الشعر والتنبؤ ـ سامي مهدي

الشاعر سامي مهدي هل ينطوي الشعر على نبوءات ؟ هل الشاعر يتنبأ بأحداث تقع في ما بعد ؟
لا أدري ، وأنا ممن لا يؤمنون إلا بما هو عقلاني ، وعلمي . حتى ( الباراسيكولوجي ) لا أثق بها ، أو أعدها علماً من العلوم كما يفعل كثيرون ، ولكنني أجد ، رغم ذلك ، أن شعري لا يخلو من نبوءات ، بشكل أو بآخر !
لا أريد بهذا أن أمنح امتيازاً ما لنفسي ، إن كان في هذا أي امتياز ، فما أزعمه ليس سوى ظاهرة وجدتها في شعري ، وكان أول من نبهني إليها صديقي الراحل الناقد : محمد مبارك .
كنت يومها أقدم قراءة شعرية في اتحاد الأدباء ( وما أندر ما قرأت فيه وفي المهرجانات ) وقرأت في ما قرأت قصيدة طويلة عنوانها ( حاشية الأرض ) . كان ذلك في أواخر عام 1991 على ما أذكر ، وحين انتهيت من القراءة دارت حولها بعض المناقشات ، وذهب الظن ببعض المناقشين إلى أن هذه القصيدة ذات صلة بما حدث في العدوان الأمريكي على العراق في ذلك العام . ولكنني أوضحت أن القصيدة كتبت عام 1988 ونشرت في مجموعتي الشعرية : بريد القارات الصادرة عام 1989 ، فهي لا علاقة لها بالحدث ، لأنها كتبت قبل وقوعه بعامين في الأقل ، وزدت على ذلك فقلت : إنني قلما أكتب قصيدة ذات صلة مباشرة بحدث معين ، وإذا كان لهذا النوع من الكتابة مسوغاته أحياناً ، فأنا لا أستسيغه لنفسي ، لأن الأحداث وقائع زمنيّة عابرة ، والشعر لا زمنيّ في جوهره ، والكتابة عن الأحداث العابرة تضعف الشعر ، مهما عظم شأنها ، هذا إذا لم تفسده .
وهنا انبرى لي مبارك فقال : إذن ما صورته في قصيدتك هذه نبوءة تنبأتها دون أن تدري ، وهذا يحدث مع الشعراء في تجلياتهم . وأصر على رأيه ، ثم أكده في لقائنا الأسبوعي ( كل جمعة ) في مقهى حسن عجمي .
وحين نشرت هنا ، في هذا الفضاء ، قصائدي الثلا ث عن ( الرحيل ) علّق كثيرون ، وظن المعلقون أن لها علاقة بظروفنا الراهنة ، ظروف تشرد العراقيين في مشارق الأرض ومغاربها خلال العقد الماضي ، دون أن يعلموا أن هذه القصائد ( كأختهن : حاشية الأرض ) مما هو منشور في مجموعة ( بريد القارات ) نفسها ، وأنني أعدت نشرها لانطباقها على واقعنا الراهن ، واقع التشرد والضياع . فهل كانت هي الأخرى نبوءة من النبوءات ؟
أظن أن الصديق الناقد باقر جاسم محمد لا يؤيد ذلك كما فهمت من تعليق سابق له على إحدى القصائد . وأنا نفسي لا أصر على كون هذه القصيدة أو تلك نبوءة من النبوءات .
هي مصادفة من المصادفات إذن ، لا اكثر ولا أقل ، ولكن التأويل يذهب كل مذهب .

Advertisements