عند باب بغداد ، هناك ، جلسنا وضحكنا ـ قصيدة الشاعر الكبير سامي مهدي

الشاعر سامي مهدي لاجديدَ هنا كالذي يصفونْ
لا جديدَ سوى غزوةٍ ، صورةٍ من تقاليدِ تأريخِنا ولوازم رحلتِهِ في العصورِ ، وما نحنُ نشهدُهُ اليومَ كنّا شهدناهُ من قبلُ ..
كمْ مرَّةً ؟!
لستُ أذكرُها كلَّها ..
أهْيَ عشرٌ ؟
أقلُّ من العشرِ ؟
أكثرُ ؟
لا لستُ أذكرُ إلاّ الشهيرةَ منها ، الأليمةَ ، أعني التي هيَ أكثرُها ألماً ، غزواتُ وقتلٌ ونهبُ وسبيٌ .. وما تعرفونْ .
لا جديدَ إذنْ ، فالغزاةُ يجيئونَنا حقبةً بعدَ أخرى ، وقدْ يحبسونَ الهواءَ ، إذا قَدِروا ، في قواريرَ ، أو يجرحونَ السماءَ بما ملكوا منْ صواريخَ ، لكنَّهمْ يرحلونْ .
دائماً يرحلونَ ، ونحنُ هنا ، نحنُ والنخلُ والنهرُ والعشبُ والطينُ ، نحنُ وآباؤنا ، وقبورُ ذوينا ، هنا ، منذُ بدءِ الخليقةِ ، منذُ انبثاقِ الحقيقةِ ، نحنُ هنا ، نحنُ واللهُ ، نحنُ هنا راسخونْ
..
حينما داهمتْ جندُ « عيلامَ » أسوارَ « أورْ » ..
حينما هدموا دورَها واستباحوا معابدَها وازدرَوْها ، جلسنا معاً وبكينا ، بكينا طويلاً ، بكى مُتْرَفوها وكُهّانُها وبنوها ، بكينا بفيضٍ من الدمِ والدمعِ ، ضِقْنا بآلهةٍ لمْ تصنْها ولمْ تحمِ أسوارَها ، وكتبنا مراثيَ فيها على رُقُمٍ من قلوبِ العذارى ، ولكنَّنا بعدَ حينٍ نهضنا معاً ، وطردنا الغزاةَ ، وشِدنا المدينةَ ثانيةً ، دورَها وجنائنَها ومعابدَها ، وبنينا لها ألفَ سورٍ وسورْ .
ثمَّ حينَ غدتْ بابلٌ درَّةَ الأرضِ ، وازَّيَّنَتْ بجنائنِها وعلتْ ، وتباهى الملوكُ بها وبأسوارِها ، جاءَها ذاتَ يومٍ غلامٌ منَ الغربِ يلبسُ ثوبَ أرِسْطو ، وما هوَ إلاّ غلامٌ دَعِيٌّ غريرْ ..
صارَ أسطورةً في الأساطيرِ ، أحْجِيَةً في الأحاجي ، ولكنَّه ، بعدَ حينٍ ، قَضَى دونما دونما وارثٍ من بنينَ ، وخلَّفَ ملكاً تقاسمَه منكَرٌ و نكيرْ ..
لا جديدَ إذنْ ، فنواميسُنا قُلَّبٌ ، هِيَ حيناً لنا وهْيَ حيناً علينا ، مصائرُ يصنعُها صانِعٌ ، ومفاتيحُ يُرْخِصُها بائعٌ ، ومغولٌ يجيئونَنا حقبةً بعدَ أخرى ، فبابلُ من بعدِ أورٍ ، ومنْ بعدِها نينوى ، أو سواها ، وبغدادُ .. بغدادُ ، جوهرةُ اللهِ ، آهٍ لها دارَ نخلٍ وماءٍ نميرْ ..
وعيونٍ من الإنسِ والجنِّ ترنو إليها وتحسدُها ، ومغولٌ من الشرقِ والغربِ يحصونَ أنفاسَها ، وذئابٌ ، وأغربةٌ ، ونسورْ .
قلتُ : بغدادُ ، ولْنَنْظُرِ الآنَ كمْ مرَّةً دهمتْها المغولُ ، وكمْ مرَّةً باعَهمْ عَلْقَمِيٌّ مفاتيحَها ، وجلسنا على ضفَّةِ النهرِ نبكي ، ونندبُها بمراثيَ من حسراتٍ ودمعٍ ، وما من مواسٍ لنا أو مجيرْ ،
غيرُنا نحنُ ، أبناءَها الأوَّلينَ ، ولا أعرفُ الآنَ من نَسِيَ الدرسَ ، نحنُ نسيناهُ أمْ همْ نَسَوْهُ ، ولكنَّهمْ رحلوا ، كلَّهم ، وبقينا ، ونبقى ، وهم دائماً يرحلونْ .
………………………………
عندَ بابِ المدينةِ أوقفني ، اليومَ ، عِلْجٌ من الرومِ يسألني مَنْ أكون !
فما قلتُ شيئاً ، ولكنَّه ظلَّ يسألني ويُحَدِّقُ في سحنتي وأساريرِ وجهي ، فقلتُ له : أنا مِنْ ها هنا ، من ترابِ مدينتِنا هذه ، فقلْ أنتَ لي مَنْ تكونْ ؟!
قلتُها وسَكَتُّ ، ولكنَّه هاجَ كالثورِ ، بَرْطَمَ ، واقتادني من ذراعي إلى حيثُ يجلسُ خمسونَ مثلي ، حُزانى ، يكادونَ يبكونَ من وحشةِ الروحِ ، أو همْ ، كما كنتُ أحسبُ ، يبكونَ داخلَ أنفسِهم ، دمعُهم دمُهم ، يَتَقَطَّرُ في مُستدِقِّ شرايينِهم شرراً لا تراهُ العيون ..
فقلتُ لنفسي : إذنْ هذه ساعةٌ للبكاءِ ، ولي حصًّتي منه ، فلأبكِ بغدادَ كالأوَّلينَ ، بكاءً يليقُ بها وبما ضاعَ منها . وفتَّشتُ في مقلتيَّ عن الدمعِ ، لكنَّني لم أجد منه شيئاً ، ولا دمعةً ، نَضُبَ الدمعُ ، في ما بدا ، فرطَ ما فاضَ منه وما غاضَ عبرَ القرونْ ..
عندها لم أجدْ ما أقولُ لنفسي ، ولا ما أقولُ لِمَنْ جلسوا مجلسي ، فضحكتُ ، ضحكتْ طويلاً ، وراحوا معي يضحكونْ !

2 / 2/ 2004

Advertisements

رد واحد

  1. ولكنَّنا بعدَ حينٍ نهضنا معاً ، وطردنا الغزاةَ ، وشِدنا المدينةَ ثانيةً ، دورَها وجنائنَها ومعابدَها ، وبنينا لها ألفَ سورٍ وسورْ .
    أخي سامي
    لم أقرأ الشعر إلا عندما فاضت المشاعر حقداً على الغزاة
    وسأقرأه حتماً عندما تعود لتشارك في بناء ألف سور وسور
    إنه وقت هدم أسوار الاحتلال
    وغداً وقت الفرح عندما نعود لنبني ما هدمه الوحوش
    أخوك
    حسن

    إعجاب

التعليقات مغلقة.