في هـذا المجال منطلقة من منظار ضيـق، وتجربة محدودة، هي التجربة الأوربية في بدايات العصر الصّنـاعي ، وهي ليست كونية، بل أنها خاطئـة في بعض جوانبها النظرية المحضة، وأن تجـربة العالم الثالث، والتجارب الشيوعية نفسها لم تثبت صحة هذه النظرة ، بل ربمـا أثبتت بطلان أجزاء مهمة منها. فتكون الأمم عملية تاريخيـة قديمة سابقة لظهور النظام الرأسمالي نفسه، وليس من الضروري أن تلعب البرجوازية دوراً قياديـاً في عملية تكوين الأمـة، وريادة تطورها، بل ربما يتخذ تكوين الأمـة أشكالاً نضالية تلعب فيها الطبقات الدّنيا- وهي الكثرة الساحقة- الدّور القيادي وتقرر طابعها ومستقبلها من خلال ذلك. ولنا في أمـة العرب خير مثال، بعد أن: تشكلت من مجموعات بشريـة، جمعتها وحدة الثـَّقافة، والتــَّاريخ، والشعور بالإنتماء القومي الواحد، وبالمصالح السياسية، والإجتماعية المشتركة، وبروابط من الوحدة الشعبية، والروحية، والشخصية الحضارية الواضحـة، والمصير المشترك.( 19).

إنًّ تجربة بلدان العالم الثالث تشير إلى نوعين من القومية:
القومية المتعصبة،المستعلية،العدوانية،التوسعية،والتي تنطلق في أفقها الفكري من مقولات أيديولوجية زائفة،وموهومة،مثل:نظريات التفوق العنصري،وعبء الرجل الأبيض، وهي القوميات التي ظهرت في أوربا،وأفرزت الفاشية،والنازية، والإمبريالية،وأثرت في ماركس وفي استنتاجاته التي انطلق بها من الخاص إلى العام.
أما النـَّوع الآخر من القومـية، فهي : القوميـة التحررية التقدمية المناضلة من أجـل الإنعتاق من نيـر الإستعمار، المتطلعة إلى الإستقلال السياسي، والإقتصادي، والقضاء على الإستغلال الإمبريالي من جهة،وإقامة مجتمع عادل ينتفي فيه الإستغلال الطبقي في الداخل ، والعاملة في الوقت نفسه على مساندة حركات التحرر في العـالم، وعلى تآخي الأمم والشعوب بعيـداً عن العنصرية والعدوان،والإستغلال من جهة ثانية (20) أو التي تناضل في الوقت ذاته من أجل الحفاظ على هويتها ووجودها في ظل هيمنة القطب الواحد، وسعيه المحموم إلى تفتيت وحدتها، وتذويب هويتها.

لقد شهدت التجارب الشيوعية نفسها،وجود مؤشرات خلل واضح في ما يتعلق (القـَومية- الهـوية)، و(الدّيـن)،أو مامثـَّله احتدام الصراع السوفيتي- الصيني ( سابقاً)، أو نمو التجارب الشيوعية الأوربية،وتراجعها عن الخط الماركسي- اللينيني،ومن ثم تفكك الإتحاد السوفيتي، كلها عوامل كانت تستوجب مراجعة الموقف النظري في ضوء الواقع المعاش،والتطورات الماثلة التي شهدتها الساحة الدولية. لأن الهوية، هي: الإنتماء الرئيسي الوحيد الذي يستمر في مختلف الظروف،وهي أقوى من الإنتماءات الأخرى،وهذا ماجسدته الهوية القومية العربية التي عبرت عن شخصية ثقافية لها خصوصيتها التاريخية،والروحية،والحضارية،لذا فإنها في عالم اليوم لايمكن أن تتبنى ايديولوجية تتعارض مع هويتها،ولايمكن أن تتقبل هيمنة ايديولوجية تأتي من سياق تاريخي،واجتماعي،وحضاري مختلف.(21)

إنَّ ما نشهده اليوم من كم هائل من الدراسات، والكتب، والمقالات التي تتناول موضوع الهوية دليل على أن (الهوية)
غدت بؤرة السؤال، ومدار السجال في الأوساط الفكرية، والسياسية، الذي يعكس تباين وجهات النظر، فالأسلاميون مثلاً، يرون:أن الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على كل الحقائق، في حين يرى بعضهم: أن الأمة الإسلامية في غنى عن رحلة البحث عن هويتها، مادام ( الإسلام) قد حدد هويتها، وقدرها، وهو وحده الذي يتوفرعلى نمط حياة شامل، يقدم البديل المفتقد.فبعد إنهيار الشيوعية، وفشل المشروع الليبرالي في قيادة العالم، فإن (الإسلام) هو الخلاص. وهكذا تصبح (الهوية الإسلامية) بمثابة حل للبشرية. ولكن هذا الرأي لم يرق لبعضهم، إذ يرى:أن هذا التيارغير متناسق، فهو يعود الى التراث لعله يمده بشيء يثبت كلامه.
أما القوميون- الذين كانوا السباقين في إ طلاق مصطلح الهوية القومية، أي:البوتقة التي تنصهر في داخلها فكرة القومية العربية،كما
قال المفكر انطون مقدسي، فيأخذون على التيار الإسلامي: عـدم إمكان تعيين هويتـه سياسياً، وذلك لأننا أمام عدد من الأعراق،
والإثنيات، والتواريخ، واللغات العصية على التوحد.وذهب التيار الماركسي الأرثوذكسي الى أن يعلن بأعلى صوته :أن العولمة البربرية ضد هويتنا،إذ أنها ليست إلا( رسملة للعالم)،بعد أن أغدق عليها من النعوت الجاهزة المنتقاة بدقة خشية أن يفتضح إفلاسه المعرفي، وفقر ايديولوجيته التي يفاخر بها (22) .

من هنا نرى صعوبة الحصول على تعريف شامل لهذه( الهـوية)لأنه مفهوم يتضمن درجة عالية من الصعوبة، والتعقيد، والمشاكلة، كما أنه بالغ التنوع في دلالاته،واصطلاحاته،وهذا ما ينفي الطرح التبسيطي،والإختزالي الذي يتم تداوله لهذا المفهوم في الخطاب العربي المعاصر، إذ يرى البعض: أن من العبث الحصول على تعريف واحد شامل لأنها( الهوية) تزداد إلتباساً كلما حاولنا التقرب منها، أو الإمساك بها. وإننا لا نعرف أين نجدها. أهي في الماضي حيث تكونت،وتشكلت، وما علينا سوى الإقتراب منها بغية التطابق معها؟ وعند إذن ينبغي أن نعود الى الماضي حتى تعود الأمور الى نصابها، أم هي في المستقبل؟ وإذا كانت في المستقبل فما هي مقوماتها؟ وكيف نستطيع تخيل مستقبل في عالم متحول.

          المبحث الثاني :الهوية في الفكر العربي والإسلامي في العصر الحديث

إن دراسة الفكر العربي والإسلامي في القرن التاسع عشر توحي: أن رواد الفكر العربي أطلعوا على أحداث الثورة الفرنسية الكبرى، والثورات البرجوازية الديمقراطية في هذا القرن، فذهبوا الى معالجة القضايا السياسية، والاجتماعية في إطار السلطنة العثمانية،وكانت محاور أبحاثهم قضايا هذه السلطنة، وأهمها في عهد الإستبداد، والتخلف الإقتصادي،والسياسي: قضايا الحرية،والتنظيم الإجتماعي،والإقتصادي،ولعله من الطبيعي أن يتجه عدد من الرواد اتجاهاً فكرياً يكون محوره الدين الإسلامي،لأنه دين ودنيا،وأن إصلاح السلطنة العثمانية العثمانية يكون بإصلاح الدين الإسلامي، والمسلمين، ومع هذا كانت دعوتهم الإصلاحية، دعوة إجتماعية- سياسية، وفي جوهرها دعوة الى إشاعة الحرية.وبذا نرى أن الكواكبي (1854-1902) مثلاً،قد عرَّف الإستبداد في كتابه الأول (طبائع الإستبداد)، ونشوءه، وملامحه المختلفة، وبناءه الهرمي، مؤكداً العلاقة بين الإستبداد، والجهل، بعد أن رأى حقيقة الإستبداد في في الولايات العثمانية آنذاك، ولهذا أدخل في أنواع الإستبداد؛ أنواع الإستعمار، فالمستعمر- كما يرى- تاجرلايرى إلا مصلحته، والغرب سبق الى تقدير معنى العدالة،ولكنه لا يأخذ بيد الشرق بل يستغله لمصلحته.(23).

وإذا كان الكواكبي قد اهتم بوصف الإستبداد، وإصلاح الدين، ورأى أن الشعب لم يوفق حتى الآن في إيجاد حكومة دستورية، تحكم بمشورة الشعب، بمعنى الشورى الحقيقي، فإن جمال الدين الأفغاني (1839- 1898) كرَّس جهوده لحل مشكلة الحكم في الدول الإسلامية، وإصلاحه عبرالإسلام، وعلى هذا الطريق سار(تلميذه وزميله) محمد عبده(1849-1905) الذي رأى: إن إصلاح أمة هبطت بعد سيادة : إنما يكون برجوعها الى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ماكان في بدايته، لأن جرثومة الدين متأصلة في النفوس وإذا كان الكواكبي قد اهتم بوصف الإستبداد، وإصلاح الدين، ورأى أن الشعب لم يوفق حتى الآن في إيجاد حكومة دستورية، تحكم بمشورة الشعب، بمعنى الشورى الحقيقي، فإن جمال الدين الأفغاني (1839- 1898) كرَّس جهوده لحل مشكلة الحكم في الدول الإسلامية، وإصلاحه عبرالإسلام، وعلى هذا الطريق سار(تلميذه وزميله) محمد عبده(1849-1905) الذي رأى: إن إصلاح أمة هبطت بعد سيادة : إنما يكون برجوعها الى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ماكان في بدايته، لأن جرثومة الدين متأصلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة، والقلوب مطمئنة اليه… ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططا، وجعل النهاية بداية.(24).كما ردَّ على الفكرة القومية، بالقول:” إنَّ الأجناس قامت على العصبية، أي أن أفرادها تلاحموا حفظاً لحقوقهم من جور حاكم من جنس آخر،ولكن الوضع يختلف بين المسلمين…هذا هو السر في إعراض المسلمين على اختلاف أقطارهم عن إعتبار الجنسيات، ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات، ما عدا عصبيتهم الإسلامية.لأن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده يلهو عن جنسه، وشعبه،ويلتفت عن الرابطة الخاصةالى العلاقة العامة”. (25).

وبذا نرى:أن الشيخ محمد عبده شأنه شأن الآخرين قد تأثر في مشروعه، وفي فكره عامة بظروف عصره، وما استجد فيه من أحداث، وما أحاط بأمته، ووقف على ما نزل بها من تخلف، وتدهور الى أن بلغ ذروته في أواخر القرن الثامن عشر، وامتدت آثاره الى عهده، وحتى بدايات النهضة، فالإعتقاد فاسد- كما يرى- والبدع منتشرة، والأخلاق منحرفة، والإستبداد متسلط، والتفرق قائم، والنفوس مستكينة، والإستعمار متربص، ومتسلط، والجمود مهيمن على العقول، وأمراض الفقر، والجهل، والخوف مسيطرة، وقد عرف الشيخ الأسباب التي أدت الى ذلك كله، فوجدها مهما تع.ددت ترجع الى ابتعاد المسلمين عن دينهم، وعدم فهمهم له فهماً سليماً، وسيطرة التقليد عليهم،ومن هنا فإنه جعل الإسلام هو الأساس الأول الذي يقوم عليه مشروعه في الإصلاح والنهضة،والمحور الذي يرتكز عليه.(26 ) ولم يقتصر الأمر على المفكرين الإسلاميين، إذ يرى بعض الباحثين: أنَّ الجمعيات العلمية التي تأسست في القرن التاسع عشر شكلت البذرة الأولى لنموالحركة القومية العربية،ويذكرون بشكل خاص (الجمعية العلمية السورية 1857) التي تأسست على قاعدة قومية عربية، ويستشهدون على ذلك بقصيدة إبراهيم اليازجي:(تنبهوا، واستفيقوا أيها العرب)، التي ألقيت فيها، وقد تكون هذه الجمعية قد أسهمت جماعياً في إشاعة الفكرة القومية، والحفاظ على الهوية العربية،ولكن ذلك لا يجعلها حركة سياسية،ويؤكد جورج انطونيوس:إن أول حركة قومية عربية ظهرت في سوريا(1857)،واستمرت تعمل سراً بضع سنوات،واقتصرت على إصدار النشرات التي تندد بالحكم العثماني،وتدعو الى الإستقلال، وكتب أنه وجد في دائرة السجل العام في لندن ثلاثاً من هذه النشرات، كان قد أرسلها قنصل بريطانيا العام في بيروت الى حكومته.وفي النشرة الثالثة(31/12/1880)، دعت المنظمة الى تنفيذ البرنامج التالي، ولو بالسيف:
* منح الإستقلال لسوريا متحدة مع لبنان.
* الإعتراف باللغة العربية لغـة رسميـة في البلاد.
* إلغـاء القيـود والرّقابة التي تحول دون حريـة الرأي، وإنتشار العلم.
* عدم استخدام الوحدات العسكرية المجندة من أهل البلاد إلا ضمن حدود بلادها

وعلى الرغم من أن هذه الحركة لم تخرج عن إطارها الضيق، فضلا عن هجرة بعض رجالها الى مصر، ومن بينهم
( فارس نمر)، أحد مؤسسي المقتطف، إلا أن هناك ما يستحق الإهتمام، فالمنظمة دعت الى الإستقلال متحدة مع لبنان، وبذلك قاومت الأقليمية التي كانت تعمل على تنميتها في لبنان عوامل عدة ، أبرزها : بقايا التقسيم الإقطاعي الذي ساد سوريا،والطائفية،ودسائس البعثات التبشيرية المتماثلة مع الإستعمار.يضاف الى ذلك – كما نرى- دعوتها الى الحفاظ على الهوية العربية من خلال دعوتها الى الإعتراف بالعربية( لغة رسمية)، ونشر العلم، والغاء القيود التي تحول دون حرية الرأي.وأغلب الظن : أن المنظمة القومية العربية الأولى التي تأسست تحت أنوار التاريخ،هي:(جمعية حفظ حقوق الملة العربية)، والتي جاء في بيانها( الأمة العربية تخاطب المسلمين):” فأين أنتم، وأين هم، من منكم اليوم أمير،ومن منكم اليوم وزير، ومن فيكم مدير؟ بل كل واحد منكم فقير، وكبيركم مثل صغيركم حقير، والمال والآمال بأيدي الترك…”(27).

ولكن اليقظة القومية وجدت منفذاً جديداً بتأسيس( المنتدى الأدبي) الذي ألفه الطلاب العرب من جميع الولايات العربية في الدولة العثمانية:سوريا، والعراق، والحجاز، وليبيا. بعد حل جمعية( الإخاء العثماني 1908) من قبل جمعية الإتحاد والترقي،بعد قضائها على الثورة المضادة لها.ونشط الطلاب العرب في إلقاء المحاضرات بهدف تعميق اليقظة القومية العربية، وأشرفوا على إصدار صحيفة( لسان العرب)، ولعل البارز في الفكر القومي الذي نشره (المنتدى) وشاع في المحافل القومية هو: صدوره عن القاعدة العلمانية، المتحررة من التيار الإسلامي السلفي.( 28)

مما تقدم نرى: بروز إشكالية( الهوية)، وكيفية التعامل مع تراث الأمة، هل هو إسلامي محض أم أنه تراث عربي إسلامي؟ إذ ما من قضية تعرضت للتشويه الذي مازلنا نتحمل تبعاته، مثلما تعرضت قضية (الهوية) و(التراث الحضاري للأمة العربية). وإذا كان التشويه قد جاء من قبل إعداء الأمة، فإن الترات الحضاري لإمتنا، وهويتها قد وضعا في أيدي بعض الذين أدعوا الإخلاص لهذا التراث، فخرج وبه من التشويه ما لايقل عما سببه الأعداء من أذىً للدين، والهوية.إذ يقف الدين الإسلامي الحنيف في مقدمة العطاء الحضاري للأمة العربية ، لذي عبرت به عن أدق صفاتها، وأعمق خلجاتها، إذ يكفي الأمة فخراً،ومجداً أنه ظهر بينها،وأن النبي العظيم محمد (ص) منها،وأن القرآن نزل بلغتها، فكيف يتأتى لمن لا يفهم روح العروبة، ومن ضاع في طريق محبتها، ولا شدَّ وشائج الضمير الى ماضيها ، والى حاضرها أن يدعي قرباً من الإسلام، أوفهماً حضارياً له.

لقد كوَّن العرب عن طريق الدفقة العظيمة التي أعطاها الإسلام لهم، واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية، والتي ظل تأثيرها مستمراً، فكلما حاولت أن تصنع فعلها الحضاري كان عليها العودة الى تلك الجذور التي تأسست عليها أعظم معطياتها الإنسانية.وذلك لإننا حين نبدأ بـ (وحـدةالأمـة)،وجوداُ، وهوية في وضع تكون الأمة فيه مجزأة، محتلة في بعض أجزائها، مهمشة في أجزائها الأخرى، لا بد أن نتعامل في مشروع التغيير من خلال رفض التجزئة أولاً، وذلك لأن وحدة الأمة حقيقة تكونت في رحم ماضيها، وبفعل ظروف لاشك أنها نأت عن واقع التجزئة الذي بلغ ذروته منذ احتلال فلسطين، ثم ليشتد ضراوة بعد أحتلال العراق(2003)، ومحاصرة القضية الفلسطينية، بغية تصفيتها، وتغييب قضية الأمة المركزية، ناهيك عما نشهده اليوم من محاولات محمومة لشرذمة الأمة، وتفتيت كياناتها السياسية المجزأة أصلاً باستغلال ما يسمى بـ (الربيع العربي)، وتوجيه حركة الجماهير العربية وفق أجندة خارجية تسهم في تثبيت المصالح الإستراتيجية للدول الغربية عامة.
إنَّ المصطلح السياسي لـ (هـوية الأمـة) بات يمثل حقيقة لا جدال حولها، لأنه لم يأت من فراغ، كما أنه لم يتعامل مع واقع التجزئة كواقع مقبول يمكن الإرتكاز على معطياته،والتعامل معها في آفاق التغيير، وطموحاته.لأنه وجد في التكوِّن التاريخي للأمة منبعاً ثراً، لمصطلح يناسب مستقبل الأمة في الصورة التي يراها، أو يريدها مشروع التغيير. وهنا لابد من الإشارة الى أنَّ طبيعة التعامل مع الهوية، ومع المنجز التراثي التاريخي، هو تعامل مع الفعل التراثي، وليس مع المفردات المجردة، كما أنه تعامل مع دلالاته في المسيرة الإنسانية الدائمة،وليس مع شواخص ورموز، وبالتالي فهو تعامل بعيد عن الإنتقائية، كما هو بعيد عن الإستسلامية التراثية.

إنَّ موقفاً كهذا قادرٌ على اكتشاف قوة التغيير في ماضي الأمة، وقادر على اكتشاف دافع التقدم في تراثها، وهو ليس مجرد حل لإشكالية نظرية تتحدث عن خصوصيات الهوية القومية، بل هو الحل الذي لانشك في أثره،وقدرته على توصيف التقاطعات الحادة،والتي تصل الى حد الإحتراب في دول النظريات الموحدة،وذلك لأن الخلل يكمن،إما بالإبتعاد عن التراث، والدوران في حلقة تجريدية سهلة الإختراق، يسيرة العطب،أو بتبني كامل التراث بسلبياته، وإيجابياته، دون النظر الى الزمن، وعوامل التطور، وخصوصية البيئة،والمؤثرات المستجدة، وبالتالي التحول الى حالة متخلفة، ومشاكسة، وبعيدة عن الحياة.أما الموقف الآخر من التراث فهو الموقف الإنتقائي، وهو منهج يلجأ اليه كل الذين يتعذر عليهم رؤية معنى الرسالة، ودور الأمة فيها من خلال المنجز التراثي التاريخي.(29) .

إنَّ ما عاشته أمتنا العربية من مراحل معقدة، مختلفة،وظروف فرضت فيها الهيمنة الاستعمارية على الأمة السبات والركود الحضاري،بعد أن تعرضت لاستغلال اقتصادي واسع،فضلا عن الفساد الذي استشرى في الإدارات الحكومية وانغماس الحاكمين في الترف،والملذات ، مما أدى إلى سقوط هيبة الدولة ، وتردي سمعة نظامها ، وأصبح المجتمع عازفا عن الاستفادة من الخدمات المبتسرة التي يمكن أن تقدمها،ناهيك:عن تأثير هيمنة الرأسمال الأجنبي الاقتصادية، وإدخال وسائل التقنية الأوربية، ولو بنطاقها الضيق في تدهور الأشكال الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية التقليدية مما أفضى إلى زيادة استغلال الفئات،والشرائح الاجتماعية العريضة، وبمعنى أدق فقد أدت التغيرات الاقتصادية إلى زيادة فقر الأغلبية الساحقة من السكان، والى تقويض أركان المؤسسات، والعلاقات الاجتماعية التقليدية ، لذا أصبحت المهمة الأساسية التي تواجه الأمة تتمثل في كيفية التغلب على التخلف ، وإحراز الاستقلال القومي، ومواجهة التحديات المعاصرة ، خاصة وأن مشكلة التخلف الحضاري تضم مجموعة متشابكة من المشكلات الأساسية، والفرعية الداخلية، والخارجية التي تعيق في مجملها مسيرة المجتمع في النهوض والتقدم ، والانطلاق نحو مواكبة العصر الذي نعيش .

إنّ تحليل مفهوم التقدم الحضاري، يؤشر أنه ينقسم إلى قسمين أحدهما : يتعلق بالوسائل، والثاني بالأهداف. أما تقدم الوسائل فهو ذو طابع مادي، يرجع تاريخه إلى نشأة العلوم، وما تبعها من تطبيقات تكنيكية، زادت من سيطرة الإنسان على الطبيعة، واستفادته الكبيرة من خيراتها إلى أقصى حد ممكن، كما أتاحت له بذل أقل مجهود عضلي في مجال انجاز العمل . أما تقدم الأهداف – وهو ما يعنينا – فهو الذي يهتم علماء الأخلاق (بالمعنى الواسع للكلمة) ببيانه، وفي مقدمته: رضا الله، والخير العام، السعادة الحقيقة، وراحة الضمير… الخ. ومن الواضح أن التقدم المرتبط بهذه القيم والمثل العليا ذو طابع روحي، يجسد هويـة الأمة بكل ما للكلمة من معنى.

ولكن اللافت للنظر: إنّ التناقضات الرهيبة في السياسة الأمريكية أنتجت تناقضات أكبر في التعامل مع العالم العربي،والإسلامي، فمن جهة ترى الولايات المتحدة الأمريكية :أن الإسـلام يقود ضمنياً إلى هيكلة جديدة للفضيلة ،وللقيم الإنسانية، وفي الوقت نفسه تربط الإسلام بـ(العنف المباشر)،وهو ماعكس الواجهة الأمريكية في خطابها السياسي الموجه الى الشعب الأمريكي،والذي لم يتغير مطلقاً عن ذلك الذي كان سائداً إبان الحرب الباردة، فإن تغيرت الكلمات إلا أن الفكرة لم تتغير، أي محاولة الانتهاء من الإسلام عبر تقزيمة، و تقليم أظافره، و تفريغه من محتواه، وهو ما تعكسه فعلياً التصريحات الأمريكية الرنانة،والودية فيما يخص الإسلام، والتي تتصادم تماما مع الممارسات (الأمريكية ـ الغربية ) على أرض الواقع.(30).

فمنذ عقد التسعينيات من القرن الماضي، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي،والعدوان الثلاثيني على العراق 1991، حدثت همجمة ثقافية اميركية- صهيونية استهدفت العالم كله،وركزت ثقلها على الوطن العربي، وأصبحت اصطلاحات:النظام الدولي الجديد،والشرق أوسطية، والعولمة، واقتصاد السوق، واصطدام الحضارات، ونهاية التاريخ.. وغيرها طلائع حرب ثقافية، تتطلع وتخطط لتعميم الأنموذج الأمريكي، والتوسع الصهيوني،وطغت موجة راح البعض في أوج اندفاعاتها يبشر بـ(العصرالأمريكي)،وبـ(إحتضار القومية العربية)، و( نهاية الآشتراكية)، و(سيادة الديمقراطية الليبرالية)، ولم يبقَ طرف في هذا العالم لم يتأثر بهذه الموجة الثقافية- السياسية، المدعومة بكل ماحققته الثورة التكنولوجية من تفوق اعلامي، وعسكري مظهري.وقد وصل الأمر الى بعض مثقفينا،ومفكرينا الذين اختل توازنهم المعنوي أمام رهبة العدوانية الأمريكية، وانساقوا مع الموجة في تقديم طروحات تشكك أصلاً في وجود( هوية) أو(ثقافة عربية)، وتغييب حقيقة الأمة، والقول بـ( ثقافات عربية) تبرر التجزئة، وتنظّر لها، وقطع الصلة بتراث الأمة، وبروح نهضتها، وتروج للمخططات المعادية في قتل روح الثقافة العربية،بانتزاعها من جذورها، وسلخ هويتها، وافساد المناخ الحضاري الذي تحتاج اليه، لكي تعبر تعبيراً أصيلاً، ومتجدداً عن شخصية الأمة وجوداً،ورسالة.(31). وأمام هذا التفكير النمطي، والكيل بمكيالين،وسياسة التغريب التي انساق البعض وراءها، أرى من المناسب: أن نشير الى مانحن عليه من اتجاهات فكرية، كان لها قصب السبق في تاريخنا الحديث، والمعاصر في مواجهة من يتربص بالأمة هوية، ووجوداً.

اتجاهات النهضة العربية الحديثة، وعالم اليوم :

1- الاتجاه الإسلامي، أو التيار الأصولي (السلفي )،أو (التراثيون) والذي مثله الأفغاني، ومحمد عبده رائدي الاتجاه السلفي في العصر الحديث، لأن نهضته عندهما تقوم على وحدة عضوية بين الديـن والمدنية ، فالدين يقوم الأخلاق، وينبه إلى طلب المدنية من كل سبيل. ” لايعين لها وجهاً ،ولا يخصص لها طريقاً ذلك أن الإسلام لم يكن دينا أخرويا فقط، بل أتى بما فيه مصلحة العباد في دنياهم، وما يكسبهم السعادة في الدنيا، والنعيم في الآخرة، وهو المعبر عنه في الاصطلاح الشرعي بسعادة الدارين”. (32) .

2- الاتجـاه التحديثي، العلماني،التغريبي، التجديدي، المدني، والذي يتبلور منطقه عبر دائرتين، هما: ( الوصفية) للواقع، و(المعيارية) لما ينبغي أن يكون عليه الواقع . وهو إذ يتفق مع الاتجاه الإسلامي السلفي في الدائرة الأولى،إلا انه يرى أن الأنموذج المطلوب الاقتداء به هنا هو (النموذج الغربي) لذا أطلق عليه تيار الاتجاه التغريبي لأن الفكرة الموجهة عنده هي تقليد أوربا،واصطناع وسائل قوتها ،أونظمها ، والأخذ بأسباب تقدمها، والهدف مواجهة أوربا نفسها بعين سلاحها، وبنفس منطقها وبلغتها”(33). وقد مثل هذا الاتجاه طه حسين (1889-1973م) إذ يرى أحد الباحثين: بعد أن أقام الطهطاوي(1801-1873م) توازنـاً متعادلاً بين التراث القديـم، والتراث الغربي بدأ هذا التوازن بالاختلال لصالح التنوير الغربي عند أحمد لطفي السيد،فترجم كتاب(السياسة)لأرسطو عن الفرنسية،كما ترجم طه حسين دستور الأثينيين،من هنابدأ الانعزال عن الثقافة الموروثة للأمة لصالح الثقافة الوافدة،وقد ظهر ذلك بوضوح في كتاب( مستقبل الثقافة في مصر- 1938) لطه حسين، مؤكداً ربط مصر بالغرب بعيداً عن العروبة والإسلام، ولم تشفعْ إسلاميات طه حسين،أو عبقريات العقاد في إعادة التوازن بين الموروث والوافد (34).إلا أن هذا الرأي لايخلو من وجهتي نظر:

الأولى: إنَّ طه حسين بادر إلى صياغة أسئلة عصر النهضة،صياغة منسقة حيث يرى في (مستقبل الثقافة في مصر) امتداداً متطوراً لأرقى ما وصلت إليه عقلانية الفكر العربي الإسلامي،وعقلانية مشروع النهضة إلا أن ما يؤخذ على طه حسين: أن رؤيته الليبرالية لم تبرز الجانب الاستغلالي الاستعماري للغرب بل أبرزت جانبه العقلاني، وأن طه حسين وحد الغرب كله في مقولة واحدة هي مقولة الحضارة. (35).

الثانية: صحيح أن طه حسين قد ربط العقل المصري بالعقل الأوربي، إلا انه لم يجعله بعيداً عن العروبة والإسلام إطلاقا، لأنه جعل الدين الإسلامي، واللغة العربية من أهم مقومات الشخصية المصرية، وأكد على ضرورة أن تأخذ مصر دورها في حماية هذا الدين كما كانت حامية له، و حافظة طيلة عصورها لذا لم يكن طه حسين علمانياً ولم يدع إلى التغريب، بل طلب التحديث، وهو عين المطلب الذي أرادته السلفية (36).

3 – الاتجاه التوفيقي، إنَّ هذا الاتجاه كان أسبق زمنياً من الاتجاهات الأخرى، فيما يتعلق بفكر النهضة الحديثة، والذي يؤرخ له برائد النهضة الحديثة رفاعة الطهطاوي الذي أقام توازنا ًبين القديم والجديد . لذا فأن أزمة فكر النهضة تنحصر في فهم بعضنا لقضية النهضة إذ تأخذ إحدى صورتين، الأولى:
إما صورة الحكم الانفصالي، أي الحكم القاطع، والانفصال التام بين التيار الأصولي، والتيار التحديثي العلماني فينكر كل منهما الأخر ، ويدينه بلا أمل في اللقاء . والدليل على ذلك ما تبناه زكي نجيب محمود في مرحلته الأولى إذ نادى بفلسفة علمية مؤمناً أن : “لا أمل في حياة فكرية معاصرة الا إذا بترنا التراث بتراً، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علماً وحضارة، ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم” لأن: “الحضارة وحدة لا تتجزأ ، فأما نقبلها من أصحابها أو نرفضها، وليس في الأمر خيار، بحيث ننتقى جانباً، ونترك جانباً كما دعا إلى ذلك الداعون إلى اعتدال” .( 37). أو ما نجده عند د. محمد عابد الجابري في كتابه (الفكر العربي وصراع الأضداد) حيث قدم دراسة قيمة للفكر العربي في إطار ماركسي، يستند إلى صراع الأضداد الذي يؤدي إلى حسم قاطع لصالح أحد الطرفين،أو ينتهي إلى صيغة توفيقية بين الخصمين اللدودين، فتاريخنا الفكري كان كله صراعاً بين الثنائيات الشهيرة : العقل والإيمان، العلم والدين، التراث والمعاصرة .. مما أدى إلى ظهور نوع من التوفيقية قديما، وحديثا تمثلت في الحضارة العربية الإسلامية، والتي لا تعدم آثارها في عالم اليوم، ونحن نواجه (العولمة) إذ نجد مفكرينا أمام طريقين ،هما :
الأول:الرفض التـام لأنـّه يجـدُ أنَّ التوصيف الأنجليزي للعـولمة يختلـف عنه في اللـّغات اللاتينـة ( (Globalization
ولعل التعبيرالانجليزي(Mondialisation)أوسـع فضاءً ، فهو يشير إلى عولمـة شمولية كاملة لكل ما يتصل بالعالم إنساناً، وأرضاً، وعلاقات بشرية، وتعاملا في جميع مناحي الحياة ، بدءاً من الاقتصاد إلى الفكر، والشعور،والوجدان، مروراً ب(الهويـة)، والثقافات،والخصوصيات، وانتهاءً إلى تنميط عيش الإنسان على نمط وحيد.بينما العولمة بالتعبير اللاتيني تقف عند حدود التمسك بـ(الهوية الفكرية)، الفكرية)،والخصوصيات الثقافية، وترفض التنميط الأُحادي، ولا ترى فيه إلا تحويل الإنسان من حي مفكر متحرك إلى آلة ( إنسان آلي ) تؤدي حركتها المبرمج لا غير. فالرافضـون إذن يرون في نظام العولمـة :( مجرد سيادة المالي على الاجتماعي،ويضيفون أنها استعمار بوجه جديد ليس سياسياً، أو عسكرياً ، بل هي استعمار مالي يفرض نمطاً واحـداً للتفكير، و يمحو ذاكرة الإنسان، وما ارتبط بها من موروث قومي تاريخي ، وعليه فإن المجتمعات التي تتخوف من الآثار السلبية للعولمة – وهي على حق في ذلك – هي المجتمعات التي لا يمكن للرأسمال الوطني أن يبسط فيها هيمنته بسبب واحد هو عدم وجوده، وتلك التي لا تستغني عن دولتها الوطنية لأنها لم تستنفذ بعد أغراضها، وتلك التي ما يزال مجتمعها المدني، وقطاعاتها الخاصة قاصرة عن ممارسة سلطة الدولة ، ودورها القيادي، وخاصة مسؤوليتها الاجتماعية، و تلك التي لا يجدي تخصيص القطاع العام، لأن القطاع الخاص الوطني عاجز عن تعويض القطاع العام، أي تلك الدول التي يصبح فيها التخصيص (الخصخصة) تبديداً، وتفويتاً لثروات الدولة، ومواردها لفائدة الرأسمال الأجنبي المستفيد الوحيد من تخصيصها (38).
الثاني :العولمة التوفيقية : والتي تنطلق من التفريق بين حالتين :
الحالة الأولى:عولمة التكافل الإنساني، وهي عولمة مرحب بها،وهي مؤشر واضح على نضج التجربة الإنسانية ،والعقلاء لا يرفضون ما فيه المصلحة لشعوبهم، وهم مؤتمنون على تحقيق ذلك .
الحالة الثانية : عولمة السيطرة، و الهيمنة، لبسط نفوذ الغرب على الدول النامية، وهي عولمة مذمومة يجب أن تقاوم حماية لمصالح الشعوب .وعصرنا هو عصر العولمة، ولا خيار لنا في قبول هذا الواقع الذي فرضته وسائل الاتصال،والتكنولوجيا المعاصرة، والعولمة ستوجد وضعاً دولياً جديداً، لا على مستوى التجارة العالمية وإنما على مستوى القيم، والثقافات،والتقاليـد،والقوانين،والهويـة. وهذا الوضع الجديد علينا أن نخضعه لدراسة موضوعية، وأن تشارك الدول النامية وبالأخص الدول العربيـة،والإسلامية في صياغة ملامحه ، فعالمنا المعاصر يريـد ” عولمة توافقية” وليس عولمـة( مفروضة)، لا يمكن أن نقول للدول النامية، وهي الدول المعنية بالعولمة، أما أن تكونوا مع العولمة كما هي، وكما أرادها الغرب، وأما أن تختاروا العزلــة، والتهميش . (39).

إنّ أمتنا العربية قد دخلت القرن الحادي والعشرين،وهي تحمل(رؤيـة تاريخية) أنضجها الفكر القومي،إذ جعلت من الثقافة أداة حوار بين الاتجاهات الفكرية السياسية داخل الوطن العربي،والعالم الاسلامي، ومع شعوب العالم أجمع لبلورة تطلع حضاري انساني عام ينقذ البشرية من عوامل الانحطاط الخلقي،والحضاري التي طبعت اتجاهات الهيمنة، وسياسات القوة،والقمع لتطلعات الامم الناهضة، والتشويه المتعمد للحقائق، وتسخير التكنولوجيا لخدمة الغرائز، والمصالح التي تعبث بمصير البشر،وبالقيم، وتحط من قدر الانسان ، وتضفي على الاعتبارات المادية، وقانون السـوق طابع القداسة.
إن مقولة ديكارت (1596- 1650م) الذي عرف بأبي الفلسفة الحديثة : “أني أطيع قوانين بلادي ، وأتمسك بدين آبائي ، واستهدي بأحكم من أتصل بهم من الناس ” يمكن أن تكون مدخلاً لما نريد الوصول إليه في الحديث عن : أزمة الوجود، والهوية في المجتمعات العربية، وفي عصر العولمة، والتخلف ، ذلك أن المطلوب، هو: أن لا تقف أهدافنا في حدود العملية التعليمية في جانبيها النظري، أو التطبيقي بقدر ما نسعى الى تنمية أهداف : تربوية ،سياسية، أخلاقية (دينية)،اجتماعية، ثقافية بعد أن بينت نتائج البحوث في العلوم السلوكية والاجتماعية بكل وضـوح : أن كثيراً من المشكلات الاجتماعية، والنفسية التي يعاني منها الفرد، والجماعات في المجتمع الحديث يعود سببها أساساً إلى: الحرمان المعرفي، والإقصاء الاجتماعي، ذلك أنه تم ربط التعليم بالسياسات الإيديولوجيـــة ، والاقتصادية،والصناعية، بحيث صارت هذه الغايات تشكل أهداف التعليم وآلياته، وتحدد كذلك ميزانياته ومناهجه الدراسية. وهكذا ابتعد نظام التعليم تدريجياً في كثير من البلاد العربية عن وظيفته الإنسانية الأساسية التي تعني: نشر المعرفة بكل حرية لغرض تحقيق النمو المعرفي الذاتي للفرد بما يفتحه له من أبواب الاتصال،والتفاعل الوجودي ببيئته المادية،والإنسانية، وبدلاً من أن يكون التعليـم إشباعاًلحاجات إنسانية فردية وجماعية صار التعليم، للأسف جزءاً مكوناً لإستراتيجية الصراع الدولي وأهم أسلحتها الفتاكة.

إنّ الغرب الذي شوهت أطماعه وجهه الحضاري، راح بعد فشله في ترويض حركة النهوض العربي، يطرح صورة للمستقبل تنطوي على روح عدوانية، تنظّر لنفسها تحت شعار(صدام الحضارات)، وهو شعار يعمل على وضع الثقافة الغربية، والأنموذج الغربي، الأمريكي بوجه خاص، في موضع العداء المطلق من العروبة والاسلام. ففي مؤلفين مشهورين، كلاهما بدءا في شكل( مقالة)، ثم تحولا الى ( كتاب)، أحدهما: ( نهايـة التاريخ) لـ( فوكويامـا)، والآخر ( صدام الحضارات واعادة صياغة النظام العالمي ) لـ(هونتغتون) وكلاهما أمريكي،جرى فيهما التنظير لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وغطى أفقهما القرن الحادي والعشرين واذا كان كتاب( نهاية التاريخ ) يستند الى تفاؤلية شبيهة بما نظرت له الماركسية من قبل في النظر الى مستقبل العالم منذ قرن، لأنه رأى : أن المستقبل أصبح يدين الى الديمقراطية، والليبرالية الغربية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فان الغرور قد كمن في كتاب ( صدام الحضارات)حيث شكّل الحفاظ على الموقع المهيمن للحضارة الغربية، من جهة، والنظرة العدائية لحضارة الاسلام، المحور الرئيس الذي دار حوله الكتاب. وهكذا دخلت حركة النهوض العربي للأمة العربية القرن الحادي والعشرين وسط أجواء معركة حضارية يمكن أن نتبين المزيد من ملامحها في ضوء الكتابات المتلاحقة منذ عقد التسعينيات، والى يومنا هذا، وبخاصة في أمريكا، ولعل أبرزها كتابات الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وهنري كيسنجر، وبريجنسكي ، وبول كنيدي، وغيرهم ممن عاشوا هاجس الأخطار المستقبلية للحضارة الغربية، التي تهدد النظام الأمريكي، على الرغم من أن نظرية ( هونتغتون)، وكتابه( صدام الحضارات) يشكل التنظير الأساس لأستراتيجية الهيمنة الأمريكية على العالم، فهو يشدد على أهمية العامل الثقافي، والمنظور الحضاري، ودورهما في تحديد العلاقات بين الشعوب. فالصراعات في المرحلة التاريخية القادمة، لن تكون ايديولوجية، أو اقتصادية، بل ستكون ثقافية، وسوف تكون الصدامات الحضارية هي المهيمنة على الساحة الدولية، نظراً لتنامي أهمية الهوية الحضارية، وسوف يكون محور الصراعات الحضارية قائماً بين الحضارة الغربية والحضارات الأخر، واذ يشدد (هونتغـتون) على مستقبل الحضـارة الغربيـة، فانه يرى : ” بقاء الغرب معتمداً على الولايات المتحدة في مواجهة التحديات الحضارية”، وهو ينظر الى” العلاقـة بين الاسلام والغرب، على أنها علاقـة حـرب متقطعة، وأن المشكلة الأساسية في الغرب ليست الأصوليـة الاسلامية، وانما الإسـلام الذي يمثل حضارة مختلفـة.”كما يرى، أن” علاقات الاسلام وتوجهاته العدائية ليست تجاه الغرب فقط، بل تجاه الحضارات الأخرى أيضاً”( 40).

لقد جاء النظام الدولي الجديد، مع العقد الأخير من القرن المنصرم ليطرح أسئلة جديدة، ويقضي على أسئلة أخرى، ويهمش فئة ثالثة، ومن ثم ليعمل هذا النظام- وفق منطوقه الإيديولوجي – على إنتاج منظومة من المفاهيم،والمقولات،والقيم التي أراد لها أن تكون تعبيراً فكرياً، وسياسياً، وأخلاقيا، وجمالياً عنه،وتكريساً له، ويتضح ذلك من خلال تعريف أولي للنظام المذكور، وللحيثيات النبثقة عنه.

أما تعريفه، فلعل التعريف الآتي يقاربه على نحو أقل إشكالاً،أو اضطراباً،أو خطأً: إنَّ النظام المذكورإنما هو نظامSystem) ) اقتصادي،وسياسي،وإيديولوجي،وعسكري يسعى الى ابتلاع الطبيعة،والبشر،والى هضمهم ، وتمثلهم، ومن ثم إعادة إنتاجهم سلعاً في ما يعتبر معادلاً لـ ( القرية الكونية الواحدة) المبشر بها من قبل النظام إياه، وهو( السوق الكونية السلعية الواحدة)، ولأن هذه السوق يراد لها أن تصبح مبتدىء المواقف، ومنتهاها، يراد لها كذلك أن تصبح معياراً منهجياً، ونظرياُ، وقيمياً لمصداقية، أو زيف كل ماينتجه البشر. وعلى هذا إذا كانت( السوق) قد مثلت في ما قبل نشأة النظام الجديد، حقلاً جيوسياسياُ، واقتصادياً فهي يراد لها الآن أن تصبح الكل بالكل، وأن تتماهى – من ثم – مع الوجود البشري من حيث هو،وحيث يكون الأمر على هذا النحو، فإنَّ أسئلـة ( السوق) تغدو ذات ماهية وجودية (أنطولوجية)، في أساس الموقف.من هـذا الموقع تطفو على السطح إشكالية الهوـة لأنها المدخل الى منظومة المفاهيم، والمقولات والقيم المجتمعية، أو بإعتبارها أحد أخطـر الأقنـية التي تـقود الى تلك المنظومة.وثمة مقولـة تتسع الآن عمقـاً في بواكير النظام الدّولي الجديد،وتعلي من شأن(السوق) بوصفها المعيار الأعظم للعصر الجديد( العولمي)،وهي التاليةكلما ارتفعت قيمة الأشياء انحطت قيمة الإنسان.بناءً على ذلك يغدو مطلوباً أن تتفكك كل المفاهيم،والمقولات والهويات التي انتجها البشرلصالح هوية واحدة،ومقتضياتها، نعني (الهويـة السوقية)،وهذه الدعوات تكاد تلتقي وتتقاطع مع دعـوة( ما بعد الحداثة) لتفكيك ما أنجزته( الحداثة) من مفاهيم،ومقولات،وقيم انطلاقاً من أن ذلك كله قد استنفذ أغراضه وفقد روحه(41).

وأمام هذا الواقع المحتدم قد نجد بعض العزاء في ماقدمه ديكارت من قبل إذ رأى: أن أول المبادئ الكبرى للتربية الحديثة ، هو تساوي حظوظ الناس في المعرفـة والفهم (فالعقل أعـدل الأشياء قسمة بين الناس، وأن القدرة على الحكم الصحيح، وعلى تمييز الحـق من الباطل واحدة لدى جميع الناس بحكم طبيعتهم) ، ومعنى هذا من الوجهة التربوية أن لجميع الناس الحق في التعليم . كما أضاف مبادئ أخرى، منها : إحلال روح البحث الحُـرّ ، والقناعة الفكرية الواعية محل المعتقدات العمياء المستندة إلى السلطة، كما أن المرء لايكفي أن يملك فكراً جيداً ، وإلهاما يجيد تطبيقه . ومعنى هذا أن الطبيعة لاتكتفي بذاتها ،وأنها بحاجة إلى أن تقاد وتوجه . (42).

إن هذا التصور ينسجم تماماً و (المبادئ الكبرى للتربية الحديثة ) التي وضعها ديكارت في القرن السابع عشر، ومن قبله الفلاسفة العرب المسلمون الذين كانت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية (الأساس الفكري) المتين الذي أقام عليه الإنسان العربي بناء العلم، و تكريم العلماء، والاستزادة من علوم أمم أخرى، وترجمة ما وقع تحت أيديهم إلى العربية، وفي سيرهم صوب الشرق، و الغرب لنشر الدعوة بعد أن اتصل العرب بحضارات ذات أنماط مختلفة في الحياة، والإنسان، والكون، فامتزجت حياتهم بحياة هذه الشعوب التي دخلت الإسلام، وازدادت معرفتهم بأحوالهم، و معارفهم و فنونهم وآدابهم، وعندما استقرت الدولة الجديدة ومالت النفوس إلى حب المعرفة والأدب، والفنون نشطت الحياة الفكرية، ولاسيما أن (العقيدة) استقرت في قلب الحضارة الجديدة . وبدأت الاجتهادات بين نصوص الدعوة، والحياة الجديدة مما تولد عنها دراسات قيمة، وأصلية في شتى فروع المعرفة الإنسانية .فإذا كان العلم مقصوراً على رجال الدين في بابل، ومصر، وعلى طبقة ارستقراطية في اليونان، فإن العلم بفضل الحضارة العربية، وقيمتها الحيوية، والإنسانية أصبح نشاطاً عاماً لجميع الناس، ومن مختلف الطبقات ،بل غدا ضرورة وواجباً لابد للإنسان العربي المسلم من أن يأخذ بجميع أسبابه، وانطلق العلم عند العرب من ضرورات العقيدة، ومستلزماتها الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية ، ولكنه سرعان ما اجتاز مرحلة النشوء إلى مراحل أخرى لاحقة كان العلم فيها غاية، وعملاً ففي مرحلة النشوء وقبل الاتصال الحضاري بحضارات أخرى امتلك العرب ذخيرة علمية كبيرة،منها: معارفهم في الجاهلية ، ومنها ما زودتهم به العقيدة الإسلامية من معارف ضخمة ،وتوجيهات وإرشادات ، كما نشأت حول الدعوة الإسلامية دراسات علمية رصينة ، فالقرآن الكريم ، وأسباب التنـزيل ، وما احتواه من تشريع ، وتوجيه ، وتواريخ أمم سالفة، ورسل سبقت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما تجلت في لغته من بلاغة، و إبداع قد مهد السبيل للدراسة، والبحث فازداد الاهتمام بالفقه، و التشريع والتاريخ والأدب، والاطلاع على الكتب المقدسة وما تحويه من أخبار، و تواريخ بغية التعمق في معرفة معاني الآيات الكريمة ، كما كانت سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) و أحاديثه أساساً للدراسات التاريخية، والاجتماعيـة، والدينية، وهكذا برزت إلى الوجود مدارس متعددة في الحديث، وأخرى في الفقه والتشريع، والأخـلاق لأنَّ المجتمـع الجديد الذي انطلق بالظهور استجابة لمبادئ الدعوة الإسلامية،وتوجيهات الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) تطلب تركيز قيم أخلاقية وقانونية في النفوس لبناء شخصية الفـرد،وترسيخ هويته، وتطلعاته في إطار وحدة فكرية خلاقة، وتدعيماً لأواصر الأخوة، والتكافل بين أفراد المجتمع الواحد مع بناء قاعدة اقتصادية، وتنظيمية مستوحاة من المبادئ الإسلامية العامة في: العـدل والمساواة والتكافل الاجتماعي ، وهذا هو العصر الذي نفهم في ضوئه المعجزة العربيـة في نمو المعرفة وتطورها (43). والتي حققت الوجود الحي لأمة العرب بعد أن اكتشفت الصلة الحية بين العروبة والاسلام، وبعد أن تعمق ايمانها بتراثها الروحي الحضاري، ثم لتنطلق من موقع الأصالة الى التفاعل الحي مع الحضارة التي عاصرتها. على الرغم من الهزائم التي أُلحقت بالأمة العربية،وخاصة في تاريخنا المعاصر، من دون أن يكون لها دور في هذه المعارك التي نجمت عنها تلك الهزائم، وبعد تجريد الأمة من النصر الذي حققته في الأيام الأولى من حرب تشرين 1973،وتوظيف ذلك النصر- بشكل يتعارض وكرامة الأمة، وتضحيات أبنائها، كما يتعارض مع مصالحها، وطموحاتها القومية المشروعة- لإرساء نهج التسوية الخياني- وارتفاع نبرة الخطاب القطري، الذي أسهمت بعض قيادات العمل الفلسطيني في ترسيخه، وظن الكثيرون من الحكام العرب الخاضعون للهيمنة الأميركية: أن المشاعر القومية قد خمدت وأن الأمة أصبحت مجموعة من الأمم المتنافرة، وأن طريق التسوية هو الطريق الوحيد أمام الأنظمة العربية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، لإنهاء الصراع العربي – الصهيوني الذي امتد عشرات السنين، ولترسيخ هذا الظن، وتكريس هذه الصورة، نشطت الصحف، والمجلات، والإذاعات، ودور النشر، ومراكز الأبحاث والدراسات، التي أنشأت بأموال النفط العربي الخليجي، داخل الوطن العربي وخارجه، في ترويج روح الإنهزام، وقبول سياسة الأمر الواقع التي زرعتها الدوائر الإستخبارية المعادية للأمة، وغذتها مراكز البحوث الأميركية والصهيونية، وامتداداتها في الوطن العربي، لتصوير مرحلة المد القومي التي شهدتها مرحلة خمسينيات، وستينيات القرن الماضي، على أنها مرحلة عاطفية ليس لها ما يسندها من مقومات موضوعية، أو عملية وعلمية على أرض الواقع، وأنها بالتالي لم تؤدِ إلا إلى الهزائم، والكوارث، وأنها مرحلة قد انتهت إلى غير رجعة!!. ولم يقف الأمر عند هذا بل أقدمت هذه المؤسسات والجهات التي تمولها، وتوجهها، وتدعمها إلى احتواء بعض الكُـتَّاب العرب، والباحثين، وحتى بعض المفكرين من الذين كانوا يُعدون رموزاً قومية في مرحلة المد القومي- التي أشرنا إليها- ليَنْعَوا تلك المرحلة، وعدّها من آثار الماضي التي تجاوزها الزمـن.( 44).

خاتمـة البـَحـث:

الحديث عن اللغة يعبر في حقيقته عن الهوية لأنها من أهم عناصرها،والذي عبر عنه ابن جني، بالقول:” أما حدّها (فإنها أصوات يعبـّر بها كل قوم عن أغراضهم”.ولفظة (قـوم) هنا تعني (المجتمع) كمايراد بها في العصر الحديث،ولما كانت العربية قد أكرمها الله إذْ أنزل بها كتابه صادحاً بالحق المبين، وهذا ما أشارات إليه آيات كثيرة، كقوله تعالى : « إنَّا أنزلناه قُرآناً عربيّاً لعلَّكم تعقلون ».(45) . ونرى قول الرسول( صلى الله عليه وسلم) حين شجّع أصحابه على تعلّم اللّغة فقال : « تعلّموا العربيّة وعلّموها النّاسَ ». وقوله : « خيركم من تعلّم القرآنَ وعلّمه » . وبفعل إنتشار الفتوحات العربية الإسلامية شرقاً وغرباً انتشرت العربية بعد أن كانت لغة لقوم، وهويتهم ضمن إطار جغرافي محدد، وذلك بحكم ضرورة شرح مفاهيم العقيدة الإسلامية، وتأدية العبادات والشعائر التي أوجبها الإسلام على كل مسلم ومسلمة، فاكتسبت بهذا القداسة، ناهيك عن أهميتها اليوم من بين 3000 لغة في العالم. إذ تُعـدُ اللّغـةُ العربيةُ من اللّغاتِ المُقدّسةِ ، بل تُعتبر من أقدسِ اللّغاتِ الأربعةِ :السّريانيّة،ِ واليُونانيّةِ، والعبرانيّةِ، والعَربيـّةِ، لأنّها غنيّـة بالكلماتِ والمُترادفاتِ والتشبيهِ والمَجازِ،وكذلك لغة القرآن الكريم والتي تجمع فيها كلمات دينيّة لكافة لغات الأديان. وأشادَ ماريو بِلْ، مؤلف كتاب قصة اللغات،أنَّ العربيةَ هي اللُّغة العالميةُ في حضاراتِ العُصورِ الوسطى، وكانت رافداً عظيماً للإنكليزية في نهضتها وكثيرٍ من الأوربيّات،وقد أورد قاموس Littre قوائمَ بما اقتبسته هذه اللغات من مفرداتٍ عربيةٍ،وأولها الإسبانية ثم الفرنسية والإيطالية واليونانية والمجرية، وكذلك الأرمنية والروسية وغيرها،ومجموعها( 27 لغـة)، وتقدر المفردات بالآلاف(46).
يتبيّن من كلّ هذا أنّ تعلُّمَ اللّغة العربيّة هدايةٌ ورحمة،ٌ ثمّ بُشرى ونور وشِفاءٌ لما في الصّدور، وكذلك عبادةٌ وتعقّلٌ وتوسّع للأفق، بما أنّ طلب العلم فرضٌ وما لايتم إلاّ به يكون أيضاً فرضاً، لذا يُمكن القول بما قاله ابن تيميّة: « معلومٌ أنّ تعلمَ العربية، وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، لأنّه لا يُفهم العلوم الإسلاميّة إلاّ باللّغة العربيّة ». وقوله الآخر:« وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات ، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة ، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك : « مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه » مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام ».

وخلاصة القول أنّ ماترتكز عليه أي ثقافة وحضارة هما: الدّين واللغة، ولإرتباط العربية بالإسلام، فإن أي تحد يواجه أحدهما لابد أن ينعكس سلباً على الآخر، وهذا ما نشهده في أيامنا هذه من حملات ظالمة مسعورة يراد بها النيل من الإسلام،ومن العربية كلغة بدعوى أن المستقبل هو للغة الإنجليزية برغم أن أحد المبشرين بـ (صدام الحضارات) صموئيل هنتغتون، يرى: أن القول بعالمية اللغة الأنجليزية ماهو إلا وهم كبير، لأنَّ أي لغة تــُعد لغة أجنبية لدى 92% من سكان الأرض لايمكن أن تكون لغة عالمية في المستقبل المنظور.

إن المناداة بـ (العولمة) ومحاولة تنميط البشر فكراً، وسلوكاً، وقيماً ضمن هوية شمولية أمرٌ يتنافى وواقع الحال إذْ ليس هناك ما يعزز وجود هوية كونية واحدة بفعل تعدد الثقافات والحضارات التي صبغت حياة شعوب الأرض قاطبة، كما أن اللغة ملتحمة بالعقيدة، وأن كثيراً ممن يثيرون إشكالية اللغة فالسبب في ذلك واضح، وإن لم يصرحوا به علانية، لأنّ علماء اللسانيات يعترفون اليوم بتداخل اللغة والإيديولوجية إذ ذهب بعضهم إلى أن تعلم أية لغة هو في نهاية الأمر تعلم لعقائدية الناطقين بتلك اللغة ، وهذا ليس بالأمر الجديد فدخول الأقوام غير العربية في الإسلام (ديناً وعقيدة) جعل من المسلمين أمة واحدة يؤيد هذا قول الثّعالبي في كتابه فقه اللغة وسرُّ العربية : « إنّ مَن أحَبَّ اللهَ أحبَّ رسولهُ، ومن أحبَّ النّبي أحَبَّ العَربَ، ومَن أحبَّ العربَ أحبَّ اللُّغة العربيّةَ التي بها نزلَ أفضلَ الكُتبِ على أفضلَ العجمِ والعربِ، ومَن أحبَّ العربيّةَ عُنيَ بها وثابرَ عليها، وصرفَ هِمَّتهُ إليها».وماقاله ابن تيميّة: « إنّ اللغةَ العربيّةَ من الدِّين، ومعرفتُها فرضٌ وواجبٌ، فإنَّ فهم الكِتابِ والسُّنةِ فرضٌ، ولا يُفْهمُ إلاّ باللغةِ العربيةِ، وما لا يتُّمُ الواجبُ إلاّ بهِ فهو واجبٌ » .وقوله أيضاً: « وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان ، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قوياً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق» .لذا كان لزاماً على من أسلم،وقال:” إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ “. (الأنعام 79) أي: لله وحده، مقبلا عليه، معرضا عن من سواه. { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } فتبرأ من الشرك، وأذعن بالتوحيد، وأقام على ذلك البرهان كما جاء على لسان سيدنا إبراهيم(عليه السلام) يعززه قوله تعالى على لسان نبينا الكريم(صلوات الله ، وسلامه عليه):” قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّـةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”(الأنعام 161)،أي ملة إبراهيم التي شرعها اللّه في القرآن على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم،وقال تعالى:” ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. (123 سورة النحل).وبهذا اتسع نطاق إنتشار العربية ثم لتصبح لغة الثقافة والعلم والأدب بها كتب كثير من علماء المسلمين من غير العرب بعد أن أصبحت العربيةُ جزءاً من هويتهم الإسلامية، قال أبو الريحان البيروني (362-440 للهجرة) العالِمُ الشهير، الفارسي الأصل: «والله لأَنْ أُهْجى بالعربية، أحبُّ إليَّ من أن أُمدح بالفارسية!».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخصائص ، تحقيق: محمد علي النجار- دار الهدى، بيروت(ط2 ب.ت)،1/33.
(2) (3)انظر: ابن جني – الخصائص1/33، وابن منظـور – لسان العرب ، دار صادر(بيروت ب.ت) – لغــا. ولمزيد من التفصيل، انظر:جلال الدين السيوطي – المزهر (حدُّ اللغة وتصريفاتها).
(4) د.محمدسيد محمد- الإعلام واللغة (سلسلة البحوث الإعلامية1)،عالم الكتب- القاهرة 1984، ص7.
(5) عبد العزيز شرف – الإعلام ولغة الحضارة ( بحث) مجلة اللسان العربي، الرباط – المغرب ، المجلد 11- العدد الأول 1974 ، ص340
(6) أحمد خرشيد النوره جي-مفاهيم في الفلسفة والإجتماع، دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد 1990، ص215.
(7) ) انظر: عبد العزيز شرف-الإعلام ولغة الحضارة (مصدر سابق) ص341.
(8) ) أحمد خرشيد النوره جي- مفاهيم في الفلسفة والإجتماع (مصدر سابق) ص215.
(9) ابن خلدون- المقدمة (تاريخ العلامة ابن خلدون) – دار الكتاب اللبناني، بيروت(ط2-1967)،ص1056،1071.
(10) لمزيد من التفصيل:انظر:د. إبراهيم أنيس- اللغة بين القومية والعالمية، دار المعارف – مصر، ص9وما بعدها. http://ia700804.us.archive.org/6/items/lis-group20/book1_12642.pdf
(11) ) أبو الحسن الجرجاني-التعريفات، الدار التونسية للنشر1971 ، ص 102.
(12) انظر: ج فندريس- اللغة، تعريب: عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص ، مطبعة لجنة البيان العربي- القاهرة 1950، ص24.
(13) انظر: أبو الحسن الجرجاني- التعريفات،(مصدر سابق)، ص140.
14) انظر: أحمد خورشيد النوره جي- مفاهيم في الفلسفة والإجتماع،( مصدر سابق)، ص247
15) انظر: شبكة النبأ المعلوماتية- مصطلحات انثروبولوجيية- هويـة . w.annabaa .orgww
(16) انظر: أحمد خورشيد النوره جي- مفاهيم في الفلسفة والإجتماع،( مصدر سابق)،ص247
(17)د. عبد الوهاب الكيالي- موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت(ط1)، ص 306.
(18) د. محمد حلمي مراد ، وآخرون – الموسوعة الإشتراكية، ،مراجعة: كامل زهيري، مطبعة دار الكتب- بيروت (ب.ت) ، ص55.
(19)(20) د. عبد الوهاب الكيالي- موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت(ط1)،(مصدر سابق)،ص306.
(21) انظر:د.إلياس فرح – في الثقافة والحضارة على مشارف القرن الحادي والعشرين(بحث) مجلة آفاق عربية( العدد1،2) 1999،ص8.
(22) انظر:شبكةالنبأالمعلوماتية – http://www.annabaa.org
(23) د.أميل توما – تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث، دار الفارابي- بيروت1979، 1/89، 91.
(24) د.أميل توما – تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث، دار الفارابي- بيروت1979، 1/ 91.
(25) ) محمد رشيد رضا- – تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، 2/235.
(26) د.إنعام محمود حماد- مشروع النهضة عند الشيخ محمد عبده.(بحث) الإسلام ومشروعات النهضة،المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية،كلية دار العلوم- جامعة القاهرة2001،،ص 394.
(27)(28) د.أميل توما – تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث، دار الفارابي- بيروت1979، 1/89.
(29) حميد سعيد – التراث والثورة، دار الشؤون الثقافية- بغداد1983، ص 11.
(30) د. فواز جرجس– أمريكا والإسلام السياسي، صدام الثقافات أم صدام المصالح ؟.http://anaharame.blogspot.com
(31) انظر:في الثقافة والحضارة على مشارف القرن الحادي والعشرين،د. الياس فرح (بحث) مجلةآفاق عربية( العدد 1-2) 1999،ص7.
(32) جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، العروة الوثقى والثورة التحررية الكبرى، تحقيق: صلاح الدين البستاني، منشورات دار العرب، ط(3) القاهرة 1993، ص 29، 12.
(33) ) د, فاطمة إسماعيل- دور الفكر الإسلامي في النهضة الحديثة: اتجاه واحد أم تعدد في الإتجاهات؟ (بحث) الإسلام ومشروعات النهضة ، المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية ، كلية دار العلوم- جامعة القاهرة2001، ص 453.
(34) د. حسن حنفي — نحو تنوير عربي جديد: محاولة للتأسيس، ( بحث) مجلة عالم الفكر- الكويت، العدد3، مجلد 129، ص82..
(35) محمود أمين العالم – طه حسين والحداثة( تقرير) قضايا وشهادات، ، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر- القاهرة1991، ص409..
(36) دور الفكر الإسلامي في النهضة الحديثة: اتجاه واحد أم تعدد في الإتجاهات؟ ،د.فاطمة إسماعيل (بحث) (م. س)، ص490.
(37) د. زكي نجيب محمود – تجديد الفكر العربي، ، دار الشروق،ط (8) القاهرة 1987،ص13.
(38) د. عبد الهادي بوطالب – في نـقد العولمة وآثارها السلبية ( بحث) أكاديمية المملكة المغربية2001، ص 39.
(39) محمد فاروق النبهان – العولمة من منظور الدول النامية، ( بحث) المصدر السابق، ص89.
(40) د. الياس فرح – في الثقافة والحضارة على مشارف القرن الحادي والعشرين، (بحث) مجلةآفاق عربية( م. س) ،ص12.
(41) د. الطيب تيزيني – هويات متعددة أم هوية كونية واحدة، ،( ندوة) التحولات المجتمعية وجدلية القيم ( ندوة) الدوحة (22- 25يناير)2007.
(42) د. عبد الله عبد الدايم- التربية عبر التاريخ، ، دار العلم للملايين، ط(2) بيروت1975، ص 354.
(43) د. ياسين خليل- العلوم الصرفة، ( بحث) حضارة العراق، دار الحرية للطباعة- بغداد 1985، 8/375.
(44) ناصيف عواد- قراءة أولية في المشهد العربي الراهن، ، مجلة آفاق عربية، العدد(9-10) 2000، ص2.
(45) ) [يوسف: 2]، وينظر على سبيل المثال لا الحصر: [الزّخرف:3]، [الزّمر: 2]، [الجنّ: 2]، [فُصِّلت: 44].
(46) انظر: فن الترجمة وعلوم العربية ، إبراهيم بدوي الجيلاني ، ص17.نقلا فضائل اللّغة العَربية وعلومهاوكيف يمكن تعلّمها – نظام الدّين إبراهيم أوغلو .www.fustat.com/adab/nizamettin_12_07.sht

مصادر البحث ومراجعـــه

* إبراهيم أنيس (دكتور)- اللغة بين القومية والعالمية.(دار المعارف – مصر) http://ia700804.us.archive.org
* ابن جني – الخصائص ، تحقيق: محمد علي النجار- دار الهدى، بيروت(ط2 ب.ت).
* ابن خلدون- المقدمة (تاريخ العلامة ابن خلدون) – دار الكتاب اللبناني، بيروت(ط2)1967.
* ابن منظـور – لسان العرب ، دار صادر(بيروت ب.ت) ..
* أبو الحسن الجرجاني-التعريفات، الدار التونسية للنشر1971 .
* أحمد خرشيد النوره جي- مفاهيم في الفلسفة والإجتماع، دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد 1990..
* إلياس فرح ( دكتور)- في الثقافة والحضارة على مشارف القرن الحادي والعشرين، (بحث) مجلةآفاق عربية( العدد 1-2) 1999.
* أميل توما (دكتور) – تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث، دار الفارابي- بيروت1979.
* إنعام محمود حماد (دكتورة) – مشروع النهضة عند الشيخ محمد عبده.(بحث) الإسلام ومشروعات النهضة،المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية،كلية دار العلوم – جامعة القاهرة 2001.
* ج فندريس- اللغة، تعريب: عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص ، مطبعة لجنة البيان العربي- القاهرة 1950.
* جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، العروة الوثقى والثورة التحررية الكبرى، تحقيق: صلاح الدين البستاني، منشورات دار العرب، ط(3) القاهرة 1993.
* حسن حنفي (دكتور) – نحو تنوير عربي جديد: محاولة للتأسيس، ( بحث) مجلة عالم الفكر- الكويت، العدد3، مجلد 129.
* حميد سعيد – التراث والثورة، دار الشؤون الثقافية- بغداد1983.
* زكي نجيب محمود( دكتور) – تجديد الفكر العربي، ، دار الشروق،ط (8) القاهرة 1987.
* شبكة النبأ المعلوماتية – http://www.annabaa.org.
* عبد العزيز شرف – الإعلام ولغة الحضارة ( بحث) مجلة اللسان العربي، الرباط – المغرب ، المجلد 11- العدد الأول 1974 ..
* عبد الله عبد الدايم ( دكتور) – التربية عبر التاريخ، ، دار العلم للملايين، ط(2) بيروت1975..
* عبد الهادي بوطالب( دكتور) – في نـقد العولمة وآثارها السلبية ( بحث) أكاديمية المملكة المغربية2001..
*عبد الوهاب الكيالي (دكتور) – موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت(ط1).(ب. ت).
* فاطمة إسماعيل (دكتوره)- دور الفكر الإسلامي في النهضة الحديثة: اتجاه واحد أم تعدد في الإتجاهات؟ (بحث) الإسلام ومشروعات النهضة ، المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية ، كلية دار العلوم- جامعة القاهرة2001..
* فواز جرجس (دكتور) – أمريكا والإسلام السياسي، صدام الثقافات أم صدام المصالح ؟.http://anaharame.blogspot.com.
* محمد حلمي مراد (دكتور)، وآخرون – الموسوعة الإشتراكية، ،مراجعة: كامل زهيري، مطبعة دار الكتب- بيروت (ب.ت) ..
*محمدسيد محمد ( دكتور)- الإعلام واللغة (سلسلة البحوث الإعلامية1)،عالم الكتب- القاهرة 1984.
* محمد فاروق النبهان – العولمة من منظور الدول النامية، ( بحث) أكاديمية المملكة المغربية2001..
* محمود أمين العالم – طه حسين والحداثة( تقرير) قضايا وشهادات، ، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر- القاهرة1991…
* ناصيف عواد- قراءة أولية في المشهد العربي الراهن، ، مجلة آفاق عربية، العدد(9-10) 2000..
* ياسين خليل (دكتور) – العلوم الصرفة، ( بحث) حضارة العراق، دار الحرية للطباعة- بغداد 1985..

Advertisements