نصاً.. كما حدث ـ ذكرى محمد نادر

ذكرى محمد نادركان العام 2008 في بدايته .. ولم أكن قد أعتدت غربتي ” ولن اعتادها كما يبدو لي” وأخبار الوطن يقطر منها الدم !
كان البرد على أشده في شهر فبراير والثلوج تغطي اكتاف الشوارع, ومنظر الاشجار حزين كانه متآخيا معي..
وقفت أمام موقف انتظار الحافلة, حيث تجمع بعض الناس.. لحظتها تقدم مني رجل في مقتبل العمر يبدو ثملا وهو امر معهود في ايام العطل الاسبوعية.. رفع في وجهي علبة البيرة قائلا: بصحتك جميلتي !
ابتعدت عنه خطوتين نحو حشد المنتظرين.. فتقدم مني مرة اخرى قائلا : لا تخافي مني رجاءا .. واضاف : أنا امريكي !
عبارة قد تبدو عادية للتعريف في اوربا للدخول بأي حوار عادي, لكنها كانت بالنسبة لي كافية جدا لان تعيد كل ما فعلته الوغدة امريكا.. صيحات الاطفال الفزعة.. صوت القنابل.. رعب طائرات ب 52 القاصفة عن بعد.. طلعات الاباتشي وهي تحصد المارة والهاربين بين الحقول.. منظر جثث الجنود الذين لم تبقِ منهم قنابل الهيل فاير سوى اسمالهم .. المقابر التي لم تكف يوما عن استقبال طوابير القتلى.. جوع الحصار وتوابيت الاطفال الصغيرة كعصافير محنطة !
نظرت في وجهه الى عينيه مباشرة ولا اذكر حينها هل ارتجف صوتي من حنق أم حزن , ام من كليهما ,حين رددت عليه : وانا عراقية !
في لحظة مباغتة لم تخطر على بالي او على بال من كان يرقب معي ردة فعله.. القى بعلبة البيرة بعيدا.. ثم اقعى على ركبتيه .. كان صوته مسموعا واضحا وجليا للجميع: fuck me … Falouja
كانت جملته كافية لاثارة انتباه كل الواقفين الى جواري , وضع راحتيه على الرصيف فغاصتا ببقايا الثلج واضاف: كنت بالفلوجة !
ثم نهض واقفا ومد يده طلبا لمصافحتي .. نظرت اليهما وانا اتساءل : ترى كم مرة ضغط على زناد بندقيته ليقتل أحد ضحايانا؟ وكم مرة اشترك فيهما بتعذيب سجين؟ كم مرة نهش بهما جلد اسير من اسرى ابو غريب ؟
تراجعت عنه غاضبة.. وانا أشد على قبضتي داخل جيبيّ معطفي, خفت ان تخونني كفي فتلومني يوما اصابعي !
تقدم نحوي وهو يتمتم وسط اندهاش الحاضرين: اعرف انك لن تقبلي مصافحتي!
من خلفي جاء صوت امرأة لتقول بالانكليزية : أمريكا مجرمة. فهمهت اصوات اخرى بالتاكيد.
كانت ثمالته قد زادت فراحت الكلمات تتعثر فوق شفتيه : اتقبلين دعوتي لفنجان قهوة؟ هززت رأسي بالرفض.. فأكمل عبارته: على الاقل لاعبر لك عن مقدار اسفي.. انا لست فخورا بأني كنت جنديا بقتال الفلوجة.. أقسم لك انني لست انسانا سيئا !
صعدنا جميعنا للحافلة التي توقفت امامنا فيما تخلف هو ..لكنه أمسك بباب الحافلة ثم كرر قائلا : انا اعتذر.. !
لم اجبه.. لكني لمحت دموعا نادمة في عينيه.
افكر الان بالجنود العراقيين الذين يقاتلون بأوامر من المالكي بني جلدتهم بالفلوجة, ترى هل سيشعرون بالندم لما يقترفونه .. وهل سيتسع لهم الوقت يوما ليقدموا عتذارهم للوطن !

" اعتذر منكم ,لكلمة بذيئة جاءت بالنص اعلاه على لسان الجندي الامريكي.. لكني توخيت دقة عرض الحادثة"

Advertisements

رد واحد

  1. مررت للتحية ايتها الرائعة,واتمنى لو التقينا ثانية..ولنا الله ياعرب../الاديبة الباحثة :ريمه الخاني

    إعجاب

التعليقات مغلقة.