نداء رومــا ـ بقلم رحيل

1379841_10152042090024239_1695086886_nوأنا غارقة في أكوام ملفات لامتناهية، رن جرس الهاتف، بتثاقل آلي رفعت السماعة، لأجد اختي على الخط، تخبرني ان بالبيت ضيوفا في انتظاري…استغربت ذلك، سألتها متضايقة: – من هؤلاء؟ فانا لست متعودة على استقبال ضيوف في بيتنا؟ كما ان زبائن المكتب ياتون لقضاء اغراضهم في المكتب؛ ولا احد يجرؤ على زيارتي في البيت، أو مضايقتي بشان ملفاته، بعدما أخرج من مكتب العمل…لكن اختي، التي ضحكت بسخرية من تساؤلاتي، قالت لي: يبدو عليهم أنهم ضيوف من طينة اخرى..وربما هم بصدد اعداد ملفات هجرة الى روما مثلي..روما…ما ان سمعت الاسم الذهبي حتى ارتعدت مفاصلي وشعرت بانتعاش جديد ونشاط يسري في دمي…دندت بدون شعور “روما لبيك روما”…”عاش القيصر العظيم”…- ها أنا آتية يا أختي…لقد مر زمان، لم أنادها خلاله: “أختي” ، بهذه الرنة والحنان الغريبين! …

مضى وقت طويل دون أن اسمع أخبارا عن روما وعن غزواتها وفتوحاتها…رميت ما بيدي من ملفات . قمت على عجل، خرجت من المكتب لا ألوي على شيء، دون أن أستأذن المدير، الذي نظر الي شزرا، وشيعني حائرا في امري.. نزلت الدرج ركضا، وهرولت بسرعة..لم يعد يهمني شيء، أزيح المارة من أمامي: “روما تنادي..والفارس ينادي…والبحيرة…اه ! هذه أمنيتي الغالية ستتحقق اخيرا… هذا الفارس المنقذ، المهدي المنتظر…والقطع النقدية الفضية والنحاسية التي أحرص دوما على جمعها في الحصالة… املا في رميها في البحيرة وعيناي مغمضتان، أمنَّي نفسي باماني عديدة: أولها مخدع مشترك، وسلالة أبدية، تؤمّن الاستمرار، في برج روما العاجي….لاهثة وصلت إلى البيت بسرعة صاروخية، لكن كل ثانية كانت ثقيلة ثقل هذا الجو الخانق والأيام التافهة التي قضيت..استقبلتني اختي بسهام سخريتها التي لاترحم، حتى في أحلك الأوقات، أمرتني بلهجة استعلاء، ان اغير ثيابي وأبدو في كامل اناقتي، لذلك جرتني بقوة ، ثم دفعتني أمامها نحو غرفتها، حيث سهرت على زينتي بعناية فائقة، وإن لم تخل من استعجال، قبل الدخول على “ضيوف روما”، الذين قاموا بغزو بيتنا، دون سابق معرفة او إشعار…مما زادني إعجابا بهذا الفارس، الذي لم يبال بلقائي، أولا، وعرض ملفه واوراقه ومقترحاته بشان الرحلة، قبل الدخول الى المعبد لنيل البركات…هذا إن دل على شيء فانما يدل على كونه فارسا مغوارا، وثقته بنفسه وبفوزه في حربه لأجل الدخول الى روما كبيرة… وولجت أخيرا غرفة الضيوف، لألقي التحية برقة ومجاملات ، وتوجهت للجلوس بجنب امي..كأني أبحث عن حماية ما. امي، ترحب بالضيوف بين الفينة والاخرى. رجلان او بالأصح شابان في مقتبل العمر..أحدها بزيه العسكري، وهو الفارس، حسبما اخبرتني اختي…وهذا يبشر بالخير…فارس أحلامي عسكري. وافرحتاه.!..لم يعد للمدنيين مكان في الطائرة..فأنا سأستقل طائرة حربية هذه المرة، يقودها ربان عسكري..روما أنا آتية إليك صحبة عسكري..سنغزوك يا روما..وصرت أسترق اليه النظر بين الحين والاخر .. أرقب النجمات العسكرية اللامعة على منكبيه، وهو يتحدث بهدوء ورزانة القائد…وسيم ..جذاب .. لكم أهوى تسريحة شعره العسكرية، وعينيه العسليتين وبشرته القمحية…لا يزال في مقتبل العمر، وربما يكبرني بسنوات قليلة فقط…أخوه المهذب جدا، يسترسل في احاديث مع المرأة التي جاءت برفقتهما..لا يلبث أن يقطعها برشفات شاي والتهام قطع حلوى…إنها جارتنا فطومة…يبدو لي أن الفارس وأخاه من أقاربها .. أو من معارفها. فهي لا تكف عن الحديث وعن إلقام الحلوى لفكيها..أختي بذلت مجهودا كبيرا في إعداد مائدة متنوعة المطاعم والمطبوخات مما لذ وطاب لتعرب عن مدى كرمها وترحيبها بطاقم الرحلة الى روما…فالفارس يتيم..وهذا أخوه وولي أمره وأبوه وعائلته…رق قلبي ليتمه…لا يهم سأكون لك الأم والأب يا قيصر روما…لبيك يا روما..سلالتك لن تنقرض يا يوليوس قيصر العظيم…ولا بأس فأحفادك لن يتعرفوا على أجدادهم؛ ولكن لا يهم…فالمهم ألا تنقرض السلالة..وأنا سأحرص على زرع فروعها في شتى ربوع المملكة…تحيا روما! يحيا القيصر!.. لم أجد مناصا من مغادرة القاعة…فقد تعرفت على الفارس…على ربان الطائرة ..وعلى بقية الطاقم…وتركتهم كي يناقشوا إجراءات الرحلة بحرية تامة….ودخلت غرفتي وأنا أحلم بهذا العسكري الذي سيحملني بعيدا.. دخلت علي أختي بعد انتهاء الزيارة ساخرة كالعادة تسالني عن رايي. رايي في ماذا؟ومن هدا الفارس؟وما علاقته بفطومة؟ فطومة جارتنا، عادت بعد وقت قصير من خروجها صحبة الفارس وأخيه، الذي أخبرها عن إعجابه باميرته وإصراره على البدء في الإجراءات قريبا وعاجلا، وهو يودعها، ويعدها برجوعه بعد أيام ، فهي من ستكون وكيلته، وولية أمره نيابة عن والدته الراحلة، فالله عوضه أخيرا عن حنان أم خطفتها يد المنون..ام كانت تتمنى ان تعطي الإشارة لابنها الفارس في إقلاع طائرته العسكرية..وفطومة أمه الثانية الآن ، وهو يحمد الله! فالله لم يخيب رجاءه ورمى فطومة في طريقه.. فطومة، أخبرتنا أنها لا تعرف هذا الفارس، ولا تمت إليه بأية صلة ، وليس من معارفها أو من أقاربها…فكل ما في الامر أنها التقت بهما صدفة ليعترضا طريقها، فلديهما رجاء خاص- بما أنها تبدو امراة وقورة ومحترمة وذات خبرة وحنكة في الحياة ، وهذا ما زاد من غرورها وإحساسها بالزهو والفخر- إنهما بصدد البحث عن فتاة ترغب في الطيران الى روما رفقة العسكري…فتاة من عائلة محترمة وطيبة وميسورة…ولم يخطر ببال فطومة، كي تنال الأجر والثواب سوى زهرة العانس، وعائلة زهرة الطيبة البسيطة…لتصطحبهما إلى البيت…واستقبلتهما أمي وأختي ، وهما تعتقدان أن الفارس العسكري وأخاه من عائلة فطومة… آه منك يا فطومة!..ومادخلك أنت في عنوسة زهرة ؟ ما دخلك في تاجيل رحلة طيرانها او الغائها؟ تفكرين في نيل الأجر والثواب ؟ وغاب عن عقلك ان زمن الصدق والثقة قد غاب؟ ولحسن حظك يا فطومة أن الفارس واخاه من هواة الأكل وحضور الحفلات تحت شعار البحث عن رفيقة رحلة روما…فكلما شعرا بالحنين الى أكل مميز، وحفاوة ومائدة متنوعة الا وطرقا الباب تحت شعار الرباط المقدس…ونحن لا نزال نكرم الضيف ونرحب بالغريب ونفتح الباب لعابر السبيل…ونحمد الله ان هوايتهما لا تتعدى الأكل والشرب وقضاء أمسية جميلة صحبة عائلة مختلفة…فلو كانت لديهما نوايا أخرى..لقاما بذبح الأميرة وعائلة الأميرة ، وربما قاما بالسطو على الممتلكات…لكن طمعها لا يعدو ملء البطون؛ فهما من طينة اشعب الطماع…وللأسف العوانس كثيرات، ومتجددات على مدار الساعة، لا ذنب لهن وهؤلاء الحثالات، يتلاعبون بمشاعرهن ويطرقون الأبواب تحت ذريعة الزواج بهن، وهم يريدون فقط تمضية وقت وتسلية ..وعائلات محترمات ترحب بهم ، وتكرمهم وهي تعتقد ان الأمور جدية…..ولحسن حظك يا فطومة ان الخسائر لا تتعدى أطباق حلويات وفطائر ومشروبات وشاي وحليب وقهوة…وإلا حصل مالا تحمد عقباه ، وكانت الطامة الكبرى وكنت أنت اول الشهداء في ميدان المعركة الحربية يا فطومة..
ـــــــــــــــــــ

رحيل : كاتبة من المغرب

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: