احصاءات البنية (التباديل والتوافيق في اللغة) ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة بصفة عامة ينصرف الاحصاء لتناول طرق عد الاشياء من جهة ووصف للمعدودات من جهة اخرى . على ان الاحصاء علم قائم بذاته يهتم بموضوعات ابعد مما ذكرناه . وحيث ان البنى والانظمة تنطوي على اشياء قابلة للحصر فان للاحصاء مكانة ممكنة في الدرس البنيوي .
لقد تناول اللغويون العرب قديما ظاهرة الابدال في اللغة ( كالجرجاني مثلا في تعريفاته ) ، كما تناولها ايضا دي سوسور في محاضراته الشهيرة واعقبه كتاب آخرون راحوا يشيرون اليها عرضّا او تقريضا . وقد جاء ذكرها بالفاظ مختلفة : الابدال ، التبديلات . وحيث ان البنيوية بوصفها منهجا للتحليل قد استمدت مفاهيمها من الرياضيات ، ومن ثم ، اعطت لتلك المفاهيم خصوصياتها التجريبية تبعا لكل حقل تناولته بالبحث بدأ بالتحليل اللغوي لسوسور . فأن هذا المنهج قد شابه الكثير من التصورات التعسفية والاستسهال في استخدام المصطلح لاحقا .
ان ( الابدال ) بمعناه العام يعني المبادلة بين شئ وآخر ، وهذا بدوره يتضمن التعويض . الا ان الابدال كعلاقة ينصرف الى خاصة قد تتمتع بها بنية معينة . اما التبديل فهو لايضيق او يتسع قياسا بالمفهوم العام للابدال . لذلك فاننا في هذه الدراسة سنركن الى العلاقة الابدالية كشأن لقسم من البنى ، وهي مقولة رياضياتية بحتة وجدت طريقها في الدراسات الانسانية المتنوعة . اما التباديل والتوافيق فأنهما مقولتان احصائيتان. ونجد لزاما علينا التفريق بين (التباديل )و(التوافيق) و(الابدال) و(التبديل) و(التعويض ). فهذه المفاهيم تختلط في بعضها احيانا في الدراسات اللغوية او في الدراسات البنيوية بصفة عامة . ولهذا الخلط اسباب اهمها تعود الى الترجمة . ومنها ما يعود الى قلة الاحتراس في توظيف المصطلح . او الخلط بين ما يعنيه المصطلح في علم دون آخر .
ولابد من الاشارة هنا ان هذه المفاهيم نشأت اولاً في بيئتها الرياضياتية عندما انتقلت العلوم الرياضياتية الى نظرية المجموعات وهو انجاز علمي نقل تلك العلوم الى مرحلة اكثر تطورا ، دون ان تتنكر الى منجزاتها السابقة . وانطلاقا من نظرية المجموعات وما اعقبها من صعود في الكشف والاكتشاف في سياقها ، استطاعت العلوم الرياضياتية وبفضل امكانية صياغة الكيفيات على وفق متغيرات تضمها علاقات دالية ( نسبة الى الدالة Function ) ، ان تعالج وقائع وتجارب في اللغة والاجتماع والسياسة والعلاقات الدولية وعلم النفس . ولايشكل الاحصاء في هذا التوظيف الا فسحة مساهمة تتضائل امام فروع الرياضيات الاخرى .
وليس بنا حاجة الى تقديم الاثباتات التي تدلل على ان البنيويين الاوائل قد درسوا المفاهيم الرياضياتية ككل وخاصة نظرية المجموعات والنظام الرياضياتي ( البنية كأطلاق عام ) . فهذه حقيقة يراها من له ادنى المام في الرياضيات وما عرف بالبنيوية .
وفي هذه الدراسة نتناول التباديل بوصفه طريقة احصائية تحصي التبديلات الممكنة باستخدام قوانين خاصة ، مع تضمينات محكمة لجهة تناول الشأن البنيوي ولكن بقدر ما هو ضروري بحدود هذه الدراسة ز فلقد اشبعنا هذا الموضوع نقاشا من وجهة نظر رياضياتية في مساهمة أخرى .

يؤدي مفهوما التوافيق والتباديل الى وصف للاحتمالات الممكنة في تآلف الاشياء على نحو ما . وبشكل معكوس يمكن الكشف عن تآلف الاشياء مع الوقوف على طرق تآلفها ، للخروج ، من ثم ، باستنتاجات قابلة للتعميم سواء في اللغة او في الاقتصاد او في العلاقات الدولية او في البنى الشعرية او علم الاناسة او البنى الاجتماعية ..
فلو اردنا وصف توافيق Combination حرفان من كلمة (بحر) ، سنجد ان التوافقات هي : بح ، بر، حر. فالعملية هي اشبه بعملية تصنيف للحروف اثنين اثنين وبغض النظرعن ترتيبهما . ذلك ان( بح) و( حب ) هما توافيق واحد ،بمعنى انهما متساويان من وجهة نظر توافقية ، طالما يحويان الحرفين ذاتيهما . وبمثل ذلك نقول عن التوافقين الاخرين . ان علاقات الزواج ليست إلا توافقات مأخوذة إثنين إثنين من مجموعتين معينتين من الرجال والنساء ، يكون التزاوج داخلهما امرا مقبولا وقابلا للاحتمال . واما كون هذه العلاقة توافقية و إبدالية ، فلأن الترتيب لايُحدِث تغيّرا في أثر العلاقة . بمعنى ان رجلا معينا يتزوج امرأة معينة ،( او ) ان امرأة معينة تتزوج رجلا معينا . فالامر سيّان في عقد القِران من جهة وفي وصفه من جهة اخرى .
اما التباديل Permutation فهو يعنى بترتيب الاشياء ، والى تغير ترتيبها تُعزى الاختلافات بين مُركّب وآخر . ان كلا من ( حب ) و (بح ) مركبان لهما كيانهما المعنوي ، ما يعني ان اختلاف ترتيب الحروف ينشأ عنه اختلاف المعنى .
وعلى مستوى الكلمات المعجمية ، والتي غالبا ما نركن اليها مصنفة بحسب حروف الهجاء ، موصوفة على انها جذور ، يمكن اعادة سردها على نحو مغاير ، ليس على اساس الجذر بل على اساس مختلف هو التبديل .

Advertisements