طقوس سريّة …. وجحيم ـ حياة الرايس

حياة الرايستسطع الشمس على النوافذ لكنها لا توقظ القلب . أيّام ساكنات والأحلام لا تغادر ليلها .، تطل كل صباح برؤوسها من جحورها ثم تتراجع أمام صراخ الأطفال ، تبديل الحفاظات ، تحضير الرضاعات ، صفير الطناجر ، بعثرة حذاء الزوج والجوارب…
تعود الأحلام خائبة إلى أوكارها.
– “هذه امرأة . لم نعد نعرفها. وهذا بيت غريب عنا لم يعد يحفل بنا بيت لا يشرّعُ أبوابه للريح. ولا يخضّر به شجر”
– تستيقظ المدينة على أصوات باعتها ، أبواق سياراتها وصفيق أبوابها…. ولكنَ شيئا كابيا في النفس يغلب عليه النعاس. أتحامل على نفسي آخذ إبني البكر الذي بدأ يجرب المشي ، أنزل به إلى السوق وأترك الرضيع نائما بالبيت .
أرمي نفسي وسط حشود الناس وجموع المشترين وعربات الباعة المتجولين لأبلغ السوق.
ينكفئ طقسي السرّي القديم على نفسه …. ينفر، يهرب ، يتوارى ويومئ لي من بعيد أن اتبعيني … أهم بالهروب يصرخ الطفل أن احمليني ، تتباطأ الرجل ، تثقل القفة أتذكر ابني النائم وحده بالبيت فأسرع خطوي . تزداد الهرولة بين السوق والبيت يوما بعد يوم.
– ” كل أيامك مهدورات ”
يصرخ الحلم المحبط
يهمس الطقس السري القديم:
– “متى سنعود إلى سالف عهدنا ؟
متى سنمارس جنوننا وطفولتنا ؟
متى سنعيش إبداعيا على الأرض ؟ ”
يميل الظل يطفئ وهج الشارع
أتذكر موعد الغداء وعودة الزوج .
أسرع أكثر.
تستوقفني فجأة يد مصافحة لم ألمسها منذ أربع سنوات.
“صباح الخير يا مدام !”
– “الدكتور جعفر العلاق مرحبا كيف حالك ؟ ”
– “كيف حالك أنت؟ منذ تخرجت من الكلية لم أرك ولم أسمع أخبارك . سوى أنك تزوجت من أحد المعجبين بشعرك أيام الجامعة.
– “نعم تزوجت وأنجبت ”
– ينظر إلى ابني : “صار لك ابن ما شاء الله “.
أصحّح ” بل ابنان، الآخر بالبيت “.
– يقول: ” والشعر ؟
أبلع غصتي : الشعر صار كالكحول السريّ رائحته من رائحة المنكر .
يلاحقني الدكتور بأسئلته :
– “مالك صمتِ ؟ أين هو الشعر من حياتك ؟
– “لقد أصبح مشروعا مؤجلا ينتظر أن يكبر الأطفال “.
يبدي الدكتور استغرابا
ما علاقة الشعر بالأطفال؟
أو هكذا أنتن ” النسوان ” لا تنتظرن من الدنيا سوى عريس إذا وجدتنه اسقطتن العالم وأقبرتن مواهبكن “. ….”.
مضى الدكتور الى حاله ومضيت إلى البيت :
كأنني أعتّبه لأول مرة .
كأنه يستقبل امرأة غيري.
كلمات الدكتور تسبقني إلى أركانه …. تخلخلها…..تقوّضها … انحني على سرير ابني أتفقده .
صراخه يختلط بصراخات أخرى في داخلي ..أشياء البيت توترني ، تعثرني ، تبعثرني… فوضاه تؤججني كجمرة خامدة تحت الرماد هبّت عليها رياح شتوية .
أركض بساعات النهار نحو ليل لن يأتي هذه الليلة كما يأتي كل ليلة .
في السرير تمتد يد زوجي تمسح الجسد طولا وعرضا فلا تأخذ طريقها كالعادة إلى منعرجاته ومنزلقاته.
يستعصي الجسد…. تتلقى اليد أولى خيباتها.
ترسم مغتاضة علامات استفهامها.
بينما كلمات الدكتور جعفر العلاق تدّب تحت الجلد دبيب الدود في العفن . والشعر؟ … أين هو الشعر من حياتك؟ … هكذا أنتن النسوان… إذا تزوجتن… أقبرتن مواهبكن …”
تمضي اليد متوسّلة حينا معنّفة حينا آخر. …لا يزداد الجسد إلا تخشبا… تتوتر اليد تشد بعنف طيّات اللحم …. بينما الدماء تجري بنيران جديدة لا تطالها اليد التي تعبث قليلا … تتسكع على سطح الجسد ثم يغلب عليها النعاس فتسقط هاجعة.
وفي انعكاسات نور متقاطع متكسّر على أجساد لم تعد تركن لبعضها اسمع شخيره فيهدأ روعي و يرتخي جسدي.
أمسك قلما وانتشر من جديد بين البياض .
تقبل عليَ أحلامي كما يقبل الفلاح على النهر.
أستعيد طقسي السري القديم .
تفيض النفس بما يتزاحم فيها…
يلين الجسد كغصن ريان يورق من جديد ….
فجأة ينقطع الشخير.
تعود اليد آليا تجوس بين الوريقات اليانعة. ..
“ماذا أصابكِ منذ قليل؟
” أتركني رجاء أريد أن أكتب
“أكتبي في أوقات الفراغ…
” هذا الليل لي !
– “واجبك كزوجة إن لم تؤده أوّل الليل لا يسقط عنك آخر الليل .
– أوف ” صالح” يكفي من المزاح
– أنا لا أمزح … ليس الوقت وقت كتابة.
– بالروح قصيدة معلقة
– سأكتفي بالجسد وأترك الروح للقصيدة تعالي…
تمسّني رياح جنونية . ..أهّب واقفة كشجرة تهرب من فأس حطاب يريد شقها شطرين، لتواجه معزولة العاصفة.
لم أخلع قميص نومي تلك الليلة ولكني كنت كشجرة خريف تسقط عنها ، أوراقها شيئا فشيئا …لم يعد هناك ما يدعو للتستر على الحلم .
يكسوني العناد ويغلفني درع من دروع تلك الحروب القديمة المندلعة بين الموت والحياة.
الملم أوراقي وأخرج كأنني أهرب حشيشا أو مخدرات … ترافقني ظلال سوداء حتى قاعة الجلوس التي وجدتها باردة.
تجرني رجلاني إلى المطبخ المكان الوحيد الذي يحتفظ بحرارته ورائحته في هذا البيت . أعددت قهوة تركية سبقتني رائحتها إلى الصالون . أغلقت بابه على نفسي . اعتذرت للبياض الذي كان ينتظرني، كعاشق صبّ يعود إلى حبيبته بعد طول جفاء . عانقت الحروف بعضها.
على هذه المساحة البيضاء سيحدث النصر.
سيأخذ المداد لون العناد
عاد الليل إلى طقوسه وعادت الحروف إلى الورق . كما تعود الطيور المهاجرة إلى أوطانها وامتلأت سمائي
بأسراب السنونو والخطاف …وانفتحت في الكون سماوات جديدة
وبدأت أعيد ترتيب العالم من جديد
وأهيئ نفسي لعمر لا يفنى …
لما أنخلع الباب وانتصبت على العتبة قامة رجل كنت أعرفه. لكنه بدا لي الليلة بشعا مترهلا أكثر من العادة …كقاطع طريق منزوع من سلاحه، لا يزيّنه سيفه تقدم نحوي كالحيوان الجريح .
– ” أتدرين ما يسمى ما فعلته الآن ؟
– “أنا لا أعرف إلا شيئا واحدا هو أني في حالة كتابة “.
– ” أنت في حالة نشوز. أنت ناشز.
– فليكن !
– ” أنسيت أنك زوجة ولك واجبات ؟
– أتركني رجاء
أنا لا أفعل سوى المطالبة بحقوقي “.
هو أيضا عنيد والمسألة بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت .
انحنى عليّ وقد خلت أنفاسه من كل حرارة وأًفرغت حركاته من كل إغراء .
دفعته بمرفقي. شدّني بعنف…
نظرت البيت فبدا لي غبارا ثائرا وقد قوّضت أركانه.
هبت رياح في داخلي. تبعثرني بين الخضوع والتمرد فكرت بابنيَ النائمين في الغرفة الاخرى …
استيقظت فيّ امراة راقدة من غابر الازمنة :
” إن أنت استسلمت فسأغادرك إلى الأبد.”
جاء صوت الحيوان الجريح :
– “إن أنت تصلبت فسأجعلك تندمين إلى الأبد .
– تدخل صوت أمي من تحت سابع لحد.
– “يا ابنتي المرأة ليس لها سوى زوجها وأولادها.”
جاء صوت القلم :
أنا الذي أخرجتك من القطيع فلا تعودي لعصا الراعي .”
“لا أدري أي شيطان آخر دخل بصوته على الخط.
” لا تكبري المسائل وتخربي بيتك بيديك تعرفين زوجك عنيد ولا ينام مهزوما. وتعرفين كيف ينتقم وقد هدّدك سابقا بالطلاق .
– لم يكن “صالح” يمهلني التفكير أو الاختيار فقد كان يتوعد ويهدد يهتتز فوقي وينتفض حتى همد.
ثم تركني وخرج . عند الباب التفت إليّ قائلا :
بإمكانك أن تكتبي الآن ! …
قمت إلى الدش أفتحه أطلت الوقوف تحته… ساعات والماء يغمرني ولا يغسلني…. عندما خرجت من الحمام لم أجده.
كان قد غادر إلى الجامعة ليبدأ محاضراته. عن الحريات وحقوق الإنسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب المؤلفة ( انا وفرنسوا)

Advertisements