الشاعرة ” سهى احمد ” بين المفارقة وسحر اقتران الكلمات (قصيدة “نحن أقران” انموذجا) قراءة: داود سلمان الشويلي

 داود سلمان الشويليالقصيدة :
* ((لا فرق بيننا إلا بحضور الغياب
لن نتنازع الأدوار
كلنا نجوم، تهوي إلى البطولة
بلا كومبارس…
نعلق عليه أخطأءنا
الإملائية والنحوية والدرامية )).
يقول جيمس ديكي الشاعر الامريكي)):الشعر طريقة تتلاقى فيها الكلمات بنوع من الاقتران السحريّ الذي يَجْعل القارئ يَدْخل في تجربته الفعلية وليس تجربة الشاعر. لا أعتقد حقاً بما اعتقد به نقاد الأدب منذ أقدم الأزمان بأنّ الشعر محاولة من طرف الشاعر لخلق أو إعادة خلق تجربته الشخصية ونقلها [للآخرين]. لا أؤمن بهذا. أعتقد بأنه يقظة لحسّاسيات شخص آخر، الغريب((.( ترجمة شاكر لعيبي)
لنتفحص قول الشاعر الامريكي جيمس ديكي في ان الكلمات تقترن فيما بينها برباط سحري،لا ان تنقل لنا التجربة الشخصية للشاعر كما حدثت ، ونطبقها تطبيقا ابداعيا لا مسطريا على الشعر الذي يكتب هذه الايام.
اخترت قصيدة قصيرة للشاعرة الاردنية ، وهي قصيدة ( نحن اقران ) المنشورة على جدار صفحتها الخاصة.
القصيدة تتكون من ستة ابيات ، وقد حملت هذه الابيات ثلاثة ( افكار شعرية ) متنوعة ،و القصيدة التي تخلو من اي افكار( شعرية ) – اؤكد على هذه الصفة – مرسومة رسميا ابداعيا في صور شعرية ، لا يمكن عدها شعرا ، بل هي مقال او دراسة او بحث ، لا مشاعر ، ولا عاطفة من وجدان ، بل انها نابعة من عقل علمي محض.

في البيت الاول :
* لا فرق بيننا إلا بحضور الغياب .
يحمل هذا البيت فكرة شعرية تضم واحدة من المفارقات المعنوية ( من المعنى ) التي تحول القول العادي – شفويا او مكتوبا – الى قول شعري ، هذه المفارقة هي اقتران الحضور بالغياب.
كيف تكون حاضرا وفي الوقت نفسه غائبا ، او غائبا في الوقت الذي تكون فيه حاضرا؟
في هذا البيت تقول القصيدة ان لا فرق بين الحضور وبين الغياب الذي نحدثه نحن ،لان غيابنا هو حضور دائم ، و ان حضورنا مو غياب دائم .

هذا الارتباط بين الكلمات احدث جوا سحريا في العبارة ، فانتشلها من عاميتها اليومية في التداول ، الى ان تكون شعرا ، بسبب ما يحمله هذا الاقتران بين متضادين معجميين على مستوى اللغة من مفارقة الغتها سحرية التلاقي داخل اسوار البيت الشعري ذاك.

الصورة التي رسمها هذا البيت، او التي رسمها الاقتران الذي حدث بين الكلمات ، والعلائق كذلك ، هي صورة شعرية يتناوب داخلها الحضور والغياب الذي يحدث بين ” ابطال ” او ” شخصيات ” النص ،فمرة تستطيع ان تقدم الحضور على الغياب ، واخرى العكس.

في الابيات الثلاثة التالية تجتمع كلمات من مثل : نجوم ، بطولة ، كومبارس ، ونحن ( ضمير جمع المتكلمين ) ” ابطال ” او ” شخصيات ” التي تتحدث عنها القصيدة ، وتقترن فيما بينها في تلك الابيات لتنتج لنا افكارا شعرية ترتقي بتلك الافكار من المجال العامي اليومي المتداول ، الى مجال الشعر الذي يسحر القلوب قبل العقول.
* لن نتنازع الأدوار
كلنا نجوم، تهوي إلى البطولة
بلا كومبارس…

الصور الشعرية التي ضمت هذه الافكار الشعرية هو : تنازع الادوار بين الحضور والغياب ، هذه صورة شعرية ، الصورة الثانية ترسم “ابطال” او ” شخصيات ” القصيدة على انهم نجوم ،الا انها في الصورة الشعرية الثالثة نرى هذه النجوم تهوي بلا اي ضجة او” زفة ” كومبارس كما يقال.

ضمت الافكار الشعرية التي انتجها تلاقي الكلمات في هذه الابيات نوعين من الافكار الشعرية :
– التنازع الحاصل بين ” الابطال ” او ” الشخصيات ” الذين تحدث عنهم البيت الاول عن حضورهم الغيابي او غيابهم الحضوري ، في الادوار التي يمثلها كل واحد منهما ، بين ان يكون حاضرا وبين ان يكون غائبا.
– نجوم تهوي الى البطولة بلا كومبارس ، وهذه مفارقة ثانية في القصيدة .

المفارقة هي في كيفية تتكون البطولة ، هل تتكون عند السقوط من الاعلى الى الاسفل ، ام العكس؟
اترك للقاريء حرية تخيله لهذه البطولة ، وكيف كانت وكيف اصبحت والى ما آلت اليه.
اما البيتين الاخيرين فيبينان لنا المفارقة التي ينتجها تلاقي كلمات مثل : الإملائية ، والنحوية، والدرامية ، وما تفرزه الحياة التي نعيشها من اخطاء تجد القصيدة في عدم ذكرها ابلغ منها لو ذكرتها ، فتسكت عنها لتعبر بما قالته عما سكتت عنه ، لان من بلاغة القول ان نضمر ما نريد البوح به علنا.

* نعلق عليه أخطأءنا
الإملائية والنحوية والدرامية.
قرأنا قصيدة (نحن أقران ) للشاعرة ” سهى احمد” قراءة يمكن ان نقول عنها انها قراءة اسلوبية من خلال السحر الذي ينتجه اقتران الكلمات التي بنيت فيها هذه القصيدة ، ومخرجات مقولة الشاعر الامريكي،تلك المخرجات الابداعية التي نشأت هذه القصيدة وتكونت في كنفها ، وكذلك من خلال ما تحمله ابيات القصيدة من مفارقات هي صيغة من صيغ البلاغة الشعرية التي تعبر عن قصد الكلمات التي تحمل المعاني المتضادة .
القصيدة بعد ان تربط كلماتها برباط سحري اخاذ ، تنقل لنا ما يطفو على سطح الاشياء ، اذ لا تقول لنا الحقيقة التي يجب ان تبدو عليها الاشياء ، فالغياب هي صفة البشر، وكذلك الحضور في الوقت نفسه،كما ان البطولة هي ما بحدثه الارتقاء للاعلى لا السقوط في الهاوية،وفي النهاية فالاخطاء التي يرتكبها ” ابطال” او ” ششخصيات ” نلوم عليها اللغة والحياة بكل ما فيها من درامية .

و كما يقول ( هاكوب شفالييه ) : (( الميزة الاساس في المفارقة تباين بين الحقيقة والمظهر)) .( المفارقة وصفاتها – ترجمة عبد الواح لؤلؤة – دار المأمون – بغداد – 1987 – ص45)
وهكذا تضيع الحقيقة في هذا المظهر الذي تبدو عليه احوال ” ابطال” او ” شخوص ” القصيدة، لان المظهر يخبر بعكس ما هو حقيقي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
داود سلمان الشويلي قاص وروائي وناقد صدر له :
1 – القصص الشعبي العراقي من خلال المنهج المورفولوجي – دراسة – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة -1986 .
2 – طائر العنقاء – قصص قصيرة – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة- 1988 .
3 – طريق الشمس – رواية – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة -2001 .
4 – الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – دراسات – اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2000 .
5 – الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة- 2001. له اكثر من ثلاثين كتابا بين مجموعة قصص ورواية ونقد ودراسات فكرية وفنية منشورة على الانترنيت. ينشر في الصحافة والمجلات العراقية والعربية والمواقع الالكترونية منذ ستينات القرن الماضي.

Advertisements