(الغوص في أعماقٍ منسية) للكاتبة “نائلة فزع ” .. بقلم: عبد الله الشقليني

عبد الله الشقلينيمفتاح :

رواية ” الغوص في أعماقٍ منسية ” للكاتبة ” نائلة فزع “. إصدار” مدارات للطباعة والنشر” ، الخرطوم ، 2011م.الرواية في كتاب من (238) صفحة من القطع المتوسط ، والرواية مقسمة (49) قسماً .امتد فضاء الرواية داخل السودان وفي المهاجر البعيدة ،تحفر في نماذج صاغتها الكاتبة بدقة وعناية .وأغنتها بالحياة الاجتماعية باختلافات الموروث الثقافي وتناقضاته ، بل وهيمنة موروث على ثقافات أخريات ، وانعكاس ذلك كله على أبطال الرواية وشخوصها ، بلغة جاذبة تنتزع مكانتها في نفسِكَ انتزاعاً.

(1)

في سيرة أعمالها :كتبت الأستاذة ” نائلة فزع ” تمثيلية ” الرسالة ” التي أخرجها أبو العباس محمد طاهر لإذاعة أم درمان عام 1970 ،و كتبت مسرحية “منْ المسئول ” أخرجها الأستاذ نور الدين سليمان وقدمت في مسرح معهد تدريب المعلمات 1981 .كتبت مسرحية “نِحْنَ ما نِحْنَ “وأخرجتها للنادي السوداني بمدينة العين الإماراتية ،و كتبت مسرحية ” إنت وبس يا سودان” ، كذلك وأخرجتها أيضاً للنادي السوداني بمدينة العين. وكتبت رواية ” الموت في زاوية العشق ” من إصدار المطبعة الذهبية دبي 2006 . ثم جاءت رواية ( الغوص في أعماق منسية) وقد صدرت في العام2011م .للكاتبة مجموعة مقالات وخواطر في الصحافة السودانية
والإماراتية وعدد من المدونات في الفضاء الإسفيري .

(2)

ليس من السهل أن تمُر عليك كاتبة روائية ،سودانية كحدث عابر ، ولكنه حدثٌ يستدعي كل التاريخ الاجتماعي منذ أن وقف الإنسان على قدمين ، فجمر الحياة الاجتماعية تُحارب إمكانية الخلق وتطارد المبدعين ، فما بالك بما تفعله بالمرأة ، فعليها أن تكون سيدة بيت لا يقتسم معها ثقل الواجبات ولا حجارتها أحد ، و هي في الأغلب الأعم عاملة تشارك الحياة خارج البيت بذات الكفاءة ، وعليها أن تبدو جميلة ومتأنقة ، ترفل في العطر الجاذب ، والرقة الناعمة ، والثوب الأنيق ، ولا يقبل المجتمع التقليدي غير ذلك ، ويطالبها ألا تشتكي !!.
إن سلطة الذكور قاهرة تتمثل المصائر الاجتماعية ولا تَقنَع بالخيارات العادلة ، فمجرد أنها أنثى ختم عليها المجتمع بخواتم العبودية المُغلفة بأثواب الاستحسان ، فقد وقعت وسط الأعاصير لمجرد أنها أنثى .تنصبّ عليها الأحمال بحجارتها ، تحاول أن تحول بينها وبين الروح الإبداعية المنطلقة ، ولكن الكاتبة ” نائلة فزع ” تخطت تلك الحواجز وحفرت اسمها ضمن كُتاب وكاتبات الرواية السودانية دون شك .

(3)

الكاتبة الروائية ” نائلة فزع ” من سلالة الذين أوقفوا حياتهم لقضية التعليم منهج حياة قبل أن تكون مهنة ، ومنهج حياة يقتطع فيها الزمان من العُمر قدر ما يستطيع لتكُن الحياة من أجل الآخرين مُتعة لمن يحبها وعملاً يتطلب أن تعيشه بوجدانك لتكُن متوافقاً مع مشاعرك ، وعليك فوق كل ذلك أن تعيش حياتك وتؤدى الواجبات كاملة . وإن نجحت في الخروج من كل تلك الفخاخ ، فتنتظرك أسرتك ، تحاول أن تصنع لهم مهاداً لحياة لاحقة وحياة جديدة مملوءة بالأمل . ففي الإرث ” قُم للمعلم وفّه التبجيلا” ، ولم تنل المعلمة ذات العلو ولا تلك المكانة ، وهو شيء يتعين أن نستحي من وقعه على حياتنا الاجتماعية والثقافية . وليس أدل على هذا الحمل الذين ينوء ثقيلاً على الأكتاف ، تلك الهجمة الشرسة على المرأة ، التي تتجدد في كل سانحة ، ومن عجب أن تأتي من الذين يلبسون أثواب العقائد ، كأن لم يقرءوا ما نقلته الروايات عن النبي الأكرم” أوصيكم بالنساء خيراً “! .

(4)

لنا أن نحتفي بالكاتبة الروائية ” نائلة فزع ” ، ليس حفاوة بقُدرة الجَندر على مغالبة الحياة فحسب ، بل لأنها انتزعت مكانتها لتجلس على كرسي الرواية ، فالكتابة الروائية عمل عسير، ينسج فيه الكاتب أو الكاتبة أثواب الحياة وتلافيف طياتها و تعقيد النقوش والكرانيش على حوافها ، فالكتابة الروائية عمل نبيل ، يحيل الدنيا كلها إلى كلمات تستدعي الصور المتلاحقة المتتابعة والأخيلة الكثيفة.

صنعت الكاتبة شخوصها ، وأدارت لُعبة الحياة الروائية من المُبتدأ إلى المُنتهى . ابتنت بيوتها وأوكارها وساحاتها ، فيها شخوصٌ تسعى وحياة تموج بالنقائض والصراعات والمواقف والسِّير. تعلقت الرواية بالواقع وارتفعت عنه بخيالها الجامح . دخلت النفوس البشرية في تعقيد صراعاتها فعرفنا مشاعر المحبة بأنواعها ، وتعرفنا على مشاعر الغَيرة والحسد والتنافس والانتقام ومشاعر الحزن ومشاعر الفرح والكآبة و البؤس . سرَّبت الكاتبة من خلالها رؤاها ومواقفها من وراء شخوص أبطالها، وامتحانات الحياة في مواقفهم ومبادئهم ، في حياة عاصفة ، برياحها العاتية وكهوفها الغامضة ، ودنياواتها الراحلة خارجة من الوطن ، وعائدة إليه من المهاجر البعيدة . وتكونت حلقة نار أخرى ، وجنان أُخريات، ومصائر جديدة ، انعكست كلها في قِدرٍ يغلي ، وماءٍ مسكوب وجمرٍ كعُيون السّاهرين أحمر بلون الشفق.

(5)

إن غزارة التجربة عند الكاتبة والتي ينضح بها النص و مِدية الخيال عندها عندما تنغرز في أحشاء الواقع ، تَجِدُكَ تنساق دونما تشعر ، منجذباً ، لن توقفُكَ القراءة وأنت تعدو تُسابق دُنياك في لهفة ، ولن تستقر إلا وتجد نفسك عند الخاتمة، تحاول أن تلتقط الأنفاس . إنها لجاذبية تكشف مهارة الحبكة القصصية ، واللغة المُحرضة على التتبُع ، وصعودها القمم ، ثم فك طلاسم الحكايات المتجمعة من حول الشخوص . ونحن نحمَدُ للكاتبة غزارة التفاصيل ، وجسارة التناول ، وقرب العبارة ودنوها من الواقع الثقافي المتنوع للقراء والقارئات . ونحن نزعم أن لغة الكتابة عند الروائية ” نائلة فزع ” ، تسوق مجموعة هائلة من قراء اللغة العربية إلى حَتف أشجانهم ،وتسبح بهم في واحة القص بيسر وسلاسة ورقّة ، مع نفاذ إلى قضايا ،تَعِبَ من أجلها أصحاب الرسالات والمبادئ وهم يتحدثون عنها بلغة تقريرية مُباشرة ، ولكن ها هي الكاتبة تُوصِلك إلى الغايات والأهداف متسربلة في النص الروائي ، دونما عناء ، ودون إقحام . تناولت قضايا انسكب فيها الحبر على واقعنا وسوّد أوراق التاريخ ، وانسكب فيها الدم بطول أرض الوطن ، سهوله وجباله ، حتى رأي العالم ذلك رأي العين ، فما غمدَ جفنٌ ولا ابتلت عروقٌ إلا وتجدها شاخصة في حيرة ، أو ذاهلة في قدرة الحياة أن تصنع من الواقع تُحفة روائية هي أجلّ وأعظم .

(6)

منذ التاريخ القديم كان القص سيد الحياة الإبداعية ، وليس أدلّ على ذلك ، حين ثمن الذكر الحكيم إبداع القص ، وأتي على خبره باليقين حين بيّن صاحب الوقت والقابض على المصائر في نصه القرآني ، وهو يخاطب النبي الأكرم ” {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ }يوسف3″. ففي النص القرآني إبانة مُضمرة عن إبداع القص وصنوفه ، واختار النص القرآني من ضروب القص أحسنه .

يستدعي العمل الروائي لدى القارئ أو القارئة قوة الخيال و التصوير. يعيد ترتيب أحداث ربما مسّت أطياف أحداث لاهبة، عاشها القراء أو تلمسوا مواقف في حياتهم. يكاد المرء من شدة انغماسه في التفاصيل وشغفه بالملاحقة ، يحسُّ كأن الأحداث حقيقية تقطر دماً . لا ينفك الكتاب بين عينيه القارئة حتى يكمل القراءة ، بجرعات دهشةٍ متلاحقة ، وأحداث جسام متوالية . تكسر قدرة القراء على التنبؤ .

(7)

راوح لديَّ النص زماناً منذ قرأته أول مرة ، ووجدت نفسي مُقبلاً على الكتابة عن الرواية بعد قراءتها الأولى، وكتبت مقدمةً عجولة على أمل أن أجددها وأُخلصها من وعثاء الكتابة وركام اللغة ،فلسنا في مقام سعة النقد بمدارسه وهو يستبطن اللغة ومداخلها الملتبسة ، والأحداث والشخوص والحكاوي المضمرة ، وتقنية الصعود والهبوط والحبكة القصصية ، والقص المُقارَن ، وصورة الوقائع ونسج الأقاصيص في سلسلة مترابطة أحياناً ومتفككة أحياناً أخرى ، ولكننا في شاطئ القراءة الأولى ونقبلُ على القراءات بما يتيسر من وقت ،فما تعودنا الكتابة عن نص ، إلا من بعد أن يمسّ شيئاً في أنفسنا . والحكايات المختمرة داخل النص ، تُلامس الكثير من ملامح أشجاننا وأحزاننا وأفراحنا ، وصراع أنفسنا وحاضرنا المُدمج مع التاريخ ، فوجدنا الكاتبة ترسم الصور بملامح بيّنة ، وبشخوصها النقية المقاصد أو الملتبسة المراوغة ، المنزلقة ،المتخفِّية و الصامتة و الحالمة و الراغبة ، أو المستترة الرغبات والأهواء .

(8)

قدم منتدى السودان الفكري في أبوظبي الروائية “نائلة فزع ” لتوقيع روايتها ” الغوص في أعماقٍ منسية ” مساء الاثنين الموافق 16 سبتمبر 2013 م . شَرُفت الليلة أيضاً بالمتحدثين :الدكتور مرتضى الغالي ، الأستاذ محجوب الجاك ، الشاعر عبد القادر الكتيابي ، والدكتورة عفاف البصير ، ولفيف من الأصدقاء والقراء المتميزين، إضافة إلى حديث الكاتبة عن تجربتها في الكتابة ، وحكاياتها مع الأبطال والشخوص والأسماء التي أطلقتها عليهم .
فتح الجميع قلوبهم وعقولهم للنص الروائي ، وتحدثت رفيقة درب للكاتبة ، وألمحت إلى أن سيرتها الذاتية وحياتها كأم مثالية وبطلة مجهولة من بطلات السودان تستحق التكريم ، وكيف عاشت سيرتها وسيرة أسرتها الصغيرة لتُصبح أنموذجاً للنجاح .
أضاءت الروائية ” نائلة فزع ” بروايتها طريقاً كُنا نحسبه غارقاً في عتمة الغموض ، فأضحى اليوم شمساً في رابعة النهار .

عبد الله الشقليني
119/9/2013

abdalla shiglini [abdallashiglini@hotmail.com]

Advertisements