الهُوية السردية للشخصية في النص المحكي ـ د. عائشة الدرمكية

د. عائشة الدرمكية(لقد علَّمنا الشكلانيون الروس، وبروب، وكلود ليفي شتراوس، أن:
المحكي إما مجرد كلام فارغ عن أحداث لا يمكننا في أي حالة الحديث عنها إلاَّ إذا عدنا إلى الفن، والموهبة أو عبقرية السارد، وكل الأشكال الأسطورية للمصادفة، أو أنه يمتلك بصورة عامة مع محكيات أخرى، بنية قابلة للتحليل، وتحتاج إلى بعض الصبر لكشفها ؛ لأن هناك هُوَّة بين الشيء الصدفوي الأكثر تعقيداً، والشيء التركيبي الأكثر بساطة، ولا يستطيع أحد تركيب أو (إنتاج) حكاية دون العودة إلى منظومة خفية من الوحدات والقواعد)!
هكذا يبدأ رولان بارت حديثه في مدخل أعده لـ (التحليل البنيوي للمحكيات) التي ترتبط بالتاريخ الإنساني وعلاقاته المتداخلة، وهو هنا يحاول تحليل البنية اللسانية ومستويات المعنى والوظائف ووحداتها في نظام الخطاب الحكائي، وقد اشتغل على الوحدات السردية بوصفها مستقلة عن الوحدات اللسانية، ومرتكزة على الوظائف التوزيعية والإندماجية، وتلك وظائف تحدث عنها فلاديمير بروب في (موروفولوجيا الحكاية) قبله، وهي في الأصل مرتبطة بالشخصية في انعكاسها على توالي الأفعال السردية في نظام الخطاب.

لا تعنينا هنا تصنيفات وظائف الشخوص في النص المحكي، والتي أسس لها بروب لأننا نسعى إلى تسليط الضوء على تلك العلاقات المتداخلة التي أشار إليها بارت في نصه السابق والتي أطلق عليها (منظومة خفية…)، لأن هذه المنظومة هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تكوين الهُوية السردية للشخصية في النص المحكي، وهي بطبيعة الحال عائدة إلى الموسوعة المجتمعية التي تتأسس عليها تلك الهُوية.
إن مفهوم الذات في علاقتها بالهُوية السردية مسؤول عن تولُّد الأحداث في النص السردي، وعن سير الأحداث السردية وتواليها بشكل مسترسل ؛ ذلك لأنها ستكون محوراً لاسترتيجية التشويق للتنويعات الخيالية التي تفتحها الذات في تشكل ديناميكية (الذاتية والعينيية) للنص. ولذلك فإن الهُوية المفهومة خلال السرد هي هُوية الشخصية المستمدة من الهٌوية المجتمعية التي تنتمي إليها الذوات في النص المحكي.
يحدثنا (بول ريكور) في سلسلة (الزمان والسرد) عن (التصور السردي)، وهو عبارة عن عملية تصوُّر تنتجها المُخيلة المنتجة، ويفترض افتراضاً أن (التصوُّر) هو مصطلح مرادف (للقصص الخيالي)، إلاَّ أن هذا الافتراض سينتج عنه عدم إيجاد مصطلح يوضح العلاقات المختلفة بين هذين النمطين السرديين بمسألة الحقيقة. وإذن يشترك السرد التاريخي والسرد القصصي في كونهما ينبعان من العمليات التصورية نفسها التي يضعها (ريكور) تحت مسمى (محاكاة)، ولذلك فإن ما يخلق الضدية بينهما لا يتعلق بالفاعلية البنيوية المبثوثة في بنيتيهما السرديتين بوصفهما كذلك، بل ما يتعلق بـ (ادعاء الصحة) – على حد تعبير ريكور- الذي يميز العلاقة المحاكاتية الثالثة، وهي ستقودنا إلى العلاقة المحاكاتية بين (الفعل)و(السرد) التي تعتمد على تعميق فكرة (الحبك) في مواجهة الفهم السردي الذي شكَّله اعتيادنا على المرويات التي تتناقلها ثقافاتنا، مع العقلانية التي يستخدمها علم السرد اليوم.
ولذلك فإن مسألة الزمن التي تحدثنا عنها في المقال السابق يُنظر إليها بهامشية حينما يعود الأمر إلى السيميائيات السردية التي تنجح في إضفاء مكانة لازمنية على البنى العميقة للسرد، ليكون إغناء فكرة (الحبك) إلى جانب فكرة (الزمن) المتصلة والمتعلقة بها استكشافاً لإمكانات التصور السردي التي تحدث عنها ريكور، وهو جدال سيكون على مستويات ثلاثة إذا ما خصصناه للنص المحكي ؛ وهي التجربة المعيشة، والزمن التاريخي، والزمن القصصي، وهذه المستويات ستعتمد على (الحبك) في تقديم هُوية الشخصية التي ستظهر في اتصال بهُوية الحبك.
وباعتبار أن الخطاب واقعة لسانية في الأصل فإن الأحداث الكلامية في النص المحكي تشكل عالم السرد الذي ستعمتد عليه هُوية الحبك وبالتالي هُوية الشخصية على اعتبار أن العوامل السياقية التأسيسية قائمة على الإيديولوجيا الاجتماعية لمجتمع ما. وعليه فإن سيرورة الخطاب قائمة على أُطر معرفية وعلاقات إنتاج وبنى أساسية تقنية معتمدة على تلك الإيديولوجية، ولذلك فإن هُوية الشخصية تنشأ من التفاعل بين تلك البُنى والأطر المعرفية.
إن مشكل الشخصية كما يعبر عنه تودروف بوصفه مصطلح سردي يتأسس على اعتباره (لساني) لأنه لا يوجد خارج الكلمات، ومن منظور بنيوي فإن ثمة علاقة هُوية تربط بين الشخصية والصفات، أي المحمولات التي تتميز بقاريَّتها، وعليه فلا خلاف في العلاقة بينهما، إلاَّ أنه يجب ملاحظة قرابة الصفات لمحمولات (الأحداث)، وتزويد الشخوص بصفات ليست هي الصفات ذاتها، ولو تأملنا شخوص الحكايات المروية من حيث تحميلها صفات عامة من الناحية المجتمعية وخاصة من حيث الأدلجة، فإننا سنجد أن هُوية تلك الشخوص عائدة إلى وظائفها الأصلية في مرحلة المرور بالفعل أو عدمه، وببساطة أكثر فإن الفعل الذي تقوم به تلك الشخوص أثناء سيرورة الخطاب هو الذي سيحدد وظيفتها وبالتالي هُويتها.
في كتابه (الدلالة والحدث) يقرر تودروف أن البطل (ليس ضرورياً بالنسبة إلى الحكاية)، وهو في ذلك يعتمد على أن الحكاية بوصفها منظومة من الحوافز يمكنها الاستغناء عن البطل وعن ملامحه المميزة. إذ يقدم اتجاهات مختلفة في تنظيم العلاقات البنيوية في سيرورة السرد ؛ ذلك لأن هذه السيرورة قائمة في الأساس على الرغبة والتواصل والمشاركة وهي علاقات تُنشئ الكثير من المحمولات على مستوى الاشتقاق والقاعدية والتعارض، الذي يجعل من الشخصية سواء أكانت (البطل) أو لا في تعالقات متناقضة ومتباينة، وهو ما يجعل الشخصية الشريرة تبدو في سياقات حكائية ما (طيبة، ومُحِبة) وفي المقابل تظهر الشخصية المُحِبة (شريرة، وحاقدة)، ولذلك ينبغي الافتراض هنا بوجود محمول جديد على مستوى ثانوي بالنسبة إلى المحمولات الأخرى وهو الوعي أو الإدراك، وهو (عند تودروف) ما يشير إلى ما يجري عندما تُدْرِك إحدى الشخوص أن العلاقة التي تربطها مع الشخصيات الأخرى ليست كما كانت تظنها سابقاً. إنه إذن تداخل على مستوى المحمولات من اتجاه (الحبك) نفسه مرة، ومن اتجاه المتلقي مرة أخرى، لينشأ ما يمكن أن نطلق عليه (هُوية سردية للشخصية) اعتماداً على المحمولات، والشخوص نفسها، وقواعد الاشتقاق.
إن الهُوية السردية للشخصية هنا تمارس وظيفة الوسيط بين قطبي الهُوية العينية والهُوية الذاتية، بحيث تشتغل المتغيرات المتخيلة على إخضاع الهُوية السردية بحيث تصبح الأحداث في الحكاية غير قابلة للمتغيرات بل هي تولِّدها وتبحث عنها لتأسيس بنية متداخلة ضمن عقَدية معينة، وهنا سنجد إمكانات تغيير الهُوية السردية عبر سلطة الحكي، مما يشكِّل عالماً من التفاعل الديناميكي بين الذات والهُوية السردية ضمن تشاكلات النص وتنويعاته؛ ذلك لأن المؤلف المفترض على مستوى عام لا يكتفي بمهمة (إبرام عقد) مع مجتمعه حول أحداث شبه واقعية أو تخييلية قريبة من الواقع أو حتى خرافية ويطلب منه أن يصدق عليها، بل يهتم أيضاً بإمداده ببعض المعلومات الخاصة بالعالم الواقعي (المفترض) الذي قد لا يكون على اطلاع عليها، وقد تكون أساسية في فهم المحكي، وهذا ما يقدمه لنا أمبرتو إيكو في إحدى نزهاته في غابة السرد عندما يحدثنا عن الميثاق التخيلي الذي نجده أيضا في النص المحكي واضحاً وبارزاً، وهكذا سنجد أن الذوات ستتكفل بما يسميه أرسطو (تنسيق الوقائع) في إمداد النص بالتصورات اللازمة لإبراز الهُوية السردية الخاصة به. غير أن تلك الذوات ستشكل (الأنا) من ناحية و(الآخر) في ناحية أخرى ضمن سيرورة تداخل الحدث الحكائي. في النص المحكي يظهر تمفصل الحبك والشخصية بوصفهما تحقيق لا متناه على صعيد الحوافز التي ترتبط بالراوي بوصفه سارداً، ولذلك ستظهر سلطته في تعيين بداية الحكي ومنتصفه ومنتهاه، وبناءً على ذلك ستظهر أيضاً مدى مطابقة الشخصية والحدث، والتي ستشكل صور الهُوية السردية وإسناداتها الوظيفية ضمن خطاب النص، وعليه فإن الترابط بين سير الأحدث الشخوص سيُنتج ما يسميه ريكور (التوافق والتنافر) الذي يحصل عند حكي الحبكة، ولذلك فإن الشخصية بحسب خط التوافق ستستمد فرادتها من وحدة حياتها ضمن سيرورة الحكي التي تعتبر شمولية زمنية متفردة، وهو ما يميز شخوص الحكايات الواحدة عن الأخرى، وبحسب خط التنافر فإن الشمولية الزمنية تصبح مهددة تحت تأثير قطيعة الأحداث غير المتوقعة التي تضبط إيقاعها أحداث أو حوادث متتالية. وعليه فإن التوليفة التوافقية – التنافرية هي المسؤولة عن عرضية الحدث التي تسهم بشكل رجعي في تتابع الأحداث المتعلقة بهُوية الشخصية السردية ؛ وعليه فإن شخصية (ابنة الزوج) في حكاية (البياحة) ليست هي تماماً شخصية (ابنة الزوج) في حكاية (السميكة)، ولا هي في ( السرادية) ولا في ( القوبظة)، ولا في (بنت الشباك) ، وإن بدت متشابهة من ناحية الوظيفة العامة.
لا يمكن إذن فهم هٌوية الشخصية إلاَّ عبر تلك التوليفة، ولا يمكن أيضاً فهم هُوية الشخصية دونما فهم لهُوية المحكي نفسه، ذلك لأن هُوية المحكي هي التي تصنع هُوية الشخصية من خلال ذلك التوافق والتنافر الذي يسجل الهُوية العينية والهُوية الذاتية بالنظر إلى إعادة ربط الواقع بالحكي والديمومة في الزمان ؛ فشخوص الحكاية ليست هي بالضرورة شخوص الواقع، والشخوص السابقة ليست بالضرورة حقيقية ولا متخيلة تخيلاً مطلقاً. وربما لتلك الإشكالات كلها أثار موضوع الهُوية السردية للشخوص في المحكي الكثير من الجدل منذ بروب وتودروف وغريماس ومن جاء بعدهم، ولعل مشكلة تصنيف الشخوص تثير إشكالاً أكبر على الرغم من وجود اتفاق حول إمكانية خضوع شخوص الحكاية المتعددة لقوانين الاستبدال، بالإضافة إلى استحواذ بعض الرموز في الحكايات على شخوص عديدة، ولعل الصعوبة التي يطرحها تصنيف الشخوص في تلك المحاولات جميعاً هي مكانة الفاعل ووجوده ضمن قالب فعلي، لأن الحكايات قائمة على إقامة علاقة بين عدوين حول رهان ما (الخير والشر غالباً) ولذلك فإن أعمالهما تكون متساوية، وعندها يكون الفاعل مزدوجاً، وهنا – يقرر بارت- أننا لا نستطيع اختزاله عبر الاستبدال، ولذلك فإن البديل هنا هو ما يطرحه جريماس في التعامل مع المحكي بوصفه قائم على الرمزية،وعليه يجب أن نحتفظ بمفضلة الفواعل (موضوع البحث والرغبة والفعل)،وهو بهذا يدعو إلى وصف الشخصية للفعل وتصنيف قواعدها سواء أكانت فردية أو ثنائية أو جمعية، وبذلك سيكون إشكال الهُوية السردية للشخصية في حاجة إلى الكثير من التطبيقات والتحليلات التي تؤهلنا لوضع جدولة خاصة بتوليفة (التوافق – التنافر) القائمة على سيرورة الحكي ووظيفته.
ـــــــــــــــــــ
د. عائشة الدرمكية ـ كاتبة وباحثة من عُمان

Advertisements