القومية العربية ضرورة وحاجة (*) ـ حسن خليل غريب

ملف ( العلاقة بين العروبة والاسلام )

القومية العربية ضرورة وحاجة

حسن خليل غريبعجزت الدولة العباسية، على الرغم من محاولاتها المتكررة، عن منع الطموحات، المشروعة إسلامياً، للشعوب الإسلامية غير العربية في المشاركة فعلياً بالسلطة.
بدأ الاحساس، عند الشعوب الإسلامية غير العربية، بأحقيتها في المشاركة بالسلطة، بدءاً من الفرس، لأسباب جغرافية وتاريخبة، تحت تأثير عاملين: عقيدي وسياسي.

فللعقيدي علاقة بالمساواة والعدل بين المسلمين، بغض النظر عن انتمائهم القومي، استناداً إلى أنه «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».
أما السياسي، فلأن الموالي الفرس، كانوا إحدى قوى ثلاث شاركت في الثورة ضد الأمويين وأدَّت إلى انتصار الثورة العباسية.
ولما احتل الموالي الفرس مقعد المشارك في السلطة، إلى جانب العباسيين، انفتحت أبواب الطموح، صعوداً إلى الأعلى، حتى وصلت شعوب أخرى، من غير العرب، إلى الاستفراد بالسلطة في العصر العثماني، حيث كانت الشعوب الإسلامية، طوال الفترة التي تفصل نهاية الدولة العباسية عن العصر التركي العثماني تعمل على التخلص، تدريجياً، من العرب وإقصائهم في النهاية حتى عن «إسمية» الخلافة .
فالعصر العثماني نظام إسلامي ، انضمَّت إليه العديد من الشعوب مما أكسبه صفة الأممية. لكن، بعد أن انهارت التجربة، كان لا بد من التساؤل عن عوامل الخلل، في النظام العثماني الإسلامي الأممي، التي أدَّت إلى انهيار حلم بناء مثل هذا النظام؟

خلقت طبيعة النظام العثماني إشكاليات عديدة، دفعت باتجاه مزالق الضعف، ومنها:
-من تأثيرات نظام «أهل الذمة» المتَّبع في النظام العثماني، كإحدى شرائع العقيدة الإسلامية، أنَه قسَّم المجتمع العربي إلى مجتمعين :

الأول: تحفظ له الشريعة الإسلامية كل حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
أما الثاني : فمنتقصة حقوقه بالمواطنية؛ فهو وإن كانت اعتراضاته على نظام أهل الذمة لا تتجاوز دائرة الشعور بالإجحاف، فإنما جاءت نظريات المواطنة الحديثة لترتفع به من دائرة الشعور إلى دائرة الوعي النظري .
رفعت المؤثرات الفكرية والسياسية، والمتغيرات التي حصلت، درجة الوعي بالمشكلة إلى دائرة المطالبة التي حققت نتائج جزئية (نظام المتصرفية في لبنان )، ثم تصاعدت إلى دائرة الدعوة إلى الانفصال، فإلى الانفصال الفعلي بعد الحرب العالمية الأولى. وهي التي شكلت أحد العوامل الدافعة نحو الاتجاهات القطرية في المراحل اللاحقة .

-لم يكن الإسلام مُوَحَّداً، كمثل حاله في عصر الأمويين والعباسيين والمماليك، إذ كانت تنخر فيه الفرق والمذاهب المتعددة؛ فلم يكن المسلمون جميعهم يشعرون بأن النظام العثماني، كنظام إسلامي، يمثِّل مرجعيتهم الدينية. فإذا كانت الحروب المذهبية قد استكانت في العصر العثماني، فإنما لأن أطرافها قد أُنهِكَت فىِ العصور السابقة، ولأن النظام العثماني كان قادراً على ردع أية انتفاضات أو ثورات مذهبية.

-فعلى الرغم من أن النظام كان يتبنى المذهب السُني، إلا أنه لم ينل تأييد كل المذاهب السُنية. وثورات الوهابيين لهو دليل على صحة ذلك.

-ظهر عجزه ، أيضاً، في قيادة الشعوب المتمايزة عرقياً /قومياً. فهو وإن بقي على وفاق مع العرب- المسلمين، فإنما لأنهم بقوا في دائرة الطاعة لسلطته، لكنه كان يلجأ إلى اضطهاد أي اتجاه انفصالي يطفو على السطح. وموقفه من الحركة الوهابية التي أثارت مسألة عروبة الخليفة يدعم هذا الرأي .

-إن شعباً يقود نظاماً إسلامياً في الوقت الذي يجهل فيه لغة الشريعة، خاصة وأنه يُحرَّم ترجمة القرآن إلى لغة غير اللغة العربية التي أنزل بها، سوف يقود إلى التنازل عن الجانب العقيدي في الإسلام لغير أهل السلطة السياسية؛ وهذا بحد ذاته سوف يترك ثغرة مهمة في جدار النظام السياسي .

لكن النظام العثماني أوجد تسوية ببن السلطتين، السياسية والدينية، عندما سلَّم أمور الشريعة إلى المؤسسة الفقهية برئاسة شيخ الإسلام، وكان هذا التسليم مشروطاً بحدين: أن لا يُسمَح للفقهاء بالتدخل في الشأن السياسي أولاً، وأن يجد الفقهاء غطاءً شرعياً لسلطته السياسية ثانياً. لكن هذه التسوية انعكست سلباً على أوضاع الرعَية عندما أحدثت فجوة واسعة بينها وبين السلطة، فانحاز عندها الفقهاء إلى جانب السلطة.

-لم تكن التسوية بين السلطة والفقهاء هي الوجه الوحيد، الذي خلق تحالفاً ضد مصلحة الرعيَّة، و إنما وُجِدَت تسوية أخرى بين الفقهاء والطبقات الاجتماعية المحلية العليا. فكانت هذه التسوية غطاء يحجب عن المؤسسة الدينية عمق استفحال النظام الطبقي الاجتماعي، الذي كان بارزاً في وجهين :

-سيطرة الطبقية التركية الحاكمة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على الطبقات الأخرى غير التركية.
-سيطرة الطبقة العليا (إقطاعيون، فقهاء…) في المجتمع العربي على الطبقات الاجتماعية العربية الأخرى.

لم يكن الوسطاء، من رجال الدين، هم الوجه الوحيد لعلاقة السلطة الحاكمة بالرعية فحسب، و إنما كانت الاقطاعية المحلية، أيضاً، تشكِّل الوجه الوسيط الآخر .
فلما تنازلت السلطة عن هذه العلاقة للوسطاء، من إقطاعيين وعلماء دين، لم تنجح هذه الوسيلة لأن الإقطاعيين وعلماء الدين تحولوا إلى أدوات بيد السلطة.

وُلِدَت، في مثل تلك الحالة، مساحة فراغ بين الحاكم و المحكوم، إلى أن استطاعٍ مشايخ الطرق الصوفية أن يملأوها. فحاولت الطرق الصوفية أن تكون البديل عن الشريعة أولاً وعن السياسة ثانياً، ولكن ثقافتها لم تكن تتميز بإمكانية التطبيق ، عقيدياً وسياسياً، فهي كانت ثقافة سطحية تنفعل بالأخطاء التي كان يمارسها حراس الشريعة وحراس السياسة معاً؛ فأصبحت الثقافة الصوفية، إذاً، ثقافة تحريضية أكثر منها ثقافة تحمل إمكانيات إيجاد الحلول للمشاكل القائمة.
أدخلت هذه الأسباب مجتمعة، جميع التيارات، السلطة والاقطاعيين وعلماء الدين والطرق الصوفية، في نفق المأزق العقيدي والسياسي، فما إن هبَّت رياح التغيير من أوروبا حتى استطاعت أن تحرث أرضاً مليئة بالإشكاليات، تتطلع إلى يد فلاح ماهر، وقد حسبه البعض قادماً من أوروبا. فراحت تلك الرياح تُحْدِث انفجارات متعددة في مختلف الزوايا السياسية والفكرية السائدة، على مستوى الإثنيات الدينِية والقومية.فهل كانت المؤثرات الأوروبية، خاصة الفكر القومي، ذات تأثيرات جذرية ؟
حتى تاريخ دخول تلك المؤثرات، كانت مقومات القومية العربية قد تكونت: اللغة الواحدة، التاريخ الواحد، الحضارة الواحدة والتراث الواحد. فانصهرت معها شعوب عديدة لم تكن بالأصل عربية، واستطاعت اللغة العربية والثقافة الإسلامية أن تهزم غيرها من لغات الشعوب وثقافاتها القومية السابقة لإسلامها، فأخذت الثقافة الإسلامية المكانة الأولى في نفوس وحياة تلك الشعوب، خاصة بعد اكتسابها اللغة العربية.

جاءت النظرية القومية من عند الأوروبيين لكي تذكِّر العرب بأهمية الروابط القومية التي كانت قد تكوَّنت أصلاً وتحددت معالمها اللغوية والحضارية والثقافية في المراحل التاريخية ا لمتلاحقة .
لم تكن المناداة بفكر القومية العربية مجرد تأثر بالأفكار الغربية/الأوروبية، كما يحسب بعض التيارات الإسلامية، وإنما جاءت-كما يحسبون-لتحل مكان الرابطة الدينية، كمشروع استعماري مدروس وموجَّه، أيضاً، بشكل مسبق وموضوع لمثل هذه الغاية .
لم يكن الوعي القومي غائباً عن المسلمين العرب، فمعالم التكوين القومي العربي كانت قد أصبحت ناضجة: لغة مشتركة، حضارة عكست إشعاعاتها على أوروبا في مرحلة من المراحل، تاريخ مشترك، مصالح اقتصادية مشتركة، مواجهة خطر خارجي كان ماثلاً بشكل دائم . فانشدادهم إلى اللامركزية لم يكن يتعارض مع قوميتهم ، لأن ما كان يشدّهم إلى التمسك بالوحدة مع الأتراك، هو الرابطة الدينية، التي جمعتهم مع غيرهم من الأقوام الإسلامية بأكثر من رباط ثقافي ونفسي وحضاري؛ وهي، أيضاً، الأساس في الحل الملائم لحماية ما حازوا عليه من مكتسبات حضارية عديدة، وهي القوة التي تحمي الإسلام كعلاقة ثقافية روحية يتجمعون من حولها. ففي ظل هذه الرابطة تتوفر المصالح المشتركة، ومن أهمها توفير الحماية للجميع من الاعتداءات والأطماع الخارجية.

-اعتقد الإسلاميون السلفيون والإصلاحيون معاً أن الاشكاليات السابقة قد حصلت لأن النظام العثماني، خاصة، والمسلمين، عامة، ابتعدوا عن جوهر الإسلام، فالحل، إذاً، يتوفر بالعودة إلى الإسلام الصحيح.
توقف السلفيون عند هذا الشرط، ودعوا إلى الإصلاح الديني في ظل اللامركزية العثمانية. أما الإصلاحيون، باستثناء قلة منهم، فرأوا أن الإصلاح الديني ليس هو الوجه الوحيد، و إنما الاستفادة من العلم والحضارة هي الوجه الآخر؛ فدعوا إلى تحقيق الإصلاحات الدينية والسياسية والاجتماعية ني ظل اللامركزية العثمانية أيضاً .
اتفق التياران على ضرورة الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، لكنهما افترقا حول مضامين جوانب الإصلاح، إذ حصر السلفيون دعوتهم بالإصلاح الديني للممارسات الخاطئة، بينما حصر التيار الآخر علاج الإشكاليات في الجوانب الدينية والسياسية والاجتماعية .

برز تيار ثالث يرى أن حلَّ الإشكاليات لن يتم سوى باستبدال الرابطة الدينية بالرابطة القومية. لكن هذا التيار كان الأضعف، إلى أن جاءت كثير من المتغيرات في أواخر العصر العثماني، مثل: مظاهر التعصب القومي عند الأتراك، والوعود الأوروبية للعرب بإعطائهم الاستقلال السياسي …لكي تعطيه شحنات أكثر وتساعده على تعميق اتجاهاته، إلى أن تغلبت هذه الاتجاهات، في النهاية، على الاتجاهات الداعية للجامعة الإسلامية .
لم تكن تأثيرات الحضارة الأوروبية هي التي كوَّنت الوعي القومي العربي، ولكنها بالتعاون مع ما ظهر من تصور حول الرابطة الدينية، شدَّت الاهتمام إليه وعملت على إيقاظه. ولأن المبدأ القومي أعطى نتائج إيجابية على الساحة الأوروبية، بينما الرابط الديني بين شعوب متمايزة قومياً، كما هو الحال في الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، كانت له سلبياته. فما هو المانع، إذاً، من أن يكون المبدأ القومي/الرابط القومي ميداناً يقتحمه العرب المسلمون ؟ أليس من الجائز أنه يحمل الحل المنشود ؟

فشعارات الاتهام للفكر القومي بأنه مستورد من الفكر الغربي هي مسألة لا مضامين واقعية لها، و إنما هي ردَّات فعل ضد الجوانب السلبية في الثقافة الغربية، إذ أصبح كل دواء يأتي من الغرب، حتى لو كان صالحاً لمعالجة أمراضنا، يصبح مرفوضاً لمجرد أنه غربي، وكأن طبيعة الأمراض فينا ومصادرها آتية من الغرب، وكأن جسمنا ليس موطناً لكثير من الأمراض؛ بلى إن جسمنا مريض وجاءت بعض جراثيم الغرب لكي تعشش فيه وتزيده مرضاً على مرض، ولكن ليس كل ما أتى أو يأتي من الغرب هو كذلك .

كانت طبيعة اتجاه الأوضاع ، في ظل الدولة العثمانية الإسلامية، تؤشر على عجز الدولة العثمانية عن تطبيق النظام السياسي الأممي الإسلامي، أو عجز هذا النظام ذاتياً عن إيجاد الحلول من جهة، وانحياز الأتراك العثمانببن إلى قَوميتهم من جهة أخرى، كانت من الأسباب التي دفعت بالعرب المسلمين نحو القومية العربية. بقي العرب المسلمون متمسكين بالوحدة مع العثمانيين حتى آخر لحظة، ولكنهم حينما فقدوا الأمل من استحالة استمرار الوضع على ما هو عليه، وبعد أن جاءت ثورة الشريف حسين، التي زيَّن لها الأوروبيون وعوداً خضراء، كانت نقطة الحسم التي اندفع منها العرب المسلمون إلى تأييدها طمعاً بالاستقلال النهائي ، إلا دليل على ذلك.

كانت فكرة أممية الإسلام قد أصبحت واقعاً جاء النظام التركي العثماني لكي يخضعه للتجربة، واستمر طوال أربعة قرون، إلى أن ألغيت الخلافة الإسلامية في العام (1343هـ/ 1924م )، فكان استمرارها طوال هذه المدة مرتبطاً بعاملين :
– أولهما السياق التاريخي الذي سارت عليه الأمور، والذي اتفق فيه طرفان أساسيان على إدامة هذا المشروع الأممي : وجود نظام سياسي عثماني يعمل في سبيل تدعيم أركانه، مستفيداً من الزخم الديني للإسلام الذي أمَّن له التفافاً شعبياً دينياً واسعاً من جهة؛ والتفاف نخبوي إسلامي، يمثله علماء الدين، يؤمن بضرورة دعم هذا النظام الذي يعمل على حماية الثغورٍ الإسلامية والعقيدة الإسلامية من جهة أخرى .
– أما الثاني فتمثَّل في غياب أية تيارات فكرية أو سياسية، غير الإسلام ، تستطيع القيام باستقطاب الاتجاهات والرغبات الشعبية المظلومة والمستغلة اجتماعياً وطبقياً؛ وإذا كانت الطرق الصوفية قدرت على استقطاب هذه الجماهير، فإنما كان سلاحها إسلامياً؛ وبدلاً من أن تعمل على شحذ السلاح باتجاه تطوير النظام السياسي القائم، فقد حرفته، معظم الأحيان، باتجاه الغيبية والبدع والشعوذات .

فإذا كان انتهاء الإمبراطورية العثمانية، كآخر نظام سياسي يحكم أممياً باسم الإسلام، هو نهاية لهذه التجربة الطويلة، فإنه يمثل أيضاً حداً فاصلا بين حقبتين تاريخيتين :

-حقبة سيادة الإسلام، كنظام سياسي أوحد، أو نظام فكري سائد نسبياً .
-وحقبة جديدة، ما زالت قيد النمو باتجاه إثبات وجودها، هي حقبة الفكر القومي، كبذرة، أو إطار لنظام سياسي وفكري بديل للحقبة السابقة .

بدقة اكثر، ماذا بقي من الحقبة السابقة، أي حقبة التاريخ الإسلامي بالنسبة للبلدان التي تتكلم اللغة العربية بعد انتهاء النظام الإسلامي الأممي ؟ وهل الإيمان بأحادية الرابطة الدينية يبقى حلاً من الحلول المطروحة ؟ أم أن هناك روابط أخرى علينا أن نعطيها الفرصة للتجربة بعد فشل أحادية الرابطة الدينية ؟
صحيح أن هذه الأسئلة، التي تفتش عن تفسيرات وأجوبة لها، تشكل المقدمة الأساسية للباب الثاني من البحث، لكنها في الوقت نفسه تُعَدُّ خاتمة أساسية للباب الأول . أما السبب في ذلك فيعود إلى أن التجربة السابقة قد أصيبت بالفشل بعد أن عجزت عن توحيد شعوب متمايزة قومياً ودينياً. وعلينا أن نؤشر على ذلك السبب ونُعَلِلَه، لكي يكون مدخلاً أساسياً نطل منه على المرحلة القادمة، أو الحقبة التاريخية الجديدة، لئلا نكرِّر الأخطاء مرة أخرى .

بعد انهيار تجارب النظام السياسي الإسلامىِ، في أثناء محاولته توحيد مختلف الشعوب التي انضمت، أو أُرغِمت على الانضمام تحت سلطة الدولة الإسلامية، وبعد انهيار آخر نماذجه، التي مثلتها الامبراطورية العثمانية، لا بد من التوقف عند الظواهر التالية :

أ- بدأت عوامل التفكك، منذ وصول العباسيين للسلطة في خلال العصور السابقة لهم، تتفاعل داخل الإمبراطورية الإسلامية؛ فمن نماذجها وجود دولة أندلسية في جنوب غرب أوروبا، ودويلات شبه مستقلة في المغرب العربي، وحركات تمرد متواصلة شملت معظم أجزاء الدولة العباسية. وكُتب لها أن تنتهي بفعل حالات الانفصال السياسي المستمرة، والتي كانت ذات أسباب شتى، منها:
– المذهبي، كمظهر للصراع بين التيارات العقائدية الإسلامية ذاتها .
– ومنها الاجتماعي والطبقي، عندما لم تجد عامة الشعب المسلم حلولاً لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية حيث كان العدل والمساواة من العقائد الغائبة عن برامج النظام السياسي، هذا إذا كان للنظام برامج .
– ومنها تنامي طموح الشعوب المسلمة، غير العربية، في المشاركة بالسلطة السياسية ثم الهيمنة على تلك السلطة بشكل كامل .
لم تكن مظاهر التفتتت الديني والاجتماعي، والإثني – القومي، تدل على عافية وحدوية فكرية أو سياسية.

ب – لما انتهت تجربة الإمبراطورية العباسية، بعد أن نال الموالي الفرس حق المشاركة بالسلطة السياسية، وهي التجربة الأولى التي دخل فيها الجانب الأممي في الإسلام إلى حيز التجربة السياسية،كانت قد نقلت الصراع من مستوى القبليات المحلية إلى مستوى الصراع بين الإثنيات العرقية/القومية، ابتدأ هذا الصراع عربياً – فارسياً، وانتهى فارسياً – تركياً – سلجوقياً، تُوِّج بانتصار الأتراك العثمانيين .
أما العرب فقد خسروا دورهم ني السلطة السياسية، وبقي لهم الاسم الذي حكم تحت عباءته المماليك، لكن على أن لا يمس الإسم بالسلطة السياسية من جهة، وأن يسوِّغ للمماليك، أحياناً كثيرة، خروجهم وتجاوزهم لحدود الشريعة كما حددتها معظم المذاهب الإسلامية وتياراتها من جهة أخرى.

ومنذ العصر المملوكي ، أخذ الانقسام الإثني، بين رعايا الإمبراطورية الإسلامية، يتفشى، ليس بين العرب والآخرين، و إنما بين الآخرين ذاتهم؛ فتأسست دولة مغولية في بلاد فارس انتمت للإسلام، ودولة عثمانية إسلامية في آسيا الصغرى، بينما سيطر المماليك على بقية الأجزاء التي تُعرَف بالبلدان العربية .

ج – ورث الأتراك العثمانيون السلطة من المماليك، وأصبح لزاماً على المسلمين أن يخضعوا لتلك السلطة التي نقلت مركزها من مصر إلى إستانبول أولاً، وقد جُرِّد العرب من سلطتهم الاسمية ثانياً، وانضمت إلى جسم الإمبراطورية العثمانية الإسلامية شعوب أوروبية – مسيحية ثالثاً؛ عندها اكتسبت الدولة الإسلامية محتواها الأممي بالكامل، أي بما لا يُشتمُّ منه أي تفضيل للعرب، رواد الإسلام الأوائل .
أصبحت الإمبراطورية واسعة الأرجاء بعد أن ضمَّت إليها أجزاء واسعة من أوروبا، فتكاثرت وازدادت الأعراق المنتسبة إليها، وازدادت أعداد أصحاب الأديان غير الإسلامية، فتوزعت السلطات واتسعت المشاركة بالحكم لغير العرب ولغير المسلمين :
– السلطة المركزية العليا (السلطان /الصدر الأعظم ) بأيدي الأتراك العثمانيين.
– الديوان أو الجهاز السياسي – العسكري الذي يساعد السلطان في القضايا المهمة، بعض أعضائه من الأناضول وبعضهم الآخر من الروم ، والبعض الثالث من أفريقيا.
– المؤسسة الدينية بيد العلماء والفقهاء العرب المسلمين .
– السلطة العسكرية بيد الإنكشارية، أي من غلمان النصارى الذين أرغموا على الانتماء للإسلام .
– السلطات المحلية في الولايات المختلفة بأيدي الوسطاء من الإقطاعيين وعلماء الدين المحليين تحت إشراف الوالي/الباشا التركي .

كان حجم مشاركة الآخرين في السلطة، ونوعية هذه المشاركة، من العلامات الواضحة على أن الأتراك العثمانيين، ليس بناءً على خطة نظرية بقدر ما كان بفعل الأمر الواقع، قد أدخلوا الإسلام السياسي في دائرة تجربة قيادة نظام سياسي عقائدي أممي. تأسسَّت مقدمات التجربة الأولى في العصر العباسي، مروراً بالعصر المملوكي، و وصلت إلى نتائجها الكاملة في العصر التركي العثماني .

ما إن أخذ هذا النظام الجديد بالانهيار، بفعل العوامل الداخلية والذاتية – سياسية، وعقائدية، ودينية، واجتماعية واقتصادية وقومية – التي سهَّلت تدخل العوامل الخارجية، حتى بدأت حالات الانفصال العرقي تتسارع : انفصلت وبدون عناء، أجزاء واسعة من القطاع الأوروبي؛ واتجهت الأجزاء الآسيوية التركية نحو مساراتها الخاصة في الطريق القومي – العلماني؛ أما المسلمون العرب فقد اتجهوا في بداية الأمر، وبفعل الأمر الواقع، إلى دائرتهم القومية، بعد أن أصبحت المحافظة على الإمبراطورية العثمانية، كجامع للمسلمين ومدافع عن حياض الإسلام، أمراً مستحيلاً .
دلَّ الاستقراء التاريخي لما آلت إليه الأمور بالنسبة للتجربة الإسلامية السياسية على الحالات التالية :
-حالة الانفصال الفارسي، عندما تحصَّن الفرس في إيران، متسلحين بالمذهب السني تارة، وبالمذهب الشيعي تارة أخرى، يحدوهم الطموح إلى حكم الإمبراطورية الإسلامية، لكنهم لم يستطيعوا تحقيق هذا الحلم، إلى أن انتهى بانتهاء الدولة الصفوية في العام (1149هـ / 1736 م ).

– أما الأجزاء الأوروبية، فلم يحدوها في يوم من الأيام أمل في البقاء تحت قيادة امبراطورية عثمانية إسلامية، لا يجمع بينهما أية رابطة قومية أو دينية .

– فأما الأتراك العثمانيون، وعلى الرغم من أنهم كانوا أصحاب النظام الأساسيين، وبعد أن ثبت عجزهم عن توحيد شعوب الإمبراطورية تحصَّنوا وراء حدودهم الآسيوية وراحوا يبنون دولتهم الطورانية .
أخيراً، راحت الولايات الناطقة باللغة العربية تتطلع إلى حلم جديد بعد انهيار الحلم السابق ، فكيف ولماذا ؟
كان العرب بالأصل سكان شبه الجزيرة العربية، أنزلت الدعوة الإسلامية إليهم وبلسانهم؛ فسواء اتفق المسلمون، أم لم يتفقوا على دور الإسلام، أقومي هو أم أممي، وسواء كان المسلمون العرب ملزمين، بنشر الدعوة خارج حدود الجزيرة، أم غير ملزمين، بالسيف أم بغبره؛ فإن كل ذلك طرح، ولا يزال يطرح، إشكالية لم يستطع أحد أن يثبتها بالنص إلا ووجد من يقدم تأويلاً أو تفسيراً آخر .

لكنه على الرغم من ذلك، فقد استطاع العرب الحاملون راية الإسلام، بدافع من إسلامهم أم بدوافع أخرى، أن يؤسسوا إمبراطورية واسعة انتشرت أرجاؤها من بلاد الهند شرقاً إلى جنوب غرب أوروبا غرباً، كما استطاعت في عصر الأتراك العثمانيين أن تصل إلى مشارف فيينا الأوروبية شمالاً.

وهنا، فإن أهم ما نريد أن نوجه النظر إليه، ما يلي :
– كانت الولايات العربية الموجودة على الأطراف، حديثاً، والمجاورة للجزيرة العربية قديماً، مثل سوريا والعراق ومصر، لها علاقات مع الجزيرة بالمقدار الذي لا يسمح بتحول وتفاعل سريعين، بينها وبين الجزيرة؛أما الأطراف البعيدة كالمغرب العربي، فكانت شعوبها بربرية لغة وتقاليد.
فمنذ فتح الشام والعراق أنشأ الخليفة عمر بن الخطاب عدة دواوين تُسَيَّر باللغة العربية؛ وعرَّب الخليفة عبد الملك بن مروان جميع إدارات الدولة الإسلامية؛ ولما فتح المغرب سّيِّرت الإدارة، منذ البداية، باللغة العربية، وذهب جماعة من الفقهاء في أيام عمر بن عبد العزيز لينشروا بين المغارية الإسلام واللغة العربية، وللغاية ذاتها فعلوا في كل الدولة الإسلامية. وفي الهند وأفريقيا، كانت العربية لغتها الرسمية ( ).

لكن لم يُحتِّم الإسلام على سكان البلاد المفتوحة اعتناق الدين الجديد، ومن هنا استعربت جماعات من هؤلاء بدون أن تعتنق الإسلام؛ وفي المقابل دخلت جماعات بشرية كثيرة الدين الإسلامي بدون أن تستعرب، كما حصل في بلاد فارس وآسيا الصغرى والهند وأندونيسيا؛ ولهذا أصبح الواقع : «أن أكثرية العرب اليوم مسلمون، ولكن أكثرية المسلمين ليسوا عرباً»( ).
من الظواهر التي أصبحت واضحة أن كل الشعوب التىِ تعرَّبت ، وليس بالضرورة أن تكون (أسلمت )، لا تنكر انتماءها للعروبة، بل بالأحرى فإنها تطالب بعروبتها، وتدعو إلى المناداة بما اصطُلِح على تَسميته “بالقومية العربية، بينما الشعوب التي انتمت إلى الإسلام ولم تتعرَّب لم تجد أية مشكلة في العودة إلى تسوير نفسها داخل حدودها القومية الخاصة بها، وهذا ما حصل مع الفرس والأتراك، وما هو موجود في أندونيسيا وباكستان وأفغانستان وغيرها .

يقودنا هذا الواقع إلى السؤال التالي: إذا كانت كل الشعوب الإسلامية غير الناطقة باللغة العربية قد وجدت ضالتها في قومياتها الخاصة، فإلى ماذا سوف تتجه الشعوب الناطقة باللغة العربية ؟ فهل للعرب قومية خاصة بهم ؟ وتحت ظل أية دولة سوف يجدون ضالتهم ؟ فهل يبقون في داخل قطرياتهم، التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو،حتى يستعيدوا وحدتهم في ظل دولة إسلامية ؟ وما هو مصير العرب غير المسلمين، هل يُحكَمون بنظام أهل الذمة من جديد ؟ وإذا رفضوا ذلك فما هو الحل ؟ وإذا استطاع المسلمون أن يفرضوا نظامهم السياسي على الأديان الأخرى، فمن أي المذاهب الإسلامية، الشيعة بتياراتهم والسنة بتياراتهم، سوف يكون الخليفة الذي سيبايعونه بالخلافة ؟

إن العودة إلى خوض تجربة جديدة، أُعطِيَت فرصة قرون عديدة من الزمن، ولم تستطع إعطاء الحلول الناجحة لمشكلتي الإثنيات العرقية والدينية، لهي تلاعب بمصير الشعوب مهما كانت الأسباب والدوافع. ولماذا امتلأ تاريخنا الإسلامي والعربي بالصراعات بين المذاهب الإسلامية ؟ ولماذا لم ينس أصحاب الأديان السماوية أنهم مسلوبو الحقوق السياسية طوال قرون مديدة ؟ ولماذا انفصلت شعوب إسلامية عن النموذج الأممي للدولة الإسلامية، ثم انتهت الخلافة الإسلامية على أيدي المسلمين أنفسهم ؟
قد يقول البعض، من الإسلاميين : إن أخطاء المسلمين وانحرافانهم على مدار التاريخ، إثمها على أصحابها، لا يتحمل الإسلام وزر شيء منها، وهي حجة للإسلام عليهم، وليست حجة لهم على الإسلام ( ). وكأنه يحمِّل ، بعد تلك التجربة الطويلة، وزر فشل التجربة السياسية الإسلامية للمسلمين، وكأن النظام السياسي الإسلامي كان محدَّداً بدقة، لكن المسلمين هم الذين أخطأوا في تطبيقه .

إننا نتساءل: هل إثم ألف وثلاثماية وثلاث وعشرين سنة من عمر الدعوة الإسلامية، لم يستطع المسلمون، في خلالها، أن يحافظوا على دعائم دولة إسلامية تحكم بالعدل بين رعاياها كافة، وتحقق العدالة الاجتماعية والسياسية بين جميع طبقاتهم، تعود إلى قصور في الوعي وحسن النية في القصد عند الآلاف، بل عشرات الآلاف، بعضهم كانوا فقهاء وبعضهم الآخر كانوا متكلمين أو فلاسفة أو زعماء للطرق الصوفية، من جميع المذاهب والملل الإسلامية، ابتداء من الخلفاء الراشدين الذي حصلت في عصرهم أولى مظاهر الانقسام، مروراً بالأئمة والفقهاء وأبرزهم: جعفر الصادق، وأبو حنيفة، ومالك والشافعي وابن حنبل، وهم الذين عاشوا في كنف الدولة الإسلامية الموحدة، وبعضهم كان من أعمدتها ؟ ناهيك عن الذين استنبطوا نماذج عن النظام السياسي الإسلامي مثل: ابن تيمية والحلِّي والسهروردي، وابن سينا والفارابي وابن رشد وابن خلدون والغزالي، هل يتحمَّلون جميعاً إثم الفشل في بناء الدولة الإسلامية الواحدة ؟

وهل يلزمنا ألف وثلاثماية سنة أخرى، لكي تنتج الأمة الإسلامية أمثال أولئك، وهي لن تنتج، كي يستطيعوا تطبيق العقيدة الإسلامية الصحيحة في ظل الانقسامات التي كانت وما زالت منتشرة هنا وهناك، وهي حسب ما يُعدِّدها القرضاوي نفسه: الإسلام غير متفق على صورة له، فصورته عند التقليديين المحافظين، هو غير صورته عند المجددين المجتهدين، وهو غير صورته عند فصائل الصحوة الإسلامية المعاصرة، حتى هذه ليست تياراً واحداً، وهناك تيارات تقليدية وأخرى حرفية لفظية، وهناك من يتخذ العنف أسلوباً، وهناك اجتهادات غريبة لأفراد وجماعات …( ).

فمن موقعه، يرى القرضاوي: أن لا حرج على المسلم أن يحب وطنه ويعتزُّ به «ما دام ذلك لا يتعارض مع حبه لدينه واعتزازه به.وبهذا لا يضيق صدره (صدر الإسلام ) بالوطنية أو القومية، إذا لم يتضمنا محتوى يعادي الإسلام أو ينافيه كالإلحاد والعلمانية، أو النظرة المادية، أو العصبية الجاهلية.. »( ).

وهل حب المسلم لدينه واعتزازه به، يعني هو حب للعقيدة فقط، أم حب للمسلمين كيفما كانت اتجاهاتهم وسلوكياتهم، أم هو حب للإثنين معاً، واعتزاز بهما ؟
يرى القرضاوي أن المسلمين- حيثما كانوا -أمة واحدة: إنهم إخوة، جمعتهم العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، والإيمان بكتاب واحد، ورسول واحد، وشريعة واحدة، وعليهم أن يزيلوا عوامل الفرقة، والمناهج والأنظمة المستوردة، وأن يعملوا في سبيل التضامن الإسلامي، والاتحاد والتكتل، وتحرير الأرض الإسلامية من غاصبيها، يعاونهم المسلمون في كل مكان ( ).
حلم جميل أن تتحقق وحدة جماعة على هذا الشكل من الأطر الفكرية والسياسية والتضامنية والنضالية/ الجهادية، في وحدة متكاملة. لكن أن يكون الحلم في متناول التطبيق أو لا يكون، هنا تكمن الإشكالية .

الذي يحدِّد هذه الإمكانية هو مدى التئام جماعة ما حول مفهوم ديني أو فكر واحد، ومدى إمكانية تطبيقه على أرض الواقع. ونحن لن ننتظر مساحة زمنية لكي نعمل فيها على إخضاع هذا الحلم للتجريب لنرى مدى مصداقية تطبيقه، لأن الألف والثلاثماية سنة كانت مرحلة تجريبية أكثر من كافية .

دلَّت التجربة الطويلة على أن المفهوم الفكري الديني المتوحِّد، ولوحده ، غير قادر على تحقيق ما يزرعه فينا من أحلام. وما ينطبق على الفكر الديني ينطبق على الفكر الوضعي أيضاً. فالأمة ليست فكرة وحسب، وإنما هي مجموعة من الروابط والعوامل، أيضاً، تسهم في شدِّ أفراد الجماعة إلى بعضهم البعض؛ وهي شعب قبل كل شيء، والله تعالى خلق في الإنسان، بداية، عقلاً بالقوة، وترك له مسافة ينمو فيها بيولوجياً ونفسياً واجتماعياً، على أساسها يتحول العقل بالقوة إلى عقل بالفعل، ويرسم هذا العقل بدوره مناهجه التنظيمية التي على أساسها يحقق المجتمع انسجاماً في العوامل التي تؤمن وحدويته .
تمتلك المجتمعات، أيضاً، وحدة بالقوة، ولكي تنتقل إلى وحدة بالفعل شروط ومستلزمات؛ ولأننا لن نغرق في دائرة العقل التجريدي، فإننا نحسب أن تجربة الوحدة الإسلامية، التي هي، حسب مصادر المعرفة الإسلامية، وحدة بالقوة، لم تستطع أن تتحول إلى وحدة بالفعل. فكيف نرى ذلك ؟

عرف التاريخ الإسلامي مرحلتين :
الأولى : وحدة إسلامية عربية، تتمايز بصفائها العربي، فالدعوة أنزلت بلغة عربية بواسطة رسول عربي، وفي وسط اجتماعي عربي؛ استطاعت أن توحِّده وتنظِّمُه في ظل نظام سياسي مستند إلى العقيدة الإسلامية. وحتى بعد أن ضمَّ إليه أوساطاً غير عربية، لم يستطع هذا النظام أن يجمع هذه الشعوب في دولة واحدة إلا بشكل نسبي.
الثانية : وحدة إسلامية أممية، تعمل على توحيد الشعوب المتمايزة دينياً وعرقياً تحت ظل نظام سياسي إسلامي . إشتركت جميع هذه الشعوب، بشكل أو بآخر، في قيادة هذا النظام، لكن الانهيار كان النتيجة الأخيرة لهذه الوحدة.
كانت جميع حالات الانفصال عن الدولة العثمانية الإسلامية الأممية تنكفئ إلى داخل دوائرها المجتمعية السابقة لانتمائها للإسلام، والتي تميزها لغاتها القومية. فما هو، إذاً، أثر وانعكاس اللغة العربية كناظم وحدوي للعرب والشعوب التي تعرَّبت ؟

كانت بعض أجزاء الدولة الإسلامية قد عادت إلى دوائرها القومية على الرغم من محافظتها على العقيدة الإسلامية، لكن البعض الآخر عمل على الاندماج في داخل الدوائر المجتمعية العربية. وهذا ما استوقف الباحثين، ويستوقفنا لمعرفة خلفياته وأسبابه .
كان العصر الأموي، ومن بعده العصر العباسي بشكل أوضح، مختبراً حقيقياً تفاعلت في داخله العديد من العوامل. لم يكن هذا التفاعل نتيجة لعوامل داخلية فحسب، و إنما كان ذا مصادر خارجية أيضاً. فالمصادر الخارجية أتت من اللغة والتراث الروحي والاجتماعي، كإطار ثقافي، لتلك المجتمعات التي انضمَّت إلى الإسلام كعقيدة أو انضوت تحت ظل الدولة الإسلامية كإطار سياسي .

فبالنسبة إلى اللغة العربية، لغة الفاتحين العرب المسلمين، استطاعت أن تحل مكان اللغات الأساسية لعدد من شعوب الدولة الإسلامية في العهد العباسي، لكنها لم تستطع أن تلعب الدور ذاته عند شعوب أخرى.
ففي شمال الجزيرة العربية: ترافق تاريِخ الفتوحات، قبل الإسلام، في (لبنان وفلسطين وشرق الأردن والعراق وبلاد الشام )، بتفاعلات واختلاطات إثنية كثيفة، مع توحيد لغوي، إذ تبنىّ هذا الجزء اللغة الآرامية؛ ومع النزاع الفارسي والرومانى، على هذه المنطقة، سادت اللغة اليونانية فيها طيلة قرون، وعرفت هذه المنطقة تفاعلاً وتغالباً ثقافياً، هيليِّنياً وشرقياً( ).
بدأ التغلغل العربي في كل هذه الأجواء، منذ القرن الثاني للميلاد، وتبدَّل طابعه مع مرحلة الفتوحات العربية الإسلامية، ما بين الأعوام (11-22هـ /633-643م)، حينما أصبح العرب سادة الدولة والعقيدة. حينئذ أصبحت الاتصالات تتم بالعربية على صعيد: التجارة، الإدارة، التعليم الديني، وهذا ما أسهم في تعريب هذه المنطقة( ).
وفي مصر: تغلغلت في داخلها قبائل عربية متعددة قبل مرحلة الفتح الإسلامي، لكن هذا الطابع تغيَّر تغييراً جذرياً مع الفتح العربي منذ العام (19هـ / 640 م )؛ فمع الفتح بدأ مسار التعريب بطيئاً ثم تصاعد بقوة كبيرة بسبب هجرة عشائر وقبائل بدوية عديدة من الجزيرة العربية نحو الأرياف والمدن؛ وتقدَّمت الأسلمة، وبقي القبطيون أوفياء للغتهم إلى ما قبل القرن (5هـ / 11م) ( ).

أما في السودان وليبيا وشمال أفريقيا: فعلى الرغم من انتساب شعوبها إلى قبائل غير عربية، لها لغاتها الخاصة، أيضاً؛ إلا أنه بفعل الفتح الإسلامي العربي، وهجرة العديد من القبائل العربية إليها، وضرورة اكتساب اللغة العربية لاستيعاب مضامين الدعوة الإسلامية، استطاعت شعوب هذه المناطق، ولو ضمن فترات متباعدة ومختلفة، أن تكتسب اللغة العربية، وتحلَّ هذه محل اللغات الأصلية لتلك الشعوب( ).

أما التخوم الأوروبية: مع أن (جنوب غربي أوروبا) استعربت أو تبربرت، جزئياً، فإنها مع سقوط آخر دولة إسلامية، أي مملكة غرناطة، في العام (897هـ / 1492م ) قد زال استعمال اللغة العربية فيها( ).
أما في إيران وتركيا: وعلى الرغم من وجود من يتكلمون اللغة العربية فيهما، إلا أنه لم يكن بالعدد والنسبة التي تؤدي إلى إحداث تغيير يذكر ( ). فإيران انفصلت عن جسم الدولة الإسلامية منذ أواخر القرن (9هـ / 15 م )، والنخبة المثقفة فيها هي التي تعلمت اللغة العربية وأنتجت فيها بالحجم الذي أعطى إضافات نوعية إلى الحضارة العربية الإسلامية؛ أما من تعلَّم أو اكتسب اللغة العربية من العامة فلم يكن بالمستوى الذي يستطيع إحداث نقلة نوعية في عوامل الدمج والانصهار داخل المجتمعين العربي والفارسي.

أما في تركيا ، فلم يكن للأتراك العثمانيين، في المراحل الأولى، هدف تعريب الأتراك، أو تتريك العرب، مع أنهم في مراحل ولادة النزعة الطورانية، أوائل القرن العشرين، برزت لديهم نوايا لتتريك العرب؛ ولن ننسى أنهم كانوا يعملون، منذ تأسيس دولتهم، على تعزيز لغتهم الخاصة لكي تصبح لغة ثقافة .
كانت الثقافة الإسلامية، الثقافة الأم ، هي المعوَّل عليها في إحداث حالة الانصهار؛ والثقافة لن تصبح جزءاً مؤثراً في حياة المجتمعات إلا عبر مراحل طويلة. وكانت تواجه انتشار الثقافة الإسلامية عقبتان: الأولى أنها جاءت لتعالج في كثير من تعاليمها، المشاكل الخاصة بالمجتمع القبلي العربي في الجاهلية؛ والثانية أنها أُنزِلت باللغة العربية. ولكي تأخذ هذه الثقافة مداها، المعقول والمقبول عملياً، في التأثير على الشعوب غير العربية، فلا بد للمشترع الإسلامي أن يلَّم بطبيعة مشاكلها التي لم يكن لجميعها ما يشابهها في المشاكل التي عالجها الشرع الإسلامي سابقاً؛ وإذا لم يكن المشترع الإسلامي مُلمَّاً بطبائع الشعوب وتقاليدها وعاداتها، فقد يخطئ في معالجة مشاكلها الخاصة. فمن هنا نشأت مشكلتان :
– كان الفقهاء العرب هم الوحيدون الذي يُلمُّون بالأصول والشريعة الإسلامية أكثر من غيرهم، لكنهم كانوا يجهلون تقاليد الشعوب غير العربية .

– لم تكن قد نشأت طبقة من الفقهاء المسلمين من غير العرب، وهم الأجدر من غيرهم بأن يلمَّوا بجوهر مشاكل شعوبهم. وعلى هؤلاء أن يتضلَّعوا باللغة العربية ليستوعبوا جيداً أصول الفقه والتشريع الإسلامي .
والى أن يحصل تأمين فقيه عربي يفهم مشاكل الشعوب الأخرى فهماً صحيحاً، أو أن تنشأ طبقة من الفقهاء غير العرب لمعالجة تلك المشاكل، لا بد من وقت طويل يقتضيه بناء هذه النوعية من الفقهاء وتقتضيه ضرورة التشريع الصحيح .
فاكتساب اللغة العربية للمسلمين غير العرب، خاصة منهم العلماء و الفقهاء، يُعَدُّ حاجة ضرورية وأساسية، والسبب الرئيس هو تحريم ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، والقرآن هو مصدر من مصدرين أساسين في المعرفة الإسلامية.

إن اللغة استعمال يتميز به الإنسان ، والإنسان يتميز “إلى جانب بعده التاريخي الناسج للثقافة والحضارة، بأنه كائن معياري يتعامل مع قيم الأشياء ودلالاتها لا معِ الأشياء بحد ذاتها [والتي] تأخذ أهميتها من السلم المعياري الاجتماعي،أي من سلَّم في الثقافة الاجتماعية التي يتدامج الشخص معها اجتماعياً عبر غيره. وشخصية الإنسان نسق من التدامج الاجتماعي …يضاف [إليه ] تاريخية الشخصية التي تحيك فرادة الشخص وتمايزه… فحينما تتكون ملامح الشخصية وتتمايز يمكنها أن تتدامج. وخلاصة هذه الجدلية: (تمايز – تدامج ) هوية تتفاعل في مجتمع معين”. فاللغة كمؤسسة اجتماعية،تؤثر في رؤية الجماعة للواقعِ وفي إدراكها له، وينعكس ذلك على التفكير والسلوك وتكوين العقلية، كما تؤثر تأثيراً بالغا في الثقافة الاجتماعية والانتماء الاجتماعي والهوية الوطنية”. فاللغة «اجتماعية بمعنى أن الصلات الاجتماعية تحدد الطريقة التي يعبِّر بها الأفراد عن أنفسهم ويمثُّل الكلام شكلاً من التفاعل الاجتماعي»( ) .

فاللغة، كما هي وسيلة ضرورية للتدامج الاجتماعي فهي تلعب دوراً حيوياً فيما يسمى البناء الاجتماعي، فالنتيجة هي أنها أداة لنقل المعرفة.
فأبناء اللغة الواحدة، يتبادلون فيما بينهم الخبرات بسهولة اكثر مما يحصل بين من تختلف لغاتهم ؟ وليس غريباً أن لكل أمة رسالة بلغتها، لكي يتيسر لأبنائها أن يفقهوها ، وأن يكون لكل أمة رسول من أبنائها، لكي يحصل التدامج الاجتماعي بصورة أسهل، وحيث إن اللغة تشكل عنصر الاتصال الأساسي بين أفراد أمة واحدة؛ ولها، بالتالي، تأثير بالغ في تجانس الثقافة الاجتماعية والانتماء الاجتماعي الواحد، فالثقافة بشكل عام والثقافة الإسلامية، بشكل خاص، لن تلعب دورها التوحيدي إلا إذا انتقلت إلى جميع أفراد مجتمع ما؛ لهذا، ولسبب الفارق باللغة بين لسان الدعوة الإسلامية وبين المسلمين غير العرب فإنها لم تصل، في معظم الأحيان، إلى أعماق الإثنيات غير العربية.
كان انتشار اللغة العربية، مرحلة من مراحل الفتوحات الإسلامية، وبدون هذه الانتشار لا بمكن للثقافة الجديدة، الثقافة الإسلامية، أن تصل إلى أعماق المجتمعات الإثنية التي دخلت الإسلام وانضمت إلى الدولة المترامية الأطراف. لقد انتصرت اللغة العربية على بعض لغات الشعوب المغلوبة، لكن بعد صعوبات جمَّة.

كانت عملية الانتقال بطيئة، لأن التخلي عن اللغة الأم ليس بالأمر اليسير الذي يتطلبه التخلي عن الكيان السياسي أو الديانة القومية، ولم يتحقق الفوز الأخير للغة العربية حتى أواخر العصر العباسي. وعلى الرغم من ذلك فإنه تسنى للغة العربية أن تنتصر كلغة علم قبل انتصارها كلغة تخاطب، لذا أصبحت تُستَخدَم للأغراض العلمية كأداة للتعبير عن مظاهر الحضارة الإسلامية ( ) .

فإذا كانت الثقافة من الأسس المهمة لتجانس أبناء المجتمع الواحد وتدامجهم، فإن اللغة هي وسيلة انتقالها من فرد إلى آخر. شكَّلت الثقافة الإسلامية، عبر التاريخ، دائرة توحيدية في داخل المجتمعات التي اعتنقتها والتي استطاعت فيها اللغة العربية أن تحل مكان لغاتها الاصلية؛ ولهذا لم يكن من المستغرب أن يلعب عامل اللغة دوراً أساسياً في نشأة العروبة واتساعها إلى خارجٍ الجزيرة العربية في كل من أقطار الهلال الخصيب مشرقاً، وني أقطار الشمال الأفريقي مغرباً، حينما حلَّت محل اللغات الآرامية واليونانية والبربرية … لكن هذه العروبة، التي اكتسبت ميزاتها القومية العربية، بقيت في خارج أسوار فارس وتركيا والأطراف الأوروبية، لسبب ما أكدته الوقائع التاريخية في الماضي والحاضر، كما أن اللغة العربية لم تستطع أن تحل مكان اللغات الفارسية والتركية والأوروبية .

كان اكتساب اللغة العربية، إذاً، عاملاً أساسياً في تعريب ثقافة بعض الشعوب التي انضمت إلى الإسلام؛ وبفعل تراكم التجارب المشتركة، استمرت في لعب دور عملية الاتصال والتواصل والتدامج الاجتماعي .
فاللغة، كمؤسسة اجتماعية، أثَّرت في كيفية رؤية الجماعة للواقع وفي إدراكها له مما انعكس على طريقة تفكيرها وسلوكها وتكوين عقليتها؛ وأثرت، أيضاً، تأثيراً بالغاً في تكوين ثقافتها الاجتماعية، ووحَّدت انتماءها الاجتماعي وهويتها القومية ( ).

بعد أن تكوَّنت دولة إسلامية أممبة على مر قرون عديدة، ضمَّت إثنيات قومية ودينية متعددة، وأخذت قسطها الوافر من التجربة في التاريخ، أخذت عوامل التنافر القومي والديني ، في داخل هذه الدولة، تقوم بدور سلبي. وفي النهاية أدت هذه العوامل إلى انفصال الإثنيات القومية التي لم تتعرَّب ، واتَّخذت وجهة انتماءاتها القومية السابقة لإسلامها، فراحت تبني حدودها الجغراسية، بغض النظر عن الرابطة الإسلامية .

أما ما بقي من تلك الإمبراطورية، ولم تتحدَّد جغراسيته، فهي تلك الشعوب التي تعربت؛ وفي هذا الجزء الباقي انصهرت عرقيات وأديان مختلفة، وما جمعها كان عامل اللغة العربية. هذه هي الصورة التي رست فيها مراكب الجزء الباقي من الإمبراطورية الإسلامية الأممية . فماذا نسمي هذا الجزء ؟ وكيف نفسر توق مجتمعاته نحو التوحُّد ؟ وهل هناك رابطة خاصة تجمعها ؟

تُعَدُّ، في المنطق الإسلامي السائد، أية رابطة غير رابطة الإسلام تآمراً على الإسلام. أما إمكانية التوحد على أساس الرابطة الإسلامية، فتواجهها إشكاليتان قديمتان / جديدتان: وجود أديان غير الإسلام من جهة، وتعددية في المذاهب الإسلامية، التي لا تتفق على رؤية دينية وسياسية موحَّدة من جهة أخرى.
فاستحالة الحلول المطروحة، كما أثبت التاريخ، لا يمكن إلا أن تُبقي هذا الجزء مفتتاً كما أرادته اتفاقية سايكس – بيكو. فلنلجأ، على الأقل ، إلى اعتماد الحل الذي ارتضته الشعوب الإسلامية غير العربية، والتي انفصلت عن جسم الدولة الإسلامية الأممية.

تلك الرابطة هي القومية، التي أثبتت حتى الآن أنها حل ممكن، فالأحرى بنا ونحن الذين نفتش عن حلول لرأب تمزقنا، أن لا نقف في الخندق المضاد لها قبل أن نعطي أنفسنا فرصة إخضاعها للتجربة، كما أخضعنا الرابطة الدينية عشرات القرون .
فالجزء الباقي من الدولة الإسلامية الأممية، وهو الجزء الذي يتكلم باللسان العربي قد امتلك تراثاً غنياً مشتركاً؛ وهو منذ بداية تكوينه التاريخي، صهر مجتمعات إثنية، عرقية ودينية، واكتسب من خلالها شخصية خاصة تميزه عن الشخصيات الخاصة للشعوب الأخرى. فلنطلق على هذا الجزء اسم المجتمع القومي العربي ، الذي لعب الإسلام في تكوينه دوراً مميزاً .
ـــــــــــــــــــ
(*)هذا البحث جزء من الفصل الثالث من كتاب (في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام) الذي تمَّ إنجازه في العام 1994.
وفيه يعالج الكاتب موقف الإسلام السياسي المعادي للقومية العربية، وقد اتَّخذ من كتابات الشيخ القرضاوي أنموذجاً لتلك المواقف .

Advertisements