العروبة والإسلام والعلاقة بينهما ـ أ.د. محمد عبد المطلب البكــّــاء

(ملف العلاقة بين العروبة والاسلام )
أ.د . محمد عبد المطلب البكاء لم تكنْ مكانة “الدِّين” في الثقافات الإنسانية عامة قليلة الشأن، كما أنها في أدبيات وطننا العربي تشغل إهتماماً خاصاً حيث تتوحد روح الإسلام بالعروبة، وحيث الإنحياز إلى الإيمان ضد الإلحاد، من دون إنقياد إلى تحزب ضيق في المعتقد الديني، وممارساته، وبرغم هذا فإن مكانة ( الدّين) في عالمنا المعاصر اليوم تحتاج إلى وقفة جادة بقصد فرز الإستغلال المقصود للتحزب الضيق عن المعتقد الدّيني، وبقصد تبين سمات نزوع القوى المتنفذة عالمياً، وإقليمياُ إلى إستغلال هذا التحزب إستغلالاً طائفياً؛ فئوياً بهدف تفتيت وحدة الشعوب، وتمزيق نسيجها الإجتماعي، وزرع الفرقة والشّقاق بين أبنائها.
وإذا كانت المنطقة العربية قد شهدت من قبل حديثاً مثل هذا، خاصة بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وإحتلال فلسطين، وما أعقبها من نكسة في حزيران (1967)، إلا أنّ هذا الحديث كان رهـْناً بالظروف التي تعيشها الأمة العربية، لأنه كان حديثاً يتراوح بين الحدة والسخونة، والصيحات المتنافرة هنا، أو هناك. فعلى المدى القريب، وخاصة بعد حزيزان(1967) التي شكلت تحدباً مباشراً حضارياً،وإنسانياً للأمة العربية، وإمتحاناً قاسياً للأيدلوجية العربية الثورية(Ideology )، برزت الأيدلوجية الدينة مستفيدة من الأوضاع التي تعيشها الأمة العربية لتصب غضبها على كلِّ شيء، ولتكفر بكل ماهو موجود، وقائم، ومن دون التفريق بين الغث والسمين، ومن دون تمييز بين ماهو هش قابل للإنكسار، وبين ما استوى قائماً متجذراً على صعيد الواقع، وذلك لأنها أرجعت ماحصل في حزيران(1967) لسبب واحد،ورأت أن العلة كامنة فيه، ذلك السبب هو الإبتعاد عن الـدّين كأيدلوجية،ونظرية قائمة ترتكز على الشريعة المكتملة بشكل مطلق، والتي لا تقبل إلا تأويلات في الفروع وليس في المصدر.
وإذا كنا نلتمس لها العذر في أنها لم تفرق بين اليسار القومي، واليسار اللاقومي الأممي الذي شكل تحدياً مباشراً من خلال كفره بـ (الدّين)، ونعته بـ (إفيون الشعوب) الذي تستغله الطبقات الحاكمة اليمينية، والرجعية لتمارس إضطهادها، وتقود شعوبها من خلاله نحو هاوية التخلف بعد أن ربطت بين الدين والتخلف، وكأنهما وجهان لعملة واحدة. إننا إذن أمام تيارين:
الأول: ديني، سلفي: لايرى سبيلاً للخروج من المحنة التي تعيشها الأمة العربية، والإسلامية إلا بالرجوع إلى الينابيع الأولى، وتتبع مجرياتها، وتفرعاتها تقف حيث وقفت،وتلوذ بإختياراتها( المرّن والمضطر)منها.
الثاني: رافضٌ كافر، أغرقته المادية في إتونها، وبنى نظريته على أحد طرفي الصراع الطبقي، بإعتباره المحرك الأساس، أما ما عداه فلا يعدو أن يكون من مخلفات الرجعية الدينية، أو البرجوازية.
وبفعل هذين التيارين، ومقدار جذب كل منهما، وما أفرزته الأوضاع العربية المعاشة عبر التيار الديني عن نفسه بشكل أكثر صرامة وحدة، منتهزاً ضعف الهياكل الحكومية في المنطقة، وعجزها في عدم وضوح رؤيتها، ونظرتها الأيدلوجية – إن وجدت- وغياب الفكر العربي في أحيان كثيرة، وقدرته على تحجيمه، وكشف أوراقه التي اختلطت عليه نفسه، وعلى الآخرين حين إتخذ من العنف المسلح وسيلة للتعبير عن نفسه في أغلب أقطار وطننا العربي، كما حاول التيار الآخر من قبله أن يعبر عن نفسه مستفيداً من الأوضاع، والفوضى السياسية التي عاشها العراق بعد ثموز 1958.وبعد قيام الثورة الإيرانية، وطرح الديـن( الإسلام) شعاراً لها في الحياة ضاعت الفواصل بين التيارين، واختلطت أوراقهما، فإذا الدين يساري لتيار الرافضين له من قبل،وفي اليسار الكثير مما يعزز النظرة الدينية في المنهج الحياتي المادي.
مما تقدم لابد أن نتلمس موقفنا من (العروبة والإسلام) لا من وجهة نظر الأحزاب الدينية، أو أحزاب اليسار الأممي ،وإنما من خلال نظرة نظرة قومية بعد أن فشلت الحركات القومية الطوباوية،واليسارية اللاقومية في إستيعاب واقع الأمة العربية، والتحديات التي تواجهه، والتي اشتدت ضراوة في ماسُمي بـ (الربيع العربي)، لذا فإن تجاوز الأمة لمحنتها،وإستعادة مكانتها، ودورها التاريخي يكمن في ثورتها التي يشترط فيها( الإصالة) فيها، ومن خلال عنصري: (الثورة والأصالة) نستطيع أن نقرر ما يلي:
1- العرب امة ذات رسالة إنسانية، أسهمت بشكل مباشر في تطوير الفكر الإنساني،وإغناء حضارته، وحين خصهم الله بالإسلام، وحمل رسالته إزدادت ثقتهم بأنفسهم لحمل هذه الرسالة لأنه لم يكن عقيدة أخروية فحسب، بل هو بناء الذات لأمة سيكون لها شأنها عبر تاريخها المجيد.
2- إن الثورة التي شهدها الواقع العربي بفعل الرسالة الإسلامية، لم تكن وليدة فراغ لأنّ ما تنطوي عليه الأمة العربية من عوامل الحياة، والفعل الحضاري قد وجدت سبيلها إلى النمو والإزدهار بعد أن أيقظ الإسلام عوامل القوة والمنعة الكامنة فيها.
3- إنَّ إختيار العرب لحمل رسالة الإسلام، وتبليغها لم يكن لولا مايتمتع به العرب من خصال، ومزايا إنسانية اهلتهم بحق لحمل مبادئها السامية، في زمن اكتملت فيه عناصر قوتهم، ونضجت فيه إرادتهم .
4- جاء إختيار العرب لحمل الرسالة الإسلامية بعد أن احدث الإسلام فعله في نفوسهم، وبعد أن نضجوا،والذي نرى أنه كان نقطة البدء لعصر النهوض العربي،ومن ثم حمل الرسالة إلى الأمم المجاورة لإنقاذها من الضلال، والجهل وهدايتها سواء السبيل بحكم ما أنطوت عليه مباديء الإسلام عامة في الحياة الدنيا، والآخرة، وليؤدوا واجباً كتبه الله سبحانه عليهم.
مما تقدم يمكن أن نؤشر بإيجاز العلاقة العضوية التفاعلية بين العروبة والإسلام، بما يمثله من قوة روحية لإعادة صياغة الأمة من جديد، وتجاوز عوامل الوهن والضعف بعد أن أصبح جزءاً فاعلاً في تكوين حركة القومية العربية التي جعلت من الإسلام تراثاً روحياً، وفكرياً لكل العرب بإختلاف دياناتهم، وبشكل لا يتقاطع والديانات الأخرى من خلال إطلاق حريتها الدينية،والإقرار بمشروعيتها، ووجودها. إنّ الإسلام بداية عصر جديد عاشته الأمة العربية بكل معطياته الإيجابية، والثورية التي شكلت في ما بعد أسس النهضة الإنسانية التي شهدها التاريخ الإنساني، فهو إذن روح الأمة العربية المتطلعة إلى إيصال المباديء الإنسانية إلى كل بقاع الأرض، يعزز هذا:
1- إن بدء هذا العصر ينطلق من الهجرة النبوية الشريفة التي آذنت ببدء عصر جديد مغاير لما سبقه، لا للعرب فحسب بل للإنسانية جمعاء، والتي شكلت في مابعد نقلة نوعية كبرى في الحياة الإنسانية.
2- إنّ ما تحقق للعرب، وللإنسانية جمعاء بعد ظهور الإسلام، وما تلاه من إزدهار حضاري ،وإنتقال من الضد إلى الضد،من الضلالة إلى الهدى،ومن الذّل والعبودية إلى الحرية،ومن الطغيان والإستغلال إلى العدالة والكرامة،والتأكيد على دور الإنسان،وأنه خليفة الله في أرضه، بعد أن سلبته الحضارات السابقة إرادته يعود الفضل فيه إلى الإسلام فكراً وعقيدة.
3- مثلت علاقة الإسلام بالعروبة علاقة الروح بالجسد،وأن هذه العلاقة ليست علاقة إفتراضية مجردة، وذلك لأن إختيار العرب لم يكن إختياراً عشوائيا بقدر ما كان ترجمة فعلية لأمة أثبتت قدرتها على حمل الرسالة( الأمانة) التي عجزت السماوات والأرض عن حملها،وأشفقن منها.يعزز هذا أن الله سبحانه قد خصّ العرب بكل الرسالات السماوية،والإسلام منها كآخر رسالة سماوية وإيصالها إلى أبعد بقاع الأرض.4- التأكيد على دور الإنسان كقيمة عليا،وأن مهمة الإسلام هي تأكيد هذا الدور،وتطويره بما يحقق الفعل المتميز على صعيد الحياة (الخاصة والعامة)، بعد أن بدأ بـ( النفس) لتكون أكثر إنسجاماً وتفاعلاً والهدف الذي أكدت علية الرسالة الإسلامية، وبذا انحسرت النظرة الغيبية التي تحدد العلاقة بين الخالق سبحانه،وبين المخلوق وتجاوز دوره في الحياة الدّنيا،من دون التركيز على الفعل الحياتي: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ *”التوبة:” 105″.وهذا ما يؤكد لنا ضرورة سعي الإنسان في الإرض لتأكيد قيمته الإنسانية، وحضوره الفعلي : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .”القصص٧٧”. وخلاصة مانراه: أن الإسلام ثورة فكرية، وسياسية خصّ الله سبحانه العرب بها لحمل لوائها،ونقلها للإنسانية جمعاء لإنقاذها من براثن الجهل والعبودية، وهدم المرتكزات المادية، للحضارتين المجاورتين للأمة العربية ( الفرس والروم)،والتي قامت على إستلاب الإنسان عقلاً وروحاً، وضميراً قيل الفتح العربي الإسلامي. إن هذا الإيمان كما اشترطه الإسلام لايلغي التعامل الإيجابي، والنظرة الموضوعية في التعامل مع ما سبق الإسلام من ديانات سماوية اعتمد فيها سبحانه التدرج المستند على معطيات الواقع المعاش، والقدرة على الوعي ،والإدراك، والتقبل، لذا فإن تتابع الرسالات السماوية من زمن إبراهيم(ع) إلى نبينا الكريم(ص) ليس صدفة لأنه يتنافى وقدرة الذات الإلهية، وحكمتها في التدرج المستند على تطور معطيات الواقع الإجتماعي، وقدرة الإنسان ،وإرادته في الفعل والتأثير. ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ” آل عمران 84 “.

Advertisements

2 تعليقان

  1. اولا/لابد من كلمة شكر للدكتور عبد الرحمان كاظم زيارة الدي اطلق نقاشا حول موضوع قديم متجدد و راهني و كدلك للدكتورمحمد عبد المطلب البكاء على مقاله الافتتاحي التدشيني للنقاش العلمي حول هده الورقة الحساسة–قدم الدكتور محمد عبد المطلب عرضا تاريخيا حول موضوع العروبة و الاسلام في الوطن العربي و استوقفته نكسة 1967باعتبارها منعرجا هاما في مسار الفكر القومي العربي كان منطلقا للمراجعات وقد ادى دلك الى تحول كثير من الاعلام و الرموز القوميين الناصريين خاصة في مصر العربية نحو اسلام عقلاني بنزعة احيانا يسارية من الناحية الاجتماعية مقابل نزعة ليبرالية كانت تسود داخل الحركات الاسلامية -افتتح قوله باشارة الى ان تحزب الدين يؤدي الى الطائفية و هي ورقة توظفها القوى الاجنبية لتمزيق الشعوب و تفتيت وحدتها غير اننا نرى بان القوى الهيمنية في العالم لا تترك ورقة الا وظفتها سواء تعلق الامر بالدين او العروبة او القبلية او الخكم و السلطان -كما نؤكد على ان الشعوب العربية توحدت قبل النكسة و استمر البعض في وحدة هشة الى ان تشظى و انقسم ما بقي من عرى التوحد و العيش المشترك الامن -لقد تمكنت الشعوب ان تتوحد تحت سلطان الدكتاتوريات العربية الحاكمة التي تبنت قضية القومية العربية ايديولوجية مع الاشتراكية و كان الخيارملائما انداك مع السياق العالمي في ظل استقطاب عالمي و خيار للدول العربية كانت فيه الغلبة للاشتراكية نظاما اقتصاديا و قد ساعد السياق هده الدول و حكامها ان يقودوا شعوبهم الفقيرة التي تحررت اغلبها لتوها من هيمنة الاستعماربسلطان حلم العدالة الاجتماعية و المساواة و التحررمن الهيمنة الاستعمارية و لم تكن الشعوب العربية مخيرة و لا حرة في اختياراتها لانعدام الحرية و الديمقراطية و من ثمة تسقط في تقديرنا مسالة الطائفية و ارتباطها بالدين بل ان الظاهرة الدينية في الوطن العربي في شكلها النضالي الحزبي متنت اركانها على انقاض النكسة و خرجت الظاهرة الدينية من رحم القومية العربية و على انقاضها و انكساراتها وتلك هي طبيعة التحولات و الحراك و البدائل التي تتاسس في التجارب العلمية على انقاض سابقاتها و اخفاقاتها كنا نود ان يشير الباحث في مقاله الى فكر النهضة لعله يتلمس العلاقة بين العروبة و الاسلام ومدى حضور هده الاشكالية عروبة/اسلام في ادبيات فكر النهضة –مع الاشارة الى راهن الفكرة القومية العروبية و الاسلامية عبر تجربتي العراق و سوريا و ادا امكن التاريخ لنكسة جديدة نالت من القومية و الاسلامية معا و كيف السبيل الى تجاوز هدا الوضع الدي يملي على الطرفين مراجعة جدرية تؤسس الى تاصيل و تنظير محدث ومفهمة حديثة و البحث في مكانة الديمقراطية و الحرية و الاقليات في الفكرين لمواجهة تحديات الراهن و افق التحالف القومي الاسلامي و مكانة الاسلامي غير القومي في جغرافية التاسيس الجديد و اعادة البناء بعد المراجعة النقدية —لعل هدا ما يستكمل
    عبر النقاش و الاضافات و المقالات اللاحقة –

    إعجاب

  2. تحياتي أخي الكريم حمزة بلحاج صالح وشكراً لمداخلتك، وأود أن أشير في البداية إلى أن ما نـشر كان (ملخص بحث) حاولت قدر الإمكان أن يلم بأطراف موضوعه، وهو من الموضوعات المهمة التي لاتستطيع هذه الإشارات السريعة أن تفي حقه، ولكن ماذكرته من طرح جاد وموضوعي يستحق التعقيب بعد الثناء.1- نعم أن القوى المهيمنة لن تدخر ما في وسعها من أسلحة، وأساليب في النيل من الأمة العربية،والحيلولة دون وحدتها، ولكن لأن الموضوع متعلق بـ (العروبة والإسلام) وكان (الدين) هو المدخل إلى الدين اقتصر الحديث عن طرق استغلال الدين غطاء لتحقيق الأغراض التآمرية ضد الأمة، وهذا لن يتأتى إلا من خلال: (الطائفيه) وإيقاظ فتنتها، كما هو حاصل في العراق الآن، أو التخندق تحت ستاره في محاربة من تراه عدواً ،وهذا ما نتلمسه الآن في واقع الأمة.
    2- الشعب العربي كما نؤمن (شعب واحد) وهو متوحد قبل النكسة وبعدها، برغم اجتهاد الأنظمة في التخندق القطري، ورفع شعار(…أولاً) وخاصة بعد العدوان الثلاثيني الغادر على العراق 1991م،أما الوحدة الهشة فهي (وحدة مصالح أنظمة ) تنتفي بإنتفائها، وتتحقق بحسب ظروفها، ومتطالباتها.
    3- فكر النهضة الذي بدأ على يد الرواد الأوائل ولهم قصب السبق في هذا يمكن اختصار القول فيه، وهذا ماتناولته في بحث أخر يتعلق بالهويه القومية:
    إن دراسة الفكر العربي والإسلامي في القرن التاسع عشر توحي: أن رواد الفكر العربي أطلعوا على أحداث الثورة الفرنسية الكبرى، والثورات البرجوازية الديمقراطية في هذا القرن، فذهبوا الى معالجة القضايا السياسية، والاجتماعية في إطار السلطنة العثمانية، وكانت محاور أبحاثهم قضايا هذه السلطنة، وأهمها في عهد الإستبداد، والتخلف الإقتصادي، والسياسي : قضايا الحرية، والتنظيم الإجتماعي، والإقتصادي، ولعله من الطبيعي أن يتجه عدد من الرواد اتجاهاً فكرياً يكون محوره الدين الإسلامي، فالإسلام – كما يرون – دين ودنيا، وأن إصلاح السلطنة العثمانية يكون بإصلاح الدين الإسلامي، والمسلمين، ومع هذا كانت دعوتهم الإصلاحية، دعوة إجتماعية- سياسية، وفي جوهرها دعوة الى إشاعة الحرية.
    وبذا نرى أن الكواكبي (1854-1902) مثلاً، قد عرَّف الإستبداد في كتابه الأول (طبائع الإستبداد)، ونشوءه، وملامحه المختلفة، وبناءه الهرمي، مؤكداً العلاقة بين الإستبداد، والجهل، بعد أن رأى حقيقة الإستبداد في الولايات العثمانية آنذاك، ولهذا أدخل في أنواع الإستبداد أنواع الإستعمار، فالمستعمر- كما يرى- تاجرلايرى إلا مصلحته، والغرب سبق الى تقدير معنى العدالة،ولكنه لا يأخذ بيد الشرق بل يستغله لمصلحته.).
    وإذا كان الكواكبي قد اهتم بوصف الإستبداد، وإصلاح الدين، ورأى أن الشعب لم يوفق حتى الآن في إيجاد حكومة دستورية، تحكم بمشورة الشعب، بمعنى الشورى الحقيقي،فإن جمال الدين الأفغاني(1839- 1898) كرَّس جهوده لحل مشكلة الحكم في الدول الإسلامية، وإصلاحه عبرالإسلام، وعلى هذا الطريق سار(تلميذه وزميله) محمد عبده(1849-1905) الذي رأى: إن إصلاح أمة هبطت بعد سيادة : إنما يكون برجوعها الى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ماكان في بدايته، لأن جرثومة الدين متأصلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة، والقلوب مطمئنة اليه… ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططا، وجعل النهاية بداية.، كما ردَّ على الفكرة القومية، بالقول:” إنَّ الأجناس قامت على العصبية، أي أن أفرادها تلاحموا حفظاً لحقوقهم من جور حاكم من جنس آخر، ولكن الوضع يختلف بين المسلمين… هذا هو السر في اعراض المسلمين على اختلاف أقطارهم عن إعتبار الجنسيات، ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات، ما عدا عصبيتهم الإسلامية.لأن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده يلهوعن جنسه، وشعبه،ويلتفت عن الرابطة الخاصةالى العلاقة العامة”.وهذا ما مهد لظهور حركة القومية العربية التي وجدت أن لا أنفصام بين العروبة والإسلام .

    إعجاب

التعليقات مغلقة.